الرابطة المحمدية للعلماء

د. طه عبد الرحمن: الانطلاق من الثقافة الأصلية هو العامل الذي يقود إلى الابتكار والإبداع

استضاف مركز مغارب للدراسات في الاجتماع الإنساني مساء أول أمس السبت بالقاعة الكبرى بالمكتبة الوطنية بالرباط، المفكر والفيلسوف المجدد الدكتور طه عبدالرحمان ليحاضر في موضوع يحمل عنوان “سماء فارغة وعالم بلا حدود”.

وأكد رائد المنطق والأخلاقيات في هذه المحاضرة، التي تأتي في إطار اللقاء السنوي الثاني للمركز، أن الهاجس، الذي ظل يصاحبه طوال مسيرته الفكرية هو هاجس “إرجاع الثقة للمسلمين في قدراتهم على استئناف عطائهم لا على أساس أن يكون هذا العطاء مباعدا ومخاصما للآخرين، ولكن على أساس أن يكون مساهما ومحققا للإضافة في مسار الفكر الإنساني”، مشيرا إلى أنه عرضت عليه في أكثر من مرة، عروض للعمل في جامعات غربية، إلا أنه كان يأبى خدمة للغة العربية وخدمة للأمة الإسلامية.

وقال المفكر طه عبدالرحمان وسط حضور كبير ولافت من الطلبة والباحثين والأساتذة والمهتمين بالميدان، إن الانطلاق من الثقافة الأصلية هو العامل الذي يقود إلى الابتكار والإبداع في المجالات الفكرية والأدبية وغيرها من المجالات، ولا يمكن لهذا الابتكار أو الإبداع أن يكون إذا ما كان غير ذلك، مبينا أن هذا هو السبب الذي جعله يفضل الاجتهاد بلغة وأدوات الفلسفة العربية والإسلامية، ويخاطب الآخر ويحاوره انطلاقا منها.

وبخصوص انتقاده للفلسفة الغربية، ذكر المحاضر أن انتقاده لها ليس من أجل الانتقاد، ولكن من أجل أن يضع على هذا الانتقاد بناء، وأكد على أنه سيظهر هذا البناء وسيبرزه إذا ما أطال الله في عمره، معبرا في الوقت نفسه عن امتعاضه الشديد من الإشاعات التي تروجها عنه بعض الجهات من قبيل ضيق ومحدودية إنتاجه الفكري.

ومن أشد الانتقادات التي وجهها المفكر طه عبدالرحمان للحضارة والفلسفة الغربية ما قاله في ختام هذه المحاضرة “ولما تطلعت نظرية الإنسان المارد إلى وضع أخلاق المرود، جاءت هذه الأخلاق المجردة بمنزلة الحقيقة الكاشفة لطبيعة أخلاق الخروج من الدين، أي الأخلاق الدهرية، حتى ذهب “هورخيمار” max horkheimer و”أدرنو” theodor aderno إلى أن “ساد” إنما هو حقيقة “كانط” kant، بل جاء “جاك لاكان” jacques lacan من بعدهما ليذهب أبعد من ذلك، فيدعي أن “ساد” أوفى بغرض الأخلاق من كانط”، مشيرا إلى أن “هذا ‘المرود’ لم يعد يتعلق بالآحاد من الناس، بل اتسع وامتد إلى الحياة العامة” حتى “بلغ الأمر ببعض المجتمعات المتقدمة صناعيا وسياسيا أن أصدرت قوانين تشريعية ووضعت بنودا دستورية، قوانين وبنود تكفل للماردين حقوقا سادية صريحة، بدءا بخلط المياه والأرحام وانتهاء بقتل المحتضرين والمرضى الميؤوس منهم، مرورا بالزواج المثلي الذي يكرس السدومية”.

كما انتقد الفيلسوف ما سماهم بـ”دعاة التقليد في المجتمعات المتخلفة اقتصاديا وسياسيا”، الذين “لا يستحيون من اعتناق هذا التحول السادي ما بعد الدهراني كأنه فتح أخلاقي جديد”، موضحا أنهم بتصرفهم هذا “إنما يضيفون إلى تخلفهم تخلفا من فوقه، ساقطين في ما نسميه بـ’التخلف الجذري’، وهو التخلف الذي لا يبقي على أي سبب من أسباب الخروج منه، إذ تصبح العقول لا تفكر إلا بالطريقة التي تتردى به إلى الحضيض”.   

يذكر أن المفكر والفيلسوف الدكتور طه عبد الرحمان، الملقب بـ”فيلسوف الأخلاق” أحيانا، و”فقيه الفلسفة” أحيانا أخرى، الذي أصدر قبل سنتين من الآن كتاب “روح الدين: من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية”، وهو الكتاب الذي زلزل فيه لائحة من القراءات التي اشتغلت على مفهوم العلمانية، يعود هذه السنة ليصدر كتابا آخر اختار له كعنوان “بؤس الدهرانية: النقد الائتماني لفصل الأخلاق عن الدين”، يسلط من خلاله الضوء على المفهوم ذاته، ويبرز دلالته وتجلياته القريبة والمتوسطة والبعيدة المدى.

أحمد زياد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق