مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراثشذور

توحيد المذاهب

 

 

  قال الإمام أبو سالم عبد الله بن محمد العياشي رحمه الله (ت1090هـ)، عند حديثه عن الخلاف الواقع بين المذاهب الأربعة: لو أن الله قيض لهذه الأمة من يجمع أربعة من محققي علماء كل مذهب من هذه المذاهب الأربعة الموجودة، ويختار لكل واحد جماعة من أهل مذهبه، يستعين بهم في المطالعة، وتحقيق ما يشكل عليه من فروع الديانات، فيأمر الأربعة بالاجتماع في محل واحد في وقت مخصوص من ليل أو نهار، بقصد تأليف ديوان في فروع الفقه، ويتخذ لهم كُتّابا مهرة، يستعينون بهم، ويجري على الجميع من الجرايات ما يكون سببا لفراغ بالهم لما هم بصدده، وبعد مراجعة كل واحد منهم مع أصحابه ما يحتاج إليه من كتب مذهبه في المحل الذي يؤلفون فيه، فيجتمعون يتتبعون فروع الديانات الجزئيات، من أول مسألة مدونة في الفقه على قدر طاقتهم إلى آخرها، فيذكر كل واحد مشهور مذهبه في كل نازلة، فإذا علموا مشهور المذهب في كل مسألة مسألة، نظر من تصدى للكتابة والتأليف عندهم إلى المسائل المتفق عليها بينهم فأثبتها، ولا يحكي شيئا من الخلاف فيها،  ثم المسائل المختلف فيها يقتصر فيها على قول ثلاثة منهم إن اجتمعوا، ويحذف قول الرابع، ثم إن قال اثنان بقول، واثنان بقول، جعلها ذات قولين مشهورين، ثم إن تباينت آراؤهم في النازلة وهو قليل، حكاها كلها بلا تشهير، وتكون مسألة خلاف، أو يقدم ما كان مستندا إلى الكتاب، ثم ما أستند إلى السنة، ثم ما أستند إلى أثر صحابي قوي، ثم ما أخذ من الاجتهاد.

  فإذا أُلف هذا الديوان على هذا الوصف، وحمل الناس على اتباعه، كان أقرب إلى ضبط الانتشار الواقع الآن، وكثرة الخلاف الواقع بين أهل المذاهب، والتعصبات الفاحشة المؤدية إلى تضليل بعضهم بعضا، فإنّ الاختلاف إنما كان رحمة حين كانت القلوب سالمة، والأرض بالعلماء المحققين عامرة، فيحملون الخلاف بينهم على أحسن محامله، ويجد العامي من أهل كل مذهب في كل قطر من الأقطار من يقتدي به في دينه، ومن جال في الأقطار الشاسعة؛ كالعراق والشام واليمن والحجاز وغير ذلك علم قبح ما آل إليه الأمر في ذلك، فإنّ العامي المقلد لمالك مثلا يكون في بلد ليس فيها أحد ممن يحقق مذهبه ولا يقارب تحقيقه، وتنزل به النوازل المتعددة في دينه، فيأنف أن يقتدي فيها بمن في ذلك البلد من العلماء المحققين على خلاف مذهبه، فيعمل فيها على جهالة، أو يسأل عاميا مثله أو أجهل منه، فيقول له: سمعت ذات مرة كذا، ووقع لي يوما كذا، فسألت عنه أو رأيت في كتاب كذا، وهو شبيه بما نزل بك، فيقتدي به في ذلك وهو جهل عظيم، وضرر في الدين عميم، فلو قدر وجود مثل هذا الكتاب وحمل الناس عليه لكان شبه تغيير في الملة مع ما فيه من الصلاح.

 

المصدر: الرحلة العياشية لأبي سالم عبد الله بن محمد العياشي (2/36-37)، نشر دار السويدي بالإمارات، الطبعة الأولى (2006هـ).

إنتقاء: ذ. رشيد قباظ 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق