مركز الأبحاث والدراسات في القيمدراسات عامة

بناء الذات رهان تربوي لإرساء منظومة القيم

تتبعا لأعمال مركز الدراسات والأبحاث في القيم ،أعد الأستاذ بلعيد أعلولال هذا التقرير حول مداخلة الأستاذ محمد بلكبير ،رئيس المركز في ندوة :” إشكالية القيم بين الحديث والأصيل في مغرب الألفية الثالثة :”مقدمات واستنتاجات “،ونظمت بشراكة ما بين مركز تكوين الأساتذة المعلمين بقلعة السراغنة ومركز الدراسات والأبحاث في القيم ،التابع للرابطة المحمدية للعلماء.

تقدم رئيس المركز محمد بلكبير بمداخلة بعنوان “بناء الذات رهان تربوي لإرساء منظومة القيم”.تطرق خلالها إلى أقرب الخاصيات لدلالة لفظة”القيمة”،من حيث الدلالة اللغوية ،هو الثبات والدوام والاستمرار على الشيء. وترجع الكلمات التي تلامس مفهوم “القيمة”في اللغات الأجنبية ،في أصلها الاشتقاقي ،إلى كلمة “valeo”الذي يتضمن فكرة المقاومة والصلابة والتأثير والفعالية وترك بصمات قوية على الأشياء .وأشار إلى أن القيم ليست وجهات نظر عابرة .كما أنها ليست أحكاما وثوقية دغمائية متصلبة لا يمكن تغييرها،لكنها قناعات قابلة للتغيير وتتسم بالاستمرارية النسبية ،مما يبعد الشخص عن السلوك المزاجي التقلبي السريع .وأن القيمة ،من حيث الدلالة السيكولوجية،هي محرك ودافع للسلوك باعتبارها تمثلات وقناعات قائمة في مخيال ووجدان الأفراد ،تغذيها العوامل والمرجعيات السكولوجية من رغبات وحاجات وعواطف .وأن القيمة ،من حيث التعريف النفسي ،اتجاه نفسي أو موقف يتحكم في تحديد السلوك وتنفيذه.

وحول القيم والحاجة،تطرق بلكبير إلى أن الحاجة حالة من النقص والافتقار والاضطراب الجسمي والنفسي ،إن لم تلق إشباعها أثارت لدى الفرد نوعا من التوتر والقلق والضيق.ويزول التوتر عندما يتم الإشباع . وجسد الحاجات شكل هرم بناء من القاعدة نحو القمة من الحاجات الفيزيولوجية(التنفس،الطعام،الماء،النوم،الجنس،التوازن،الإخراج)،فحاجات الأمان (السلامة الجنسية،الأمن الوظيفي،أمن الموارد،الأمن الأسري والصحي،أمن الممتلكات)،ثم الحاجات الاجتماعية (الصداقة ، العلاقات الأسرية ، الألفة الجنسية )والحاجة للتقدير(تقدير الذات،الثقة،الإنجازات،احترام الآخرين،الاحترام من الآخرين)،وأخيرا الحاجة لتحقيق الذات (الابتكار،حل المشاكل ،تقبل الحقائق ) ،وأشار إلى أن القيم ترسم الخطوط وتحدد المعايير والشروط التي بموجبها يتم إشباع الحاجات :فالارتواء إشباع للعطش الذي هو حاجة ،وتناول الأطعمة إشباع للجوع الذي هو حاجة أيضا،ولكن لا يمكن إرواء الظمأ بشرب محرم ولا إطفاء غلة الجوع بمأكول منهي عنه شرعا . ولذلك يرى بعض العلماء أمثال ” ميلتون روكيش RoKeach أن هناك اختلافا بين المفهومين :فالقيم من وجهة نظره عبارة عن تمثلات معرفية لحاجات الفرد أو المجتمع ، وأن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يمكنه إحداث مثل هذه التمثلات.وفي ضوء ذلك يميز بينهما على أساس أن الحاجات توجد لدى جميع الكائنات (الإنسان والحيوان )،في حين أن القيم يقتصر وجودها على الإنسان .

أما المقارنة السوسيولوجية فإنها تقيم القيم على أسس المحددات الاجتماعية والمجتمعية والنماذج الثقافية :القيم مخصوصة بكل ثقافة،وهي نسبية،ومخصوصة بكل مجتمع :فكل مجتمع يستمد مثله ومعاييره الخاصة به ،والقيم ترتبط بشروط تاريخية معينة ،ولذلك فإن القيم تتغير من مجتمع لآخر.

  كما أشار إلى القيم تترابط  فيما بينها ضمن ما يعرف ب”منظومة القيم”أو “نسق القيم”. ويقصد بذلك مجموعة القيم المترابطة التي تنظم سلوك الفرد وتصرفاته، و الترتيب الهرمي ﻟﻤﺠموعة القيم التي يتبناها الفرد  أو أفراد اﻟﻤﺠتمع  ويحكم سلوكه أو سلوكهم، ومجموعة قناعات لدى الفرد أو اﻟﻤﺠتمع مرتبة وفقا لأولويتها.  وأن فكرة نسق القيم انبثقت من تصور مؤداه أنه لا يمكن  دراسة قيمة معينة أو فهمها بمعزل عن القيم الأخرى ، فهناك مدرج أو نسق هرمي تنتظم به القيم مرتبة حسب أهميتها بالنسبة للفرد أو الجماعة.

وقدم المحاضر معاينات: فالعولمة كثقافة جديدة لم تقف عند الحدود التي رسمتها لنفسها عند منطلقاتها في البداية ككم من القيم و الخدمات المشتركة في إطار تفاعلي، بل عملت على اختزال مختلف الثقافات في ثقافة واحدة عن طريق تغيير المنظومات القيمية للمجتمعات، و الاستعاضة عنها بمنظومة قيم العولمة. كما أن النموذج العولمي ينزع لاحتواء العالم عبر إرادة فرض قيمه بقوة بواسطة السلاح حينا، وبالتهديد والابتزاز حينا آخر، وبفرض قيمه الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والتربوية. والهدف هو القضاء أو على الأقل الاختراق والتشويه وإعادة صياغة الخصوصيات الثقافية والحضارية وفق نموذجه القيمي . وقد أدى هذا إلى تنامي قيم بديلة: العنف والجنس والإدمان والتفكك العائلي، والمنافسة المتوحشة المدمرة والتمرد على ما هو أصيل باسم الحداثة، ونشر الإباحية و قتل الكرامة و الزهد في تقدير الذات، ونشر سلوكيات شاذة من مثل إلغاء الفرق بين المرأة والرجل لا على أساس النوع الاجتماعي (Genre) الذي يتم قبوله كمقاربة منهجية للمساواة و الإنصاف و الحد من دونية المرأة.

كما عملت العولمة على تنميط قيم المجتمعات التاريخية لجعلها قيما واحدة مشتركة لدى جميع الشعوب. و يمتد هذا التنميط ليمس كل  السلوكيات اليومية للفرد، المتمثلة في العلاقات الإنسانية والارتباطات بين أفراد الأسرة والعائلة، وأنظمة القرابة، وأنماط التعايش و التساكن والاستهلاك، والعلاقة بين الجنسين، وطرائق وأنماط العيش( المأكل والملبس والمشرب)،والعلاقة بين الإنسان والله، والبعد الأنطولوجي للإنسان. كما يعمل المد العولمي على تغيير فلسفة وجود الإنسان، التي من خلالها يرى ذاته و يدرك نفسه و يحدد هويته و يرسم علاقته مع الآخر و الكون و الله.  ويتم استهداف الشباب والمرأة بدعوى التحرير  والترفيه والارتقاء. فبواسطة جهازنا المفاهيمي (اللغة العامية أو اللغة السورية أو أية لغة أخرى مستمدة من العربية) يتم تقديم المسلسلات فتصبح لغتنا وعاء محشوا بمفاهيم وأفكار وقيم مغلوطة تنافي منظومة قيمنا  الكونية، و عن طريق المعاودة و التكرار تعاد صياغة ذواتنا و ما يحكمها من معايير أخلاقية و قيمية: فيتغير مفهوم الحلال و الحرام و  الصدق و الرياء و المستحب و المستقبح و المستحسن و الهجين…، فيحدث تبعا لذلك تمزق في الإنية المغربية. واعتبر محمد بلكبير التكنولوجيا الحديثة المطية لتمرير القيم السلبية للعولمة. فقدرة التحكم الهائلة ، والسيطرة والإدارة المتطورة في الاقتصاد والسياسة ووسائل الاتصال ومصادر المعرفة ومصادر الأخبار والمعلومات و الشركات متعددة الجنسية  العابرة للقارات، و ترحيل الخدمات،… أمور تجعل الغرب الأميركي/ الأوروبي، هو مصدر العولمة، وبالتالي مصدر إنتاج القيم المسماة ” قيما كونية”، و العمل على نشرها وترسيخها في كل ربوع العالم بعيدا عن مدخل ومنهج المثاقفة.

ثم تطرق الحاضر إلى العواقب المتمثلة في القبول والرفض. فالقبول يظهر من خلال تنامي ظاهرة تجارة الجنس السرية، تنامي ظاهرة أطفال الأمهات العازبات، وغياب التربية الجنسية، وجنوح الشباب، والسلوك المضاد للمجتمع. وخلاصة هذا القبول هو الهشاشة. أما موقف الرفض فيتجلى في جملة من السلوكيات السلبية كالإدانة والوصم والتهميش و التمييزوالتجريم و الإقصاء. ويبرز في التهجم على القيم الكونية كالحداثة وحقوق الإنسان والحريات الفردية والنوع الاجتماعي وحقوق المرأة و السلوك المدني. وأرجع المحاضر أسباب التهجم والرفض إلى الخوف من العولمة، والخوف من  الاستلاب و الألينة  ((Aliénation، والخوف الطبيعي من منظومة قيم مدمرة، و الحل المتمثل في قطع كل العلاقات مع المصدر، والإدانة إذن سلوك مبني على مقاطعة الآخر  (الغير،المخالف )، وأن عواقب الإدانة هي عنف مبرر ضد الآخر  (تجنب المخالف ).

وتساءل المحاضر: ما العمل؟ ثم أجاب: بناء الذات. فالشعور الجيد و الرضى عن الذات يتضمن مجموعة من القيم والأحكام  والمشاعر التي يكونها الفرد  عن نفسه. و هكذا يحيل مفهوم تقدير الذات إلى استبصارات الفرد ورؤيته  لذاته. كما أن  تقدير الذات عند الفرد بكيفية واضحة يساعده على تبني سلوكيات و ممارسات سليمة، ويجعله على  بينة من أن القصد من هذه السلوكيات والممارسات السليمة  بالنسبة إليه هو المحافظة على الذات. كما أن هناك علاقة ترابطية بين تقدير الذات والنجاح في الحياة. واعتبر قطع العلاقات مع المخالف  والتهميش والتمييز و التجريم والإقصاء سلوكيات خاطئة. كما اعتبر الخوف المرضي (الرعاب) والتقزز والغضب علاقات وجدانية سلبية. وطالب برفع التحدي في موضوع العوائق السوسيوثقافية، والتبوهات، والجهل والأمية، و إقصاء بعض الفاعلين الاجتماعيين ذوي الوقع الكبير في المجتمع. وتطرق إلى ميكانيزمات تحليل الخطاب الثقافي و استنطاقه، و تطوير مقاربات التحليل العلمي، و  توسيع مجال مقاربات التواصل عن قرب، وتوسيع تقنيات التفاعل الاجتماعي التي أبانت عن النجاعة في تغيير السلوكيات الخطرة ( التثقيف بالنظير ، المسرح التفاعلي ، المهارات الحياتية … ). فحقيقة مقاربة التثقيف النظير أنها مقاربة علمية / تواصلية، ومنهجيتها التثقيف عن قرب، وأساسها فاعل جديد هو المثقف النظير، وهدفها تمكين الشباب من اكتساب القيم الإيجابية. ويفيد مفهوم “النظير” (le pair) لغويا، المتكافئ في الخصائص والمواصفات مع أفراد مجموعة معينة، وهو “الند” أيضا. ولذلك يقال “فلان نظير فلان أو نده”، أي شبيهه. ومن هذا المنطلق، تكون مقاربة التثقيف بالنظير فعالة وذات قيمة مضافة لتربية وتثقيف الشباب واليافعين. كما أشار إلى المهارات الحياتية التي هي مجموعة من المهارات المكتسبة ( معارف ملائمة، خبرات وتجارب) أو التمكنات المتعلقة بسلوك إيجابي يمكن الأفراد من المواجهة الفعالة لمطالب وتحديات الحياة اليومية. وهي تساعد الأفراد على اتخاذ القرارات، وحل المشاكل، و التفكير بطريقة نقدية / تقويمية إبداعية، و التواصل الإيجابي ، و بناء علاقات سليمة، و تدبير الحياة بطريقة سوية ومنتجة. وصنف المهارات الحياتية إلى صنفين : مهارات حياتية خاصة  : ترتبط بكل مجال من مجالات حياة المراهقين والشباب كل على حدة ، مهارات مشتركة ( عرضانية ) : عامة لكل مجالات حياة المراهقين والشباب. وأشار إلى نماذج من المهارات الحياتية المشتركة كالتعبير عن المشاعر، و التواصل الفعال، و توكيد الحقوق وصناعة الحدود الصحية، و التعامل مع الأزمات ومواجهة النقد، و تنمية القدرة على فحص الأفكار وتصحيح طرائق التفكير الخاطئة باعتبارها خطوة أساسية للتحكم في السلوك، و القدرة على التصدي للإحباط والقلق، و القدرة على التفاوض والإقناع، و احترام الجنس الآخر، و التغلب على العنف والاعتداء، و  التغلب على ضغوط الأنداد، و القدرة على تحليل الرسائل المرتبطة بالدعاية والإشهار، و اعتماد التحليل المنطقي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق