وحدة الإحياءمفاهيم

القرآن الكريم.. ومناهج تحليل الخطاب

ظل فهم القرآن وبيان معانيه مرتبطا بما اصطلح عليه “بعلم التفسير” حتى تقرر لدى الخاص والعام أن التفسير هو العلم الذي يهتم ببيان معاني مفردات القرآن ومعاني جمله ثم دلالة هذه المفردات والجمل على المباني…

كما ظل أهل هذا العلم هم المفسرون الذين اجتمع فيهم من المؤهلات المعرفية ما يمكنهم من إدراك مراد الله تعالى فيما جاء مشكلا من آيات القرآن، وكشأن جميع العلوم والمعارف فإن للتفسير أصولا وقواعد وآدابا هي التي تضبط عمل المفسر موضوعيا ومنهجيا.

وقد شهد عصرنا الراهن دعوات لإعادة النظر في مجمل التراث التفسيري المتراكم على مر القرون، جاءت هذه الدعوات من كتاب معاصرين لم يتوفر فيهم من المؤهلات ما يجعلهم يصنفون مع المفسرين، كما أن دعواتهم حرصت على هدم أصول التفسير وقواعده لتعويضها بما اصطلح عليه بمناهج تحليل الخطاب أو بالمناهج المعرفية المعاصرة…

وهذا الموضوع عبارة عن دراسة تقويمية لهذه الدعوات في مباحث ثلاثة:

المبحث التمهيدي: خصص لعرض وتحليل قضايا المصطلح التي يثيرها الموضوع.

المبحث الأول: عرض تحليلي لهذه الدعوات من خلال نماذج.

المبحث الثاني: دراسة تقويمية لهذه الظاهرة التي لها جذور في تاريخ التفسير.

مبحث تمهيدي: قضايا المصطلح

قبل التطرق لمذاهب المعاصرين وآرائهم بخصوص تطبيق مختلف المناهج المعرفية الحديثة أو مناهج تحليل الخطاب على القرآن، وما يترتب على ذلك بالنسبة لفهم كتاب الله وتفسيره، ثم آثار تطبيق هذه المناهج سلبا أو إيجابا على الدرس القرآني… ينبغي قبل ذلك البدء بتحديد وضبط قضايا المصطلح التي يثيرها الموضوع.

المطلب الأول: مصطلح المنهج في الدراسات الإنسانية

يطلق المنهج أو المناهج في اللغة ليراد به الطريق الواضح، ومنه قوله تعالى: ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا﴾ [المائدة: 48][1].

ثم صار مصطلحا يعني إجمالا: “طريق البحث عن الحقيقة في أي علم من العلوم، أو في أي نطاق من نطاقات المعرفة الإنسانية”[2].

وفي يومنا الراهن فإن هذا المصطلح يدل على:

أ. مجموع الطرق التي يتبعها العقل من أجل اكتشاف الحقيقة والبرهنة عليها.

ب. مجموع الطرق العقلية المتبعة من أجل الوصول إلى غاية.

ج. القواعد التي يتأسس عليها تعليم أو تطبيق فن أو تقنية.

د. وسيلة لوصف الطريق التي يجب إتباعها[3].

غير أن المعنى الأول هو الذي يطغى على المصطلح حين نقوم بإطلاقه ـ فالمراد به دائما ينصرف:

إما إلى اكتشاف الحقيقة.

وإما إلى البرهنة والاستدلال عليها.

وأهمية هذا المنهج في الدراسات الإنسانية تتجلى في أنه يشكل “حاجزا بين الذات والموضوع” أي بين ذات الدارس أو الباحث غير المجردة من الخلفيات وبين الموضوع المطروح الذي قد يقول أشياء بعيدة عن دلالته، فالمنهج من هذا المنظور يعتبر:

  1. وسيطا بين الدارس والموضوع المدروس.
  2. كما يحظى بخاصية الاستقلالية عنهما معا.

وهو بهذه الخاصية يعتبر “رديف الآلة في العلم المعاصر”[4].

وخلاصة الكلام أن المنهج هو “الطريقة التي تضمن للباحث أن يصل إلى الحق الذي يبتغيه، ولا يضل في السعي إليه بين السبل المتشبعة، ولا يلتبس الباطل عليه بالحق فيركن إليه ظانا أنه الحق الذي يبحث عنه ويسعى إليه، سواء كان هذا الحق الذي يبحث عنه خبرا يريد أن يتبين صحته أو أن يعلم مضمونه، أم أطروحة علمية يريد أن يعرف دلائل صحتها أو بطلانها”[5].

ولا تكاد توجد أمة ذات حضارة يخلو تاريخ فكرها من اهتمام بهذا الموضوع، لكن هذه الأمم تتفاوت في تصورها لقضية المنهج ودوره، اعتبارا لتطورها الفكري وثوابت عقيدتها واستيعابها لأهمية المنهج في مجال البحث[6].

وبالنسبة لعلماء الإسلام فإن أهم ما أسهموا به في حقل المناهج:

منهج تمحيص النصوص ونقدها من جهة الرواية، وهذا علم واسع يشمل ما اصطلح عليه بعلم الجرح والتعديل وعلم تاريخ الرواة وما تفرع عنهما في مجال دراسة السنة النبوية ثم التاريخ وغير ذلك…[7].

المنهج الثاني اصطلح عليه بقواعد تفسير النصوص وهو لباب علم أصوله الفقه[8]، ويأتي بعد المنهجين:

منهج البحث والنظر في مجال أصول الدين أي العقيدة[9].

منهج فهم كتاب الله وتفسيره والاستنباط منه، وهو متعلق في معظمه بقواعد تفسير النصوص الذي سبقت الإشارة إليها[10].

وقد أقام علماء الإسلام هذه المناهج على أسس وقواعد تابثة لا تدع مجالا للنزعات والميول الذاتية، وكان دافعهم إلى وضع تلك الضوابط المنهجية الصارمة:

أ. حرصهم على الموضوعية العلمية التي لا تترك مجالا لصاحب هوى ولا لصاحب بدعة أو شذوذ فكري أو عقدي.

ب. يقينهم بأن المناهج التي وضعوها إنما هي موجهة بالأساس لخدمة نصوص الوحي من جهة الفهم السليم لها.

لقد كان علماء الإسلام ـ وهم يضعون مناهجهم[11] موقنين بأن تفسير نصوص الوحي قرآنا وسنة هو شهادة عن الله، وأن هذه الشهادة تستلزم من الاحتياط أضعاف ما يستلزمه أي شيء آخر غيرها.

المطلب الثاني: مفهوم المعرفة في مجال البحث العلمي

يعرف البحث بأنه “التقصي بعناية… وإنه على الأخص استقصاء منهجي في سبيل زيادة مجموع المعرفة”[12].

أما “البحث العلمي” فهو نشاط “يفيد في زيادة كمية المعرفة في الميادين العلمية بهدف أو بغير هدف محدد”.

والعلم تبعا لذلك ليس مجرد كتلة من الحقائق المتراكمة، بل هو طريق للوصول إلى هذه الحقائق التي ستشكل المعرفة فالبحث العلمي يتوجه غالبا إلى توليد النظريات ثم اختيار صدقها، فإذا اجتازت مرحلة التجربة انضافت إلى المعارف المكتسبة، غير أنه في مجال العلوم الإنسانية والتجريبية لا تلبث المعارف المكتسبة أن تزول بفعل التطور العلمي المتزايد، ومن ثم فإن البحث في العلوم الإنسانية والتجريبية لا يبحث أبدا في “الحقيقة اليقينية” بل يحاول فقط أن يقترب منها أو يلتصق بها[13].

أما مصطلح “المعرفة” فقد ورد في كتب علم الكلام “أن المعرفة اعتقاد الشيء على ما هو به مع سكون النفس” أو هي “اعتقاد الشيء على ما هو به عن دليل”[14]. وعادة ما يعني مصطلح “المعرفة” في الوقت الراهن “مجموع ما يصل إليه العلم ويدركه في مجال الثقافة والتربية والعلوم”[15].

ومصادر المعرفة في التصور الإسلامي تنحصر في مصدرين اثنين:[16]

الوحي الإلهي كتابا وسنة.

والعقل الإنساني المبدع.

وعلاقة الوحي بالعقل ـ في التصور الإسلامي ـ علاقة تلازم بالضرورة، فبدون العقل نسيء فهم الوحي، كما لا يمكننا أن نتكلم عن العقل إذ انحرف عن التزام جادة الوحي.

والمشكلة هي في كيفية استخدام العقل لا في ضرورته، فالعقل مصدر للمعرفة في الإسلام، لكن لابد من استخدامه في إطار الوحي وغايته، أي لابد من انضباط والتزام في استخدام العقل[17].

والمعرفة في التصور الإسلامي قسمان:

معرفة تتصل “بعالم الشهادة” أي بالعالم المادي الذي يدركه الإنسان بما زود به من حواس، فهو يقع تحت مداركه العقلية.

معرفة تتعلق بعالم الغيب” أي قضايا العقيدة التي لا تقع تحت المدارك العقلية، ودور الإنسان حيالها هو التلقي من الوحي والتصديق[18].

ومصطلح المعرفة” لا يقصد به في الفكر الإسلامي إلا أحد أمرين:

ما دل عليه صحيح المنقول من نصوص الوحي الإلهي.

ما انتهى إليه صريح المعقول مما يدخل تحت الإدراك العقلي للإنسان[19].

ومنهج البحث عن المعرفة في مجال الدراسات الإسلامية عامة والقرآن خاصة يقتضي الاستخدام المنهجي المنضبط للعقل والبعد عن العشوائية والتخبط، كما يستوجب الاحتراز عن الخوض في مجال هذه الدراسات عامة من منطلق الجهل أو نقصان المؤهل…

المطلب الثالث: المراد بالمناهج المعرفية في كتابات المعاصرين المتصلة بالقرآن

لعله من الأنسب الإشارة مبدئيا إلى أن ما يصطلح عليه “بالمناهج المعرفية” طرحت في كتابات المعاصرين المتصلة بالقرآن باعتبار هذه المناهج وسائل لفهم اللغة وتفسير النصوص.

والنظرة التاريخية المتأنية توصلنا إلى أن رواج هذه المناهج وانتشارها ثم تداولها وثيق الصلة بظهور “البنيوية”[20]، فقد كان فهم النصوص وتفسيرها يدور بين المؤلف أو الدارس وبين النص بحد ذاته، وقد أبدع الفكر البشري مناهج متعددة للفهم والتفسير والتأويل فهناك مناهج الدراسة الأدبية، ومناهج توثيق وتفسير التاريخ… الخ، كما وجدت في البيئة الإسلامية ـ بخاصة ـ مناهج الفهم المتكامل السليم لنصوص القرآن والسنة، فلما ظهرت البنيوية نظرت إلى النصوص على أنها سلسلة أو منظومة من القواعد المتفاعلة التي لا تتوقف أبدا عن توليد معاني جديدة.

ومن ثم اشتهرت البنيوية بخاصيتين اثنتين:

  1. تنظر إلى النصوص على أنها تظل دائما قابلة للتفسير، وتنظر إلى التفسير” أو “القراءة” بأنه عملية مستمرة لا تكتمل الاكتمال النهائي أبدا.
  2. كما تنظر إلى “المفسر أو القارئ بأنه يساهم في إنتاج المعاني، لذلك فالبنيوية تذهب إلى عدم وجود قراءة (أو تفسير) بريئة لأي نص من النصوص حيث أن القراءة أو التفسير يفترض أنهما عملية إنتاج جديدة[21].

وقد خرجت من عباءة البنيوية الكثير من نظريات التفسير والقراءة خاصة في حقبة الستينات، لكن هذه النزعة ابتدأت في الأفول آخر هذه الفترة تاركة المجال لنظريات تجاوزتها كنظرية جاك ديريدا (التي تعني بدراسة الكتابة Grammatologie وتقوم على التمييز بين اللغة من حيث هي أصوات وباعتبارها علامات… وقد تجاوزها الزمن في مواطنها هي الأخرى.

وليس بدعا أن نقول إن الدراسات القرآنية وعلم التفسير تحديدا أضحى منذ عقود مجالا “لتخصيب” كل جديد أو قديم يظهر في ميدان ما يصطلح عليه “بالعلوم الإنسانية”[22].

وبتتبع واستقراء مختلف كتابات المعاصرين الداعية إلى فهم كتاب الله في ضوء المناهج الحديثة لتحليل الخطاب، لا نكاد نجد قاسما مشتركا بين مختلف الكتابات سوى تلك الرغبة الجامحة لإسقاط أي “نظرية” على النص القرآني دون مراعاة مدى توافقها معه أو مجافاتها له.

والدارس اليوم يستطيع أن يقرر بناء على ما صدر من إسهامات متصلة بمجال تطبيق المناهج المعاصرة على القرآن أنه ما من منهج أو نظرية معرفية ظهرت إلا انعكس صداها في الدرس القرآني[23].

وقد ساهم في ذلك أن الكثير من الكتاب العرب الذين تم تكوينهم في دول الغرب، وهناك تم إعداد طائفة منهم لغرض ترويج فلسفات ومناهج معينة في البيئة الثقافية الإسلامية، بل إن عددا لا يستهان به من الرسائل والأطروحات “الجامعية” أنجزت لهذا الهدف، وكان من باب ترويج هذه المناهج توجيه هذه البحوث لقراءة وتفسير بعض آي القرآن طبقا لمعطيات هذه “المناهج المعرفية”.

المطلب الرابع: إسهامات المعاصرين في مجال تطبيق هذه المناهج على القرآن  

على تعدد التفاسير الشاملة لجميع آي القرآن التي أنتجها المعاصرون، فإنه لم يوفق أي من دعاة تطبيق المناهج المعرفية المعاصرة إلى تأليف تفسير كامل للقرآن، بل ظلت جهود هؤلاء الدعاة عند حدود وضع مشاريع وتطبيقها على بعض النصوص، وقد يقضون أعمارهم متراوحين بين مختلف المناهج… ولذلك فإن إسهاماتهم لم تفض إلى ظهور تفسير كامل، وظلت مشاريع يأملون في أن ترى النور مع غيرهم.

وهذا المطلب سيسعى إلى جرد أشهر هذه الإسهامات أو المشاريع التي نشرها بعض دعاة تطبيق المناهج المعرفية المعاصرة على القرآن الكريم وتفسيره..

وإذا كان الغربيون ـ والمفكرون الفرنسيون بخاصة ـ قد وجدوا في أواخر الخمسينات وعقد الستينات ملاذهم في الفكر البنيوي بتشعباته المختلفة باعتباره وسيلة لتفسير الوعي بالحياة ولفهم مختلف الظواهر ثم تفسير النصوص بعد أن ربط البنيويون نظريتهم بمفهوم اللغة عند دي سوسير… أقول؛ إذا كان حال الغربيين كذلك، فقد كان الحال عند أغلب المفكرين والمؤلفين العرب خلافه حيث وجد للفكر الماركسي رواج، وسعت طائفة من هؤلاء “المفكرين” إلى إعادة تفسير التراث الإسلامي في محاولة للوصول إلى إضفاء فكرهم المادي على مصدر هذا التراث الذي هو الوحي الإلهي كتابا وسنة[24].

وظل تأثير الماركسية على طائفة من هؤلاء “المفكرين” حتى بعد انتهاء عقد الخمسينات والستينات[25]، ولعل أشهر الإنشائيات التي اهتم فيها هؤلاء بتفسير القرآن تفسيرا ماديا:

  1. “القرآن في ضوء الفكر المادي الجدلي” كتبه المدعو “محمد عيتاني” ت 1989م[26].
  2. “جدلية القرآن” ألفه المسمى “خليل أحمد خليل”[27].

لكن التيار الماركسي ما لبث أن تقوقع على نفسه خاصة وأنه ظل يجسد تفكير نخبة منعزلة ثقافيا واجتماعيا[28]، وبدأت بعض الأقلام تروج للفكر البنيوي بتشعباته المتنوعة ليحتل نفس الدائرة التي راوح فيها الماركسيون، والملاحظ أن الكتابات التي عملت على تطبيق البنيوية على النص القرآني كانت في جوهرها رسائل أشرف على إنجازها أساتذة الجامعات الغربية، أو كتابات تعتبر موضوعيا امتدادا لهذه الرسائل ومن نماذج ذلك:

  1. ما كتبه “الطاهر لبيب” في “سوسيولوجيا الغزل العربي” ضمن الفصل الذي خصه ل “عقيدة التوحيد والحبيبة الوحيدة” حيث تجرأ الكاتب على إسقاط نظرية لوسيان غولدمان ت 1970م في “علم الاجتماع البنيوي التكويني” على سورة الإخلاص، أشرف عليه في رسالته المستشرق الفرنسي جاك بيرك[29].
  2. ومن أكثر الكتاب العرب افتتانا بالبنيوية د. حسن قبيسي حتى اعتبره بعض الدارسين لقي ستروس العربي[30]، وعلى تعدد كتابات هذا الأخير، يبقى كتيبه “رودنسون… ونبي الإسلام” صورة مجسدة للتفسير البنيوي لنصوص القرآن خاصة بابه الثاني عن الدين وتنظيم الحياة الاجتماعية”[31].
  3. ومن الدعوات المنعكسة من تأثير النزعة البنيوية في البيئة الإسلامية تلك الدعوة الرامية إلى إعادة النظر في تفسير القرآن من منظور “اللسانيات البنيوية” خاصة، ويذهب أصحاب هذه الدعوة إلى أن هذه القراءة هي وحدها الكفيلة بضبط دلالات نصوص القرآن[32].
  4. ومن المهتمين بهذه المناهج ـ الذين اتخذوا اللغة الأجنبية أداة للخطاب ـ نجد د. محمد أركون الذي أفنى طرفا من عقد السبعينات وجل الثمانينات في المطالبة بفهم وتفسير القرآن وفق ما تقتضيه “الانثروبولوجيا البنيوية” خاصة أن القرآن في زعم الكاتب يطغى عليه البعد الأسطوري[33].
  5. وطالما أن كتاب الله تعالى أضحى ميدانا يخوض فيه غير المؤهلين لتفسيره والاستنباط منه، فقد وجدنا الكثير من دارسي الأدب، خاصة، بمجرد انبهارهم بإحدى النظريات الحديثة يقدمون على تجربتها في مجال الدرس القرآني، وقد تكون النظرية أو المنهج مجافيا لطبيعة القرآن باعتباره وحيا من الله، يختلف عن سائر النصوص التي أبدعها البشر[34].

المبحث الأول: القرآن الكريم في ضوء “المناهج المعرفية” المعاصرة: عرض وتحليل 

ظل القرآن الكريم منذ زمن نزوله موضوعا للدراسة والتفسير، ولا يوجد كتاب بلغ ما ألفه عنه معشار ما كتب عن القرآن أو أقل، فقد تلقاه المسلمون منذ الصدر الأول من السلف الصالح واشتغلوا بتدبره وتفقد أحكامه، واتسعت محاولات فهم هذا الكتاب، كما تضاعفت جهود مفسريه، ونتج عن ذلك ظهور الكثير، الذي لا يحصيه العد، من مصنفات التفسير…

والدارس اليوم حين يبحث في تاريخ وتطور “علم تفسير القرآن” يصادف بسهولة كيف انعكست كل المؤثرات الثقافية والفكرية التي شهدتها البيئة الإسلامية على هذا العلم، ورغم تعدد وتنوع واختلاف هذه المؤثرات، فقد ظل الاتجاه الغالب على التصنيف في التفسير وفيا للمنهج الذي سار عليه الصدر الأول منذ تلقيه على عهد النبوة إلى أن دون الإمام الشافعي رسالته” التي ضمنها الكثير من قواعد وأصول وآداب تفسير القرآن…[35].

وإذا كانت قد وجدت طيلة فترات من التاريخ الإسلامي نزعات واتجاهات حاولت الخروج على هذا المنهج الجامع، فقد ظلت منعزلة متقوقعة تظهر تارة وتختفي أخرى حتى انقرضت، وكانت غاية أصحاب هذه النزعات من الخوض في التفسير: إما الطعن في القرآن وتحريف أحكامه وهديه، وإما لغاية تأصيل هذه النزعات في البناء العام للفكر الإسلامي.

لكن قدر الله ماض إلى يوم القيامة بما أخبر به من حفظ لهذا الكتاب من تأويلات الجاهلين وتحريفات الغالين وانتحالات المبطلين، فظل زبد مبتدعة الخائضين في التفسير مذموما منبوذا، كما ظلت مصنفات أعلام المفسرين، الناصحين لكتاب الله، منارات للعلم (على مر القرون).

ورغم تعدد اتجاهات التفسير ومناهج المفسرين فلم يلتبس على الناس فهم كتاب ربهم بمحدثات مبتدعة المنسوبين لهذا العلم، حيث ظل العلماء يحذرون من التفسير بالرأي المذموم، أو بالهوى، ومن كل منافق عليم اللسان يؤول القرآن على غير تأويله…

والمنهج الجامع الذي سار عليه التفسير ـ كما سبقت الإشارة ـ مكن هذا العلم من الاستفادة من التطورات التي مر بها، كما أن هذا العلم احتفظ بالنافع والمجدي من جهود طبقات المتفاعلين مع القرآن سلبا أو إيجابا.

فقد درج التأليف في التفسير على نمط يكاد يكون واحدا خلال القرن الأول وجل القرن الثاني للهجرة.

ثم جدت تفاسير لغوية…

وتفاسير فقهية…

وتفاسير بيانية…

ومحاولات وإسهامات في مجال التفسير العلمي….

وانضاف ذلك كله إلى علم تفسير القرآن الكريم.

لكن وجدت كذلك مؤلفات في “التفسير الباطني” والتفسير المنتصر للمذهب الفاسد” وغيرها… لكن تلك “المؤلفات” لم تجد مكانها في البنيان العام لهذا العلم، حيث تصدى لها المفسرون وكشفوا عوارها…

ونفس ما وقع في مختلف مراحل علم التفسير يتكرر دائما حيث يبقى النافع والإيجابي ويذهب ما سواه.

وتفسير القرآن وفهمه في ضوء “المناهج المعرفية” المعاصرة لن يشذ عن هذه القاعدة المطردة، فلا ريب أن هذه المناهج ما يوفر أدوات وطرقا ستفيد الدرس القرآني، ومن هذه المناهج ما هو غير صالح أصلا للتطبيق على كتاب الله، ومن المناهج الإيجابية السابقة ما يؤدي سوء الاستفادة منه إلى جعله -أحيانا- غير صالح كذلك…

المطلب الأول: القرآن الكريم واللسانيات البنيوية

ليس من الممكن إعطاء نبذة كافية عن اللسانيات البنيوية، ولا تحديد مصطلحها ومفاهيمه نظرا لطبيعة هذه الدراسة، واعتبارا لأن الكلام في اللسانيات البنيوية غدا مجالا “رحبا وتخصصا معرفيا واسعا”[36].

وأشير مبدئيا إلى أهمية علم اللسانيات في مجال الدرس القرآني[37]، لكن هذا العلم قد يقع أن يوظف سلبيا في فهم القرآن وتأويله على غير وجهه، خاصة وأننا نعلم في تاريخ التفسير أن أهل الأهواء استغلوا “المجاز” ـ الذي لو سقط من القرآن لسقط شطر الحسن[38] ـ أقول: استغلوه لصرف معاني الآيات التي تناقض مذاهبهم وحملها على غير دلالاتها…

وفي هذا المطلب عن القرآن واللسانيات البنيوية” سأعرض لنموذجين اثنين من الإسهامات التي طبقت على كتاب الله ما اصطلح عليه “بعلم اللسان البنيوي”، ويتعلق الأمر بكتابات د. محمد أركون، ثم بمؤلف “منهجية القرآن المعرفية” لكاتب لم يذكر اسمه.

أولا: فهم القرآن وتفسيره في ضوء اللسانيات البنيوية عند أركون[39]

يجب التنبيه أولا إلى أن مشروع محمد أركون لإعادة تفسير القرآن أو قراءته “ظل يتراوح بين مختلف النظريات والمناهج، فقد دعا إلى الأخذ بالبنيوية ثم انتقل إلى اللسانيات ثم السيميائيات ثم انتقل إلى علم “الأناسة” والأنثروبولوجيا، وأحيانا يدعو إلى النظر في القرآن اعتمادا على سديم من المناهج المتعددة[40]، ولأن المجال لا يتسع لعرض تفاصيل نظريته في قراءة القرآن، فسأقف فقط ـ في عجالة ـ عند عودته إلى الاستفادة من اللسانيات البنيوية في فهم كتاب الله.

وأذكر في هذه التوطئة أن أركون يعرف القرآن اصطلاحا بأنه:

“مجموعة محدودة ومفتوحة من النصوص باللغة العربية، يمكن أن نصل إليها ماثلة في النص المثبت إملائيا بعد القرن الرابع الهجري العاشر الميلادي”[41]، ثم إن هذه النصوص، حسب الكاتب، تم شرحها وتفسيرها ثم تطبيقها وفرضها على حياة الناس بطريقة لا تسمح بحرية الفكر. قال:

“كان الوحي قد ترسخ على هيئة نظام معرفي مهيمن تماما… لقد حدث تاريخيا أن وجد أناس هضموا هذا النظام المعرفي وتمثلوه وفسروه بشكل أرثوذكسي صارم ثم طبقوه بكل جبروت، هكذا تجمعت كل الشروط الملائمة لتصفية إلحاح الفهم والتعقل أو على الأقل لضبط هذا الإلحاح وسجنه ضمن حدود لا يتعداها، لكننا نعرف جيدا ماذا يعني هذا الضبط وتلك الرقابة! لذا نلاحظ أن هناك حاجة مستمرة للنضال من أجل اكتساب استقلالية نسبية الفكر…”[42]. ويحدد أركون خطوات مشروعة لإعادة النظر في القرآن ضمن مقال عنوانه: “الإسلام والعلمانية فقال: “لنذكر الآن المهام العاجلة التي تتطلبها أية مراجعة نقدية للنص القرآني:

– ينبغي أولا إعادة كتابة قصة تشكل هذا النص بشكل جديد كليا، أي نقد القصة الرسمية للتشكيل التي رسخها التراث المنقول نقدا جذريا، وهذا يتطلب الرجوع إلى كل الوثائق التاريخية التي أتيح لها أن تصلنا سواء كانت ذات أصل شيعي أم خارجي أم سني، هكذا نتجنب كل حذف تيولوجي لطرف ضد آخر، المهم عندئذ التأكد من صحة الوثائق المستخدمة.

– بعدها نواجه ليس فقط مسألة إعادة قراءة هذه الوثائق، وإنما أيضا محاولة البحث عن وثائق أخرى ممكنة الوجود كوثائق البحر الميت التي اكتشفت مؤخرا، يفيدنا في ذلك سبر المكتبات الخاصة عند دروز سوريا أو إسماعيلية الهند أو زيدية اليمن أو علوية المغرب…[43].

– هكذا نجد أنفسنا أمام عمل ضخم من البحث وتحقيق النصوص الذي يتبعه فيما بعد، وكما حدث للأناجيل والتوراة، إعادة قراءة سيميائية ألسنية للنص القرآني، إن المنهج الألسني، رغم غلاظته وثقل أسلوبه، يمكنه أن يحررنا من تلك الحساسية التقليدية التي تسيطر على علاقتنا البسيكولوجية بتلك النصوص”[44].

ويذكر أركون في مبحث عنونه ب “معنى القرآن” Le sens du coran ” ضمن مقدمته لترجمة كازيميرسكي للقرآن المنشورة عام 1970 أن إعادة قراءة النص القرآني تمر بمراحل ثلاثة:

ـ أولا : مرحلة الدراسة اللسانية.

ـ ثانيا: مرحلة التعرف على البنية “الأسطورية” للقرآن.

ـ ثالثا: إعادة تقويم التراث التفسيري المتراكم[45].

  1. وبالنسبة للمرحلة الأولى فإن الكاتب لا يحدد لنا منهجا منضبطا لفهم القرآن وتفسيره في ضوء اللسانيات الحديثة ـ بل يقتصر جل كلامه على المطالبة بطرح المنطق اللغوي في فهم النصوص، وترك علوم اللسان العربي للبحث في “بنية الكلام القرآني”.

قال: “لبلوغ المعنى: يتعين علينا التخلي هنا عن كل قراءة خطية تعطي الأولوية للفهم المعتاد وللمنطق النحوي، فحتى لو رتبنا الآيات وفق التصنيف المعجمي ـ كما فعل محمد فؤاد عبد الباقي ـ فإنه سيظل مطروحا علينا بالضرورة تجاوز النظم البلاغي لاكتشاف نظام أكثر أهمية هو النظام البنيوي”[46] وهدف الكاتب من وراء مطالبته بطرح المنطق اللغوي هو إحلال تصوره الذي مؤداه: أنه يجب علينا الأخذ بالتفسير الرمزي بدل فهم الآيات حسبما يقتضيه مطلق اللغة والمقتضى من معنى الكلام[47]، والكاتب يرى أنه لا يجب فهم كلمات القرآن في سياق الآيات التي  ترد فيها، بل الواجب ـ حسب رأيه ـ فهمها “باعتبارها رموزا وليست مجرد دلائل لسانية بسيطة”[48].

  1. ثم ينتقل أركون إلى المرحلة الثانية حيث يتمحل ويتكلف من أجل إضفاء “البنية الأسطورية” على الخطاب القرآني.

وحتى لا يوصف بأن يسقط على القرآن مقالة الجاهليين زمن النبوة لما وصفوا القرآن بأنه “أساطير الأولين”…

يقرر بأن الأسطورة قد التبست دائما مع الخرافة، لكن مع الأنثروبولوجيا الاجتماعية “فالأسطورة تعبير رمزي عن حقائق أصلية وكونية وترتبط بالوضع الثقافي للمجتمع الذي يخلقها”[49].

ويخلص الكاتب بعد تقرير ما سلف إلى الدعوة لتبني تفسير ـ أو قراءة ـ رمزي لفهم واستيعاب الكلام ذي البنية الأسطورية الذي يتشكل منه القرآن، وقد أدى هذا التصور بالكاتب إلى إضفاء الرمزية على مجمل ما تضمنته آيات كتاب الله[50].

  1. أما المرحلة الثالثة التي تتطلبها إعادة “قراءة” القرآن عند أركون فتخص تقويم ما اصطلح عليه الكاتب “بالتفاسير التقليدية”[51]. Portée et limites des exagères traditionnelles حيث حظي التراث التفسيري لأهل السنة، عنده، بنقذ قل نظيره، في المقابل عمد المؤلف إلى الإشادة بتراث الباطنية المنسوب إلى التفسير قال: “… وبالفعل فإن الذين حازوا اسم أهل السنة والجماعة قد عملوا على تبني منهج في قراءة القرآن يناسب فرض نظرية الأمر الواقع، فالطاعة تجب للخليفة وذلك بإضفاء المشروعية على حكمه… وهكذا فقد جرى رفض إمكانية وجود معنى باطن للقرآن من قبل هؤلاء، غير أن هذا المعنى هو الذي سيحظى بالأهمية عند الشيعة بفضل تقنية في التأويل تخترق ظواهر الكلم لبلوغ الباطن[52]، وبحكم ذلك فإن الذين اعتبرتهم الإيديولوجية الرسمية مارقون من الدين، هم الذين كانت لهم القدرة لمعارضة الموقف الذرائعي للسنيين بموقف ديني قادر على إبقاء الإلحاح الأول للوحي في قلوب الناس”[53].

ثانيا: فهم القرآن وتفسيره في ضوء اللسانيات البنيوية من خلال كتاب “منهجية القرآن المعرفية[54]

نشر هذا المطبوع بعنوان “منهجية القرآن المعرفية ـ أسلمة فلسفة العلوم الطبيعية والإنسانية”، فهو لا يحصر ميدان بحثه في مجال الدرس القرآني فحسب، بل يتعدى ذلك فيعرض لما يصطلح عليه مؤلفه بأسلمة علم الاجتماع[55]، وعلم التاريخ[56] وعلم النفس[57]… وهلم جرا، رغم أن صفحات المطبوع لا تتعدى 194 صفحة حررت بلغة ركيكة جدا[58].

ومشروع إعادة تفسير القرآن اعتمادا على “اللسانيات البنيوية” عرض له المؤلف بعد مدخل طويل في الفصل الأول الذي عنونه بـ”خصائص القرآن المنهجية والمعرفية” في مبحث: “بنائية القرآن وضبط دلالات اللغة”[59].

يبدأ الكاتب أولا بالتأكيد على “نسبية الدلالة اللغوية”، فاللفظ الواحد والكلمة الواحدة في القرآن ليست لهما دلالة ثابتة، بل حتى حروف القرآن الكريم لا يمكن أن نضبط معناها.

قال “بحكم إعادة الترتيب حيث اتخذ الكتاب وحدته العضوية يفتح الطريق أمام القراءة المنهجية المعرفية، وهذه إحدى أهم معجزات القرآن، إذ النص واحد لا يتغير ولا يتبدل، وتختلف قراءته تبعا للتركيب والفارق النوعي في تطور العقل البشري، فلكل حالة عقلية تاريخية إسقاطاتها الذهنية الخاصة بها على القرآن تبعا لمبادئها العقلية وأشكال تصورها للوجود…”[60].

وقال أيضا: “فليس من أحد يستطيع ضبط الصياغة القرآنية على مستوى الحرف المماثل لصياغة الكون غير الله، فلكل حرف وظيفته (الألسنية البنيوية) في الإنشاء القرآني الذي ليس هو مجرد بلاغة فقط، فالاستخدام الإلهي للمادة اللغوية ولأي مادة في الكون يختلف نوعيا عن الاستخدام البشري مع وحدة خصائص المادة…”[61].

وإذا كان علماء التفسير وأئمة هذه الأمة منذ عصر النبوة وحتى عصرنا الراهن قد درجوا في بحثهم وتأليفهم على تقسيم مصادر التفسير إلى مصدرين رئيسيين تتفرع عنهما مصادر جزئية أو فرعية…

فبحثوا في المصادر النقلية التي منها تفسير القرآن بالقرآن وتفسيره بما صح عن النبي، صلى الله عليه وسلم، مسندا، وما صح عن صحابته، رضي الله عنهم، مما كان من قبيل المرفوع، والموقوف لفظا المرفوع حكما…

كما بحثوا في المصادر العقلية الراجعة على اللسان وما يقتضيه نظم الكلام… أقول: إذا كان الأمر كذلك فإن مؤلف “منهجية القرآن المعرفية” سعى جاهدا لهدم ذلك العلم الذي اصطلح عليه “بالتفسير”: فكانت طريقته للطعن في المصادر النقلية أن ادعى أن هذا المنقول كله مستمد من التوراة، وعمم قوله بدون استثناء.

ومما قال في ذلك: “إن من مهمات المنهجية المعرفية القرآنية ألا تتعاطى بعفوية عقلية مع التراث التفسيري الذي يستمد أصوله من الموروث التوراتي الذي يستمد أصوله بدوره من الموروث الأسطوري البابلي…”[62].

أما طريقته لهدم المصادر العقلية للتفسير فتستند إلى دعاويه بخصوص “نسبية” اللسان العربي وقصوره عن بيان مراد الله تعالى في القرآن.

ومما قال في ذلك أيضا: “…فاللغة القرآنية أكبر من قواعد اللغة، والمنهج القرآني أكبر من ضوابط المناهج الفلسفية الإنسانية، وكذلك دلالات ألفاظه المعرفية القاطعة، وكل ما يأتي به الفقه الإنساني في هذا المجال إنما هو (تحديدات نسبية إيجابية) تساعد على الفهم ولكنها لا تقنن المطلق، والقرآن مطلق…”[63].

وقد أدت هذه التصورات المغلوطة بالمؤلف إلى التقول على الله بغير علم، من ذلك ما أورده بخصوص وصف “الأمية” التي وصف بها الرسول عليه الصلاة والسلام، حيث درج في صفحات عديدة من كتابه إلى إنكار أن تكون دلالة لفظ “الأمي” هي: من لا يقرأ ولا يكتب، وصرف المعنى، بتكلف وتمحل، لكي يفيد اللفظ “غير الكتابي” أي أن الأمي هو مقابل “أهل الكتاب” الذين هم اليهود والنصارى، وسعيا منه لإسقاط تصوره وصلت نزعته المذهبية إلى الطعن والتنقيص من معاجم اللغة” كلسان العرب” لابن منظور، ولم يسعفه حظه العاثر إلا بكتاب الماركسي اللبناني حسين مروة ق 1988ﮪ “النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية” الذي وجد فيه ما يعضد به ما ادعاه بخصوص تفسير الآيات المتضمنة للفظ “الأمي”..[64]

المطلب الثاني: القرآن الكريم و”القراءة الماركسية

يرجع اهتمام الماركسيين العرب بالقرآن إلى فترة متأخرة نسبيا، فقد ظلت جهودهم ـ خلال عقود ـ منصبة على ما يصطلح عليه ب “الفلسفة الإسلامية” ثم علم الكلام المعتزلي، وظلوا يبحثون في هذا التراث عن “الجذور المادية للفكر الإسلامي”، ثم اتجه الماركسيون العرب من المشرق والمغرب في مرحلة لاحقة لإسقاط التفسير المادي التاريخي على هذا التراث من بدايته إلى مرحلته الراهنة[65].

وفي عقد السبعينات ظهرت بوادر اهتمام الماركسيين بتفسير القرآن، حيث سعوا إلى محاولة البحث عن المشروعية للإيديولوجية الماركسية في القرآن الكريم[66]، ولم ينظر الماركسيون ـ أبدا ـ إلى كتاب الله على أنه وحي، بل ساد في أوساطهم أن القرآن لا يعدو كونه جزءا من التراث الذي أنتجه عقل البشر، ولتجاوز التناقض الصارخ بين ما يقتضيه إلحاد الماركسية والأصل الرباني للقرآن عمد الماركسيون حين عرضوا في كتاباتهم للقرآن وتفسيره إلى إخضاع الوحي للتاريخ، ثم بعد ذلك تفريغ “الدين من الدين” وتحويله إلى فكر إنساني أو إن شئنا إلى إيديولوجيا” حسب الاصطلاح المعاصر.

ولعل د. حسن حنفي [67] أكثر مروجي الماركسية خوضا في القرآن والعلوم الإسلامية عامة، ظهر اهتمامه بالتفسير المادي للقرآن في مقدمته لترجمة “رسالة في اللاهوت والسياسة” لباروخ سبينوزا[68] حيث دعا في مقدمته إلى تبني منهج سبينوزا في نقده للكاتب المقدس لأجل إعادة النظر في القرآن الكريم.

ثم في مرحلة لاحقة اتجه حنفي إلى نشر سلسلة من المقالات والكتب طغى عليها التفسير الماركسي لكتاب الله تعالى، وكان ديدن الكاتب فيما نشره عن الموضوع الإلحاح والتأكيد على أن آيات القرآن هي من إنتاج الواقع الذي يفرضها ويستدعيها، ولن يكون المرء مجازفا ولا مبالغا إذا قرر بان المبدأ الماركسي الذي ينص على “أولوية الواقع على الفكر “ظل تنظيرا جاهزا آمن به حنفي وأشربه في قلبه وأسقطه على القرآن دون أن يخضعه لأي مناقشة[69].

ففي كتاب التراث والتجديد ـ موقفنا من التراث القديم” يحدد حنفي تصوره لمنهج تفسير القرآن ضمن فصل “موضوعات التجديد ـ إعادة بناء العلوم” قائلا: “…أما علم التفسير فإنه أيضا يعاد بناؤه بحيث يتم تجاوز التفسير الطولي، (سورة سورة، وآية آية) وتجاوز التفسيرات اللغوية والأدبية والفقهية… الخ وبداية التفسير الموضوع بوصف بناء الشعور…”[70].

ويذكر بعد ذلك: “… فالغائية النهائية هي الوحي ذاته وإمكانية تحويله إلى علم إنساني شامل، وهذا لا يتم إلا عن طريق (نظرية في التفسير) تكون منطقا للوحي…”[71].

ويوضح ذلك، محددا أن هذه النظرية في التفسير “تبدأ من الواقع الشعوري الذي يقدم لنا التجارب الحية التي يقوم العقل بتحليلها، ويصل إلى معان تكون هي معاني النص، والتي يمكن أيضا إدراكها بالحدس الموجه إلى النص مباشرة أو إلى الواقع المباشر”[72].

أما سبيل الوصول إلى هذه النظرية في التفسير فيحدده حنفي ضمن نفس الكتاب فصل “طرق التجديد” حيث يرى بأن تجديد اللغة هو بداية العلم الجديد[73] ويضيف أن العلوم الأساسية في تراثنا القديم ما زالت تعبر عن نفسها بالألفاظ والمصطلحات التقليدية… يسيطر على هذه اللغة القديمة الألفاظ والمصطلحات الدينية مثل: الله، الرسول، الدين، الجنة، النار، الثواب، العقاب… هذه اللغة لم تعد قادرة على التعبير عن مضامينها المتجددة طبقا لمتطلبات العصر”[74].

هكذا عمد المؤلف إلى طرح المنطق اللغوي ليفتح لنفسه باب التقول في كتاب الله، وإضفاء معطيات الإيديولوجية الماركسية على الآيات، ولم يعرف عنه ولا عن غيره من الماركسيين أنهم أخرجوا إسهامات طبقوا فيها إيديولوجيتهم، بل كل ما نجده لا يعدو كونه مجموعة إسقاطات غير منهجية على بعض القضايا المتعلقة بالقرآن.

من هذه الإسقاطات إقدام حنفي على تفسير ظاهرة الوحي تفسيرا ماركسيا قال: “الوحي ذاته مجموعة من الآيات نزلت إبان ثلاثة وعشرين عاما، كل آية أو كل مجموعة من الآيات تمثل حلا لموقف معين في الحياة اليومية لفرد أو لجماعة من الأفراد، نصوص الوحي ليست كتابا أنزل مرة واحدة مفروضا من عقل إلهي[75] ليتقبله جميع البشر، بل مجموعة من الحلول لبعض المشكلات اليومية التي تزخر بها حياة الفرد والجماعة، وكثير من هذه الحلول قد تغيرت وتبدلت حسب التجربة على مقدار الإنسان وقدرته على التحمل، وكثير من الحلول لم تكن كذلك في بادئ الأمر معطاة من الوحي بل كانت مقترحات من الفرد والجماعة ثم أيدها الوحي وفرضها، وهذه الخاصية توجد في الوحي في آخر مراحله وهو الوحي الإسلامي، فهو ليس عطاء من الوحي بقدر ما هو فرض من الواقع وتأييد الوحي له، وهذا هو معنى أسباب النزول”[76].

ويذكر في كتاب آخر عن نفس الموضوع: “ففي علوم القرآن تدل (أسباب النزول) على ارتباط الوحي بالواقع، والآية بالتاريخ، فالوحي ليس معطى من الله في لا زمان ولا مكان، بل هو تنزيل إلى البشر وحلول في التاريخ وتوجيه للوقائع وحلول للمشاكل…”[77].

فالكاتب حين يؤسس نظريته أو يسقطها، يسعى جاهدا من أجل إخضاع الوحي الإلهي للتاريخ ليتساوى مع كلام البشر، ويفقد الوحي خاصيته الربانية التي تجعله يسمو ويعلو على الزمان والمكان البعدين اللذين يظل فكر البشر وكلامهم أسيرا لهما…

هذا وقد بلغ الحال بالكاتب ـ وقد أشرب الإيديولوجية الماركسية ـ إلى أن يقول في معرض كلامه عن “منهجيتة “وعن تصوره لتطبيقات هذا “المنهج”.:

“…فإذا كان الله هو أعز ما لدينا وأغلى ما لدينا فهو الأرض والتحرر والتنمية والعدل، وإذا كان الله هو ما يقيم أودنا وأساس وجودنا ويحفظنا فهو الخبز والرزق والقوت والإرادة والحرية، وإذا كان الله ما نلجأ إليه حين الضرر، وما نستعيذ به من الشر فهو القوة والعتاد، والعدة، والاستعداد، كل إنسان وكل جماعة تسقط من احتياجاتها عليه…”[78].

وهكذا ينتهي التفسير الماركسي إلى إضفاء معطياته المادية ليس على الوحي وآيات القرآن فحسب، بل حتى على رب العزة سبحانه وتعالى عما يصفون[79].

المبحث الثاني: إسهامات المعاصرين في موضوع “منهجية القرآن المعرفية” دراسة وتقييم

قبل البدء في الدراسة التقويمية لظاهرة “تفسير” أو قراءة القرآن في ضوء “المناهج المعرفية” المعاصرة أشير إلى خاصيتين رئيسيتين طبعتا هذه الظاهرة رغم اختلاف المنطلقات “المعرفية” لدعاة هذه الظاهرة.

الخاصية الأولى

طرح المنطق اللغوي، فقد درج جميع دعاة قراءة القرآن الذين وردت أسماؤهم في هذه الدراسة على المطالبة بتجاوز ما يقتضيه اللسان العربي، وعللوا مطالبتهم إما بدعوى “تجديد اللغة” أو نسبيتها” أو “تأخرها العلمي مقارنة بعلم اللسانيات الحديث”…

ولا يخفى الهدف من وراء هذه الدعاوي، ذلك أن الضابط الأساسي الذي ظل يحكم تفسير النصوص في العلوم الإسلامية ـ وفي غيرها من علوم البشر ـ هو منطق اللغة -إن صح التعبير- فهذا الضابط هو الذي يميز الصحيح من السقيم، فإذا تم تجاوزه أو إسقاطه سهل على كل صاحب بدعة نشر دعواه أو إضفاؤها على النصوص.

وقد كان ضابط اللسان ومنطق اللغة قديما وحديثا خصما للمبتدعة وأهل الأهواء، لذلك وجدناهم فيما سلف من التاريخ الإسلامي وفي العصر الراهن لم يدعوا شبهة إلا استغلوها ضده.

وقد نقل عن الإمام الشافعي (ت 204ﮪ) رحمه الله: “ما جهل الناس أو اختلفوا إلا لتركهم لسان العرب وميلهم إلى لسان أريسطوطاليس”[80].

قال السيوطي (ت 911ﮪ) في “صون المنطق”: “أشار الشافعي بذلك إلى ما حدث في زمن المأمون من القول بخلق القرآن ونفي الرؤية وغير ذلك من البدع، وأن سببها الجهل بالعربية والبلاغة الموضوع فيها من المعاني والبيان والبديع الجامع لجميع ذلك قوله (لسان العرب) الجاري عليه نصوص القرآن والسنة، وتخريج ما ورد فيها على لسان يونان ومنطق أريسطوطاليس…”[81].

الخاصية الثانية

الحرص على هدم القديم، سواء كان ذلك القديم الجزء الثاني من الوحي وهو السنة، أو كان هو التراث التفسيري الضخم باتجاهاته اللغوية والبيانية والفقهية…

فدعاة تطبيق “المناهج المعرفية” المعاصرة على القرآن لم يسلم من مطاعنهم أحد من أعلام المفسرين، ولا يقبلون إلا التراث المعزو إلى مبتدعة “المنسوبين” لأهل التفسير كما سلفت الإشارة إلى ذلك…

ويصدق على موقف هؤلاء ما وصف به أبو محمد بن قتيبة (ت 276ﮪ) “أصحاب الكلام” قبلهم حين قال فيهم رحمه الله: “وقد تدبرت، رحمك الله، مقالة أهل الكلام، فوجدتهم يقولون على الله ما لا يعلمون، ويفتنون الناس بما يأتون، ويبصرون القذى في عيون الناس، وعيونهم تطرف على الأجذاع، ويتهمون غيرهم في النقل، ولا يتهمون آراءهم في التأويل…”[82].

المطلب الأول: أهمية هذه المناهج ودورها في فهم كتاب الله وتفسيره

لا يكاد يختلف اثنان في أهمية اللسانيات، باعتبارها علما يدرس اللغة، بالنسبة للدرس القرآني، فقد شكلت الدراسات اللغوية جانبا مهما من التراث التفسيري، ورجع المفسرون منذ الصدر الأول إلى اللسان العربي كلما أعوزهم فهم آية[83].

فعلى هذا إذا وجدت الآن دراسة علمية موضوعية للقرآن الكريم تنطلق بالأساس من معطيات علم اللسانيات وتلتزم بأصول هذا العلم من غير أن تتخذه مطية لإخفاء نزعة أو هوى، أقول: إن وجد مثل ذلك، فلا ريب أنه سيكون إسهاما معاصرا لوصل الدراسات اللغوية التي اهتمت بالقرآن قديما بنظيرتها حديثا.

والملاحظ على مختلف الدعوات التي تم التعرض لها في هذه الدراسة أنها لا تعتمد على علم اللسانيات، لما يعرف عن هذا العلم من انضباط، ولأنه لا يسمح بحد ذاته بتلك الإسقاطات التي يراد إضفاؤها على القرآن.

تبعا لذلك فأصحاب هذه الدعوات يؤكدون ويلحون على وضرورة استخدام ما اصطلحوا عليه “باللسانيات البنيوية” وذلك:

  1. لأن البنيوية تقرر عدم وجود قراءة (أو تفسير) بريئة لأي نص من النصوص، فكانت هذه الخاصية تسمح بإسقاط مختلف البدع على القرآن.
  2. لأننا بالرجوع إلى مختلف ما خلفه أصحاب هذه الدعوات لا نكاد نجد أي أثر لعلوم اللسان، اللهم إلا من بعض الأقوال المنسوبة لبعض علماء اللسانيات المعاصرين، التي تكرر وتردد لجاذبيتها حتى تلبس على القارئ العادي.
  3. ثم إن البنيوية اعتبارا لظروف نشأتها ثم تطورها بعد ذلك إنما انحصرت دائرة اهتمامها في دراسة الأساطير، وهذا واضح من خلال كتابات مؤسسها ليفي ستروس، خاصة كتاب “المدارات الحزينة” و “الأنتروبولوجيا البنيوية”، وفي تطبيقاتها من قبل المنبهرين بها من العرب ما يشهد بأنها لا تستحق وصف “علم” ولا تصلح منهجا لدراسة علوم الإسلام البتة[84].
  4. فضلا عن هذا كله فإن “البنيوية” أضحت منذ أوائل السبعينات مسألة تجاوزها الزمن رغم أن بعض الكتاب العرب لازال مفتونا بها حتى اليوم[85]… هذا عن “القراءة البنيوية أو تفسير القرآن اعتمادا على اللسانيات البنيوية.

أما عن “القراءة الماركسية فهي تحمل في طياتها عوامل وأسباب رفضها، وكل ما في الأمر ـ على ما أعتقد ـ أن حنفي ونصر حامد أبو زيد ومن على شاكلتهما وصلوا متأخرين إلى حفل تأبين الايديولوجيا الماركسية في العالم بأسره، وليس في الوطن العربي فحسب، فأبوا إلا إطالة الاحتفال، وكان الأولى بهم ترك أهل الفقيد يدفنونه بصمت ودون إحراج!

المطلب الثاني: المعرفة بالوحي والمعرفة بالعقل ومنهجية التأويل العقلي

قال المستشرق الانجليزي هاملتون جب في كتاب “الاتجاهات الحديثة في الإسلام”: “… لكن الأجيال الإسلامية المعاصرة تحتاج إلى أكثر من هذا القول، فيجب أن نثبت لها أن لا شيء في القرآن من التناقض ولا من الباطل…، وأن الفكر العلمي أو الروائي التاريخي المعاصر لم يكتشف شيئا يعارض سلطة القرآن وأوامره، لنصل بها إلى نتيجة لا نبلغها إلا إذا اعتمدنا على القول بأنه من كلام الله، وبأنه لا يجوز الخوض فيه قليلا أو كثيرا… المطلوب أساسا هو التأويل…”[86].

لقد عرف المفكرون المسلمون مصطلح التأويل” منذ قرون خلت فبحثوا فيه وضبطوا أصوله ومنهجيته، فقد تضمنت كتب علوم القرآن ومقدمات التفاسير وكتب الأصول وحتى كتب علوم الحديث… مباحث تأصيلية لمفهوم “التأويل” وحدوده، وتحرى مفكرو الإسلام ما تقتضيه الموضوعية العلمية، باعتبارهم كانوا ينظرون للعلم الشرعي.

وقد سبق في المبحث التمهيدي أن المعرفة في التصور الإسلامي قسمان: ما يتعلق بعالم الغيب، وما يتصل بعالم الشهادة، والقسم الثاني منها سبيل إدراكه إما صحيح المنقول أو صريح المعقول… وهذا الشق الأخير هو الذي يرجع إلى التأويل بضوابطه وفي كل ذلك حكمة إلهية بالغة قد لا يدركها إلا من له اتصال ودراية بالعلم الشرعي[87].

ورغم توالي ظهور الفرق وأهل البدع في هذه الأمة قديما وحرصهم على الدعوة إلى تبني تصورات غير منضبطة في تأويل النصوص، فلم تشهد هذه الأمة ما شهدته في عصرها الراهن من دعوات إلى إبطال ضوابط تأويل النصوص الشرعية… والنص المتقدم للمستشرق جب أصدق تعبير عن موقف المبتدعة المعاصرين من هذه القضية[88].

فمن عادة المبتدعة المعاصرين أن يتنادوا فيما بينهم، ويتباكوا على “الاجتهاد” في فهم نصوص الوحي، والاجتهاد عند المبتدعة ـ لجهلهم بالعلم ـ هو التأويل، فمن مألوفهم ـ حين يتكلمون في القرآن ـ أن يجعلوا أهواءهم ودعاويهم أصولا ثم ينظرون في كتاب الله تبعا لتلك الأهواء[89].

المطلب الثالث: تطبيقات “المناهج المعرفية” على القرآن بين الطموح والانتكاس

إن المتتبع لما تنشره المطابع في أيامنا الراهنة يلاحظ كثرة المطبوعات التي تهم الدراسات الشرعية عامة، والدرس القرآني على الخصوص، والمنشورات عن القرآن وتفسيره منها ما هو نافع إيجابي، ومنها ما هو تقول وافتراء على كتاب الله، ومن الخير للقرآن أن يستفيد من كل جديد في مجال المناهج المعرفية، لكن تلك الاستفادة تظل مرتبطة بشروط البحث العلمي… وفي عصرنا الراهن كثر الكلام عن “البحث العلمي” و “المنهجي و “الموضوعي”… وترددت هذه المصطلحات كثيرا عند المعاصرين حتى أضحت قولا مجردا يتكرر من قبل بعض الأقلام والألسنة “لجاذبيته”، بدعوى كونية الخطاب القرآني… وحين نتكلم عن القرآن الكريم والمناهج المعاصرة:

نطمح إلى رؤية إسهامات علمية تستفيد من الإيجابي في مجال “المنهجية المعرفية” ويكون محورها هو الدرس القرآني… لكن هذا الطموح لن يكون على حساب علم التفسير… فكل إسهام يتجاوز مصادر العلم… أو يخوض صاحبه في كتاب الله دون التزام بقواعد وآداب التفسير كما هي مقررة في مظانها… أو يتصدى للتفسير من غير أن يكون مؤهلا علميا لذلك… أو يتصيد ما يظن أنه “مناهج” للاستفادة منها في تقرير إيديولوجيته…

إن كل إسهام كان حاله كذلك، لن يكون مآله إلا شبيها بمآل الاتجاهات المنحرفة التي شهدها تاريخ التفسير وشهدت الأمة انتكاسها…

وإن تطبيق هذه المناهج على القرآن بدعوى “عالمية خطابه” ودعوته للناس جميعا لن يكون على حساب هديه وأحكامه…

إن الخطاب العلمي للقرآن لن يكون إلا خطابا واحدا، لأن الله سبحانه نزه كتابه عن الاختلاف والتناقض… وهذه الوحدة لن تكون إلا في إطار الضوابط المنهجية للتفسير… وهذه الضوابط المنهجية ليست من مبتدعات السلف والمتقدمين من علماء الأمة. ولكنها حصيلة استنباط واستقراء لنصوص الوحي نفسها كتابا وسنة… فقد وضعت هذه الضوابط المنهجية حماية للقرآن من “التأويل المذموم”، ولتحديد الدائرة التي تسمح بالاختلاف غير المذموم أيضا[90].

وإن النماذج والإسهامات التي عرضت لها هذه الدراسة: رأت أن الخطاب العالمي لن يكون إلا مع وحدة الأديان كما ادعى محمد أركون[91] ودأب بعضها على تحويل الوحي إلى ايديولوجيا، تلتقي مع مختلف إيديولوجيات الفكر الإنساني عامة، وهذا حال حنفي.

ومن هذه النماذج ما وجه لغاية التأكيد على أن الخطاب العالمي للقرآن يتجسد في التحلل من كل الضوابط، فسعت جاهدة في سبيل هدم علم التفسير وكل ما تعلق به من علوم مساعدة، ولعل منشور “منهجية القرآن المعرفية” أفضل مثال لهذا المنحى…

ورغم الكلام عن الخطاب العالمي للقرآن في هذه الكتابات إلا أن جميع ما دعت إليه من طرق ومناهج لدرس القرآن لم يكتب له أن يرى النور… بل إن هذه الكتابات نفسها ظلت ـ كما هو مشاهد ـ منعزلة، قد تصادف رواجا محدودا، لكن توالي الأيام كفيل بردها إلى حجمها الحقيقي.. وهذه الكتابات ـ أخيرا ـ هي أولى بالحجر من تصرفات السفهاء… لكن تداول الليل والنهار أفضل حاجز لمن يعتبر… روي أن الناس في عصر الإمام مالك أقدموا على وضع كتب سموها “بالموطإ، فطلب منه رحمه الله أن يرفع ذلك إلى أولي الأمر لمنع “الموطآت”… فزهد في الطلب قائلا: سيبقى أصلها… فأين هي، الآن، الموطآت التي أبلى فيها معاصروا مالك الورق؟!…

خاتمة الدراسة

خاتمة هذه الدراسة واستنتاجاتها يجمعها ما أجمله موضوعها “القرآن الكريم… ومناهج تحليل الخطاب”…

فالقرآن كتاب الله الذي أنزله وحيا ليهتدي به الناس، فوض بيان قسم منه إلى رسوله، صلى الله عليه وسلم، وذلك ما يتعلق بالمجمل، وترك بيان قسم آخر “لأهل الاستنباط” الذين هم علماء هذه الأمة..

وإن المرء في هذه الأيام ليعجب كيف تواطأ الناس على أن لا يسمحوا لغير المختص بالكلام في أي فرع من فروع العلم… وهذا بالنسبة للعلوم المادية بخاصة.

لكن “الخوض” في كتاب الله بغير علم أو بالهوى غدا سلوكا مشاعا بين طائفة من القاصرين في مجال العلم الشرعي عامة…

والمطلع على حال هؤلاء القاصرين لا تخفى عليه “المحنة” التي يعيشون فيها، فمن جهة أعيتهم الحيل، وركبوا كل صعب وذلول في سبيل أهوائهم، فتمحلوا وتكلفوا لغرض التقول في كتاب الله بغير علم.

ومن جهة أخرى أحسنوا الظن بأنفسهم وراج عليهم أنهم بمفازة من السؤال عما يقترفون…

وهم في تمحلهم وتكلفهم اتخذوا هذه المناهج التحليلية” مطية لبلوغ مآربهم، ودرجوا على استغلال هذه المناهج سلبيا كما كان عليه حال طوائف وفرق كثيرة شهدها تاريخ التفسير، ولم يبق منها اليوم إلا الأطلال.

وفي عصرنا الراهن انتهت البنيوية والماركسية… وتلاشى بريقهما وجاذبيتهما في العالم، وبقي كتاب الله منهلا خالدا لم تشبه شائبة إلى يوم القيامة.

والله تعالى أعلم وأحكم وهو يهدي إلى سواء السبيل.

القرآن الكريم.. ومناهج تحليل الخطاب

د. عبد الرزاق هرماس

  (العدد 19)

الهوامش

  1. انظر الزبيدي، تاج العروس من جواهر القاموس، طبعة مصورة بدار الرشاد، الدار البيضاء، ج 2، ص109،. الفيروزابادي، بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، ب 5، ص: 128، نشر المكتبة العلمية، بيروت…
  2. النشار، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، ج1، ص: 36، الطبعة السابعة، دار المعارف، القاهرة، 1977م.
  3. MICRO ROBERT P 665 ED 1980 PARIS.
  4. د. عبد الله الغذامي، تشريح النص، ص: 72- 73، الطبعة الأولى، دار الطليعة، بيروت، 1987.
  5. د. محمد سعيد رمضان البوطي، السلفية مرحلة زمنية مباركة… ص: 60، الطبعة الأولى، دار الفكر، دمشق، 1408ﮪ.
  6. اشتهر في مناهج الأمم القديمة “المنطق”… لكنه كان منطقا صوريا لم يتخلص من أصوله الوثنية، وقد ظل “المنطق الصوري” أساس مناهج البحث قرونا، ونقل إلى لغات وثقافات أمم شتى حتى أذن الله بظهور “المنطق التجريبي” في بيئة الإسلام خلال القرن السابع الهجري، انظر د. النشار، مناهج البحث عند مفكري الإسلام.
  7. انظر مجال الاستفادة من هذا المنهج ضمن: د. فاروق حمادة، المنهج الإسلامي في الجرح والتعديل، ص: 100- 150، الطبعة الأولى، دار المعارف، الرباط، 1402ﮪ.
  8. وقد اعتبر قمة التفكير العقلي في البيئة الإسلامية، انظر الشيخ مصطفى عبد الرزاق، تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية، الفصل الثالث، الطبعة الثالثة، لجنة التأليف، القاهرة، 1386ﮪ.
  9. انظر في ذلك مقدمة كتاب “القضاء والقدر”، للدكتور فاروق دسوقي، طبعة دار الاعتصام، مصر.
  10. أفردته بهذه الإشارة لأنه موضوع هذه الدراسة وحتى يعلم أن تفسير كتاب الله العزيز له مصادر وقواعد وآداب، والكلام فيه لا يكون إلا للمؤهل…
  11. أشير هنا إلى مناهجهم في أصلها مستمدة من الوحي نفسه استنباطا واستقراء، وقد أخطأ بعض المعاصرين حين أضفى على هذه المناهج الصبغة البشرية وقطع علاقتها بالكتاب والسنة.
  12. د. جون ديكنسون، العلم والمشتغلون بالبحث العلمي في المجتمع الحديث، ص: 44، ضمن سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 1407ﮪ، ترجمة شعبة الترجمة، باليونسكو.
  13. م. أ. قاضي، أسلمة المعارف العلمية الحديثة ضمن مجلة المسلم المعاصر”، عدد 35، ص: 39، ترجمة محيي الدين عطية.
  14. عبد الجبار الهمذاني، والمغني في أبواب العدل والتوحيد، ج 12، ص: 15، المؤسسة المصرية العامة. وانظر: د. عبد الله رزق، نظرية المعرفة عند الغزالي، ضمن “مجلة المعاصر”، عدد 48، ص: 29، وما بعدها.
  15. Micro Robert p 978 .
  16. انظر وسائل تحصيل المعرفة في العلوم الإنسانية والتجريبية، ضمن:

ديكنسون: العلم والمشتغلون بالبحث العلمي في المجتمع الحديث ص: 70- 87… وأيضا:

M.GRAWITZ METHODES DES SCIENCES SOCIALES P 14- 19 9° ED DALLOZ PARIS 1993.

  1. عبد المجيد أبو سليمان، إسلامية المعرفة… ضمن مجلة المسلم المعاصر، عدد 31، ص: 26.
  2. ولله در، ابن خلدون حين قال في المقدمة، ص: 509، طبعة دار الجيل، بيروت: “وعلم أن الوجود عند كل مدرك في بادئ رأيه منحصر في مداركه لا يعدوها، والأمر في نفسه بخلاف ذلك والحق من ورائه… فإذا علمت هذا فلعل هناك ضربا من الإدراك غير مدركاتنا: لأن إدراكاتنا مخلوقة محدثة وخلق الله أكبر من خلق الناس والحصر مجهول والوجود أوسع من ذلك نطاقا… وليس ذلك بقادح في العقل ومداركه، بل العقل ميزان صحيح، فأحكامه يقينية لا كذب فيها غير أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد والآخرة وحقيقة النبوة وحقائق الصفات الإلهية وكل ما وراء طوره، فإن ذلك طمع في محال، ومثال ذلك مثال رجل رأى الميزان الذي يوزن به الذهب فطمع أن يزن به الجبال وهذا لا يدرك على أن الميزان في أحكامه غير صادق لكن العقل قد يقف عند طوره، ولا يتعدى طوره حتى يكون له أن يحيط بالله وبصفاته فإنه ذرة من ذرات الوجود الحاصل منه…”
  3. قال ابن تيمية في الفتاوى ج 6، ص: 388: “إن العلم ما قام عليه الدليل، والنافع منه ما جاء به الرسول، صلى الله عليه وسلم، فالشأن في أن نقول علما هو النقل المصدق والبحث المحقق، فإن ما سوى ذلك ـ وإن زخرف ذلك بعض الناس ـ خزف مزوق وإلا فباطل مطلق”.
  4. ظهرت البنيوية باعتبارها بديلا عن الماركسية والوجودية، فلقيت رواجا من عموم المثقفين الغربيين، ثم ما لبث أن تجاوزها الزمن، ولم يعرفها العالم العربي مطبقة على تراثه إلا بعد أفولها، ولا يتسع المجال هنا للكلام عنها باعتبارها منهجا للتحليل والدرس، ويمكن للقارئ الرجوع إلى كتاب مبسط عنها ألفه جون بياجيه بعنوان “البنيوية”، ضمن منشورات عويدات، وبخصوص مرحلة ما بعد البنيوية يمكن الرجوع إلى مؤلف “عصر البنيوية” للأمريكية أدت كيروزيل ترجمة جابر عصفور.

   هذا وقد ظهر هذا الكتاب بالانجليزية في فترة انبهار “المثقفين” العرب بالبنيوية، وحرصت فيه المؤلفة الأمريكية على دراسة النزعة من منظور نقدي تقويمي، كما يمكن الرجوع في نفس الموضوع إلى كتاب أمريكي آخر هو: “البنيوية وما بعدها” لجون ستروك وآخرون”، سلسلة عالم المعرفة، العدد 202، وبالنسبة للدراسات العربية لهذه النزعة فإن أهمها على الإطلاق ـ فيما أرى ـ مؤلف د. عبد العزيز حمودة “المرايا المحدبة: من البنيوية إلى التفكيك” الذي نشر في أبريل 1998م.

  1. انظر التعريف بالمصطلحات الذي نشره جابر عصفور ملحقا بكتاب “عصر البنيوية”، ص: 271 و 285، الطبعة الثانية 1986، منشورات عيون الدار البيضاء.
  2. وللإشارة فإن هذه العلوم ما زالت مجالا خصبا للنقاش حول ماهية العلوم وميدانها ومناهجها… وانظر في ذلك د. جابر الحديثي، أزمة العلوم الإنسانية ضمن الفكر العربي، العددان السابع والثلاثون والثامن والثلاثون، 1985، ص: 109 – 137.
  3. حين أقول ذلك لا أعني رواج هذه الإسهامات على نطاق واسع، ذلك أن استهلاك هذه الأدبيات محدود وسط طائفة من المهتمين بها، وقد تظل الكثير من الكتابات المتصلة بالموضوع معروضة على رفوف المكتبات، نظرا لأن جل المهتمين الأكاديميين بهذه المناهج لا صلة لهم بمجال الدراسات الإسلامية عامة والدرس القرآني بخاصة، ومن جهة أخرى فإن أكثر المشتغلين بالعلوم الشرعية ومنها التفسير، لا يرون في هذه الإسهامات أي جدوى… ولا غرابة في اقتران رواج هذه الأدبيات ـ نسبيا ـ بفرضها مقررات دراسية على مستوى الجامعة!
  4. أشير هنا إلى أن هذه الإنشائيات وغيرها تعتبر الكتاب والسنة جزءا من التراث الإسلامي حتى يتم إخضاع الكل للتاريخ فيسهل تجاوزه، والحال أن التراث هو مجموع ما أنتجه مفكرو الإسلام في تفاعلهم مع الوحي الإلهي، وانظر بخصوص الموضوع دراسة قيمة للدكتور عماد الدين خليل بعنوان: “موقف إزاء التراث”، ضمن مجلة “المسلم المعاصر”، عدد 9، سنة 1397ﮪ، ص: 25- 35، وأيضا في التاريخ الإسلامي: فصول في المنهج والتحليل، لنفس المؤلف، ص: 47 وما بعدها، الطبعة الأولى 1401ﮪ، المكتب الإسلامي، بيروت.
  5. الإشارة هنا إلى أولئك المفكرين أو الكتاب الذين درسوا في جامعات موسكو وبرلين الشرقية، وأيضا أولئك الذين أشرف على بحوثهم ماركسيو أوربا الغربية، أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر المستشرق الفرنسي مكسيم رودنسون..
  6. طبعته دار العودة بيروت، وصدرت طبعته الأولى 1972م، وهو منشور حافل بالإسقاطات والإفتراءات على رب العزة ولا يستحق تعريفا غير ما ذكرت..
  7. ظهرت طبعته الأولى 1977م عن دار الطليعة بيروت، وصاحبه ماركسي قومي، ومازالت الإيديولوجية الماركسية إلى يومنا الراهن تغري البعض، وتعمي بصائرهم، وأذكر هنا على سبيل المثال محاولات حسن حنفي لإضفاء التفسير الماركسي على التراث الإسلامي وعلى القرآن خاصة، وبحكم أن الكاتب حضر متأخرا إلى حفل تأبين الماركسية، فقد لجأ إلى تغليف نزعته بما سماه في السبعينات ب “اليسار الإسلامي” وفي الثمانينات بالتحليل الظواهري PHénomenologie الذي ينسب لادموند هوسرل (ت 1938م).

   وقد وجد إلى جانب حنفي ـ من متاخري دعاة الماركسية ـ “الكاتب” نصر حامد أبو زيد الذي حرص على هدم كل الدراسات القرآنية المتراكمة عبر القرون، وادعى أنه هو وحده يفهم دلالات النص القرآني ومعانيه، ولعل أكثر إنشائياته شهادة على نزوعه إلى التفسير الماركسي للقرآن الكريم كتاب: “مفهوم النص دراسة في علوم القرآن”، صدرت طبعته الثانية 1994 عن المركز الثقافي العربي بيروت، ويصدق على “تراث” هذا الرجل ما ذكرت عن صنوه عيتاني في هامش سابق.

  1. انظر: الماركسية في الفكر العربي ضمن كتاب: “من أجل رؤية تقدمية لبعض مشكلاتنا الفكرية والتربوية”، لمحمد عابد الجابري، الطبعة الرابعة 1983، دار النشر المغربية، الدار البيضاء.
  2. قدمت الرسالة سنة 1972م، ونشرت مترجمة إلى العربية 1981م، وقد أدت المنهجية المتبعة بالمؤلف إلى سوء الأدب مع القرآن والتجرؤ على الذات الإلالهية، بدعوى تطبيق المنهج المستوحى من خطوات المنهج البنيوي التكويني.
  3. انظر: د. نظير جاهل، حول نقد حسن قبيسي لمقدمة “الفكر البريء”، ضمن الفكر العربي، العددان 38- 37، ص: 450 وما بعدها.
  4. قبيسي رود نسون ونبي الإسلام، ص: 75 وما بعدها، الطبعة الأولى، 1981م، دار الطليعة، بيروت، والكتيب الصغير في أصله أطروحة دكتوراه.
  5. سيأتي الكلام عن هذه النزعة ضمن المبحث الأول، وانظر بخصوصها: ” منهجية القرآن المعرفية: أسلمة فلسفة العلوم الطبيعية والإنسانية”، طبعة محدودة التداول، نشرها المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1401ﮪ، مجهولة المؤلف.
  6. كان منطلق المؤلف في هذه الدعوى ما حرره في مقدمته لترجمة كازيميرسكي للقرآن عن التفسير البنيوي.

     انظر kasimirski, le coran, flamarion paris, 1970, p11, et 36.

    لكن في فترة الثمانينيات صار يدعو: إلى توظيف سديم من المناهج كما سيأتي في مبحث لاحق.

  1. انظر على سبيل المثال ما كتبه تلميذ أركون د. محمد مفتاح ضمن “دينامية النص”، الفصل السادس، “الانسجام في النص القرآني”، حيث أقدم المؤلف على تطبيق نظرية كريماص على الدرس القرآني، وانظر بخصوص ذلك عبد الله هرماس، القران الكريم ومناهج تحليل الخطاب ضمن جريدة العلم المغربية، العدد 13.925 في 16/9/1988، ص5. ومن نماذج هذه الإسهامات أيضا ما ينشره د. مصطفى ناصف في المشرق وانظر ما كتبه عن التفسير الرمزي ضمن “اللغة والتفسير والتواصل”، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، عدد 193، يناير 1995، خاصة الفصل الرابع من الكتاب حيث يظهر أن المؤلف لا يعجبه من التراث التفسيري المتراكم إلا ما صدر عن أذق أهل التصوف، والله الهادي إلى سواء السبيل.
  2. أشير هنا إلى أن هذه الأصول تلقاها الصدر الأول من هذه الأمة من النبي، صلى الله عليه وسلم، ويمكن لطالب العلم أن يرجع لجوامع هذه الأصول في أبواب: “فضائل القرآن” ضمن أمهات كتب الحديث النبوي الشريف..
  3. يمكن للدارس أن يرجع في هذا الموضوع إلى المصادر باللغة الأجنبية، لأن ما نشر بالعربية لا يفي بالقصد، وكثيرا ما كان في حقيقته نقلا مشوها عن هذه المصادر، وانظر على سبيل المثال “البنيوية في اللسانيات” الذي نشرته دار الرشاد الحديثة بالدار البيضاء 1401ﮪ.
  4. ظهرت اللسانيات باعتبارها علما قائما بذاته بعد نشر محاضرات دي سوسير “دروس في اللسانيات العامة” سنة 1916ﮪ، فشكلت هذه الدروس نقطة محورية لتاريخ الدراسة اللسانية عامة، انظر: Dictionnaire de linguistique p 300- 303.
  5. انظر الزركشي، البرهان، ج 2، ص: 255، الطبعة الثالثة 1400 ﮪ، دار الفكر، بيروت، بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم.
  6. الكاتب محمد أركون من منطقة القبائل بالجزائر، ولد 1928 م ودرس في جامعة الجزائر وقت الاستعمار، ثم انتقل إلى فرنسا حيث يعيش إلى اليوم، وقد حصل على الدكتوراه من إحدى جامعاتها 1969م، وينشر غالبا بالفرنسية وقد أرغم على التقاعد أوائل العقد الماضي!
  7. انظر على سبيل المثال كلامه في:

M.Arkoun pour une critique de la raison islamique p 37 ed maisonneuve et larose 1984 paris.

  وأيضا: أركون، تاريخية الفكر العربي الإسلامي، ص: 42، الطبعة الأولى 1986، مركز الإنماء القومي، بيروت، ترجمة هاشم صالح.

  وأشير إلى أن كتب المؤلف أغلبها مقالات نشرت في أزمنة متباينة يعمد إلى جمعها في كتاب، وهذا ربما يفسر التضارب المنهجي الذي نصادفه في كتبه.

  1. أركون، الفكر العربي، ص: 32، الطبعة الثالثة 1985، ضمن منشورات عويدات، ترجمة عادل العوا، وانظر كذلك: M. Arkoun lectures du coran p 43 et 46 ed maisonneuve et laros paris 1982.

   والكاتب لا يتوقف عند ادعائه بأن القرآن لم يجمع إلا في القرن الرابع الهجري، بل يطعن في ظاهرة الوحي نفسها، انظر: تاريخية الفكر العربي الإسلامي، ص: 284، في الفصل الخاص “بالإسلام والعلمانية”.

  1. أركون، تاريخية الفكر… ص: 293.
  2. هكذا في الأصل، والظاهر أن المراد هم علويو سوريا، أي طائفة النصيرية التي تقطن جبال العلويين قرب اللاذقية في سوريا وهم طائفة باطنية مارقة، انظر في الموضوع ما كتبه الباطني المعاصر مصطفى غالب في مقدمته الرسلة الجامعة تاج رسائل اخوان الصفا” للمدعو: الإمام المستور، الطبعة الثانية 1404ﮪ، دار الأندلس بيروت.

   أما ما سماه الكاتب “وثائق البحر الميت”، فلا علاقة له بالقرآن ولا بموضوعه، وهو عبارة عن مخطوطات لنصوص من التوراة ادعى اليهود ـ بعد استعمارهم لجميع أرض فلسطين ـ أنهم وجدوها في موقع قمران على ساحل البحر الميت، وقد نشرت هذه النصوص بفرنسا ثم عبرت في المدة الأخيرة، وانظرها في:

 La bible publication de andré dupont et Marc philonenko ed galimard paris 1987.

 “التوراة كتابات ما بين العهدين”، مخطوطات قمران، البحر الميت، الطبعة الأولى 1998م، دار الطليعة، دمشق، ترجمة موسى ديب الخوري.

  1. أركون، تاريخية الفكر… ص: 290- 291، والنص يستحق أكثر من تعليق لا يتسع له المجال في هذه الدراسة والله المستعان على ما يصفون… وأشير هنا إلى أن هذه الدعوى هي لباب ما يدعو إليه الاستشراق المعاصر، ويمكن للدارس أن يصادفها بحذافيرها في المادة التي حررها كلود كايو عن التفسير للموسوعة الكونية. وانظر:Encrylopaedia Universalis Corpus 6 p 547- 548 edition paris 1990.
  2. انظر:

Comment lire le coran m arkoun in le coran traduit par Kasimirsk ed garnier flammarion 1970.

   وقد أعاد الكاتب نشر مقدمته عام 1982م، ضمن: Lectures du coran 1- 26

   وقد نشرت هذه المقدمة ضمن مجلة “الثقافة الجديدة”، المغربية، العدد 26- 27، السنة السادسة1983م، ص: 32- 58، بعنوان: “الوحي والحقيقة والتاريخ نحو قراءة جديدة للقرآن”، ترجمة العربي الوافي، في ترجمة جد رديئة، وانظر المراحل الثلاثة التي تتطلبها إعادة قراءة القرآن ضمن: Lecture lectnres du coran p 5 ch 1.

  1. ARKOUN. LECTURES. DU. CORAN.CH 1. P 6.
  2. انظر بخصوص أهمية فهم القرآن حسبما يقتضيه منطق اللغة ومقتضى معنى الكلام: ابن العربي المعافري، قانون التأويل، ص: 660، الطبعة الأولى 1406ﮪ، دار القبلة، جدة، بتحقيق محمد سليماني الزركشي، البرهان، ج 2، ص: 160، وما بعدها.
  3. Arkoun lectures du coran ch 1 p 10.
  4. المصدر الفرنسي السالف والنص لا يحتاج إلى تعليق.
  5. وفي سياق إضفاء الرمزية على نصوص القرآن قال: “…أنه يتوجب علينا أن نتخلص من السخرية التي تتحدث عن (جنة الله المملوءة بالحور العين حيث تجري أنهار من الخمر والعسل)…الخ،…، فتلك الصور لا تستمد قوة آثارتها وقيمتها الإيحائية القصوى إلا إذا ربطناها ببنيات الخيال الشعري لدى البدو…”

   انظر: lectures ducoran ch 1 p 12 وانظر إضفاءه لهذا “التفسير” الرمزي على التصور الإسلامي “للخطأ والذنب” وعلى التصور الإسلامي “لحياة الآخرة” ولقضية “الحياة والموت”… ضمن نفس المرجع، ص: 12- 13، والله المستعان على ما يصفون.

  1. Arkoun lectures du coran p 14- 19 ch 1.
  2. يلجأ الكاتب هنا إلى التعميم ذلك أن الاتجاه الباطني في التفسير إنما اشتهرت به الإسماعيلية فحسب، وهم الذين يصطلح عليهم “بالشيعة الغلاة”.
  3. Arkoun lectures du coran ch 1 p 18.

وحرصا على أمانة النقل والترجمة اعتمدت على الترجمة المنشورة في مجلة الثقافة الجديدة” طالما كانت تلك الترجمة مناسبة.

  كما أشير هنا إلى أن مشروع أركون وقد مرت عليه حوالي ثلاثة عقود لم يكتب له أن يرى النور ـ حتى محاولات الكاتب لتطبيقه على سورتي الفاتحة والكهف ضمن “Lectures du coran “، لم تف بما طالب به في مشروعه، ويمكن للمطلع الرجوع إلى ذلك في مصدره.

  1. نشر المطبوع 1401ﮪ، في إصدار محدود التداول ـ كما سبق ـ دون ذكر اسم الكاتب، والجهة الناشرة هي المعهد العالمي للفكر الإسلامي بأمريكا.
  2. انظر منهجية القرآن… ص: 103 وما بعدها.
  3. نفس المرجع، ص: 116 وما بعدها..
  4. نفسه، ص: 105 وما بعدها.
  5. وفي المطبوع سوء أدب مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كتسميته عليه السلام ب “الخاتم الموقر”، ص: 68، كما يذكره الكاتب ـ غالبا ـ بدون الصلاة والسلام عليه.
  6. منهجية القرآن… ص: 69.
  7. نفس المرجع، وهذا التصور هو بعينه ما تبناه الباطنية كما هو مشهور عند دارسي التفسير.
  8. نفسه، وتبعا لهذا الاعتبار يمكن إبطال جميع العلوم الإسلامية مما اتصل بالتفسير والفقه والعقيدة… ويبطل الإسلام جملة وتفصيلا، هذا فضلا عن كون كلام الكاتب يؤدي إلى الإقرار بأن القرآن خاطب الناس بما لا يفهمون، وهذا باطل قطعا، فيستوجب تبعا لذلك إبطال ما أدى إليه.
  9. منهجية القرآن، ص: 93.
  10. نفسه، ص: 159، والكلام يتناقض مع الآيات التي تشير على عربية القرآن، وهذا التصور لم أجد أحدا يدعيه خلال التيار الباطني.
  11. وهذه الدعوى التي أراد الكاتب أن يعيدها جذعة، ولع فيها المستشرقون قديما وحديثا فما حققوا لأنفسهم مأربا… ومن مجازفات الكاتب في هذا المنشور قوله: “…فالأميون لا تعني غير (الكاتبين)، أي الذين لا يخطون بيمينهم ولا يعرفون الأبجدية، وإنما تعني غير الكتابيين…”، ص: 161.

  وقوله: “…مع ذلك وثقت معظم مراجع اللغة العربية هذا الخلط، فجعلت الأمي هو (غير الكاتب) وليس (غير الكتابي)، ومثالا على ذلك نورد النص التالي من لسان العرب لابن منظور…” ص: 165.

وقوله أيضا: “وكما أن الكثير من القواميس العربية المعتمدة لم تدقق في أصول ودلالات هذه الألفاظ، كذلك يضطرب الإخباريون العرب الذين بدأوا مهماتهم التدوينية في عصر متأخر بثلاثة قرون عن ظهور الإسلام، وفي هذا الإطار يوضح لنا الدكتور حسين مروة شكلا من أشكال هذا الاضطراب…” ص: 166.

  وانظر أيضا تكلف الكاتب وتقوله في تفسير “قصة” ياجوج وماجوج” وأنهما من قوى الطبيعة الهائجة، ص: 112، وما بعدها.

 وأيضا دعوى إنكار النسخ في القرآن وهي بدعة قديمة لا تستحق فضول قلمي، ص: 71 وما بعدها… والحمد لله أولا وأخيرا على نعمة العقل، هذا وقد بلغ إلى علمي أن مؤلف هذا المنشور يدعى: محمد أبو القاسم حمد من السودان” ولا أدري لماذا أسقط اسمه من “الطبعة المحدودة التداول؟

  1. انظر على سبيل المثال: مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط، للطيب تزيني، نشر دار دمشق 1971. والنزعات المادية… لحسين مروة. ونحن والتراث، لمحمد عابد الجابري. نشر المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء..
  2. انظر في هذا الباب: د. محمود إسماعيل، سوسيولوجيا الفكر العربي، ج 1، ص: 238 وما بعدها، مبحث رؤية الإسلام للتاريخ، الطبعة الأولى، 1400ﮪ، دار الثقافة، الدار البيضاء، وأيضا محمد أحمد خلف الله، القرآن والثورة الثقافية، الطبعة الأولى 1974م، مطبعة الأنجلو مصرية.

  ومن الإسهامات التي سعت إلى نقد هذا المنحى ما نشره محمد العربي الناصر في “الفكر الإسلامي في مواجهة التحليل الماركسي”، دار الفرقان، الدار البيضاء 1986. و”الاندحار الماركسي في العالم الإسلامي”، نشر المطابع المغربية. طنجة…

  1. حنفي، من مواليد 1925 بمصر، درس بجامعاتها ثم التحق سنة 1956م بفرنسا للدراسات العليا، حصل فيها على الدكتوراه، ثم التحق بالتدريس بجامعة القاهرة، وقد أعير لجامعة فاس، كلية الآداب 1982- 1984م.
  2. صدرت طبعتها الثانية 1978، مطبعة الأنجلو مصرية، وفي إهداء الطبعة كتب حنفي: “إلى من ينظرون إلى الكتب المقدسة نظرة علمية”، وقد صدرت سنة 1984م في تونس دراسة تحليلية لآراء الكاتب ضمن مؤلف “ظاهرة اليسار الإسلامي لمحسن الميلي، الطبعة الثانية 1984، دار تونس قرطاج. كما نشر د. أحمد إبراهيم خضر دراسة أخرى عن منهج حنفي في التفسير، انظر بهذا الخصوص وقفات مع اليسار الإسلامي، الحلقة الثانية، ضمن مجلة المجتمع الكويتية، عدد 902، 24 جمادى 11- 1409ﮪ.
  3. انظر على سبيل المثال لا الحصر: حنفي، التراث والتجديد، ص: 115-135-141-151… الطبعة الأولى 1981، دار التنوير، بيروت، وأيضا دراسات إسلامية، ص: 58-59-337… الطبعة الأولى، 1982، دار التنوير، بيروت…
  4. حنفي والتراث والتجديد، ص: 151.
  5. المرجع السابق، ص: 155، والكاتب بذلك يسعى لإفراغ الوحي من ربانيته…
  6. نفسه، ص: 157.
  7. نفسه، ص: 93.
  8. نفسه، ص: 94.
  9. تعالى الله عن وصفه…
  10. المرجع السابق، ص: 115، وهكذا تسقط المسلمة الماركسية أولوية الواقع على الفكر والبناء التحتي المادي ينتج الفكر ويفرز البناء الفوقي على الوحي الإلهي؟
  11. حنفي، دراسات إسلامية، ص: 336.
  12. حنفي، التراث والتجديد، ص: 96، وانظر مثل ذلك في دراسات إسلامية، ص: 110.
  13. وبعد هذا العرض التحليلي عن القراءة البنيوية ثم الماركسية للقرآن الكريم اعتذر للقارئ إن اضطررت إلى الاختصار وتجنب إثقاله بالنقول ذات الدلالة، وأشير إلى أن في مختلف الهوامش إحالات لمن أراد التوسع.
  14. صون المنطق والكلام.. جمعه الإمام السيوطي، ج 1، ص: 48، نشر مجمع البحوث الإسلامية، القاهرة، بتحقيق د. النشار وغيره…
  15. المرجع نفسه.
  16. ابن قتيبة، تأويل مختلف الحديث، ص: 13، نشر دار الجبل، بيروت 1393ﮪ، بمراجعة محمد زهري النجار.
  17. قال أبو جعفر الطبري (ت 310ﮪ) في المفاضلة بين المفسرين: “…وأوضحهم برهانا فيما ترجم وبين من ذلك ما كان مدركا علمه من جهة اللسان، إما بالشواهد من أشعارهم السائرة، وإما من منطقهم ولغاتهم المستفيضة المعروفة، كائنا من كان ذلك المتأول والمفسر بعد أن لا يكون خارجا تأويله وتفسيره ما تأول وفسر من ذلك عن أقوال السلف من الصحابة والأئمة والخلف من التابعين وعلماء الأمة”، جامع البيان، للطبري، ج 1، ص: 32، دار المعرفة، بيروت، مصورة عن طبعة بولاق.
  18. يذهب حسن قبيسي في كتاب “رودنسون…ونبي الإسلام”، ص: 15، إلى أن “اتفاق الرواة على واقعة ليس معيارا لتصديقها، وإنما في ذلك دلالة ـ على الأرجح ـ على بنية تفكير الرواة وعصرهم، مثلما أن الواقعة التي لم يجمعوا عليها قد تكون لها أبلغ الدلالة، فالمسألة ليست في إجماع الرواة على ذكر الوقائع… بل في بنية الواقعة نفسها…”

   وتبعا لهذا التصور البنيوي لم يكن غريبا أن نجد “القراءة” البنيوية للقرآن تستدعي تخرصات وأراجيف المارقين من دروز وإسماعيلية… كما سبقت الإشارة إليه، كما أن قبيسي نفسه في كتابه السابق ص: 140، انتهى به التصور البنيوي إلى القول في أبي جهل ـ لعنه الله ـ “لا ندري والحق يقال، لماذا عرف أبو جهل بهذا اللقب، فاسمه عمرو بن هشام ـ وكنيته أبو الحكم، فكيف التصق به الجهل هذا الالتصاق مع أن الرجل كان عاقلا…”.

   ولاشك أن البنيويين ـ العرب ـ سينتهي بهم الحال إلى توثيق مختلف الإسرائليات والموضوعات التي نقدها محدثو الأمة وكشفها جهابذة المفسرين!

  1. ذكر د. جابر عصفور في مقدمة ترجمته ل “عصر البنيوية”، ص: 7، بأن سنة 1968م، شهدت انفراط عقد البنيويين على نحو لم يبق معه مخلصا، للأفكار البنيوية سوى كلود ليفي ستروس، الأب الروحي للحركة كلها؛ وانظر مقدمة مؤلفة الكتاب أديت كيروزيل.
  2. ﮪ. جب. الاتجاهات الحديثة في الإسلام، ص: 126، نشر مكتبة الحياة 1954م، ترجمة كامل سليمان.
  3. قال صاحب كتاب “المباني لنظم المعاني”: “قلنا: ما علم الله تعالى أن الأصلح فيه ذلك، فقد نص عليه ووقفه من الأحكام المنصوصة في الكتاب والسنة، وما علم أن تكليف الآراء فيه واستخراج المعاني أروض لطباعهم، وأدعى لهم إلى التنافس في العلم والاشتغال بنيل درجة بعد درجة أصلح، فهذا الذي تركهم فيه واجتهاداتهم…” مقدمتان في علوم القرآن، ص: 205، نشر مكتبة الخانجي، القاهرة، 1954م، بإشراف آرثر جفري، وانظر بخصوص هذه النقطة أيضا: د. فاروق الدسوقي، قواعد منهجية للباحث عن الحقيقة في القرآن والسنة، نشر دار الدعوة الإسكندرية.
  4. انظر نشأة هذه الدعوة في كتاب “منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير”، للدكتور فهد الرومي، الطبعة الثالثة 1407ﮪ، مؤسسة الرسالة.
  5. ويرحم الله ابن تيمية، ت 728ﮪ، حين قال عن أسلاف هؤلاء المبتدعة: “… فأما أن يثبت أصلا يجعله قاعدة بمجرد رأي فهذا إنما ينفق على الجهال بالدلائل، الاغشام في المسائل ـ وبمثل هذه المنقولاتـ التي لا يميز صدقها من كذبها ـ والمعقولات ـ التي لا يميز صوابها من خطئها، ضل من ضل من أهل المشرق في الأصول والفروع…”، الفتاوى، ج 6، ص: 390.
  6. انظر هذه الدائرة ضمن المؤلفات التي عرضت لأسباب اختلاف المفسرين.
  7. انظر مبحث Vers la réciprocité des consciences” ضمن قراءات للقرآن، ص: 23، وما بعدها للمؤلف؛ وأذكر هنا أن محمد أركون دأب خلال ثلاثة عقود ـ قبل إرغامه على التقاعد ـ على تتبع ما ينشر عن التوراة والأناجيل في فرنسا، ثم يعمد إلى تلك المقدمات التي يضعها اليهود أو النصارى لدراسة كتبهم الدينية فيقتبسها ثم ينتحلها لنفسه ثم يسعى لأجل ترويجها في مجال الدراسات الإسلامية كما يتصورها… وموضوع الدراسات الإسلامية في فرنسا خلال العصر الراهن جد متشعب، أرجو أن يوفقني الله لإفراده بدراسة كاملة إن شاء الله.
Science
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق