مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكدراسات محكمة

سؤال التقريب في الفقه المالكي

وفي إطار استئناف سؤال التقريب في المذهب المالكي، طور المالكية مفهوم عمل أهل المدينة، وربطوا الفقه بواقعه العملي، واهتموا بالجانب التطبيقي للأحكام الشرعية، فصنفوا في الوثائق والشروط، وبفقه العمليات أو ما جرى به العمل، وبالفتاوى والنوازل. واستأنفوا سؤال التقريب أفقيا وعموديا على مستوى النصوص المنقولة عن أئمة المذهب ورواته، فأعادوا النظر في قواعد الترجيح بين الروايات والأقوال بناء على ما تم ترسيخه داخل المنظومة المذهبية، وأصبح سلم الترجيح كالآتي:

1 ـ قول الإمام مالك الذي رواه ابن القاسم في المدونة.

2 ـ قول الإمام مالك الذي رواه غير ابن القاسم في المدونة.

3 ـ قول ابن القاسم في المدونة.

4 ـ قول غير  ابن القاسم في المدونة.

5 ـ قول الإمام مالك الذي رواه ابن القاسم في غير المدونة.

6 ـ قول الإمام مالك الذي رواه غير ابن القاسم في غير المدونة.

7 . قول ابن القاسم في غير المدونة.[11]

8 . أقوال علماء المذهب.

وهذا التصنيف يبرز مركزية الروايات والأقوال المنقولة في المدونة دون التفات إلى الراوي، ومن ثم فرواية غير ابن القاسم في المدونة مقدمة على رواية ابن القاسم في غير المدونة، بل إن هذا التصنيف سيجعل المدونة تقدم على الموطأ باعتبار تأخر المدونة عن الموطأ؛ إذ اتفق المالكية “على أن رواية ابن القاسم في المدونة تقدم على كل ما يخالفها”[12]؛ “لأنه كان عالما بالمتقدم من قوله (مالك) والمتأخر، ولما وقع الاتفاق على الثقة بعلمه وورعه، علم أن ما أجاب في المدونة إلا بما يرى أنه يسعه من الله تعالى أن يحمل الناس على العمل به، وغلب على الظن أنه إنما يجيب في المسائل بقول مالك الأخير حيث يختلف قوله”[13] .

وأمام تراكم الاجتهادات المتعارضة في المسألة الواحدة، اعتمد المالكية معيارا وقانونا تُقدم به الآراء الفقهية، وهو كالتالي:

1 ـ إذا قوي دليل المسألة فهو الراجح.

2ـ إذا كثر القائلون بالرأي الفقهي فهو المشهور، وبعضهم قد يجعله مرادفا للراجح. وقد يعتبر البعض رواية ابن القاسم عن مالك في المدونة.

3 ـ وإذا لم يقو دليل القول فهو ضعيف وهو نوعان: ضعيف نسبي وضعيف المدرك، فالأول هو الذي عارضه ما هو أقوى منه فيكون ضعيفا بالنسبة لما هو أقوى منه، وإن كان له قوة في نفسه، والثاني -أي ضعيف المدرك – هو الذي خالف الإجماع أو القواعد أو النص أو القياس الجلي، فيكون ضعيفا في نفسه.

4 ـ وإذا لم يكثر القائلون بالرأي الفقهي فهو الشاذ.

5 ـ وإذا تعذر الترجيح بين القولين بأن يكونا في مرتبة واحدة من جهة القولين في ذاتهما ومن جهة قائلهما فهو القول المساوي لمقابله[14].

ولم يكتف العلماء المالكية بتقريب الأقوال، بل امتد هذا الجهد إلى المدارس المالكية: فإذا اختلفت هذه المدارس في تشهير قول دون آخر، ما القول الذي يقدم؟

والجواب أنه إذا اختلف المصريون والمدنيون، قدم المصريون غالبا؛ لأن منهم أعلام المذهب ابن القاسم وابن وهب وأشهب، وإن اختلف المدنيون والمغاربة قدم المدنيون؛ لأن منهم الأخوان مطرف وابن ماجشون. وإذا اختلف المغاربة والعراقيون قدم المغاربة؛ لأن منهم  الشيخين ابن أبي زيد القيرواني وأبا الحسن القابسي ولاعتمادهم على رواية ابن القاسم [15].

وامتد هذا التقريب إلى الترجيح بين الأقوال التي شهرها شيوخ المذهب، فابن رشد والمازري وعبد الوهاب متساوون في التشهير[16]. وابن رشد يقدم تشهيره على كل من ابن بزيزة[17] وابن يونس واللخمي.

وتقديم ابن رشد مقيد بأنه فيما عدا ما نبه الشيوخ على ضعف كلام ابن رشد فيه[18].

والخلاصة أن منهج التقريب تأليفا وموضوعا أصبح منذ القرن السابع يسير وفق منهجين:

– منهج متابعة التلخيص والتحرير والتهذيب لمسائل الأحكام وتنقيح الروايات والأقوال، والنظر في الموروث العلمي قبل هذه الفترة بالترجيح والتشهير، وجمع ذلك في مصنفات موسوعية منظمة مرتبة، أو اختصارها في مختصرات جامعة، وهذا المنهج يعتبر تقنينا للأقوال داخل المذهب على اعتبار أن هذه المختصرات حررت على طريقة “الاكتفاء بأقوال تُثبت: هي الراجحة المشهورة، وأقوال تُلغى: هي التي ضعفها النظر في الدور الماضي باعتبار أسانيدها، أو اعتبار مداركها، أو باعتبار قلة وفائها بالمصلحة التي تستدعيها مقتضيات الأحوال”[19].

وإذا كانت بعض المختصرات قد تميزت بوضوح التعبير وضوحا لا يحتاج في فهمه إلى زيادة شرح أو إيضاح[20]، فإن مختصرات أخرى خرجت عن هذا المنهج؛ مما حذا ببعض العلماء المؤرخين للفقه الإسلامي إلى اعتبار هذا المنهج من أسباب هرم  الفقه المالكي[21].

– والثاني: منهج التفاصيل في الصور العملية لمسائل الأحكام، والتوثيق والتحقيق في جزئيات المسائل العلمية التي طفحت بها كتب الفتاوى والرسائل[22].

واليوم نحتاج لاستئناف سؤال التقريب، وتحديد المنهج في تقويم هذه الجهود على مستوى النظر والعمل.

(أصل هذه الدراسة مقال منشور بمجلة الغنية العدد الرابع)

الهوامش:


[1]  ـ ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام  مذهب مالك، القاضي عياض ، تحقيق علي عمر، دار الأمان ، الرباط، المغرب،2008،  ج.2، ص117.

[2]  ـ ترتيب المدارك، ج3، ص378.

[3]  ـ تبصرة الحكام في أصوال الأقضية ومناهج الأحكام ، ابن فرحون إبراهيم بن علي محمد اليعميري المالكي، ط1، تصوير مصر المحمية، المطبعة العامرية، 1301هـ.، 1/ 49.

[4]  ـ فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك، للشيخ عليش، الطبعة الأخيرة، القاهرةّ، مصطفى البابي  الحلبي، 1378ـ1958/1/ 73 .

[5]  ـ أزهار الرياض في أخبار عياض لأحمد بن محمد المقري  التلمساني، المغرب ، الرباط، اللجنة المشتركة لنشر التراث الإسلامي بين حكومة المملكة المغربية وحكومة دولة  الإمارات العربية  المتحدة، 3/22.

[6]  ـ أزهار الرياض3ّ/22.

[7]  ـ  أزهار الرياض، 3/22، أعلام الفكر الإسلامي في تاريخ المغرب العربي،  ، محمد الفاضل ابن عاشور ، تونس، مكتبة النجاح،  ص.54.

[8] ـ ومضات فكر، محمد الفاضل ابن عاشور ، تونس، الشركة التونسية لفنون الرسم 1981، ص./68ـ69

[9]  ـ محاضرات في تاريخ المذهب المالكي للمرحوم عمر الجيدي، الدار البيضاء، منشورات عكاظ، مطبعة النجاح الجديدية، 1986،  ص131.

[10] ـ  التفريع لابن الجلاب ،مقدمة المحقق 1/111، اصطلاح المذهب عند المالكية، محمد إبراهيم علي، دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث، الإمارات العربية المتحدة، الطبعة الأولى 2000 ص207.

[11]  ـ  المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى علماء افريقية والأندلس والمغرب، الونشريسي أحمد بن يحيى، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1401هـ ـ 1981م، 12/13 . كشف النقاب الحاجب عن مصطلح ابن الحاجب، لابن فرحون، ط.1، دراسة وتحقيق حمزة أبو فارس  عبد السلام الشريف، بيروت ، دار الغرب الإسلامي1990،ص68.

[12]  ـ  فتح العلي 1/106.

[13]  ـ كشف الحجاب4/68،  تبصرة الحكام1/47ـ49.

[14]  ـ حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، الدسوقي محمد بن عرفة، دار الفكر للطباعة والنشر والتزيع، 1/20، نظرية الأخذ بما جرى به العمل، عبد السلام العسري ص36.

[15]  ـ حاشية  العدوي على  الخرشي على خليل 1/49، الشرح الكبير للدردير2/482، تبصرة الحكام1/50، المعيار المعرب12/23.

[16]  ـ  مواهب الجليل لشرح  مختصر خليل، الحطاب أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي 1/ 36

[17] ـ  -عبد العزيز بن إبراهيم بن أحمد القرشي التونسي عرف بابن بزيزة، الإمام المشهور كان في درجة الاجتهاد، توفي في سنة 662 وقيل 663 وقيل 673. نيل الابتهاج  بتطريز الديباج، التنبكتي أبو القاسم أحمد بن  أحمد عرف ببابا  التنبكتي، بيروت، دار  الكتب العلمية، ص.178ّ، شجرة النور الزكية في طبقات المالكية،  مخلوف محمد بن محمد، الطبعة الأولى، مصر السلفية ومكتباتها، 1349،  بيروت، دار  الكتاب العربي اللبناني، ص.190.

[18]  ـ  نيل الابتهاج ، ص171. وهذا الترتيب الذي ذكره العلماء ليس مجمعا عليه، فهناك من العلماء من خالف في بعضها، كما أن لها استثناءات منصوصا عليها في الفروع، فالشيخ خليل اختار في مختصره كلام اللخمي دون ابن رشد مع وقوفه على كلامهما في ذلك  الموضع.( نيل الابتهاج، ص172)

[19]  ـ أعلام الفكر الإسلامي” ص 70.

[20]  ـ مواهب الجليل،1/24.

[21]  ـ الفكر السامي، لمحمد بن الحسن الحجوي ، الطبعة الأولى، خرج أحاديثه وعلق عليه عبد العزيز عبد الفتاح القاري القاهرة، دار مصر ، للطباعة،  1396،  2/398.

[22]  ـ  ومضات فكر 2/ 72.

الصفحة السابقة 1 2
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق