مركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة العطرةدراسات عامة

دلالات حديث:”ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الريان”

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.

أما بعد؛

فقد خص الله سبحانه وتعالى الصيام بالثواب الجزيل، ورتب عليه من الأجر ما لم يرتبه على سائر العبادات، وأعد للصائمين في الجنة أبوابا لا يدخل منها غيرهم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: “من أنفق زوجين في سبيل الله، نودي من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة “، فقال أبو بكر رضي الله عنه: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما على من دُعي من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يُدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ قال: «نعم، وأرجو أن تكون منهم».

ولما في هذا الحديث النبوي الشريف من فوائد وحِكم وفضائل؛ ارتأيت أن أكتب حوله مقالا أذكر فيه بعض من خرّجه، ثم أشرح معاني ألفاظه من خلال كتب شروح الحديث، مقتصرا على موضع الشاهد:”ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الريان”، ثم أختم ببيان بعض فوائد هذا الحديث ودلالاته.

فأقول وبالله التوفيق:

تخريج الحديث:

الحديث متفق عليه، أخرجه البخاري: في صحيحه، في كتاب: الصوم، باب: الريان للصائمين (رقم الحديث: 1897)(ص: 457)، ومسلم في صحيحه في كتاب: الزكاة، باب: من جمع الصدقة وأعمال البر(رقم الحديث: 1027)(1/ 455)، كلاهما من حديث الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله عنه، واللفظ للبخاري.

شرح بعض معاني ألفاظ الحديث:

-قوله صلى الله عليه وسلم (ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الريان):

  قال النووي (676هـ): “(دُعي من باب الريان): قال العلماء: سمي باب الريان تنبيها على أن العطشان بالصوم في الهواجر سيُروى، وعاقبته إليه، وهو مشتق من الرّي”[1].

وقال ابن الملقن (804هـ):”الريان: فَعلان، من الرِيّ بالكسر، هو نقيض العطش، وسمي بذلك؛ لأنه جزاء الصائمين عَلَى عطشهم وجوعهم، واكتُفي بذكر الرّي عن الشبع؛ لأنه يدل عليه من حيث إنه يستلزمه، وأفرد لهم هذا الباب ليسرعوا إلى الري من عطش الصيام في الدنيا إكرامًا لهم واختصاصًا؛ وليكون دخولهم في الجنة هينًا غير متزاحم عليهم عند أبوابها، فإن الزحام قد يؤدي إلى نوع من العطش كما خص رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق بباب في المسجد؛ يقرب منه خروجه إلى الصلاة، فلا يزاحمه أحد، وأغلق سائرها إكرامًا له وتفضيلًا “[2].

وقال ابن الملك الحنفي (854هـ) “(الريان): وهو ضد العطشان، اسمٌ لباب من أبواب الجنة”[3].

وقال أيضا: “والمعنى: أن أهل الصيام بتعطيشهم أنفسهم في الدنيا يدخلون من باب الريان، ويُسقون من ذلك الباب شرابًا طهورًا قبل تمكنهم في الجنة؛ ليزولَ عطشهم”[4].

 وقال الزرقاني في شرح الموطأ (1099هـ):” (ومن كان من أهل الصيام): المكثرين منه (دعي من باب الريان): مشتق من الري؛ فخص بذلك لما في الصوم من الصبر على ألم العطش والطمأنينة في الهواجر قاله الباجي، وقال الحربي: إن كان الريان علما للباب فلا كلام، وإن كان صفة فهو من الرواة الذي يروي، والمعنى: أن الصائم لتعطيشه نفسه في الدنيا يدخل من باب الريان ليأمن من العطش ثوابا له على ذلك، وفي التعبير بالريان إيماء إلى زيادة أمر الصوم ومبادرة القبول له، واحتمال أنه يُدعى إليه كل من روي من حوضه صلى الله عليه وسلم، رده عياض بأنه لا يختص الحوض بالصائمين، والباب مختص بهم قال: وعلى أنه اسم للباب فسمي بذلك لاختصاص الداخلين فيه بالري، قال الحافظ: فذكر أربعة أبواب من أبواب الجنة، وهي ثمانية وبقي الحج فله باب بلا شك…ويحتمل أن المراد بالأبواب التي يُدعى منها أبواب من داخل أبواب الجنة الأصلية؛ لأن الأعمال الصالحة أكثر عددا من ثمانية انتهى[5].

وقال المبارك فوري(1353هـ) :” (ومن كان من أهل الصيام): أي الذي الغالب عليه الصيام، وإلا فكل المؤمنين أهل للكل”[6].

بعض فوائد الحديث ودلالاته:

ومن فوائد هذا الحديث ودلالاته الآتي:

1-فضل الإنفاق في سبيل الله، حيث افتتح  به الحديث واختتمه به:

في الحديث بيان فضل الإنفاق في سبيل الله، قال ابن عبد البر القرطبي (463):”وفي هذا الحديث من الفقه والفضائل الحض على الإنفاق في سبيل الخير، والحرص على الصوم”[7].

2-أن أعمال البر قَلَّما تجتمع في الإنسان الواحد:

في الحديث إشارة إلى أن أعمال البر قد لا تجتمع في الشخص الواحد إلا نادرا، قال ابن عبد البر القرطبي (463):”وفيه أن أعمال البر لا يُفتح في الأغلب للإنسان الواحد في جميعها، وأن من فُتح له في شيء منها حُرم غيرها في الأغلب، وأنه قد تُفتح في جميعها للقليل من الناس، وأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه من ذلك القليل”[8].

وقال ابن حجر في الفتح (852هـ):”وفي الحديث إشعار بقلة من يُدعى من تلك الأبواب كلها، وفيه إشارة إلى أن المراد ما يُتطوع به من الأعمال المذكورة لا واجباتها لكثرة من يجتمع له العمل بالواجبات كلها، بخلاف التطوعات فَقلّ من يجتَمع له العمل بجميع أنواع التطوعات، ثم من يجتمع له ذلك إنما يدعى من جميع الأبواب على سبيل التكريم له، وإلا فدخوله إنما يكون من باب واحد، ولعله باب العمل الذي يكون أغلب عليه والله أعلم “[9].

3-أن من واظب على عمل من أعمال البر نُسب إليه ودُعي من بابه:

في الحديث أن من واظب على عمل صالح دُعي يوم القيامة من بابه، قال ابن عبد البر القرطبي في التمهيد (463):” وفيه أن من أَكثر من شيء عُرف به ونُسب إليه، ألا ترى إلى قوله: “فمن كان من أهل الصلاة” يريد من أكثر منها فنسب إليها؛ لأن الجميع من أهل الصلاة، وكذلك من أكثر من الجهاد، ومن الصيام على هذا المعنى ونسب إليه دُعي من بابه ذلك، والله أعلم”[10].

4-أن الجنة لها أبواب ثمانية تقوم عليها الملائكة:

 في الحديث تأكيد على أن الجنة ذات أبواب، قال تعالى: (وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها) [11]، وأنها ثمانية في العدد، فعن سهل بن سعد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “في الجنة ثمانية أبواب، فيها باب يسمى الريان لا يدخله إلا الصائمون “[12]، قال ابن عبد البر (463هـ):” وفي هذا الحديث دليل على أن للجنة أبوابا، وقد قيل: إن أبواب الجنة ثمانية، وأبواب جهنم سبعة؛ أجارنا الله من جهنم وأدخلنا الجنة برحمته  آمين”[13].

5- أن الله تعالى أفرد عباده الصائمين بباب خاص لهم وسماه: باب الريان.

في الحديث دلالة على أن الله تبارك وتعالى أفرد في الجنة بابا للصائمين يدخلون منه دون سواهم؛ حيث ذكر ابن بطال القرطبي عن المهلب حكمة ذلك فقال: “إنما أفرد الصائمين بهذا الباب ليسارعوا إلى الري من عطش الصيام في الدنيا إكرامًا لهم واختصاصًا، وليكون دخولهم في الجنة هينًا غير متزاحم عليهم عند أبوابها، كما خص النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق بباب في المسجد يقرب منه خروجه إلى الصلاة ولا يزاحمه أحد، وأغلق سائرها إكرامًا له وتفضيلاً.”[14].

6- أن فيه حث للعبد على الإكثار من صيام النوافل بعد رمضان:

في الحديث حث العبد المؤمن على الإكثار من صيام النوافل بعد رمضان؛ ليكون من أهل باب الريان، فالمداومة على الصيام والقيام في شهر رمضان يمهد للعبد سبيلا إلى دخول باب الريان فضلا من الله تعالى وكرما.

قال المباركفوري (1414هـ):”(إلا الصائمون) مجازاة لهم لما كان يصيبهم من العطش في صيامهم، والمراد بهم من غلب عليهم الصوم من بين العبادات. قال القاري: قيل: المراد به المقتصر على شهر رمضان بل ملازمة النوافل من ذلك وكثرتها قال السندي: قوله الصائمون، أي المكثرون الصيام كالعادل والظالم يقال لمن يعتاد ذلك لا لمن يفعل مرة، والظاهر إن الإكثار لا يحصل بصوم رمضان وحده بل بأن يزيد عليه ما جاء فيه “[15].

7- إظهار منقبة أبي بكر الصديق رضي الله عنه وبيان قدره:

في الحديث إظهار لمنقبة أبي بكر الصديق رضي الله عنه ؛ وذلك من خلال حرصه على السبق لنيل الفضل، واغتنام أجر الجمع بين الطاعات وأعمال البر كلها؛ لأجل غاية عظمى وهي: أن يُدعى من جميع أبواب الجنة تكريمًا له؛ ولهذا ذكر الترمذي هذا الحديث في باب مناقبه رضي الله عنه[16].  

 8- بيان حسن تأدب الصديق رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم:

 في الحديث بيان حسن أدب الصديق رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم؛ وهذا واضح في طريقة سؤاله للنبي صلى الله عليه وسلم حين استهله بقوله:” بأبي أنت وأمي يا رسول الله”[17].  

هذا ما تيسر لي ذكره حول هذا الحديث الشريف، والحمد لله رب العالمين.

****************

هوامش المقال:

[1]– شرح مسلم للنووي (7 /163).

[2]–   التوضيح لشرح الجامع الصحيح (13 /38).

[3]–  شرح المصابيح (2/ 463).

[4]– شرح المصابيح (2/ 463).

[5]–  شرح الموطأ (2 /327).

[6]– تحفة الأحوذي (10 /159).   

[7]–  التمهيد (7 /184).

[8]–  التمهيد (7 /184-185).

[9]–  فتح الباري (7 /28-29).  

[10]– التمهيد (7/ 185).   

[11]–  الزمر: 73.

[12]– أخرجه البخاري في كتاب: بدء الخلق، باب: صفة أبواب الجنة (3257)(ص: 804).  

[13]– التمهيد (7/ 186).

[14]–  شرح صحيح البخاري (4/ 15).

[15]–   مرعاة المفاتيح (6 /403).

[16]–   سنن الترمذي، كتاب المناقب، باب: مناقب أبي بكر الصديق رضي الله عنه (3674) (6/51). 

[17]–   أخرجه البخاري: في صحيحه، في كتاب: الصوم، باب: الريان للصائمين (رقم الحديث: 1897)(ص: 457)، ومسلم في صحيحه في كتاب: الزكاة، باب: من جمع الصدقة وأعمال البر (رقم الحديث: 1027)(1/ 455).

******************

لائحة المصادر والمراجع:

  1. تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، أبو العلا محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري، تحقيق: عبد الرحمن محمد عثمان، دار الفكر، بيروت.
  2. التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، أبو عمر يوسف ابن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي، تحقيق: عبد الله بن الصديق، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المغرب، 1399هـ-1979م.
  3. التوضيح لشرح الجامع الصحيح، أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن أحمد ابن الملقن الشافعي المصري، إشراف مجموعة من الأساتذة، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، قطر، 1429هـ/2008م.
  4. الجامع الكبير – سنن الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك، الترمذي ، تحقيق: بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1996م.
  5. الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، دار ابن كثير، بيروت، الطبعة: الأولى ، 1423هـ/2002م.
  6. شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك، محمد بن عبد الباقي بن يوسف الزرقاني المصري الأزهري، المطبعة الخيرية، 1310هـ.
  7. شرح صحيح البخاري، أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك ابن بطال القرطبي، تحقيق: أبو تميم ياسر بن إبراهيم، مكتبة الرشد، السعودية، الرياض، الطبعة: الثانية، 1423هـ / 2003م.
  8. شرح مصابيح السنة للإمام البغوي، محمد بن عز الدين عبد اللطيف الرومي الكرماني الحنفي المشهور بابن عبد الملك، تحقيق: لجنة مختصة من المحققين بإشراف: نور الدين طالب، إدارة الثقافة الإسلامية، الطبعة: الأولى، 1433 هـ / 2012م.
  9. فتح الباري شرح صحيح البخاري، أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي، رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي، قام بإخراجه وصححه وأشرف على طبعه: محب الدين الخطيب، عليه تعليقات العلامة: عبد العزيز بن عبد الله بن باز، دار المعرفة، بيروت، 1379.
  10. مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، أبو الحسن عبيد الله بن محمد عبد السلام بن خان محمد بن أمان الله بن حسام الدين الرحماني المباركفوري، إدارة البحوث العلمية والدعوة والإفتاء – الجامعة السلفية – بنارس الهند، الطبعة: الثالثة – 1404 هـ، 1984 م.
  11. المسند الصحيح المختصر من السنن بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، تحقيق: نظر محمد الفاريابي، دار طيبة، الطبعة: الأولى، 1427هـ/2006م.
  12. المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج، أبو زكريا يحيى بن شرف النووي مؤسسة قرطبة، الطبعة: الثانية ، 1414هـ/1994م.

 *راجع المقال الباحث: عبد الفتاح مغفور

Science

د. محمد بن علي اليــولو الجزولي

  • أستاذ باحث مؤهل بمركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة النبوية العطرة بالعرائش، التابع للرابطة المحمدية للعلماء بالرباط.
  • حاصل على الدكتوراه: تخصص مناهج الدراسات العلمية للسيرة النبوية شعبة الدراسات الإسلامية، جامعة ابن زهر أكادير، من خلال بحث بعنوان:” مرويات الشمائل النبوية في طبقات ابن سعد الزهري البغدادي (230هـ): جمع ودراسة”، عام 2012م.
  • أستاذ باحث بمركز الأبحاث التابع لشركة ابن القيم للتعليم والبحث العلمي بأكادير(سابقا).
  • مهتم بالتراث الإسلامي، وعلوم السيرة النبوية والحديث الشريف، شاركت في ندوات وطنية ودولية، وأنجزت عدة أبحاث ومقالات منشورة في مجلات محكمة ومواقع إلكترونية، وتحقيقات في طور النشر بحول الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق