مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراثشذور

حال الفقه ببلاد سوس

 

 

  قال العلامة محمد المختار السوسي في كتابه: (سوس العالمة)؛ بياناً منه لحال الفقه بسوس، وعلاقته بالحواضر العلمية الأخرى:

  «هكذا كان فقهاء سوس، طبقاً عن طبق، فإنَّهم لكثرتِهم ينبُغُ منهم أناس كمثل هؤلاء الذين ذكرنا بعضهم، فيكون لَهم شفوف عجيب في كل جيل، فدحضت بذلك مقالة عبد الله بن عمر المضغري(ت927هـ) الذي صدرت منه أواسط العاشر، وهو الذي قالَها بعد رجوعه من سوس إثر زيارته لِمحمد الشيخ السعدي إذ قيل له: كيف رأيت السوسيين؟ فكان مما قال: وفقهاؤهم ضعاف الفتاوي، فإن كان صادقا- وهو الظن به- فيمن أدركهم ورآهم؛ فقد تبدل الْحَال عن ذلك، تَحت ظلال أواسط الدولة السعدية، ثم في عهد الدويلة التازروالتية، ثُم في عصر الدولة العلية العلوية.

  وكل من له اطلاع يعلم أن هذا الفن في المغرب كله، كان دائماً بين مد وجزر، فكأن هذا الوصف، إن أردنا التدقيق مِما ينسحب أيضا على سوس الفقهية؛ لأنَّها دائماً عضو من جسد المغرب الملتحم في الدراسة، فالقطب هو فاس، ثُم الْحَمْراء، ومنهما تستقي كل طبقة طبقة، فمتى علت الدراسة هناك علت في الأطراف، وإن حدث فيها تأخر سرى التأخر في مَجموع المغرب، لا جميعه؛ لأنه ربّما يكون في الأطراف أحياناً كفلتة من هو أعلى وأسنى مِمن في مَجالس فاس والْحَمراء؛ كما قد يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر.

  ذلك ما يظهر لنا حول دراستنا للموضوع في القُطر السوسي، فقد تراءى لنا أن هذا الفن وإن كان دائماً يكب على تعاطيه وتفهمه غاية الإكباب، لَم يكن دائماً في مستوى واحد، كما نرى مثل هذا عينه في فاس والْحَمراء، فيكون تأثر الأطراف مِما يقع منهما، وربّما يكون لَها تفوق عليهما على قلة ذلك في بعض الفترات، يقع كل ذلك مع عدم انقطاع البعثات السوسية إليهما وإلى تامكروت من الحادي عشر، بل وإلى الأزهر أحياناً من قديم.

  لَم يزل هذا الفن في علوه مع تفاوت مراتب علوه، إلى أن مضى الربع الأول من القرن الماضي، فظهر لنا أنه بدأ يتقلص منه ذلك الاستبحار الذي نراه في الهوزيويين والحضيكيين ومن قبلهم، فلا نرى براعة إلا في أفراد غير كثيرين بالنسبة إلى من قبلهم، فتأخر بذلك سير هذا الفن عن الفنون العربية التي لَم تكن مرتبتها مائلة إلى الإسفاف بعد، وقد أدركنا من الجيل الذي عرفناه عدم إمعان كثير في هذا الفن، بِحيث يساوي مرتبة إمعانَهم في العلوم اللغوية العربية إلا عند الأدوزيين أو الجشتيميين، أو عند الأستاذ البونعماني ابن مسعود، فهؤلاء لا يزالون مكبين على فن الفقه، ويستحضرون كل ما في المعيار القديم، بله ما كتب في النوازل الأخرى في سوس، من فتاوي السوسيين المجموعة وغيرها، وأما غيرهم فيقتصر على ما هو أدون من ذلك بكثير، حتى أن فتاويهم لا تعدو نصوصها التي ينقلونَها ما في التسولي وما في التحفة والزقاقية والعمل، ومتن المختصر، وبعض شروحه، ولا نرى ذلك التوسع الذي نراه عند أولئك الذين نَجدهم يدعمون فتاويهم بنصوص مستقاة من المعيار والزرقاني وحواشيه، ثم يردفون ذلك بأصول مذهبية، يستشهدون فيها بكلام القرافي وصاحب المنهج وكلام مذيله، والشروح التي عليهما، وقد يتوسعون إلى سَوْق القواعد الأصولية العامة، حتى أننا رأينا لبعضهم فتيا واحدة على هذا المنهج الموسع خرج مؤلفاً خاصاً، وما أكثر أمثال هذه المؤلفات عند من ذكرناهم من الأدوزيين والجشتيميين والبونعمانيين.

  هذا هو الذي أدركناه، ثُم لَم تنشب طبقة الفقهاء الفطاحل الذين كانوا تيجان سوس الفقهية أن درجوا، فلم يَبق الآن وراءهم مِمن يُمكن أن يسدُّوا مسدهم إلا القليل جداً جداً، وإن كان لا يزال هنا وهناك من لَهم استبصار بالفن، ويعرفون كيف النزع في قسيه، ولكن الدراسة الفقهية اليوم من سوس في الغرغرة، كما وقع لغير هذا الفن، لإقفار المدارس، وانطواء الْهِمم، وفتور العزائم، لِما دبَّ إلى مَجموع قوى الأمة المغلوبة من الانْحلال تَحت هذا الاحتلال».

 

  سوس العالمة:(48-49)، لمحمد المختار بن علي بن أحمد الإلغي السوسي(ت1383هـ)، مؤسسة بنشرة للطباعة والنشر، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الثانية: 1404هـ/1984م.

 

  انتقاء: د. طارق طاطمي

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق