مركز الدراسات والبحوث في القضايا النسائية في الإسلامقراءة في كتاب

صورة المرأة في الحديث النبوي للمؤلفة: رزان عبده الحكــــيم

 مونية الطراز

هو من منشورات دار الفكر دمشق، طبع سنة 1429- 2008، و من الإصدارات القيمة التي تناولت موضوع المرأة وصورتها في كتاب الله وفي كلام رسول الله.
قدّم للكتاب الدكتور العلامة نور الدين عتر الذي أشاد بمجهود الكاتبة فيه وبحسن فهمها للأحاديث في ضوء الدلالة العامة للسنة والدلالة النفسية التي يرمي إليها.
يقع الكتاب في 336 صفحة، ويتكون من مقدمة وخمسة فصول وخاتمة.
في المقدمة، أوضحت الكاتبة تميّز صورة المرأة في الحديث النبوي عن صورة النساء لدى سائر البشر لكونها مستمدة من الرسالة الربانية وتوجيهات حاملها، حيث حملت تلك السمات الإنسانية، العالمية، الواقعية، المثالية، الصادقة، الواضحة، البسيطة والعفوية. وقد أشارت في هذه المقدمة إلى الفكرتين الرئيسيتين اللتين بَنَت عليهما البحث:
الأولى: تتعلق ببيان تميّز المرأة في المنظور الإسلامي، لكونها إنسانا له حقوق، وأمَة الله التي تتحمل الواجبات.
 والثانية:  تتعلق بالشمول الذي يجب أن يكتنف صورة المرأة في الحديث النبوي، حتى تكون النظرة إليها صحيحة.
وفي الفصل الأول الذي جاء تحت عنوان: “المرأة في المنظور النبوي الإنساني العام“ركزت الكاتبة على أن منطلق حديث النبي صلى الله عليه وسلم هو الإنسانية لا الأنوثة، فهذه المقاربة هي التي ساهمت – حسب الكاتبة – في تشكيل نظرة جديدة ومغايرة شبهتها بحالة الانقلاب، فالحديث النبوي أحدثَ قطيعة حقيقية مع السائد القديم، وأخرج إلى الوجود وضعا جديدا ومختلفا اختلافا كليا عما كانت عليه أوضاع المرأة في العصور والأمم السابقة.
وقد تجلى المنظور النبوي الإنساني العام – حسب الكتاب – من خلال التصريح بحب النساء، والوصية بهن، وبيان خَلق المرأة، وإبراز بعض الصفات الفطرية فيها. ففي سبيل بيان ذلك قامت الكاتبة بدراسة للأحاديث الواردة في المسألة، وخلصت إلى أن البيان النبوي قرّر الأصل الإنساني الواحد لكل من الرجل والمرأة، و في هذا الصدد شرحت ما تعنيه النفس الواحدة، وما يترتب على ذلك من وحدة وتكامل ومودّة، ثم بيّنت من جهة أخرى إقرار البيان النبوي لمبدأ حب النساء المبني على المودة والعطف والتعاون والاحترام، وكذا وصيته صلى الله عليه وسلم بهن، وساقت بالمناسبة أحاديث للبيان.
 ومن جهة أخرى عالجت الكاتبة أحاديث مختلفة تشد في مجملها على ثبات بعض الصفات الفطرية والأصيلة في المرأة وتطرقت إلى بعض ما سيق بخصوصها من أحاديث يمكن أن تفهم خطأ، وأوضحت أن الأصل في تلك الصفات أنها تجعل المرأة مختلفة لا محتقرة، وبينت أنها تختزن في اختلافها مواطن قوة مهمّة كالعاطفة والقدرة على التأثير في الرجل.
هذا وإن الباحثة لم تكتف بالوقوف عند مضمون الأحاديث، بل وقفت أيضا على بعض السمات التي ميزت وسائل التعبير المختارة فيها والتي لاءمت المعاني وخدمت دلالاتها وقد ذكرت من ذلك كثرة صيغ التوكيد في الحديث النبوي، وكذا التفضيل، وورود صيغة البناء للمجهول، وتوليد الجديد من المفردات والتراكيب، إلى جانب الصرامة وشدة اللهجة التي ميزت بعض الأحاديث مع ما عرف عن النبي صلى الله عليه وسلم من اللين والرحمة، وذلك عندما يتعلق الأمر بتضييع الحقوق. وقد توجت الكاتبة مجهوداتها بفحص صيغ النصوص من خلال الوقوف على معاني خفية لا تفصح عنها ظواهر الألفاظ، كما تطرقت إلى المعاني التي تفيض بها الأحاديث وتقترن بها كصفة لازمة، وكشفت أن ذلك يفسر جوامع الكلم التي أوتيها النبي، ثم أوضحت في الأخير كيف تتضافر هذه المعاني المتفرقة في الأحاديث لتشكيل وحدة متكاملة ينتفي التناقض عنها.
أما الفصل الثاني من الكتاب فقد ركز على صورة المرأة في المنظور النبوي الخاص، وفيه عمدت الباحثة إلى تصنيف الأحاديث النبوية الواردة في النساء إلى ثلاثة أزمة مثلت بالنسبة للنبي الماضي والحاضر والمستقبل، وفي هذا قدمت صورة نساء الأمم الماضية وصورة نساء عصر النبوة ثم صورة نساء الدار الآخرة، ومن خلال هذه الأزمنة الثلاثة، سعت الكاتبة إلى التمييز بين صور المرأة في الأحاديث ضمن هذه الأزمنة، وما يلزم ذلك من معاني.
وقد خصّصت الباحثة الفصل الثالث من هذه الدراسة المتميزة للحديث عن صورة المرأة في الأسرة ففيه عالجت بعض الأحاديث التي تصور بناء المرأة ” الإنسان” داخل البيت وخارجه وبيّنت من خلال التحليل كيف يسهم هذا البناء في إعداد امرأة مؤهلة لمهمة الخلافة في الأرض، وكيف ينظم حركتها وسط من حولها ويبين واجباتها أمة لله حسب ما يقتضيه وضع العبودية لله، وحقوقها إنسانا وما يعنيه ذلك من تكريم وتشريف.
وقد سعت الكاتبة رزان إلى بيان صورة بناء المرأة الإنسان أمة لله داخل الأسرة من خلال مراحل ثلاثة عرضتها كما يلي:
مرحلة الأخذ، وهي فيها بنت، يطالب البيان النبوي بحق رعايتها مرغبا بجزيل الثواب.
مرحلة التبادل، تصبح المرأة فيها زوجا وتتعرض لظروف مختلفة قبل الزواج وفي أثنائه وبعده، وقد تراوح الكلام عليها في الحديث الشريف بين بيان للواجبات ومطالبة بالحقوق.
مرحلة العطاء الفطري التي تتوج جميع ما سبق، يعرض البيان النبوي فيها صورا من عاطفة الأمومة ويتوجه بالقسم الأكبر من الأحاديث الشريفة إلى الكلام على بر الأم مفردة وبر الوالدين.
أما الفصل الرابع فقد كشفت فيه الكاتبة عن صورة المرأة في الحياة العامة كما ينقلها الحديث، حيث بيّنت كيف تابع البيان النبوي تكريم المرأة وتوجيهها وهي تنطلق في مجالات الحياة كلها، حيث أفسح لها مكانا مرموقا وضروريا في آن معا. وأكدت أنه على رأس تلك المجالات يوجد التعليم والاقتصاد والسياسة، وهذا ما تعكسه في الحديث النبوي –حسب الكاتبة- الصور التالية:
صورة تعليم المرأة.
صورة خروج النساء إلى الجماعات.
ملامح من حياة المرأة الاقتصادية والاجتماعية.
ملامح من حياة المرأة في مجالي القصاص والحروب.
في نهاية هذا الفصل خلصت الكاتبة إلى نتيجة واضحة مفادها أن المرأة في واقع الاضطهاد إذا تعهدها المجتمع بالرعاية والتوجيه إلى أن تثق بنفسها وتدرك مهمتها الرئيسية، وشجعها -إلى جوار ذلك – على المشاركة في مجالات الحياة كافة مشاركة فعلية مجدية، كما فعل معها التشريع، وصلت إلى إنجاز نموذج أم سُليم، والمرأة بطبيعتها تمتلك قوة جبارة هي تلك العاطفة الصادقة الدافعة، فإذا ما توجهت بها إلى خالقها لشحنها من مصدرها وموجدها، فستعكس حينئذ نموذج المرأة الناجحة التي أنشأتها تربة النبي الصالحة، وهذا نموذج متكرر حسب الكاتبة صوره مختلفة تتنافس في جمالها وكمالها ابتداء بنساء عصر النبوة وفي مقدمتهن نساء آل البيت إلى أصغر امرأة ربّتها يد النبوة في عصرنا الحاضر.
أما الفصل الخامس والأخير من هذا الكتاب فقد قدّم صورة المرأة في الحديث المردود، حيث تطرقت فيه الكاتبة إلى خطورة استمداد هذه الصورة وأثرها على الواقع، وقد بسطت لهذا الموضوع مقدمات حول الحديث المردود تبين أنه المقصود به الموضوع أو شديد الضعف، ومن هذا التوضيح انتقلت إلى بيان أسباب الوضع وإلى جهود العلماء في التصدي للظاهرة، وختمت بعرض أسماء أشهر ما كتب في الموضوعات من الحديث.
وقد عرض هذا الفصل ضمن ثلاثة أقسام:
 القسم الأول يستنتج صورة للمرأة من بعض الأحاديث الموضوعة شديدة الضعف
والقسم الثاني: بين الفروق الواضحة بين صورة المرأة في الحديث المردود وصورتها في الحديث الصحيح.
 وأما القسم الثالث: فقط خصصته الكاتبة رزان إلى الحديث عن بعض نتائج الإسهامات الأدبية وكيف أسهمت في تشويه صورة المرأة من خلال نقل صور قاتمة من الحديث النبوي، والنبي منها براء.
وفي خاتمة مؤلفها قدمت الباحثة رزان خلاصة عامة عن نظرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المرأة، استقتها مما جمعته من أحاديث صحيحة وكأنها تسهم بما يمكن أن يبني تصورا إسلاميا سليما حول المرأة في الإسلام إلى جانب إسهامات الآخرين.

نشر بتاريخ 23 يناير 2012

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق