مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكدراسات محكمة

سؤال التقريب في الفقه المالكي

لم ينقطع سؤال التقريب في المذهب المالكي منذ أن أرسى معالمه الإمام مالك ـ رحمه الله ـ حتى قيل: “كان علم الناس في ازدياد، وعلم مالك في نقصان”.

وهي مقولة تعكس وعي الإمام مالك ـ رحمه الله ـ بسؤال التقريب في أبعاده المعرفية، ولعل في مناظرة المغيرة لأبي يوسف ما يدل على تفطن الإمام مالك لآليات التقريب، فقد سأل المغيرة مالكا: كيف رأيت مناظرتي للرجل؟ (أي أبي يوسف)

قال مالك: رأيتك مستعليا عليه، غير أنك تنزل.

قال المغيرة: وما هو؟

قال: كنتَ إذا ظهرت عليه في المسألة فظافرته أخرجك إلى غيرها وتخلص منك بذلك،  وكان  ينبغي لك ألا تفارقه فيها حتى تفرغ منه.”[1]

وقد رسخ مالك هذا التقليد في المدرسة المالكية حتى أصبح كل من رام التأليف يستحضر أسئلة التقريب، واستوت في ذلك جل المصنفات، سواء في ذلك المطولات، والمختصرات، والمنظومات، والحواشي، وكتب التدليل، وكتب الفروع.

ويصور هذه الحقيقة يحيى بن يحيى الليثي فيقول:

” كنت آتي عبد الرحمن بن القاسم فيقول لي: من أين يا أبا محمد؟ فأقول: من عند عبد الله بن وهب، فيقول: اتق الله؛ فإن أكثر هذه الأحاديث ليس عليها العمل.

ثم آتي عبد الله بن وهب فيقول لي: من أين؟ فأقول: من عند ابن القاسم. فيقول لي : اتق الله يا أبا محمد، فإن أكثر هذه المسائل رأي.

ثم يفسر يحيى ـ رحمه الله ـ منهجهما فيقول: “رحمهما الله فكلاهما قد أصاب في مقالته: نهاني ابن القاسم عن اتباع ما ليس عليه العمل في الحديث وأصاب، ونهاني ابن وهب عن غلبة الرأي وكثرته، وأمرني بالاتباع وأصاب”[2].

والناظر في مصنفات المالكية وفي التطورات التي عرفها المذهب المالكي يلحظ استئناف سؤال التقريب، وتمخض عن هذا التقريب ظهور المدارس المالكية المشهورة: (مدرسة المدينة المنورة، والمدرسة العراقية، والمدرسة المصرية، والمدرسة المغربية (القيروان ـ فاس)، والمدرسة الأندلسية، وتم تدوين السماعات والآراء الفقهية المروية عن تلاميذ الإمام مالك. ولعل من أشهر هذه السماعات: سماعات عبد الرحمن بن القاسم، وسماعات أشهب، وسماعات ابن وهب، وسماعات ابن عبد ابن الحكم ، وسماعات ابن الماجشون.

وقد جُمعت هذه السماعات والآراء في كتب اصطلح على تسميتها أمهات المذهب ودواوينه.

وفي إطار الممارسة التقريبية للمذهب المالكي، استأنف علماء المالكية سؤال التقريب، لتترسخ معه معالم جديدة للمنهج التقريبي عند المالكية، سواء على مستوى تنظيم الروايات والسماعات واعتمادها على المستوى الرسمي والقضائي كما في سماعات ابن القاسم، كقولهم: “إذا اختلف الناس عن مالك فالقول ما قال ابن القاسم:” [3]

أو على مستوى قواعد الترجيح، كتقديمهم لما يرد في كتاب الموطأ والمدونة على سائر الكتب، وتقديمهم لقول مالك وقول ابن القاسم على بقية آراء تلاميذ الإمام مالك، وهو ما يقرره لنا الهسكوري في قوله: “إنما يُفتى بقول مالك في الموطأ، فإن لم يجده في النازلة، فبقوله في المدونة، فإن لم يجده فبقول ابن القاسم فيها. وإلا فبقوله في غيرها، وإلا فبقول الغير فيها، وإلا فأقاويل أهل المذهب.”[4]

أما الممارسة التقريبية على مستوى التصنيف والتدريس، فقد تفتق عنها منهجان: أحدهما اصطلح عليه بالاصطلاح العراقي والثاني اصطلح عليه بالاصطلاح قروي.

فالاصطلاح العراقي (نسبة إلى مدرسة العراق) حيث جعل أصحابه في مصطلحهم مسائل المدونة كالأساس، وبنوا عليها فصول المذهب في الأدلة والقياس. ولم يعرجوا على الكتاب بتصحيح الروايات، ومناقشة الألفاظ، ودأبهم القصد إلى إفراد المسائل، وتحرير الدلائل على رسم الجدليين وأهل النظر من الأصوليين”[5]

أما الاصطلاح القروي(نسبة إلى القيروان) فقد اهتم أصحابه بالبحث عن ألفاظ الكتاب، وتحقيق ما احتوت عليه بواطن الأبواب، وتصحيح الروايات، وبيان وجوه الاحتمالات، والتنبيه على ما في الكلام من اضطراب الجواب، واختلاف المقالات، مع ما انضاف إلى ذلك من تتبع الآثار، وترتيب أساليب الأخبار، وضبط الحروف على حسب ما وقع في السماع، وافق ذلك عوامل الإعراب أو خالفها.[6]

وقد أدى الاتصال والتقارب بين العلماء على مستوى الرحلات العلمية، إلى تمازج المنهجين في مصنفات المالكية، حيث سيشكل القاضي عياض نموذجا واضحا لهذا التمازج في كتابه التنبيهات الذي شرح به المدونة، ففيه جمع القاضي عياض بين الطريقة العراقية التي تعتمد على القياس والتأصيل، وتحقيق المسائل، وتقرير الدلائل، والطريقة القروية التي تعتمد على الضبط والتصحيح وتحليل المسائل والمباحث، واختلاف التخاريج والمحامل، زيادة على ما أضفى عياض على هذا الجمع من متانة التقرير، ووضوح العبارة وإحكامها.[7]

ولم يقف سؤال التقريب عند هذا المستوى، بل التفت فقهاء المذهب المالكي إلى أمهات المذهب ودواوينه، وإلى ما كثر فيها من التخاريج وأقوال أهل المذهب. فقاموا بمهمة “الضبط وتجديد التلخيص والتهذيب حتى تتحد الصور، وينسجم التعبير، ويأتلف ما تفرق من الأسمعة، ويجتمع ما تشتت من الأقوال.”[8]

وبهذا الجهد دخل التقريب في مرحلة تميزت مصنفاتها بالتهذيب والتنقيح، وتنظيم وترتيب المادة الفقهية. وعرف المنهج في هذه الفترة بمنهج المختصرات، ومختصرات هذه المرحلة كان لها “طابع خاص يختلف شكلا ومضمونا عما آل إليه الوضع في العصور المتأخرة”[9] ؛ فهي تمتاز بطرق تقريب جديدة، نتج عنها ظهور مصنفات جديدة التزم فيها أصحابها الصياغة الجديدة  والمنظمة للأقوال الفقهية في المذهب، مع التخريجات والترجيحات الممثلة لمنهج مدرسة معينة داخل المذهب المالكي، ومن أشهر الكتب الممثلة لهذا الاتجاه الرسالة لابن أبي زيد القيرواني، والتفريع لابن الجلاب، والتلقين للقاضي عبد الوهاب.[10]

1 2الصفحة التالية
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق