وحدة المملكة المغربية علم وعمرانمعالم

المجال العلمي والتعليمي بحاضرة أنفا

الدكتور مصطفى مختار

باحث بمركز علم وعمران

 

أسهم العلم والتعليم، بحاضرة أنفا، في تشكيل مجال ثقافي تناقلت عبره المعارف والتقنيات، بفضل تشجيع أهل أنفا[1]، وبفضل مجموعة من الفاعلين المجاليين. وفي هذا الصدد، يحتمل سيدي محمد المنوني، رحمه الله، وجود مؤسسة تعليمية داخل حاضرة أنفا شبيهة بدار المرابطين، بمنطقة أنقال، ضواحي أنفا[2]. ولعلها ذات صلة بالعلماء الذين أرسلهم المرابطون لمناظرة برغواطة [3].

   ومن المعالم العمرانية العلمية التي تشكلت، بحاضرة أنفا، جامعها الكبير[4]. ويظهر أنه تنامت به مدرسة أنفا الحفيلة[5]. حيث كان من المدرسين بها العدل سيدي علي بن إبراهيم الأنصاري، الشهير بابن الرقاص المالقي[6] الذي حل بحاضرة أنفا، وأقرأ في مدرستها وجامعها الكبير معا[7]. ولعله درّس بهما علم المواريث، بوصفه جزءا من خطة العدالة، وبوصفه لصيقا بعلم الرياضيات[8].

   مثل ما درّس، بحاضرة سلا. حيث كان “رئيس المدرسة بها، مُجَمْرا بكرسيها، فارعا بمنبرها، بالواردة السلطانية، يفسر كتاب الله بين العشاءين، شرحا كثير العيون، محذوف الفضول، بالغاً أقصى مبالغ الفصاحة، مُسمعا على المحال النّابية،  ويدرس من الغَدَوات بالمدرسة، دولا في العربية، والفقه“[9].

  وكان قد قرأ، بمالقة، على القاضين سيدي أبي عبد الله إبن تِبر/ أبي بكر، وسيدي أبي عمرو بن منظور. وتلا القرآن على سيدي أبي محمد بن أيوب. ودرس العربية، بغرناطة، على سيدي أبي عبد الله بن الفخار، وسيدي أبي الحسن بن الجيّاب. وتلقى العلم على كثير من أعلام المغرب، مثل سيدي أبي محمد الحَضْرمي، والقاضي سيدي أبي عبد الله المقري، وغيرهما، إلى أن أصبح قاضيا، بشرق مالقة [10].

   وبالإضافة إليه، درس بمدرسة أنفا المذكورة القاضي، بقصر كتامة، وحص القاهرة، بسكساوة، وأزمور، سيدي أبو بكر عثمان بن صالح المسراتي المراكشي[11]. حيث أقرأ بها “كتاب أبي عمرو بن الحاجب” في الفقه [12]. وسبق له أن قرأ، بمراكش، على سيدي أبي الحسن المُرسي وسيدي أبي عبد الله العَبْدَري، وبحاحة، على سيدي يحيى بن سعيد، وسيدي أبي زيد بن عبد الله وأخيه سيدي أبي بكر، وبأغمات، على سيدي أبي العباس أيَّزْم[13].

   ولعل قريبا من الجامع الكبير والمدرسة المرينية، تنامى شبه مركب قضائي [14] نشط داخله أو بمحيطه بعض علماء حاضرة أنفا الذين منهم القاضي سيدي أبو علي عمر بن محمد الزناتي أو الزياني، “الرائق الخط، الجَمَّاعة للدفاتر“[15]. ومنهم القاضي سيدي عمران بن موسى الهواري السلوي[16]، دفين سلا[17] الذي من المحتمل أنه كان خطيبا بجامع أنفا الكبير[18]. وسبق له أن أخذ عن سيدي محمد بن جابر بن ذي النون، وسيدي أبي القاسم بن سمجون، بغرناطة. وأقرأ بها اللغة العربية التي من المحتمل أنه أخذها عن سيدي أبي الحسن بن خروف. وروى عنه سيدي أبو العباس ابن فرتون الذي لقيه بسبتة[19]. وأقرأ ببلده سلا، وبمالقة ومراكش وغيرها[20]. وكان قاضيا بمراكش[21]، وسلا[22].

   ولعل منهم العدل سيدي عبد الله ابن رضوان النجاري[23]، دفين مقبرة الحاج صالح، بحاضرة أنفا. قرأ، بمالقة، على المقرئِين أبي محمد بن أيوب، وأبي عبد الله المهندس، وأبي عبد الله بن أبي الجيش، والقاضي أبي جعفر بن عبد الحق. وروى عن المحدث أبي جعفر الطَّنجالي، والقاضي أبي بكر بن منظور. وبغرناطة، قرأ على الكاتب أبي الحسن بن الجيّاب، وقاضي الجماعة، أبي القاسم بن أحمد الحسني. وبفاس، على عبد المهيمن الحَضْرمي، والقاضي إبراهيم بن أبي يحيى، وأبي العباس بن يَرْبوع السَّبتي. وبتلمسان، على أبي عبد الله الآبِلي، وأبي عبد الله النَّجار، وغيرهما. وبتونس، على قاضي الجماعة، أبي عبد الله بن عبد السلام[24].

   ومن المحتمل أنه، بأطراف مركزية جامع أنفا الكبير، تنامت زاوية سيدي يحيى بن إبراهيم البرغواطي التي زارها ابن زمرك رفقة لسان الدين ابن الخطيب[25]. وصاحبُها من أهل حاضرة أنفا، “من بيت عمال يعرفون ببني التُّرجمان“. قدم على الأندلس. ونزل برباط السُّودان، خارج حاضرة مالقة[26].

   وببعض دروب حاضرة أنفا، قطن مُسهمون في المجال العلمي التعليمي بها. منهم سيدي علي بن أبي الحسين الحضرمي الإشبيلي، الشهير بابن عصفور، من أهل إشبيلية. درس على أبي علي الشلوبين، بها. وأقرأ ببلده هذه، وبشريش شذونة، وبمالقة، ولورقة، ومرسية، وأملى بها كلها تقاييده على الجمل للزجاجي، وإيضاح الفارسي، وكتاب سيبويه. وأقام بسلا، وأنفا، وأزمور. وحل بمراكش، وبجاية. وقطن قصبة تونس[27]. وهو ممن أغفل ذكره العلامة مصطفى بوشعراء.

  ومنهم سيدي إبراهيم بن مناد البرغواطي[28]، وسيدي سليمان بن عبد الرحمن البرغواطي. لقي الضياء القسطلاني، ببلاد الحجاز، وأخذ عنه[29]. وبذلك، تنقلت المعارف والتقنيات، بمعالم أنفا العمرانية، عبر طريق البحر الأطلنتي (الأندلس) وعبر مسالك أجزاء من شمال المغرب وجنوبه (فاس- حاحة).

الإحالات:

[1] نفاضة الجراب، ج1، ابن الخطيب، تعليق: أ. العبادي، د. النشر المغربية، 1985 م، ص79؛ ووصف إفريقيا، ج1، ح. الوزان، د. الغرب الإسلامي، 1983 م، ص197؛ وعبير الزهور، ج1، هـ. المعروفي، م. النجاح الجديدة، 2013 م، ص79.

[2] أنفا في عهد المرينيين، محمد المنوني، في: المدينة في تاريخ المغرب العربي، مطابع سلا، ص251.

[3] وصف إفريقيا، ج1، ص195؛ وإفريقيا، ج1، مارمول كاربخال، ترجمة: محمد حجي وآخرون، مطابع المعارف الجديدة، 1984 م، ص304.

[4] الرحلة المغربية، إبراهيم النميري، تخريج: عبد القادر سعود، الرابطة المحمدية للعلماء، 2021 م، ص343، وص348؛ وعبير الزهور، ج1، ص71، وص85.

[5] الرحلة المغربية، ص343، وص344، وص352؛ والمسند الصحيح الحسن، محمد ابن مرزوق، تحقيق: ماريا بيغيرا، الشركة الوطنية، 1981 م، ص406؛ ونفاضة الجراب، ج1، ص79- 80؛ والإحاطة، مج.4، ابن الخطيب، تحقيق: محمد عنان، الشركة المصرية، 1978 م، ص117؛ والإعلام، ج1، ع. السملالي، المطبعة الملكية، 1993 م، ص208؛ وعبير الزهور، ج1، ص79، وص80، وص85.

[6] الإحاطة، مج.4، ص117؛ والرحلة المغربية، ص341؛ وعبير الزهور، ج1، ص85.

[7] الإحاطة، مج.4، ص117؛ والرحلة المغربية، ص343، وص344، وص347، وص348؛ وعبير الزهور، ج1، ص85.

[8] مادة أسرير، – سوس، في: معلمة المغرب، ج2، ص410.

[9] الإحاطة، مج.4، ص117. وهو ممن أغفل ذكره العلامة مصطفى بوشعراء.

[10] الإحاطة، مج.4، ص117- 118؛ والرحلة المغربية، ص341- 343؛ وعبير الزهور، ج1، ص85.

[11] نفاضة الجراب، ج1، ص79؛ والإعلام بمن حل مراكش، ج1، ص208؛ وعبير الزهور، ج1، ص79، وص80.

[12] نفاضة الجراب، ج1، ص79- 80. قابل بـ: الإعلام بمن حل مراكش، ج1، ص208؛ وعبير الزهور، ج1، ص80.

[13] نفاضة الجراب، ج1، ص79؛ والإعلام بمن حل مراكش، ج1، ص208؛ وعبير الزهور، ج1، ص79- 80.

[14] الذيل والتكملة، س8، ق1، محمد ابن عبد الملك، تحقيق: محمد بنشريفة، مطبعة المعارف الجديدة، 1984 م، ص243؛ ونفاضة الجراب، ج1، ص79- 80، وص80؛ ومفاخر البربر، صالح الإيلاني، تحقيق: عبد القادر بوباية، دار أبي رقراق، 2008 م، ص175- 176، وص182؛ والإحاطة، مج.4، ص117؛ والإعلام بمن حل مراكش، ج1، ص208؛ وج9، 1980 م، ص307؛ وعبير الزهور، ج1، ص71، وص79، وص80، وص84، وص85، وص86.

[15] نفاضة الجراب، ج1، ص80؛ وعبير الزهور، ج1، ص80.

[16] الذيل والتكملة، السفر الثامن، القسم الأول، ص243؛ والإعلام، ج9، ص307؛ وعبير الزهور، ج1، ص85.

[17] الذيل والتكملة، س8، ق2، ص559؛ وكتاب صلة الصلة، ق4، أحمد ابن الزبير، تحقيق: عبد السلام الهراس- سعيد أعراب، مطبعة فضالة، 1994 م، ص177؛ والإعلام، ج9، ص306؛ وعبير الزهور، ج1، ص84، وص85.

[18] الذيل والتكملة، السفر الثامن، القسم الأول، ص243؛ والإعلام، ج9، ص307؛ وعبير الزهور، ج1، ص85.

[19] الذيل والتكملة، السفر الثامن، القسم الثاني، ص559؛ وكتاب صلة الصلة، القسم الرابع، ص177؛ وعبير الزهور، ج1، ص84.

[20] الذيل والتكملة، السفر الثامن، القسم الأول، ص243؛ والإعلام بمن حل مراكش، ج9، ص307؛ وعبير الزهور، ج1، ص85.

[21] عبير الزهور، ج1، ص85.

[22] الإعلام بمن حل مراكش، ج9، ص307.

[23] الإحاطة، مج.3، 1976 م، ص443.

[24] الإحاطة، مج.3، ص443، وص444، وص456؛ وبيوتات فاس، ابن الأحمر، الرباط، دار المنصور، 1972 م، ص70؛ وذكر بعض مشاهير أهل فاس، عبد الرحمن الفاسي، تحقيق: خالد الصقلي، آنفو- برانت، 2007 م، ص59، وص114؛ وتحفة الأكياس، محمد الكتاني، ذيل زهر الآس، ج2، تحقيق: علي الكتاني، مطبعة النجاح الجديدة، 2002 م، ص364؛ وكتاب ذكر مشاهير أعيان فاس-2، مجهول، تحقيق: عبد القادر زمامة، في: مجلة البحث العلمي، عدد 4- 5، ص104؛ وجذوة الاقتباس، ق2، أحمد ابن القاضي، دار المنصور، 1973 م، ص435، وص436، وص437؛ والإعلام، ج8، 1977 م، ص223- 228؛ وعبير الزهور، ج1، ص86.

[25] أنفا في عهد المرينيين، ص255.

[26] الإحاطة، مج.4، ص427.

[27] الذيل والتكملة، س5، ق1، تحقيق: إحسان عباس، مطبعة سميا، 1965 م، ص414؛ وكتاب صلة الصلة، ق4، ص147، وص148؛ وعناية الدراية، أحمد الغبريني، تحقيق: رابح بونار، الشركة الوطنية، 1970 م، ص266- 268؛ والإعلام بمن حل، ج9، ص134، وص135، وص136؛ وعبير الزهور، ج1، ص87.

[28] عبير الزهور، ج1، ص86؛ ومفاخر البربر، ص183.

[29] أنفا في عهد المرينيين، ص253- 254.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق