مركز الإمام أبي عمرو الداني للدراسات والبحوث القرائية المتخصصةدراسات عامة

رسالة ابن أبي زيد القيرواني: إيرادات وأجوبة (3)

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده

وبعد فهذه أوراق في محاولة الذب عن هذا العلق النفيس «متن الرسالة» من خلال أجوبة عن إيرادات عليه تغض من قيمته الفقهية، وتزري بمكانته الاجتهادية؛ استنادا إلى تمهيد أسست على متين بنيانه إيرادات قادحة، سنوردها  بعده واحدة واحدة محاولين تثويرها والإجابة عنها:

وقد أنيخت مطايا النظر في رحاب الإيراد الثالث، ومفاده أن الناظر في مؤلف الرسالة لا يلفي إلا تلخيصا لمسائل محررة في المذهب، منقحة في أصوله من كتب الأصحاب، وغاية صنيع الشيخ تلخيص ما هذبه القوم بالغ تهذيب، وبه ينتفي أثر الملكة في الجمع والتفريق، والتعليل والترجيح، والتصحيح والإفساد..، ولهذا السبب أنحى على المتأخرين المختصرين ابن خلدون في مقدمته فقال: «ذهب كثير من المتأخرين إلى اختصار الطرق والأنحاء في العلوم يولعون بها، ويدونون برنامجا مختصرا في كل علم.. وهو فساد في التعليم، وفيه إخلال بالتحصيل»([1])

وجوابه أن التلخيص من أقصد مقاصد التأليف؛ قال ابن خلدون في معرض حديثه عن مقاصد التأليف السبعة التي ذكر أرسطو: «وسابعها: أن يكون الشيء من التواليف التي هي أمهات للفنون مطولا مسهبا، فيقصد بالتأليف تلخيص ذلك بالاختصار والإيجاز وحذف المتكرر إن وقع، مع الحذر من حذف الضروري؛ لئلا يخل بمقصد المؤلف الأول»([2]) فهو من الاستصلاح العام في التعليم؛ تيسيرا على المبتدئ، وتذكيرا للمنتهي برؤوس المسائل؛ إذ الأمهات ـ كما ذكر ابن خلدون ـ ذات شعب وفروع يتيه الناظر في خلالها، ولا يكاد يهجم على المقصد المروم من أبوابها؛ لكونها حوت روايات الإمام وأقوال الأصحاب المعتمدة والمرجوع عنها، كما ضمت بين دفتيها تأويلات الأتباع وتخريجاتهم التي قد تصل إلى حد التدافع والتعارض، فهي مجمع فقه المذهب، وملتقى مسائله، ومن العسير جدا وقوف المبتدي والمتوسط فيها على غرضه: ومن أهمها في مذهبنا المدونة لسحنون (240هـ) والموازية لمحمد بن المواز (269هـ) والواضحة لعبد الملك بن حبيب (238 هـ) والمبسوطة للقاضي إسماعيل (282هـ) وسواها من أمهات المذهب: ولهذا يعمد الملخص إلى أهم مسائلها فينظمها في عبارة سهلة سلسة واضحة، وذلك عين صنيع الشيخ في رسالته؛ فقد استل أهم مسائل المدونة وجعلها في أربعة آلاف مسألة تبصرة للمبتدي، وتذكرة للمنتهي فأضحت زبدة المذهب، وعمدة المالكية، حتى عدت الكتاب الثالث بعد الموطإ والمدونة من حيث الأهمية والتداول، وبذل في سبيل حيازتها وزنها ذهبا([3])

فالتلخيص فن لا يستطيعه إلا من له ملكة يقتدر بها على اقتباس المهمات، ونظمها في كليات، وبسطها في أوضح عبارة، وأندى أسلوب، فمن جمع في اختصاره الاستقصاء في الوصف، والتحرير في المعنى، والإيجاز في اللفظ فقد بلغ الغاية في التصنيف، وذلك ما نلمس في ثنايا هذا العلق النفيس، ولنا للتدليل على ما زعمناه نصوص ثلاثة، بلغت الغاية في الإيجاز، والذروة في التحرير، على جزالة في المعنى:

أولها: «ويكره في كل مسجد له إمام راتب أن تجمع فيه الصلاة مرتين»([4])

وثانيها: «وكل سهو سهاه المأموم فالإمام يحمله عنه إلا ركعة أو سجدة أو تكبيرة الإحرام أو السلام أو اعتقاد نية الفريضة»([5])

وثالثها: «ومن ذكر صلاة في صلاة فسدت هذه عليه»([6])

فقد حوت هذه الجمل الوجيزة الندية هائل الفوائد، وجم القواعد، وغزير الأحكام في كلمات يسيرات، وذلك فن التهذيب، وصنعة الإيجاز التي لا ينهض بها إلا من أحكم ملكة الفقه، واستوعب الأصول والفروع، وإن شئت التفصيل لهذا القيل فلنقف معك على الجملة الثالثة:

مسألة قضاء الفوائت: فالأصل فيها حديث +من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها) ([7]) لكن لا يخلو الأمر من وجهين: إما أن يذكرها وهو في صلاة، أو في غيرها، فالثاني لا إشكال فيه، إلا أن يذكرها في وقت الصلاة فهل يبتدئ بالحاضرة أو المنسية؟ ففيه تفصيل بناء على القول بالترتيب وعدمه([8]). والأول يتفرع إلى فرعين: أن يذكرها وهو في نافلة أو فرض:

فإن كان في نفل فهل ذكرها قبل الركوع وبعد الإحرام، أو بعدما ركع: ففي الأول قولان: يقطع وهو نص المدونة، ومقابله التمادي. وفي الثاني ـ أعني ذكرها بعد الركوع ـ قولان: القطع والتمادي أيضا.

وإن كان في فرض فلا يخلو من ثلاثة أوجه:أن يكون إماما أو مأموما، أو فذا

وفي الإمام القطع قولا واحدا، وهل بسلام أو بغيره قولان، وهل تبطل صلاة من خلفه من المأمومين قولان.

وفي المأموم قولان: الأول: يتمادى مع إمامه، ثم يصلي التي نسي، ويعيد التي صلى مع الإمام في الوقت، فإن نسي إعادتها فهل يعيدها؟ قولان في المذهب. والقول الثاني: التفصيل بين أن يذكرها في وقتها كالظهر في وقت العصر، أو خارج وقتها كالصبح في وقت الظهر: ففي الأولى يقطع؛ لأن المنسية بقي وقتها، وفي الثانية يتمادى؛ لخروج وقتها

وإن كان الناسي فذا فلا يخلو أن يذكرها قبل الركوع أو بعده: وفي الأول أقوال ثلاثة: يقطع بسلام، ويقطع بركعتين، والثالث: يتمادى.

وبعد الركوع قولان: يقطع ولا يشفع، والثاني: يشفعها بركعة ويسلم

فإن كان بعد ثلاث ركعات فهل يأتي برابعة؟ قولان

وفي المسألة ذيول متناثرة في الأمهات، كالتفرقة بين الفوائت اليسيرة والكثيرة، وما هو في حيز اليسير والقليل، والتفرقة بين فائتة العمد والنسيان..([9])

ولقد نصب الشيخ حديث أبي هريرة بين عينيه فعممه في كل ما سلف، وأعمل القاعدة الفقهية: «للذكر تأثير في فساد الصلاة» فأطلق الحكم، وأحكم العبارة، ولم شعث هذه الفروع في جملة واحدة.

ومن خلال هذا المثال ندرك عمليا أن الرسالة لم تنهض بصنعة التهذيب التي هي من مقاصد التأليف فحسب، وإنما لها من المقاصد السبعة وافر الحظ، وأثيل الخلاق؛ إذ جماع ما ذكر في مقاصد التأليف آيل إلى شرح لمستغلق، وتصحيح لغلط، وتتميم لناقص، وتنظيم لغير منتظم، وجمع لمتفرق([10])، وهو متوافر كما رأيت هـهنا في هذا المثال وفيما يأتي مفصلا إن شاء الله تعالى، +وفوق كل ذي علم عليم).

 

([1]) مقدمة ابن خلدون:3/1242. وكذا الفكر السامي:2/146-147/244-245./247.

([2])  مقدمة ابن خلدون للعلامة عبد الرحمن بن محمد بن خلدون:3/1239 .

([3]) ن للتوسع في قصة ذيوعها محاضرات في تاريخ المذهب المالكي في الغرب الإسلامي للدكتور عمر الجيدي:193.

([4]) الرسالة: 56

([5]) ص 57.

([6]) ص 61.

([7]) الموطأ للإمام مالك كتاب وقوت الصلاة، باب النوم عن الصلاة، والإمام مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب قضاء الصلاة الفائتة، واستحباب تعجيل قضائها. واللفظ له.

([8]) ن للتوسع مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها للإمام أبي الحسن علي بن سعيد الرجراجي: 1/459.

([9]) راجع مناهج التحصيل للرجراجي:1/453 إلى469.

([10]) ن نص مسألة مقاصد التأليف في مقدمة ابن خلدون:3/1235 إلى 1240.

Science

د. عبد الهادي السلي

  • باحث بمركز الإمام أبي عمرو الداني للدراسات والبحوث القرائية المتخصصة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق