مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبيةمفاهيم

بين التخييل الشعري وبين الكذب الأخلاقي

قد خلط بعض الناس بين التخييل الشعري وبين الكذب الأخلاقي حتى احتاجوا إلى أن يجدوا تخريجا للتشابيه والاستعارات فزعموا ” أن رجلا قال لزهير : إني سمعتك تقول لهرم :
ولأنتَ أشجَــــــعُ مِــــــنْ أُسَـــــامــــــةَ إذْ * دُعِيَتْ : نَــــــزَالِ ، ولُـــجَّ فِي الذُّعْـــــــرِ .
وأنت لا تكذب في شعرك، فكيف جعلته أشجع من الأسد؟ فقال: إني رأيته فتح مدينة وحده، وما رأيت أسدا فتحها قطُّ!! ” (1).  ورووا مثل ذلك عن أوس بن حَجَر، و”عن عمران بن حطان الخارجي لما سألته امرأته: كيف قُلتَ:
فهنـــــاك مـــجـــــزأة بــــن ثــــــو * رٍ كان أشجعَ من أسامـــــــــــــــــهْ “(2) .
وهذا باب سَدُّهُ أفضل من فتحه، لأن اعتبار التخييلات من أبواب الكذب، إغلاق لباب الشعرية. وقد خطب الحسن البصري، وهو من هو في الفصاحة، لعَبُودةَ الثقفي، ملتزما جانب الصدق ( فضاق صدره حتى قال: إن الله قد ساق إليكم رزقا فاقبلوه؛ كره الكذب) (3)،  هذا مع أنه كان في كلام خطبي لا شعري، والمجال في الخطبة أوسع لاعتمادها الأقاويل الإقناعية لا الأقاويل التخييلية. وكأن الإمام الحافظ أبا بكر بن العربي أحس ببعض ذلك، فذكر في كتابه ” أحكام القرآن” عند قوله تعالى:” والشعراء يتبعهم الغاوون” ( ما نصه: أن الاستعارات والتشبيهات مأذون فيها وإن استغرقت الحد وتجاوزت المعتاد، فبذلك يضرب الملَك الموكل بالرؤيا المثل

قد خلط بعض الناس بين التخييل الشعري وبين الكذب الأخلاقي حتى احتاجوا إلى أن يجدوا تخريجا للتشابيه والاستعارات فزعموا ” أن رجلا قال لزهير : إني سمعتك تقول لهرم :

ولأنتَ أشجَعُ مِنْ أُسَامةَ إذْ /// دُعِيَتْ : نَزَالِ ، ولُجَّ فِي الذُّعْرِ .

وأنت لا تكذب في شعرك، فكيف جعلته أشجع من الأسد؟ فقال: إني رأيته فتح مدينة وحده، وما رأيت أسدا فتحها قطُّ!! ” (1).  ورووا مثل ذلك عن أوس بن حَجَر، و”عن عمران بن حطان الخارجي لما سألته امرأته: كيف قُلتَ:

فهناك مجزأة بن ثو /// رٍ كان أشجعَ من أسامهْ “(2).

وهذا باب سَدُّهُ أفضل من فتحه، لأن اعتبار التخييلات من أبواب الكذب، إغلاق لباب الشعرية. وقد خطب الحسن البصري، وهو من هو في الفصاحة، لعَبُودةَ الثقفي، ملتزما جانب الصدق ( فضاق صدره حتى قال: إن الله قد ساق إليكم رزقا فاقبلوه؛ كره الكذب) (3)،  هذا مع أنه كان في كلام خطبي لا شعري، والمجال في الخطبة أوسع لاعتمادها الأقاويل الإقناعية لا الأقاويل التخييلية. وكأن الإمام الحافظ أبا بكر بن العربي أحس ببعض ذلك، فذكر في كتابه ” أحكام القرآن” عند قوله تعالى:” والشعراء يتبعهم الغاوون” ( ما نصه: أن الاستعارات والتشبيهات مأذون فيها وإن استغرقت الحد وتجاوزت المعتاد، فبذلك يضرب الملَك الموكل بالرؤيا المثل.

وقد أنشد كعب بن زهير النبي صلى الله عليه وسلم :

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول /// متيم إثرها لم يفد مكبولُ.

وما سعاد غداة البين إذ رحلوا /// إلا أغن غضيض الطرف مكحول.

تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت /// كأنه منهل بالراح معلول.

فجاء في هذه القصيدة من الاستعارات والتشبيهات بكل بديع، والنبي صلى الله عليه وسلم يسمع ولا ينكر حتى في تشبيه ريقها بالراح، وقد كانت حرمت قبل إنشاده لهذه القصيدة، ولكن تحريمها لم يمنع عندهم طيبها، بل تركوها على الرغبة فيها والاستحسان لها، فكان ذلك أعظم لأجورهم”(4).

وأساس هذا كله عدم تمييز القدماء بين الصدق الفني وبين الصدق الأخلاقي، وبين وصف الشيء كما هو في الواقع، وبين وصفه كما هو في خيال الشاعر وإحساسه، فإن المتنبي لم يكن كاذبا في هجوه لكافور، وإن كانت صفات كافور في كتب التاريخ هي غيرها صفاته في هجاء المتنبي له، فقد كان الرجل صادقا في وصف كافور كما هو في خياله، ولعله كان كاذبا في كثير من مدحه له، وإن وافقت بعض تلك المعاني المدحية صفة أو أكثر من صفات كافور، لأنه كان يصف غير ما يحس به، فهو لا يصدق عن ذات نفسه، وإن صدق في وصف حال الممدوح. وأنا أظن أن حسام زاده الرومي تنبه لبعض ذلك عندما ألف رسالته ( رسالة في قلب كافوريات المتنبي من المديح إلى الهجاء) إذ زعم أن المتنبي كان يخفي هجوه لكافور بمديح ( منسوج على منوال محتمل الضدين) (5)،  وبذلك فقد كان صادقا في مدحه لكافور كما كان صادقا في هجوه له.

ولأن التخييل أقوى مما سواه فإن الذي توارثه الناس هو صورة كافور كما هي في شعر المتنبي لا كما هي في الواقع. وهذا الذي نراه في شعرنا الحديث في شعر بدوي الجبل، ونزار قباني، والجواهري، وغيرهم.

ـــــــــــــــــــــــ

الهوامش

(1) ابن رشيق . العمدة ، 1 / 210 .

(2)  العمدة ، 1 / 210 . ون . الصناعتين ، 261 .

(3)  اللسان ، مادة ، كأد . 3 / 374 .

(4) المكي البطاوري، الاستسعاد بشرح قصيدة بانت سعاد ، 64 .

(5)   حسام زاده الرومي ، رسالة في قلب كافوريات المتنبي من المديح إلى الهجاء ، 3 .

اظهر المزيد

الدكتور محمد الحافظ الروسي

  • رئيس مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق