مركز أبي الحسن الأشعري للدراسات والبحوت العقديةمفاهيم

“السميع البصير”

كلام أبي الحسن الأشعري في “السميع البصير”:

قال أبو الحسن الأشعري: في مسألة  [إن الله سميع بصير] «فإن قال قائل : لم قلتم أن الله سميع بصير ؟ قيل له: لأن الحي إذا لم يكن موصوفاً بآفة تمنعه من إدراك المسموعات والمبصرات إذا وجدت فهو سميع بصير.
فلما كان الله تعالى حياً لا يجوز عليه الآفات من الصمم والعمى وغير ذلك إذا كانت الآفات تدل على حدوث من جازت عليه صح أنه سميع بصير» [1].
وقال أيضا: « وزعمت المعتزلة أن قول الله تعالى : { سميع بصير } من الآية [القصص:27] إن معناه عليم.
 قيل لهم : فإذا قال الله تعالى : { إنني معكما أسمع وأرى } من الآية [ طه: 45]،  وقال : { قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها } من الآية [المجادلة: 1]، فمعنى ذلك عندكم علم؟
 فإن قالوا : نعم،
 قيل لهم : فقد وجب عليكم أن تقولوا معنى قوله : { إنني معكما أسمع وأرى } من الآية [ طه: 45] ،أعلم وأعلم إذا كان معنى ذلك العلم [2].
«ونفت المعتزلة صفات رب العالمين وزعمت أن معنى {سميع بصير } من الآية [القصص:27]، راء بمعنى عليم كما زعمت النصارى أن سمع الله هو بصره وهو رؤيته وهو كلامه وهو علمه وهو ابنه. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .
 فيقال للمعتزلة: إذا زعمتم أن معنى “سميع وبصير” معنى عالم فهلا زعمتم أن معنى قادر معنى عالم؟
 وإذا زعمتم أن معنى سميع وبصير معنى قادر، فهلا زعمتم أن معنى قادر معنى عالم؟
 وإذا زعمتم أن معنى حي معنى قادر، فلم لا زعمتم أن معنى قادر معنى عالم؟

 فإن قالوا: هذا يوجب أن يكون كل معلوم مقدورا.  قيل لهم : ولو كان معنى سميع بصير معنى عالم، لكان كل معلوم مسموعا، و إذا لم يجز ذلك بطل قولكم [3].

– معنى السميع البصير:

في باب معنى اسميه “السميع البصير” جلَّ جلاله؛ قال الإمام أبو القاسم القشيري (465هـ): «هما اسمان من أسمائه تعالى، ورد بهما النص وانعقد عليهما الإجماع، وسمعه وبصره صفتان له زائدتان على علمه، بخلاف من خالف فيه من القدرية، وهما إدراكان له، فلا يخرج  مسموع عن سمعه، ولا موجود عن بصره، وحد ما يحدون أن يسمع ويرى على الحقيقة، فهو الموجود، وليس من شرط سمعه وبصره حلول في عضو واختصاص منه بجزء، لأنه سبحانه أَحدي الذات فردي الحقيقة، غير منقسم في ذاته، ولا متألف بشيء من أمثاله، وسمعه وبصره لا يتعلقان بمعدوم، لاستحالة أن يكون المعدوم مدركا، وأنه لا يحجب شيء عن بصره وسمعه، يسمع السر والنجوى، ويبصر ما هو تحت أطباق الثرى»[4].
وقال الامام الغزالي في المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى : «السميع: هو الذي لا يعزب عن إدراكه مسموع وإن خفي، فيسمع السر والنجوى، بل ما هو أدق من ذلك وأخفى، ويدرك دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، يسمع حمد الحامدين فيجازيهم، ودعاء الداعين فيستجيب لهم، ويسمع بغير أصمخة وآذان، كما يفعل بغير جارحة، ويتكلم بغير لسان، وسمعه منزه عن أن يتطرق إليه الحدثان، ومهما نزهت السميع عن تغير يعتريه عند حدوث المسموعات وقدسته عن أن يسمع بأذن أو بآلة وأداة علمت أن السمع في حقه عبارة عن صفة ينكشف بها كمال صفات المسموعات، ومن لم يدقق نظره فيه وقع بالضرورة في محض التشبيه، فخذ منه حذرك، ودقق فيه نظرك.
 تنبيه: للعبد من حيث الحس حظ في السمع لكنه قاصر، فإنه لا يدرك جميع المسموعات، بل ما قرب من الأصوات، ثم إن إدراكه بجارحة وأداة معرضة للآفات، فإن خفي الصوت قصر عن الإدراك، وإن بعد لم يدرك، وإن عظم الصوت ربما بطل السمع واضمحل.
 وإنما حظه الديني منه أمران: أحدهما: أن يعلم أن الله عز و جل سميع فيحفظ لسانه، والثاني: أن يعلم أنه لم يخلق له السمع إلا ليسمع كلام الله عز و جل وكتابه الذي أنزله، وحديث رسول الله، فيستفيد به الهداية إلى طريق الله عز و جل، فلا يستعمل سمعه إلا فيه.
 البصير: هو الذي يشاهد ويرى حتى لا يعزب عنه ما تحت الثرى، وإبصاره أيضا منزه عن أن يكون بحدقة وأجفان، ومقدس عن أن يرجع إلى انطباع الصور والألوان في ذاته، كما ينطبع في حدقة الإنسان، فإن ذلك من التغير والتأثر المقتضي للحدثان، وإذا نزه عن ذلك كان البصر في حقه عبارة عن الصفة التي ينكشف بها كمال نعوت المبصرات، وذلك أوضح وأجلى مما يفهم من إدراك البصر القاصر على ظواهر المرئيات.
 تنبيه: حظ العبد من حيث الحس من وصف البصر ظاهر، ولكنه ضعيف قاصر، إذ لا يمتد إلى ما بعد، ولا يتغلغل إلى باطن ما قرب، بل يتناول الظواهر ويقصر عن البواطن والسرائر ، وإنما حظه الديني منه أمران:  أحدهما: أن يعلم أنه خلق له البصر لينظر إلى الآيات، وإلى عجائب الملكوت والسموات، فلا يكون نظرة إلا عبرة، قيل لعيسى عليه السلام: هل أحد من الخلق مثلك؟ فقال: من كان نظره عبرة، وصمته فكرة، وكلامه ذكرا، فهو مثلي.
 والثاني: أن يعلم أنه بمرأى من الله عز و جل ومسمع، فلا يستهين بنظره إليه واطلاعه عليه، ومن أخفى عن غير الله ما لا يخفيه عن الله فقد استهان بنظر الله عز و جل، والمراقبة إحدى ثمرات الإيمان بهذه الصفة فمن قارف معصية وهو يعلم أن الله عز و جل يراه فما أجسره وما أخسره، ومن ظن أن الله تعالى لا يراه فما أظلمه وأكفره.»[5]
قال الإمام القرطبي: «والأصل في السماع إدراك المسموعات، وهو اختيار الشيخ أبي الحسن، وقال ابن فورك: الصحيح أنه إدراك المسموع، وقال الحاكم أبو عبد الله في معنى السميع: إنه المدرك للأصوات التي يدركها المخلقون بآذانهم من غير أن يكون له أذن، وذلك راجع إلى أن الأصوات لا تخفى عليه، وإن كان غير موصوف بالحس المركب في الأذن، كالأصم من الناس لما لم تكن له هذه الحاسة، لم يكن أهلا لإدراك الصوت، والسمع والبصر صفتان كالعلم والقدرة والحياة والإرادة، فهما من صفات الذات لم يزل الخالق سبحانه وتعالى متصفا بهما.»[6]
وقال في موضع آخر: «والذي يُعتقد في هذا الباب؛ أن الله جل اسمه في عظمته وكبريائه وملكوته وحسنى أسمائه وعليّ صفاته، لا يشبه شيئا من مخلوقاته ولا يشبه به، وإن ما جاء مما أطلقه الشرع على الخالق والمخلوق، فلا تشابه بينهما في المعنى الحقيقي؛ إذ صفات القديم جل وعز بخلاف صفات المخلوق؛ إذ صفاتهم لا تنفك عن الأغراض والأعراض، وهو تعالى منزه عن ذلك؛ بل لم يزل بأسمائه وبصفاته على ما بيناه في “الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى”، وكفى في هذا قوله الحق: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}[الشورى:11]، وقد قال بعض العلماء المحققين: التوحيد إثبات ذات غير مشبهة للذوات، ولا معطلة من الصفات، وزاد الواسطي رحمه الله بيانا فقال: ليس كذاته ذات، ولا كاسمه اسم، ولا كفعله فعل، ولا كصفته صفة إلا من جهة موافقة اللفظ؛ وجلت الذات القديمة أن يكون لها صفة حديثة؛ كما استحال أن يكون للذات المحدثة صفة قديمة. وهذا كله مذهب أهل الحق والسنة والجماعة، رضي الله عنهم.» [7]
وجاء عند الإمام السنوسي رحمه الله في معنى السميع البصير أن: «السميع هو الذي انكشف كل موجود لصفة سمعه، كان ذلك الموجود كلاما أو غيره، قديما كان أو حادثا، وحظ العبد منه صون ظاهره وباطنه، من كل ما يستحيي أن ينكشف لسمع مولانا تبارك وتعالى، والبصير هو مثل السميع.» [8]

– إثبات صفة السمع والبصر:

– ذكر ابن خمير في إثبات صفة السمع والبصر ما نصه: «فإذا ثبتت الصفات المعنوية التي افتقرت إليها الأفعال على الوجه الذي أثبتناها في صدر الباب، وصح تعليل الواجب والرد على منكريه، فلنعطف على ما بقي من الصفات المعنوية الثابتة للبارىء تعالى، التي لا يتم بها الكلام ولا تفتقر إليها الأفعال وهي السمع والبصر والكلام وإدراك الطعوم وإدرك الروائح،… إلى غير ذلك من الإدراكات للبارىء تعالى، وثبوتها يصح من وجهين: أحدهما: ما تقرر من أنها أوصاف كمال، وأن أضدادها نقائص، والنقائص لا تجوز عليه تعالى، والثاني: ما أثبته السمع.فأما ثبوتها من جهة الكمال ، فنعلم ضرورة أن الجمادات لا تتصف بشىء من هذه الصفات، لأننا نسبر صفاتها، فلا نجد لها مانعا من قبولها سوى الموت، ولا مثبت لقبولها سوى الحياة، وهذا أمر لا خفاء به، وقد ثبت أن البارىء تعالى حي، فلا يخلو أن تثبت له صفة الكمال أو أضدادها من النقائص، فإن الحياة شرط في ثبوت طرفي الكمال والنقص، فإن لم يكن البارىء تعالى سميعا بصيرا متكلما مدركا في الأزل وجب أن يكون مؤوفا، لوجوب ثبوت الأضداد مع ثبوت الحياة في أزل، ويلزم على ذلك أن يكون المربوب على ذلك أكمل من ربه.وأنت أيها المبتدع في هذه المسألة بالخيار: هل تكون أكمل من ربك أو يكون ربك أكمل منك؟ ! وهذا إلزام لا محيص لهم عنه، فنعوذ بالله من الخذلان».[9]  
أما أبو عثمان سعيد العقباني فقال في إثباتها: «وأما السمع والبصر، فقد صرحت الشريعة في الكتاب والسنة بأنه سبحانه سميع بصير، وقال الخليل عليه السلام لأبيه{لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر}[مريم:42] وهذا العتب لا يصح إلا ممن يكون معبوده سبحانه يسمع ويبصر.
ولم يخالف أحد أنه سبحانه سميع بصير غير أن الفلاسفة قالوا: معنى كونه سميعا بصيرا؛ أنه يعلم المسموعات ويعلم المبصرات، فمن كان منهم ينتسب إلى الإسلام يستدل عليه بألفاظ القرآن، فإن ألفاظ القرآن حجة عليهم، فإن قولهم: إن السميع البصير معناه أنه عالم بالمسموعات والمبصرات باطل، فإن القرآن بلسان عربي، ومعلوم أن اللسان العربي لا يقول سميع بصير إلا لمن له سمع وبصر، لا لمن يعلم المسموعات والمبصرات.
ولهذا لو كتب في كتاب: إن بموضع كذا رجل يتلو كتاب الله سبحانه، فرفع الكتاب لزيد فقرأه وتيقن صحة ما كتب فيه لم يصح أن يوصف زيد بأنه سميع، وإن كان قد حصل في علمه التلاوة وهي من المسموعات، ولوأخبره مخبر أن وراء هذا الجبل جيشا عظيما وصدقه لم يصح أن يوصف بأنه بصير له، وإن كان قد حصل في علمه الجيش وهو من المبصرات.
وأما الدليل العقلي في هذا، فهو أن نقول: قد ثبت أنه سبحانه حي، وكل حي فهو إما سميع وإما أصم، وأيضا فهو إما بصير وإما أعمى، لكنه ليس أصم ولا أعمى لأنهما صفتا نقص، فهو سميع بصير.
وقالت الفلاسفة: الرؤية انطباع صورة الشيء في العين، والباري ليس له عين تنطبع فيها الصورة.انتهى.
وهذا الشيء غلطوا فيه، ولو كانت الرؤية بالانطباع كان من ينظر في المرآة ينطبع وجهه فيها، ولو كان كذلك لكان كلما بعد الشخص عن المرآة يقرب شكله المنطبع فيها من سطح المرآة، لكنا نشاهده كلما ازداد الشخص بعدا عن المرآة ازدادت صورته بعدا عن سطحها، وصارت الصورة كـأنها تدخل في داخل المرآة وتبعد من وجهها.
وأما السمع، فقالوا: لامعنى له إلا تأثر الصماخ بتموج الهواء، والباري سبحانه يستحيل أن يكون له صماخ، فيستحيل أن يكون له سمع.
والجواب: أن تفسيرهم للسمع تفسير باطل، ولو صح تفسيرهم لكان السامع للصوت من بعد لا يدري من أي جهة هو، فإنه على زعمهم لا يدرك إلا تموج الهواء في داخل صماخه، فقد بطل ما زعموه.[10]

ونَفِّذ بحقٍّ ياسميعُ مقالتي *** وبَصِّر فؤادي يا بَصيرُ بِعَيبنَا [11]

 

 

الهوامش:

 

[1] اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع تأليف الشيخ الإمام أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، صححه وقدم له حمودة غرابة، مطبعة مصر 1955م،(ص:25).
[2] الإبانة عن أصول الديانة علي بن إسماعيل بن أبي بشر الأشعري أبو الحسن تحقيق : د. فوقية حسين محمود دار الأنصار – القاهرة الطبعة الأولى ، 1397هـ، ( ص: 158 ).
[3] الإبانة عن أصول الديانة، (ص: 160-161 ).
[4] شرح القشيري لأسماء الله الحسنى، الإمام زين الدين أبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري رضبطه وصححه وعلق عليه الشيخ الدكتور عاصم ابراهيم الكيالي الحسيني الشاذلي  الدرقاوي دار الكتب العلمية بيروت لبنان الطبعة الأولى 1427هـ/2006م، (ص:127).
[5] المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى، محمد بن محمد الغزالي، دار السلام القاهرة الطبعة الأولى 1429هـ/2008م،.(ص:119-122).
[6] الجامع لأحكام القرآن، لأبي عبد الله محمد شمس الدين القرطبي، تحقيق: هشام سمير البخاري، دار عالم الكتب، الرياض، المملكة العربية السعودية، الطبعة : 1423هـ/ 2003م (17/ 272) .
[7] الجامع لأحكام القرآن، (16/ 9).
[8] شرح الأسماء الحسنى للإمام أبي عبد الله محمد بن يوسف السنوسي الحسني، تحقيق نزار حمادي، مؤسسة المعارف بيروت لبنان الطبعة الأولى 1429هـ/2008م (ص: 37-38).
[9]  مقدمات المراشد في علم العقائد (نصوص من التراث الأشعري المغربي) لابن خمير السبتي تحقيق وتقديم، د: جمال علال البختي، مكتبة الثقافة الدينية، الطبعة الأولى القاهرة، 2011 م، (ص:189).
.[10] كتاب الوسيلة بذات الله وصفاته، للإمام أبي عثمان سعيد بن محمدج بن محمد العقباني (تـ811هـ) تحقيق نزار حمادي، مؤسسة المعارف بيروت لبنان الطبعة الأولى 1429هـ/2008م، (ص:68-70).
[11] التوجيه الأسنى بنظم الأسماء الحسنى، الشيخ أبو البركات أحمد الدردير، اعتنى بها وقدم لها وعلق عليها: الشيخ صالح العود، دار ابن حزم، الطبعة الأولى 1429هـ/2008م، (ص:26).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق