مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكدراسات عامة

السلوك الأخلاقي في سيرة الإمام مالك 2

 

 

السلوك الأخلاقي في سيرة الإمام مالك 2

 

الدكتور عبد الله معصر

رئيس مركز دراس بن إسماعيل

 

2- السلامة من الآفات الأخلاقية التي تلابس الإفتاء: 

         ومن هذه الآفات:

                   أ- آفة العجب وطلب الرئاسة :

وهي من الآفات التي قد يصاب بها من يتصدر للفتوى، فيستدرجه ذلك إلى الإكثار من الإفتاء، طلبا للرئاسة على الخلق، وغرورا وإعجابا برأيه، وقد يجره ذلك إلى الإفتاء فيما لا يدري، روي أن بعضهم قال لمالك : إذا قلت أنت يا أبا عبد الله لا أدري، فمن يدري ؟ قال : ويحك ما عرفتني، ومن أنا ؟ وأي شيء منزلتي حتى أدري ما لا تدرون ؟ ثم يحتج بحديث ابن عمر وقال : ” هذا ابن عمر يقول لا أدري فمن أنا ؟ ” وإنما أهلك الناس العجب وطلب الرئاسة، وهذا يضمحل عن قليل [1].

 وقد نبه الإمام مالك –رحمه الله- أن حب الرئاسة من الآفات الأخلاقية التي ينبغي أن يحاربها العلماء، حتى تكون أقوالهم سليمة من الشوائب النفسية، وفي ذلك يقول : ” ينبغي للرجل إذا خول علما، وصار رأسا يشار إليه بالأصابع أن يضع التراب على رأسه، ويمقت نفسه إذا خلا بها، ولا يفرح بالرئاسة ،فإنه إذا اضطجع في قبره وتوسد التراب ساءه ذلك كله ” [2].

 وقد كان الإمام مالك يتعاهد تلاميذه ويذكرهم بهذه الآفات الأخلاقية، ويحرص على أن لا يصابوا بغرور أو عجب، وفي ذلك يروى أن ابن القاسم قال لمالك : ليس بعد أهل المدينة أعلم بالبيوع من أهل مصر

 فقال مالك : ومن أين علموها ؟

 قال : منك.

 قال مالك : ما أعلمها أنا فيكف يعلمونها بي “[3].

 

                   ب- الفخر بالفتيا واشتهاء الكلام :

وهي آفة يصاب بها العلماء فتجر عليهم البلوى من حيث لا يشعرون، إذ تصبح الرغبة الدفينة في نفس العالم هي حب الخطابة والكلام حتى يشار إليه، ويقال فيه عالم، وذلك ينافي الإخلاص وتلقين العلم لوجه الله، وإذا فقدت هذه المعاني لم يكن قصد العالم البحث عن مراد الله، بل إن ذلك قد يحول بينه وبين الوصول إلى الصواب، يقول الإمام مالك : ” ما شيء أشد علي من أن أسأل عن مسألة من الحلال والحرام، لأن هذا هو القطع في حكم الله، ولقد أدركت أهل العلم والفقه ببلدنا، وإن أحدهم إن سئل عن مسألة كأن الموت أشرف عليه، ورأيت أهل زماننا هذا يشتهون الكلام فيه والفتيا، ولو وقفوا على ما يصيرون إليه غدا لقللوا من هذا، وإن عمر بن الخطاب، وعليا، وعلقمة، خيار الصحابة كانت ترد عليهم المسائل، وهم خير القرون الذين بعث فيهم النبي -صلى الله عليه وسلم- ،وكانوا يجمعون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يسألون، ثم حينئذ يفتون فيها، وأهل زماننا قد صار فخرهم الفتيا، فبقدر ذلك يفتح لهم من العلم ” [4].

ولعل في قصة أشهب ما يدل على أن تلاميذ الإمام مالك قد تشربوا هذا المنهج ،فكانوا يستشعرون أن كل ما صدر منهم إن لم يكن حجة لهم فهو حجة عليهم، قال يونس : ” دخلت على أشهب في مرضه الذي مات فيه، فقال لي : يا يونس،

 قلت : لبيك.

قال : انظر ما ها هنا وأشار إلى كتبه، ماذا جمعت من الحجج على هذا البدن الضعيف، ما أستريح إلا أن آخذ المصحف فأضعه على صدري ” [5].

وقال أسد : ” أتيت ابن القاسم فقال لي : أنا مشغول بنفسي وجعلت الآخرة أمامي، ولكن عليك بابن وهب ” [6].

 

 


[1]  : نفس المرجع، ج : 1، ص : 184.

[2]  : نفس المرجع، ج : 3، ص : 61.

[3]  : نفس المرجع، ج : 1، ص: 185.

[4]  : نفس المرجع، ج : 1، ص: 179.

[5]  : نفس المرجع، ج : 3، ص : 221.

[6]  : نفس المرجع، ج : 3، ص : 263.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق