مركز الإمام أبي عمرو الداني للدراسات والبحوث القرائية المتخصصةشذور

درر قرآنية (15): اسم القارئ ومتعلقاته (3): سيرة أهل القرءان مع القرءان

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله، وعلى ءاله وصحبه ومن والاه، وبعد:

فبعد ما ذكر الإمام أبو بكر ابن العربي -رحمه الله- نبذا من فضائل القرءان العامة والمخصوصة، وحذر مما لم يصح منه في ذلك شيء، عطف بذكر نبذ من سيرة أهل القرءان مع القرءان، بدءا بسيدهم صلى الله عليه وسلم، وما كان حالهم عليه من تحبير القراءة وتطريبها والذهاب بها كل مذهب، إلى أشياء أخرى من شكواه من زمانه وأهله، وذكره لحال بعض البكَّائين عند قراءة القرءان…، قال رحمه الله:

«حالُ القُرَّاءِ:

وقد كان القُرَّاءُ أصحابَ مَجْلِسِ عُمَرَ ومُشَاوَرِيهِ ومُسَاوِرِيهِ، وكان ابن عباس يُقْرِئُ رِجَالًا؛ منهم: عبد الرحمن بن عوف، وما توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى استظهر ابنُ عبَّاس المُفَصَّلَ في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أهل الصُّفَّةِ يُكثرون من القرءان.

وقال أنس: «مات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولم يجمع القرءان غَيْرُ أربعة: أُبَيّ -وفي رواية: أبو الدرداء-، ومعاذُ بن جَبَلٍ، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، أحد عمومتي، ونحن ورثناه –يعني: نفسه-»، حاشا الخلفاء؛ فإنهم كانوا يستظهرون القرءان كما ثبت في الروايات، وعبد الله بن عمر، وابن مسعود.

وذِكْرُ أَنَسٍ لهؤلاء يحتمل وَجْهَيْنِ:

إمَّا أنهم الذين عَرَفَ.

وإمَّا أنهم الذين كانوا جمعوه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإن ابن عباس أخذه عن أُبَيٍّ بعد ذلك، وأَدْرَكَ حِفْظَه جماعةٌ يَكْثُرُ عَدَدُهم.

وقال عمر: «أقرؤنا أُبَيٌّ، وإنَّا لَنَدَعُ من لَحْنِ أُبَيٍّ، وأُبَيٌّ يقول: أخذتُه مِنْ فِي رسول الله فلا أتركه لشيء، قال الله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنَ اٰيَةٍ اَوْ نُنسِهَا نَاتِ بِخَيْرٖ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة:105]».

وقال ابنُ مسعود: «والذي لا إله غيره؛ ما أُنزلت سورة من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت، ولا أنزلت ءايةٌ من كتاب الله إلَّا وأنا أعلم فيما أنزلت، ولو أعلمُ أَحَدًا أَعْلَمَ بكتاب الله مِنٍّي تُبَلِّغُنِيهِ الإِبِلُ لرَكِبْتُ إليه».

تَحْسِينُ القراءة:

ثَبَتَ من كل طريق أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لأبي موسى: «لقد أُوتِيتَ مِزْمَارًا من مزامير ءال داود، قال له أبو موسى: لو علمتُ أنك تسمعني لحَبَّرْتُه لك تَحْبِيرًا».

وقال معاوية بن قُرَّةَ عن عبد الله بن مُغَفَّلٍ المُزَنِي، قال: «رَأَيْتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم الفتح على ناقة له يقرأُ سورة الفتح، قال: فرَجَّعَ فيها، ثم قرأ معاوية يَحْكِي قراءة ابن مُغَفَّلٍ، وقال: لولا أن يجتمع الناس عَلَيَّ لرَجَّعْتُ كما رَجَّعَ ابن مُغَفَّلٍ؛ يَحْكِي قراءة النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال شعبة: فقلت لمعاوية: كيف كان ترجيعُه؟ فقال: ءا ءا ءا، ثلاث مرَّات».

وكان عمر بن الخطاب يقول لأبي موسى الأشعري: «شَوِّقْنَا ربَّنا –أو: خَوِّفْنَا رَبَّنا-، قال: فيقرأ»، لـِمَا كان عليه من تَحْبِيرِ القراءة وتحسينها.

وكَرِهَ مَالِكٌ التَّطْرِيبَ في الأَذَانِ؛ لأنه لم يكن سُنَّةً، وأَحْسَنَ ما شاء أن يُحْسِنَ، ولم يَرَ لمن يأخذ على التَّلْحِينِ في رمضان أُجْرَةً ولا أَجْرًا؛ لأنه كَرِهَه، وذلك لأن نِيَّةَ الدنيا دخلته، وكأنه إنَّما يبيعُ صوته.

والأُجْرَةُ على الصلاة جائزة عندنا، والقراءة بالتلحين سنة، وسماعُه يزيدُ إيمانًا بالقرءان وغِبْطَةً، ويُكْسِبُ القَلْبَ خَشْيَةً.

 سَمِعْتُ بمصر ابن الرَّفَّاءِ يَقْرَأُ: ﴿كَٓه۪ي۪عَٓصَٓ﴾ في ذي الحجة سنة خَمْسٍ وثمانين وأربع مائة، فكأني ما سمعتها قَطُّ، ولقد مَرِضَ في وَبَاءٍ كان بها، ثم خرج فجلس «بمسجد العَالِمِ» وقرأ: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَاد۪يٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّے مَسَّنِيَ اَ۬لضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ اُ۬لرَّٰحِمِينَ﴾ [الأنبياء:82]، وجَعَلَ يُرَدِّدُها، وقرأ: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَاد۪يٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّے مَسَّنِيَ اَ۬لشَّيْطَٰنُ بِنُصْبٖ وَعَذَابٍ﴾ [ص:40]، فكادت نفسي تطير شَعَاعًا، وأَدْرَكَتْهُ بطُول المرض عَيْلَةٌ؛ فرَأَيْتُ الثياب قد رُمِيَتْ عليه في المجلس حتى صارت كُومًا حال بيني وبينه.

وسَمِعْتُ لَيْلَةً تَاجَ القُرَّاءِ ابنَ لِفْتَةَ يَقْرَأُ: ﴿وَمِنَ اَ۬ليْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِۦ نَافِلَةٗ لَّكَ﴾ في «جامع عَمْرٍو»؛ فما عَلِمْتُ أَلَيْلًا كان أم نَهَارًا؟

وسَمِعْتُ الكَازَرُونِـيَّ بالمسجد الأقصى يقرأ: ﴿سُبْحَٰنَ اَ۬لذِےٓ أَسْر۪يٰ بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء:1].

 وكان أبو بكر الطُّوسِي إمامُ «الصخرة المقدَّسة» يَقْرَأُ في صلاة الصبح بالسُّوَرِ الطِّوَالِ، وكنتُ أُصَلِّي أبدًا معه، وكان أحسن الخَلْقِ صَوْتًا، وكان يُسْمَعُ صَوْتُه إذا أَعْلَنَ من ديار لُوطٍ، على أَقَلَّ مِنْ فَرْسَخٍ.

وكان تاجُ القُرَّاءِ الكَفِيفُ بمدينة السَّلام أَعْظَمَ خَلْقِ الله حُنْجُرَةً، وأحلاهم تلحينًا، سمعته بدار بَهَاءِ المُلْكِ إزاء المدرسة النِّظامية يقرأ: ﴿وَالسَّمَآءِ ذَاتِ اِ۬لْبُرُوجِ﴾ [البروج:1]، فأَجِدُ أَعْضَائِي تَفَصَّلُ، حتى انتهى إلى قوله تعالى: ﴿فَعَّالٞ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: 16]، فظننتُ أنَّ سَقْفَ الإِيوَانِ يُنْقَضُ علينا.

وعلى الجُمْلَةِ: فإن في القوم طَبْعًا صَوْتًا، وفي هوائهم صفاءً، وفي قلوبهم رحمة، وفي أنفسهم رقة، يتميَّزون بها على أهل الجفاء والجهالة والقسوة.

وقد كان أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- رقيق القلب، خاشع الجوارح، حَسَنَ الصوت، فإذا قرأ تَقَصَّفَ عليه نساءُ المشركين وصبيانُهم، حتى قالوا لحَلِيفِه ابنِ الدَّغِنَةَ: «إمَّا أن تَكُفَّه وإمَّا أن  َتْخفِرَ عهدك، فقال له: يا أبا بكر، اعبد ربك في بيتك ولا تتظاهر لهم، قال: بل أصرف عليك جِوَارَك وأرضى بجوار الله ورسوله»، فصرفه عليه، وأَذِنَ الله لرسوله حينئذ في الهجرة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم به معه، وترك ما كان له من أهل وقرابة؛ استئثارًا به، وتَوْفِيَةً لحقه، وعَمَلًا بمقتضى منزلته في الدين ومرتبته، وثِقَةً بمُنَّتِه، وأُنْسًا بصحبته، فمن ذا يطمع في مرتبته؟

 وقد يُصِيبُ بَعْضَ الناس غَشْيٌ عند القراءة، وقد يبقى قلبُه على حاله.

 ورُوي أن الرَّبيع بن خُثَيم سمع: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِے اِ۬لنَّاقُورِ فَذَٰلِكَ يَوْمَئِذٖ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَي اَ۬لْكٰ۪فِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٖ﴾ [المدثر:8-10]، فخَرَّ مَغْشِيًّا عليه؛ ولم يُفِقْ إلَّا في اليوم الثاني ذلك الوقت، فسُئِلَ ابنُ مسعود عن صلاته فقال: «لا إعادة عليه».

ورُوي عن ابن عمر أنه مرَّ برجل ساقط فقال: «ما هذا؟ قال: إنه إذا قُرِئَ عليه القرءان يصيبُه مثل هذا، قال: إنَّا لنخشى الله وما نسقط».

ورأيت رَجُلًا بمجلس عالم العلماء الرازي بالرَّيْحَانِيِّينَ قد سمعه يتكلَّم ويُشَوِّقُ للحج ويتلو، وكان إلى جانبي رَجُلٌ على دُكَّانٍ؛ فسقط مَغْشِيًّا عليه، وشُجَّ جَبِينُه، وكان إلى جانبي رَجُلٌ من أصحابي فتعجبتُ منه، فقال لي: غلبت على بلادكم القسوة.

وصلَّى رجلٌ العشاء خلف إمام فقرأ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ اُ۬لنَّاسُ لِرَبِّ اِ۬لْعَٰلَمِينَ﴾ [المطففين:6]، فخرَّ الرَجُلُ وراءه مَغْشِيًّا عليه، فلمَّا سَلَّمَ الإمامُ أَلْفَوْهُ مَيِّتًا، فاحتُمِل إلى منزله، فلمَّا كان في اليوم الثاني حُمِلَ إلى المقبرة، ومشى معه جِيرَتُه، فقالوا: «من يصلي عليه؟ فقال بعض الصوفية: يصلي عليه الذي قتله»، يعني: الإمام الذي قرأ الآية.

وقال عبد الله بن عُبَيد: «كان عُبَيْدُ بن عُمَيْرٍ يَقُصُّ لابن الزبير، وابن عمر قاعدٌ ناحية، وهو يقول: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةِۢ بِشَهِيدٖ وَجِئْنَا بِكَ عَلَيٰ هَٰٓؤُلَآءِ شَهِيداٗ﴾ إلى: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اَ۬للَّهَ حَدِيثاٗ﴾ [النساء:41-42]، فبكى ابنُ عمر حتَّى لَثَّقَ خَدَّيْهِ، وبَلَّ لحيتَه، قال عبد الله بن عُبَيد: فهَمِمْتُ أن أقوم إلى عُبَيْدٍ فأقول له: أَقْصِرْ، فإنَّك قد ءاذَيْتَ الشيخ».

مَدُّ القراءة:

قال أَنَسٌ: «كانت قراءة النبي مَدًّا، ثم قَرَأَ أَنَسٌ: ﴿بِسْمِ اِ۬للَّهِ اِ۬لرَّحْمَٰنِ اِ۬لرَّحِيمِ﴾، يَمُدُّ بسم الله، ويَمُدُّ بالرحمن، ويَمُدُّ بالرحيم».

 وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يُسْرِعُ بالقراءة، وكان ممَّا يحرك به لسانَه وشَفَتَيْه، حتى قال الله له: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِۦ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة:16]، فكان إذا أتاه جبريل أَطْرَقَ، فإذا ذهب قَرَأَهُ كما وعده الله(9).

[تَرِتْيبُ القراءة وترتيلُها]:

وحديث عبد الله بن عمرو مَشْهُورٌ في ترتيب القراءة وترتيلها، وهو أن يقرأه في شَهْرٍ، وأقلُّه في ثلاث، ولم يجعل لعبد الله سبيلًا إلى أقلَّ منها، وقال صلى الله عليه وسلم: «لم يفقه من قرأ القرءان في أقل من ثلاث».

وقد رأيتُ من أصحابنا من كان يختمه مَرَّةً في الليل، ومَرَّةً في النهار؛ سَفَرًا وحَضَرًا، لرُطوبة لسانه، واطِّراد عَمَلِه بذلك وعادته، وهذا هو الذي يَرْعَى طريق الذكر دون الاعتبار به.

فأمَّا الاعتبار به فقد يكون بالآية الواحدة في الليلة الواحدة، فقد قال الترمذي: أخبرنا أبو بكر محمد بن نافع البصري: أنا عبد الصمد بن عبد الوارث عن إسماعيل بن مسلم العبْدي عن أبي المتوكل عن عائشة رضي الله عنها قالت: «قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بآية من القرءان ليلة».

وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأذن لعبد الله بن عمرو في أقل من خمس ليال.

وقد روى أحمد أنه نقله من أربعين ليلة إلى سبع ليال.

وروى ذلك أبو داود، وقال: «ولم ينزل عن سَبْعٍ».

وروى أبو داود أيضًا عن عبد الله بن عمرو عن النبي عليه السلام أنه قال: «لا يفقه القرءان من قرأه في أقل من ثلاث».

وروى أحمد عن عثمان أنه كان يُوتِرُ بالقرءان في ركعة.

 ورُوي عن سعيد بن جُبَيْرٍ أنه قرأ القرءان في ركعة في الكعبة.

 والترتيلُ أَحَبُّ إلى أهل العلم.

سماعُه من الغَيْرِ والبكاءُ عليه:

قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لعبد الله بن مسعود: «اقرأ عليَّ القرءان، قال: أقرأ عَلَيْكَ وعَلَيْكَ أُنزل، قال: إني أُحِبُّ أن أسمعه من غيري، فقرأت سورة النساء، حتى أتيت إلى قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةِۢ بِشَهِيدٖ وَجِئْنَا بِكَ عَلَيٰ هَٰٓؤُلَآءِ شَهِيداٗ﴾، قال: حسبك الآن، فالتفت إليه وإذا عيناه تذرفان».

 وقد قال الله: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَي اَ۬لرَّسُولِ تَر۪يٰٓ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ اَ۬لدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ اَ۬لْحَقِّ﴾ [المائدة: 85].

 فالنبي -صلى الله عليه وسلم- بكى رَهْبَةً لذلك اليوم العظيم، وهؤلاء بَكَوا شَوْقًا إلى الله حين سَمِعُوا كلامَه.

 وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اَ۬لذِينَ أُوتُواْ اُ۬لْعِلْمَ مِن قَبْلِهِۦٓ إِذَا يُتْل۪يٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلَاذْقَانِ سُجَّداٗ وَيَقُولُونَ سُبْحَٰنَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاٗ وَيَخِرُّونَ لِلَاذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاٗ﴾ [الإسراء: 107-108].

فإن كان المرادُ به من تقدَّم ممَّن أسلم من الأمم؛ فإنَّما بَكَوا تَذْكِرَةً لِـمَا كان نَزَلَ عليهم، وتقدَّم من التعريف به لهم، أو لمَا فاتهم من أيَّامهم قبل هذه التذكرة، أو على من فاته ذلك من قَوْمِهم ومعارفهم، أو على عواقبهم التي لا يعرفونها.

والبُكَاءُ رِقَّةٌ في القلب، مُمَدَّحَةٌ في الخلق، معدودة في الفضائل، وأين هذا من قوله تعالى: ﴿وَالذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاٗ وَعُمْيَاناٗ﴾ [الفرقان:73]؟

وهم على أقسام:

 منهم: الكفار.

 ومنهم: الغافلون.

 ومنهم: الذين وَرَدَ ذِكْرُهم في الأثر: «ينثرونه نَثْرَ الدَّقَلِ»، «يتعجَّلونه ولا يتأجَّلونه»، يمرون عليه بغير فَهْمٍ ولا تثبت، صُمٌّ عن سماعه، عُمْيٌ عن رؤية عِبَرِه.

 ومنهم: من يُقِيمُ حروفه في مخارجها.

 ومنهم: من يُقْبِلُ على جميع القراءات، وليته جَمَعَ الصحيح منها، أو عرف كيف يجمعها، وهذا كله مذموم، وإقبال على ما لا يُحتاج إليه، أو إعراضٌ عمَّا يلزم، وقد بيَّناه في غير موضع.

 وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه أَسِيفًا؛ إذا قرأ بكى شَوْقًا وخَوْفًا.

 وقد رأيت من يَعِيبُ البكاء ويقول: إنه صفة الضعفاء، والنبي صلى الله عليه وسلم قد مدحها، قال: «عينان لن تمسهما النار أبدًا، عَيْنٌ بَكَتْ من خشية الله، وعَيْنٌ سهرت في سبيل الله».

 وبُكَاءُ الشوق -عندي- خشية، فإنه حَذَرٌ من فوات المتاع بالمحبوب.

 وقد كنت فاوضتُ في ذلك شَيْخِيَ الزَّاهِدَ أبا بكر القُرَشِي، وكانت فيَّ قَسْوَةٌ جِبِلِّيَّةٌ، وشَكَوْتُ إليه ما بقلبي من ذلك، فقال لي: «تَبَاكَ إذا لم يُطِعْكَ البكاء، وتَحَازَنْ إذا لم يُجِبْكَ الحُزْنُ، حتى تتَّخذه عادة، وإن مَدَّ الله في عمري لأجمعنَّ كتابًا في البكاء»، وفارقتُه ولم أَدْرِ ما فَعَلَ بعدي.

وكان عبد الله بن عمرو يبكي وهو ساجد في الحِجْرِ، فمرَّ به رجل، فقال له: «أَتَعْجَبُ مني أن أبكي من خشية الله؟ وهذا القمر يبكي من خشية الله، ونظر إلى القمر وقد شَفَّ إلى أن يغيب».

وكانت أمُّ يعلى بن عطاء تصنع لعبد الله بن عمرو الكُحْلَ، وكان يُكثر من البكاء ويُغلق عليه بابَه حتى رَسَعَتْ عيناه.

 وقد جَمَعَه ابنُ أبي الدُّنْيَا فأَحْسَنَ فيه؛ لولا صِغَرُ حَجْمِه.

[شكوى ابن العربي من أحوال زمانه]: 

وقد عَظُمَ الخَطْبُ في هذا الزمان حتى لا يَدْرِي العَبْدُ على أي شيء يَبْكِي؛ أعلى فوات دنياه؟ أم على ذهاب دينه؟ أم على إخوانه في القربات؟ أم على أعوانه على الصالحات؟ أم على دروس العلم وطُمُوسِه؟ أم على اتفاق الخَلْقِ على إنكار المعروف وتعريف المنكر؟ أم على نفسه التي لا تطاوعه على طاعة؟ أم على عِرْسِه التي تطالبه بما ليس له به طاقة؟ أم على ولده الذي لا يَرَى فيه للعين قُرَّةً؟ أم على جاره الذي لا يُغْضِي له على عورة؟ أم على أميره الذي لا يَرْعَى فيه إلًّا ولا ذِمَّةً؟ أم على فَقْدِ صَبْرِه الذي يغلبه على الانفراد عن الخَلْقِ، والاستبداد بالربِّ؛ حين لم يَجِدْ سواه، ولا رأى حُسْنًا في غيره؟ أم على عَدَمِ مَحَلِّ الهجرة حتى يخرج عن هذه الأمة إلى موضع يَأْمَنُ فيه ما يتوقع من نِقْمَةٍ؟

 أما -والله- إنه لينبغي أن يَتْرُكَ هذا كلَّه؛ ويَرْجِعَ على نفسه الخائنة له باللَّوْمِ، وليجادلها؛ فلعَلَّها إن كانت لم تَرِعْ أَمْسِ تُطِعِ اليَوْمَ.

[تَتِمَّةُ الحديث عن البكاء]:

قال لي عَطَاءٌ -شيخُ الفقهاء والفقراء بالمسجد الأقصى-: أين أعين البُكَاءِ؟ وأين أسباب الاشتياق إلى المولى لا إلى اللِّوَى؟ وجرى القَوْلُ يَوْمَنا وليلَه، وجرَّ الحديثُ على المشافهة ذَيْلَه، حتى قال لي: ما سَمِعْتُ في البكاء أَحْسَنَ من قَوْلِ الشَّاعر:

أَتَتْنِي تُؤَنِّبُنِي في البُكَا  *     فأَهْلًا بها وبتَأْنِيبِهَا

تَقُولُ وفي قَوْلِهَا حِشْمَةٌ:  *  أَتَبْكِي بعَيْنٍ تَرَانِي بِهَا؟

فقلت: إذا اسْتَحْسَنَتْ غَيْرَكُمْ   *   أَمَرْتُ جُفُونِي بتَعْذِيبِهَا

وأَصْلُ البكاء إنَّما هو على فَقْدِ المحبوب، أو نزول المكروه، وأيُّ محبوب أعظمُ من الله تعالى وطاعته؟ أو أيُّ مكروه أصعبُ من سَخَطِ الله وعذابه؟

 ألَا ترى أن السحرة لمَّا تَحَقَّقَتْ هذه الحقيقة واستمرت عليها من غير مَثْنَوِيَّةٍ عزيمة قالت لفرعون: ﴿فَاقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ اِنَّمَا تَقْضِے هَٰذِهِ اِ۬لْحَيَوٰةَ اَ۬لدُّنْي۪ا﴾ [طه:71].

 وقد قال الله تعالى مخبرًا عن الأنبياء ومن انضاف إليهم من الأولياء: ﴿إِذَا تُتْل۪يٰ عَلَيْهِمُۥٓ ءَايَٰتُ اُ۬لرَّحْمَٰنِ خَرُّواْ سُجَّداٗ وَبُكِيّاٗ﴾ [مريم:58]، وإنَّما كان بكاؤهم على أنَّ ما انتَهَوا إليه من السجود -وهو الغاية في الذلة- لا يقوم بحق النعمة، فرأوا أنفسَهم بعَيْنِ التقصير فيما عليهم من الحق.

 ومن فَضْلِ الله على الخلق أن جَعَلَ البكاء راحةً لهم في الدنيا، وأَجْرًا لهم في الأخرى، وقد بكى السفهاءُ على الأطلال وآثارها، والهفوات وأطوارها، والشَّهوات وأَوْطَارِها، فابْكِ أنت على ما مضى من أيَّامك الأُوَلِ في غَيْرِ عَمَلٍ، وفي ذلك ما قُلْتُ: 

يا نَفْسِي وَيْحَكِ كَمْ ذا أَنْتِ في وَسَنِ  *   لا تَبْكِيَنَّ على الآثار في الدِّمَنِ

وابكي على عَمَلٍ قد كُنْتِ تاركةً   *  أوقاتَه هَمَلًا في سَالِفِ الزَّمَنِ

يا فُرْصَةً لم تزل عنها مدافعة  * كالطِّفْلِ يُخْدَعُ باللُّعْبَى عن اللَّبَنِ

أيَّامَ تعملُ في دنياك مجتهدًا  *   مِن كلِّ يَعْمَلَةٍ كَوْمَاءَ كالفَدَنِ

تَحَفَّظِي ببقايا العُمْرِ جَاهِدَةً  * من أن تَمُرَّ على حالٍ من الغَبَنِ

وكيف أرجو بلوغًا ما أُؤَمِّلُه  *  ولَسْتُ أَسْعَى إلى التحقيق في سَنَنِ

واللهُ لا يقبل الأعمالَ خالصةً  *   حتَّى تكون على هَدْيٍ من السُّنَنِ

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم -في الصحيح-: «لو تعلمون ما أَعْلَمُ لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا».

 وقد جاء هذا القول في حديث طويل ضعيف فلا تلتفتوا إليه.

 ومن الحديث الحَسَنِ: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يَلِجُ النَّارَ من بَكَى من خَشْيَةِ الله حتى يعود اللَّبَنُ في الضَّرْعِ».

والأوَّلُ أَصَحُّ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سراج المريدين: 2/88-105.

اظهر المزيد

 د. محمد صالح المتنوسي

  • باحث بمركز الإمام أبي عمرو الداني للدراسات والبحوث القرائية المتخصصة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق