مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكدراسات عامة

الكسب عند السادة الاشاعرة 20

 

محمد كرماط 

باحث متخصص في العقيدة الأشعرية

 

المذهب الثاني : مذهب  الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني

نسب إبراهيم الحلبي إلى الأستاذ قولين في المسألة فقال:”القول الرابع: للأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني على أحد الاحتمالين في قوله بحصوله بالقدرتين وهو أن قدرته تعالى مستقلة بالتأثير فيه وقدرة العبد أيضا مستقلة بالتأثير فيه، ومع ذلك هما معا مؤثر ثان فيه. والتزم جواز اجتماع مؤثرين مستقلين على أثر واحد وتعلق قدرته تعالى بما تعلقت به قدرة العبد هو الإعانة، وتعلق قدرة العبد بما تعلقت به قدرته تعالى هو الكسب. فالكسب عنده فعل فاعل بمعين”[1]

وحاصله: أن الكسب فعل فاعل غير مستقل بالتأثير، بل هو محتاج إلى معين هو الحق سبحانه ، وإعانته للعبد: إذنه له بتمكينه إياه من الفعل الذي تعلقت به إرادته. فيكون مذهبه أن فعل العبد الاختياري موجود بكلا القدرتين: قدرة العبد، وقدرة الله تعالى على جهة الإعانة والإسعاد لقدرة العبد على أن تؤثر كلاهما في الفعل بالمعنى المصدري وبالمعنى الحاصل بالمصدر.

ولعل هذا المذهب هو الذي استساغه سيدي زروق في “شرحه على الغزالية” حيث قال:” وقد تكلم علماؤنا في الكسب؛ فقال الأستاذ: الكسب فعل فاعل بمعين، والاختراع فعل فاعل لا بمعين. ومثله بقوى يحمل شيئا، وآخر يعجز عن حمله إلا بمعين.”قال:” وللإمام (أي:الأشعري) وإمام الحرمين في ذلك مذهب لا حاجة به هنا..قال ابن عرفة:”الكسب عبارة عن مقارنة الفعل الواقع بقدرة الله تعالى لملاءمته لنفس من خلق الله الفعل له”. “[2]اهـ

أما القول الثاني المعزو للأستاذ :” وهو أن قدرته تعالى مستقلة بالتأثير فيه كما في الاحتمال الأول، وقدرة العبد غير مستقلة بالتأثير لكن إذا ضمت إليها قدرته تعالى صارت مستقلة به. ومع ذلك هما معا مؤثران فيه فلا يلزم على هذا الاحتمال توارد العلتين المستقلتين على أثر واحد والكلام في الإعانة والكسب كما في الأول”[3]اهـ

  إلا أن قوله الأول هو الأظهر كما ذكره الشيخ الكوثري في “تعليقه على اللمعة”، قال السعد التفتازاني:”فإن أراد –الأستاذ- قدرة العبد غير مستقلة بالتأثير وإذا انضمت إليها قدرة الله صارت مستقلة بالتأثير بتوسط هذه الإعانة على ما قدره العبد فقريب من الحق، وإن أراد أن كلا من القدرتين مستقلة بالتأثير فباطل لما سبق[4][5]اهـ

 ويلزم على هذا المذهب تبعض قدرة الله، أي تعلق بعضها لا كلها بفعل العبد، بأن يمسك بعضها ويصرف بعضها الآخر، لأنها لو تعلقت كلها به لاستبدت به واختطفته من العبد، ولما أبقت لقدرة العبد شيئا من التأثير لقوتها. والتبعض على قدرة الله تعالى محال، كما يلزم على هذا المذهب قبول قدرة الله تعالى للشريك وهو محال أيضا.

ملاحظة:قد قام السنوسي بتأويل ما ذهب إليه هذان الإمامان على وجه صحيح يتفق مع مشهور المذهب،إن كان قد صدر منهما ذلك على سبيل البحث أو المناظرة مع الخصوم؛ فيكونان قد ارتكبا المجاز في عبارتهما مبالغة للرد على شبهة الجبرية النافين للقدرة الحادثة مطلقا[6]. وعليه فلا يعول على كلامهما في ذلك كما هو معروف كقاعدة عند العلماء أن: (قول العالم في أثناء مجادلته لا يعتبر قولا له في غير مساقه).

 

 


[1] – إبراهيم الحلبي”اللمعة”ص:51-52

[2] – سيدي زروق”شرح عقيدة الإمام الغزالي”ص:91-92

[3] – إبراهيم الحلبي”اللمعة”ص:52

[4] – أي لاجتماع مؤثرين على أثر واحد وهو محال.

[5] – التفتازاني”شرح المقاصد”(4/224)

[6] – انظره بتمامه في”شرح الوسطى”ص:243-244

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق