مركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصةدراسات عامة

ثمرات التربية الصوفية وأثرها في حياة الفرد والمجتمع… ثمرة التواضع (7)

   تعد منزلة التواضع من أرقى المنزلات في السلوك الصوفي، ومن أجل الثمرات المكتسبة من التربية الباطنية، ومن خصال المؤمنين الصادقين والمتقين الذين تجوهرت قلوبهم بمحبة الله ومحبة رسوله الكريم، ففاضت أرواحهم بالقيم الجمالية، وتنزهت قلوبهم في رياض المحبة والتسامح والعفو والتعاون والتآخي، وانكسرت قلوبهم في حضرة لله عز وجل. وتجنبوا المباهاة والمفاخرة بالجاه والمال، وتحرزوا من الإعجاب والكبر.

   والتواضع خلق كريم مصدره القلب الذي تطهر وأصبح منبعاً للمعاملات الأخلاقية المبنية على القيم الفاضلة والمؤدية إلى الطريق المستقيم وإلى مرضاة الله وإلى السعادة في الدنيا والآخرة، والقرب من الله تعالى، وكسب المحبة المودة والمساواة بين الناس ونشر الألفة بينهم، ومحو الكراهية والحسد والبغضاء، وحصول الوحدة والألفة والاحترام والتعاون بين كافة أفراد المجتمع مهما تفاوتت درجاتهم ومنزلتهم من الغنى والفقر، ومن القوة والضعف.

   والرسول صلى الله عليه وسلم هو النموذج المثالي في التواضع وقيم الأخلاق والمزايا الحسنة، بحيث كان التواضع سمة ملازمة له في كل معاملاته وتصرفاته، وقال في حقه الله سبحانه وتعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) [سورة القلم، الآية: 4]، وكان من بين أخلاقه صلى الله عليه وسلم التواضع. فعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ وَأَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ)[1]. وقال أنس رضي الله عنه: (كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُ الْمَرِيضَ، وَيَشْهَدُ الْجِنَازَةَ، وَيَرْكَبُ الْحِمَارَ»، وَيُجِيبُ دَعْوَةَ الْعَبْدِ، وَكَانَ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ عَلَى حِمَارٍ مَخْطُومٍ بِحَبْلٍ مِنْ لِيفٍ) [2].

  أدلة التواضع من القرآن

     لم ترد كلمة التواضع في القرآن الكريم بلفظها وإنما وردت على شكل كلمات ومعاني ودلالات، أشارت إليها مجموعة من الآيات، ومن ذلك قوله جلت قدرته في حق عباده الصادقين الذين لبسوا لباس التواضع: (وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الاَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً) [سورة الفرقان، الآية: 63]. قال الطبري في تفسير هذه الآية، أي: بالحلم والسكينة والوقار غير مستكبرين، ولا متجبرين، ولا ساعين فيها بالفساد ومعاصي الله: (يَمْشُونَ عَلَى الارْضِ هَوْناً) أنهم يمشون عليها بالسكينة والوقار[3].

  وفي موضع آخر قال جل شأنه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُومِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) [سورة المائدة، الآية: 54]. قال الإمام القرطبي رحمه الله: قوله تعالى: (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُومِنِينَ)، أي: يرأفون بالمؤمنين، ويرحمونهم، ويلينون لهم؛[4].

 وقال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسير قوله تعالى: (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُومِنِينَ)؛ (هذه صفات المؤمنين الكمل أن يكون أحدهم متواضعاً لأخيه ووليه)[5].

 وفي سياق آخر قال جلت قدرته: (وَلَا تَمْشِ فِي الاَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الارْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا( [سورة الإسراء، الأية: 37].

وقال تقدست أسماؤه: (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الاَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ( [سورة لقمان، الآية: 18].

 وقال جلت قدرته: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُومِنِينَ) [سورة الشعراء، الآية: 215].

أدلة التواضع من السنة

في السنة النبوية سلسلة من الأحاديث التي تحث على منزلة التواضع مع الناس، وبينت أهمية التواضع في صلاح معاملات الانسان ومن ذلك ما رواه البيهقي في الشعب عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال وهو على المنبر: (أيها النّاس تواضعوا، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ فَهُوَ فِي نَفْسِهِ صَغِيرٌ وَفِي أَعْيُنِ النَّاسِ عَظِيمٌ وَمَنْ تَكَبَّرَ وَضَعَهُ اللَّهُ فَهُوَ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ صَغِيرٌ وَفِي نَفْسِهِ كَبِيرٌ…الحديث).[6].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ) [7]، قال القاضي عياض في شرح قوله صلى الله عليه وسلم: (وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ)، فيه وجهان كذلك: أحدهما: أنّ الله تعالى يمنحه ذلك في الدنيا جزاء على تواضعه له، وأن تواضعه يثبت له في القلوب محبة ومكانة وعزة.

والثانى: أن يكون ذلك ثوابه في الآخرة على تواضعه، وهذه الوجوه كلها في الدنيا ظاهرة موجودة، وقد صدق -عليه السلام- فيما أخبر منها، وقد يكون جمع الوجهين في جميعها، وكان هذا كله تنبيهًا على رد قول من يقول الصبر والحلم الذل. ومن قاله من الجملة فإنما أراد به شبهه في الاحتمال وعدم الانتصار) [8].

والنّبي صلّى الله عليه وسلم قد دعا إلى التواضع، وحَثّ عليه بقوله: (إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ: أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يبغيَ أحدٌ على أحَد) [9].

   حقيقة التواضع لدى علماء التربية الصوفية

   تنوعت التعاريف التي وضعها علماء التربية الصوفية في تحديد ماهية التواضع وحقيقته وأهمية التحقق به، ومن ذلك ما قاله الامام الجنيد عندما سئل عن التواضع، فقال: (خفض الجناح للخلق، ولين الجانب لهم) [10]. وقيل لحكيم: (هل تعرف نعمة لا يحسد عليها قال: التواضع قيل: فهل تعرف بلاء لا يرحم صاحبه عليه قال: الكبر، وقيل التواضع مع الجهل، والبخل أحمد عند الحكماء من الكبر مع الأدب والسخاء) [11].

   وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن المسكنة في قوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً، واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة) [12]، فأجاب: (فالمسكين المحمود هو المتواضع، الخاشع لله، ليس المراد بالمسكنة عدم المال، بل قد يكون الرجل فقيرا من المال وهو جبار فالمسكنة خُلق في النفس، وهو التواضع والخشوع، واللين ضد الكبر، كما قال عيسى عليه السلام (وَبرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيَّاً)[ سورة مريم، الآية: 32] [13].

   وقال ابن المبارك: التكبر عَلَى الأغنياء والتواضع للفقراء من التواضع، وقيل: لأبي يَزِيد مَتَى يَكُون الرجل متواضعا فَقَالَ: إِذَا لَمْ ير لنفسه مقاما ولا حالا ولا يرى أَن فِي الخلق من هُوَ شر منه وقيل: التواضع نعمة لا يحسد عَلَيْهَا والكبر محنة لا يرحم عَلَيْهَا والعز فِي التواضع فمن طلبه فِي الكبر لَمْ يجده. [14].

وعلى ضوء ما تقدم نخلص إلى أنّ التواضع منزلة من أرقى منازل السائرين إلى حضرة الله، وشرط من شروط الوصول إلى حضرة الله، وتحقيق المقصود من التربية الصوفية، وهذه المنزلة لا تدرك إلا بصحة الصالحين العارفين بدقائق النفوس وتلوناتها، مقصودهم طهارة القلوب وتنقيتها من مختلف العلل القلبية اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم المربي الأول والمزكي الذي عرف بتواضعه من الصغير والكبير والغني والمسكين، وهذه الخصال الحميدة لها دور كبير في رقي وازدهار المجتمعات وتطورها.

——————–

  1. أخلاق النبي وآدابه، أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان الأنصاري المعروف بأبِي الشيخ الأصبهاني، تحقيق: صالح بن محمد الونيان، الناشر: دار المسلم للنشر والتوزيع، الطبعة: الأولى، 1998م. ذكر تواضعه في أكله صلى الله عليه وسلم، ج: 3، ص: 241. رقم الحديث: 614.
  2. سنن الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي، حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه: بشار عواد معروف، الناشر: دار الغرب الإسلامي – بيروت، الطبعة: الأولى، 1996م، أبواب الجنائز عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب آخر، ج: 2، ص: 327 رقم الحديث: 1017.
  3. تفسير الطبري – جامع البيان عن تأويل آي القرآن، أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، تحقيق: د عبد الله بن عبد المحسن التركي، بالتعاون مع: مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر – د عبد السند حسن يمامة، الناشر: دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان – القاهرة، مصر، الطبعة: الأولى، 1422 هـ – 2001م، تفسير سورة الفرقان القول في تأويل قوله تعالى: (وعباد الرحمن الذين يمشون على الارض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما). ج: 14، ص: 489.
  4. الجامع لأحكام القرآن، أبو عبد الله، محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، الناشر: دار الكتب المصرية– القاهرة، الطبعة: الثانية، 1384 هـ- 1964م، تفسير سورة المائدة (5): آية 54] ج: 6، ص: 260.
  5. تفسير القرآن العظيم، أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي، تحقيق: محمد حسين شمس الدين، الناشر: دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون – بيروت، الطبعة: الأولى – 1419هـ. سورة المائدة [سورة المائدة (5): الآيات: 54 إلى 56].ج: 3، ص: 124.
  6. شعب الإيمان، أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، حققه وراجع نصوصه وخرج أحاديثه: د عبد العلي عبد الحميد حامد، أشرف على تحقيقه وتخريج أحاديثه: مختار أحمد الندوي، صاحب الدار السلفية ببومباي – الهند، الناشر: مكتبة الرشد للنشر والتوزيع بالرياض بالتعاون مع الدار السلفية ببومباي بالهند الطبعة: الأولى، 1423 هـ -2003م. ج: 10، ص: 456. رقم الحديث: 7791.
  1. صحيح مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، الناشر: مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، القاهرة (ثم صورته دار إحياء التراث العربي ببيروت، وغيرها) عام النشر: 1374 هـ – 1955م، كتاب البر والصلة والآداب، باب استحباب العفو والتواضع، ج: 4، ص: 2001، رقم الحديث: 2588.
  2. شرح صحيح مسلم، للقاضي عياض اليحصبي السبتي المسمى: إكمال المعلم بفوائد مسلم، المؤلف: عياض بن موسى، تحقيق: الدكتور يحْيَى إِسْمَاعِيل، الناشر: دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، مصر الطبعة: الأولى، 1419 هـ – 1998م. كتاب البر والصلة والآداب، باب استحباب العفو والتواضع ج: 8، ص: 59.
  1. صحيح مسلم، كتاب الجنة، وصفة نعيمها وأهلها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار، ج: 4، ص: 198. رقم الحديث: 2865.
  2. الرسالة القشيرية، لعبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري، تحقيق: الإمام الدكتور عبد الحليم محمود، الدكتور محمود بن الشريف، الناشر: دار المعارف، القاهرة، (ط/ت). باب الصمت، ج: 1، ص: 278.
  3. فيض القدير شرح الجامع الصغير، لزين الدين محمد المدعو بعبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري، الناشر: المكتبة التجارية الكبرى – مصر، الطبعة: الأولى، 1456هـ. ج: 3، ص: 132.
  4. سنن الترمذي، أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء أن فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم، ج: 4، ص: 172. رقم الحديث: 2352.
  5. مجموع الفتاوى، لشيخ الإسلام أحمد بن تيمية، جمع وترتيب: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم رحمه الله، وساعده: ابنه محمد وفقه الله، الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف – المدينة المنورة – السعودية، عام النشر: 1425 هـ – 2004م. شرح حديث: (إنما الأعمال بالنيات) سئل شيخ الإسلام عن المسكنة، وعن قوله صلى الله عليه وسلم: ” اللهم أحيني مسكينا) الحديث ج: 18، ص: 326.

  14. الرسالة القشيرية، باب الصمت، ج: 1، ص: 279.

Science

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق