وحدة الإحياءدراسات عامة

الحداثة والسياسة والدين وسؤال القيم

إن النظر إلى القيم سيعرف تحولات كبيرة على مستوى التعاطي الفلسفي والمعرفي، ربما سيرتبط بالنظرة للإنسان نفسه، من حيث ماهيته ووجوده ودوره، وخاصة بالنظر إلى التحديات التي يفرضها منطق الصورة والتقنية، الذي ينطرح كمعوض وجودي للإنسان ولحضوره التاريخي.

إشكالية القيم والحداثة في عصر الصورة تأسيسات مفاهيمية

إن حديثنا عن القيم من مدخل إشكالي، يتأسس على وعي تاريخي بأن المخاطر التي تهدد الإنسان اليوم لا تقف عند حدود تجلياتها المادية والفيزيائية، بل تتعمق لتمس أسئلة الكينونة والضمير والأخلاق، فسوء التصرف الإنساني الذي آلت إليه البشرية وجشع العلاقات الاجتماعية والاقتصادية التي تمس “النظام العالمي” ناتج أساسا عن فقدان البوصلة القيمية[1]، سواء من جهة المرجعية والتفكير، أو من جهة السلوك والتمثل التاريخي.

إن هذه الموجهات العامة تستدعي أن نعتبر إشكالية القيم إشكالية العصر[2]، كما تستدعي أيضا من الأمم التي لها رصيد تاريخي وحضاري يمكن أن يسندها في إنقاذ الحضارة المعاصرة، إلى إعلان حالة “التأهب” الحضاري القصوى، بناءً وإعمارا وإبداعا، بطبيعة الحال، وليس استبدالا وإحلالا.

ضمن هذا الأفق سنعمل على إعادة التفكير في المداخل التي يمكن من خلالها علاج إشكالية القيم، خاصة بعد أن تحددت زاوية المعالجة ضمن مجال الحداثة وما أسميته تجاوزا بـ “منطق الصورة”، للدلالة على إحدى مرجعيات تمثل الحداثة ضمن النسق الثقافي الغربي المعاصر، ثم نهتم ببعض الحلول التي يمكن تشغيلها لاستيعاب وتجاوز مثالب الحداثة على مستوى نظام القيم.

سنهتم أولا بتحديد إشكالية بحثنا ضمن ما أسميناه “إشكالية القيم”، وتمييزها عن إشكالية الهوية، وضمن إشكالية القيم نتوقف عند قضية المفهوم ونحاول استقصاء الأبعاد التي تحملها تعددية مكوناته، وهو ما سيطرح علينا رهانا فلسفيا يستلزم البحث في مسارات التحول في مرجعية الحداثة، والتي ستنتهي إلى ما أسميناه “تأليه القيم”، مما سيفقدها حساسيتها التاريخية والحضارية، وفي هذا الإطار نستحضر المحاولة الفلسفية الوجودية باعتبارها إحدى “ردود الفعل” الأساسية على أزمة القيم في النسق الحداثي الغربي، مبينين حدود هذه المحاولة ومأزقها.

ثم سنهتم ثانيا بمحاولة التفكير في أزمة القيم من داخل الإطار الحداثي نفسه، بحيث سنستدعي في هذا الإطار أطروحة الموجات الثلاث للحداثة كما صاغها ليو ستراوس، لنقف عبرها عند أزمة القيم باعتبارها في العمق أزمة تمس مجال الفلسفة السياسية الغربية.

وسيكون الجزء الثاني من هذه الدراسة عبارة عن جهد إضافي نسندعي من خلاله اشكالية الصورة كمجال تطبيقي لاشكالية القيم بشكل عام، وذلك من خلال الفيلسوف ريجيس دوبريه، محاولين صياغة ما أسميناه “منطق الصورة” في تعويض معيارية القيم، بسياقات تشغيلية فاقدة لحمولات المعنى والدلالة.

وفي نفس الاتجاه، سنحاول التفكير في بعض علاجات أزمة القيم، سواء من خلال “تعزيز” أهمية الخطاب الأخلاقي الجديد في الفلسفة الغربية، أو من خلال التفكير الأولي في رهانات الخطاب الإسلامي ضمن هذا الأفق العلاجي.

بين إشكالية الهوية وإشكالية القيم

من نافلة القول أن البنية الدلالية لمفهوم الهوية أشمل من البنية الدلالية لمفهوم القيم؛ إذ الهوية باعتبارها من المنظور الفلسفي من الهو، فتكون بذلك “ما يكون به الشيء هو”: أي ما يؤسس للمغايرة والتعدد من منظور أن الهو يتحدد في علاقة بالغير، فيكون مجتمع ما “هو هو” بما يحمله من قيم يؤسسها الفعل التاريخي الذي يميزه عن الغير، ويحدد نقط الاختلاف الحضاري والتفاعل الثقافي.

ومن هنا، فإن هوية مجتمع أو أمة ما، تتحدد انطلاقا من قيم ومعايير ومعتقدات ورموز تندرج في قلبها حركة المجتمع، سواء تعلق الأمر بالبعد الحضاري والتاريخي أو التراثي أو اللغوي للبناء الهوياتي لجماعة وطنية معينة.

ولذلك فإشكالية القيم قد تصل إلى أقصى تعبيراتها عندما تمس النسق الهوياتي: أي أسباب وجود مجتمع ما[3]، ومن ثمة، فإننا لا نتحدث عن “أزمة هوية” من زاوية سوسيولوجية إلا حينما تتحول التعددية المقبولة في إطار النسق الهوياتي العادي، إلى تعددية “تدميرية” تمس النسق الثقافي والقيمي وأيضا النموذج الفلسفي والمعرفي للمجتمع، والتي قد تؤسس لتمركزات طائفية وعرقية وثقافية غاية في الخطورة، وهو ما تعبر عنه العديد من الحالات التاريخية[4].

التعددية القيمية وإشكالية المفهوم

إن التعددية اللامتناهية المطروحة في مجال القيم تطرح علينا إشكالية التحديد المفاهيمي سواء تعلق الأمر بالبعد المعياري للمفهوم أو ببعده الإجرائي.

وإذا اقتصرنا على الجانب المعياري: (أي ما يتصل بمحتوى المفهوم) يمكننا الحديث عن قيم ذات مضمون اقتصادي، أو اجتماعي أو ثقافي الخ… ويمكننا أيضا أن نقف عند قيم حاملة لكل هذه المضامين، بحيث يتم تشغيل كل مضمون على حدة بحسب السياق التنزيلي للقيمة، فمثلا حينما نتحدث عن تستر المرأة فهذه قيمة دينية، ولكن حينما تتحول لتطبع في الواقع، تتحول إلى قيمة اجتماعية ترتبط برهانات الفاعلين، وبالروح السائدة داخل مؤسسة الأسرة إلخ، كذلك نجد أن قيمة الاستهلاك –مثلا- قيمة اقتصادية ولكن لها أبعاد سياسية، وأخرى ثقافية، فالاستهلاك المفرط مثلا في النموذج الثقافي الأمريكي يدل على حياة الرفاهية، في حين يدل في الثقافة العربية الإسلامية على معاني التبذير وسوء التصرف.

ومن هنا نستنتج بأن القيم هي أنساق متكاملة تتداخل عناصر كثيرة في تركيبها، ولذلك فهي تستعصي في حالات عديدة عن التجزئة والتفكيك.

وإذا انتقلنا من هذا التداول العام للقيم الذي يحيل على التعددية، نحو البحث في دلالتها اللسانية، فسنجد أن لفظ قيمة (value) بالمفرد في المعجم الإنجليزي يدل على “الشيء أو الشخص ذي الأهمية”، وبالجمع (values)، تدل على “المبادئ والأخلاق السامية[5]“.

والملاحظ ضمن هذه الدلالة اللسانية أن القيم إطار للتقييم المعياري للأشياء والأشخاص وللتفاضل فيما بينها، كما أنها تأخذ دلالتها كتعبير عن الأخلاق والمبادئ.

وهو نفسه الأمر الذي نجده في اللفظ العربي قيمة، مما يسمح لنا بأن نعتبر بأن القيم هي “أحكام معيارية تتضمن مثلا وأهدافا ضابطة للوجود الاجتماعي فكرا ونظما وممارسة، ولها صفة الضرورة والالتزام والعمومية[6]“، وهو ما يطرح مجالين للبحث:

ـ مجال القيم باعتبارها إطار للحكم التفضيلي (value).

ـ مجال القيم باعتبارها محتوى مرجعيا للنظام الأخلاقي (values).

وإذا كان المجال الأول مجال الاهتمام السوسيولوجي[7]، فإن المجال الثاني هو مجال الاشتغال الفلسفي بامتياز، ومن ثم نعتبر بأن التعددية التي تسم مجال القيم تسمح لنا بأن نؤكد على امتناع التحديد المفاهيمي للقيم خارج دائرة المرجعية الفلسفية، وأيضا خارج إطار الثقافة والفعل المجتمعي.

القيمة المركزية وحتمية المرجعية النهائية

إن هذا المدخل الأولي يسمح لنا بالانتقال إلى مستوى طرح السؤال المرجعي، بمعنى ملامسة المرجعية النهائية[8] للقيم عبر قنطرة مفهوم “القيمة المركزية” كالعدل أو الحرية أو ما إلى ذلك، وسنكشف عن هذا من خلال رهان أساسي: أي فهم المرجعية الفلسفية المعاصرة للقيم وإشكالية النمذجة والتفكيك الذي تبرز في المدى الثقافي للقيم.

وهنا نؤكد بأن لكل خلفية فلسفية رهانات ثقافية، حيث أنه إذا استحضرنا النمذجة الأرسطية في تقسيم للعقل إلى عقل نظري وعقل عملي(الأخلاق-القيم والسياسة)، فإن هذه النمذجة تجعلنا نعتبر أن العقل النظري هو الذي يؤطر العقل العملي، وأنه دونما الكشف عن الأبعاد والبنيات المعرفية والإدراكية المشكلة للعقل النظري لا يمكننا أن نفهم المستويات العملية سواء القيمية-الأخلاقية أو السياسية.

فكل سلوك بشري هو مرتبط بمرجعية نهائية نظرية أو معيارية، بمعنى منظومة اعتقادية موجهة للتصورات وللسلوكات وللعلاقات، ورغم تقسيم الفلسفة إلى ثلاث مجالات: أي المجال الأنطولوجي والمجال الابستيمولوجي والمجال القيمي-الأخلاقي، فإن المرجعية النهائية تتأطر بهذه الأبعاد في ترابطها، ولا يمكن فصل الجانب الابستمولوجي المعرفي عن الجانب الأنطولوجي عن الجانب الأخلاقي، ذلك الفصل الذي كانت له محددات تاريخية مرتبطة بسياق “العلمنة الشاملة” في النسق الحضاري الغربي.

النسق الفلسفي الغربي ومأزق “تأليه القيم[9]

غير أن المرجعية الفلسفية لها رهاناتها في النهاية مرتبطة بالثقافة، فالرهان الفلسفي الغربي الذي انطلق مع اليونان ارتكز على جدل العلاقة بين الطبيعة والإنسان، وأسقط عنصر الغيب[10]، رغم محاولات التأسيس لمقولات “العقل الكلي”، وهو ما أدى إلى تأسيس نموذج معرفي مادي صرف، رغم ما كان يعترضه في بعض اللحظات الميتافيزيقية التي لم تحل سؤال الوجود، وهو ما انعكس على طبيعة فهم القيم، بحيث تباينت القيم المركزية من تجربة تاريخية إلى أخرى، لتصل إلى درجة التأليه بسبب التمركز الفلسفي المفرط؛ إذ يمكننا أن نلاحظ –مثلا- نزوعا نحو “تأليه الحكمة والسعادة” عند أفلاطون، ونزوعا نحو “تأليه العقل” عند ديكارت، ثم نزوعا نحو “تأليه الدولة” مع ميكيافيلي ونيتشه، ونزوعا نحو “تأليه العمل” عند ماركس، ونزوعا آخر نحو “تأليه التقنية” عند هايدغر، ثم نزوعا نحو “تأليه التواصل” عند هابرماس إلى غير ذلك، بحيث تتعدد القيم المطلقة بتعدد الفلسفات، حتى يصير لكل فيلسوف إله قيمه المطلقة التي ينشئها انطلاقا من مرجعيته العقلية.

إن نزوعات تأليه القيم التي ميزت التفكير الفلسفي الغربي، أدت إلى تفكيك المرجعية النهائية، واتجاه البحث عن مرجعيات تعويضية، تشكل معادلا موضوعيا لأزمة الإطار المرجعي أو النواة الصلبة الحاملة لنظام القيم التاريخية والمجتمعية، ومن التحولات الأساسية التي سيعرفها النسق الفلسفي الحداثي، أن تحول العلم بديلا عن المعرفة التأملية، والتقنية بديلا عن الإنسان، وهو ما تنبه إليه مؤسس الفلسفة التواصلية في ألمانيا يورغن هابرماس من خلال ما سماه في إحدى كتاباته الأساسية “العلم والتقنية كإيديولوجية”، ولا شك أن من فعاليات الإيديولوجية الأساسية، فعالية التعويض والاستبدال والتبرير للحفاظ على منطقية النسق، مهما كان هذا النسق فارغا وصوريا.

هايدغر ومفهوم تذويت القيم[11]

لقد انتبهت الفلسفة الوجودية لهذه الإشكالية، ضمن أفق التأسيس للنزعة الإنسانية باعتبارها ذلك المجهود الذي يرمي إلى جعل الإنسان حرا في إنسانيته، ويخول له اكتشاف كرامته، وأيضا قصد إجلاء المعاني التي يحملها “الإنسان الإنساني” الذي سعى هايدغر لتخليصه من جميع العقال والاشتراطات الموضوعية.

 لقد اعتبر هايدغر أن التقدير الزائد لشيء ما كقيمة له، لا يسمح بتداول ما تم تقييمه إلا كموضوع للتقييم من طرف الإنسان، لكن ما يكونه شيء ما في كينونته لا يستنفـد في توضيعه، لاسيما إذا كانت لهذه “الموضعة” خاصية القيمة، فكل تقييم، حتى عندما يكون إيجابيا يكون عبارة عن تذويت (نسبة إلى الذات)، إنه لا يدع الموجود يوجد، بل يجعل منه موضوعا لمساوماته فقط، وهذا تصرف، حسب هايدغر، يسعى إلى إثبات موضوعية القيم دون أن يكون على علم بحقيقة ما يفعل[12].

غير أن إسهام هايدغر في التنبيه إلى مخاطر “تأليه القيم”، دفعته إلى استدماج المقولات الكلامية في نسقه الفلسفي سعيا منه وراء تعميم الرؤية التي يقترحها للوجود، فاعتبر أن “الفكر الذي يتعارض مع “القيم” لا يدعي أبدا بأن كل ما نتحدث عنه من “قيم” و”ثقافة” و”فن” و”علم” و”كرامة الإنسان” و”العالم” و”الله”، لا قيمة له. وإنما الأمر يتعلق فيه أولا بالاعتراف أخيرا بأن عملية إضفاء قيمة على شيء ما هي بالضبط التي تجرد ما اعتقدنا أننا نسمو به على هذا النحو من كرامته[13]“.

والمثال الذي يقدمه هايدغر للاستدلال على موقفه الفلسفي، يمس تقييما “من زاوية وجودية” لأحكام القيمة التي تصدر في حق المتعالي، فنحن، يقول هايدغر، عندما نصرح بأن الله هو “أسمى قيمة” إنما نحط في الحقيقة من قيمته.

من هذا المنطلق رفض هايدغر الفكر المصوغ في شكل قيم، معتبرا إياه أكبر قذف يمكنه أن يقال في حق الوجود، ومن ذلك نلاحظ أن الفلسفة الوجودية التي شكلت إحدى محاولات استعادة مرجعية الإنسان باعتبارها مرجعية أصلية للحداثة، لم تنجح في الوقوف عند أرضية صلبة تساهم في علاج أزمة القيم في المجال الحداثي الغربي[14].

القيم ضمن الموجات الثلاث للحداثة

إن مجمل الأبعاد السابقة، تجلي لنا بأن النهضة الغربية الحديثة لم تنطلق من مركز قيمي متعالي، أو أصل مرجعي ثابت، بل إنها قامت على أركان انهيار القيم الدينية في النموذج الكنسي، وهيمنة نموذج الفصل بين المتعالي والدنيوي، بحيث صار الدنيوي يجب المتعالي ويستوعبه في إطاره وشروطه، ولعل التعبير الفكري الأساسي حول هذه الخلاصة هو ما حملته أعمال المنظر الألماني ماكس فيبير[15]، الذي اعتبر الفعالية العملية في النظام الرأسمالي تطبيقا تاريخيا للديانة المسيحية، مما شكل أسوء اختصار للدين في التاريخ، حيث صارت الأخلاق تعبر عن شرط من الشروط الممكنة وليست شرطا جوهريا.

 وهو ما نجده أيضا في المسارات الكبرى للحداثة التي لخصها ليو ستراوس[16] في موجاته الثلاث، حيث تقترن  الموجة الأولى باسم مكيافلي وهوبز، لتعبر عن سعى الفكر الإنساني في بدايات زمن الحداثة إلى تقريب الوجود من واجب الوجود، بمعنى آخر، إلى تقريب واجب الوجود (المثال)، من الإنسان الواقعي بطبائعه وأهوائه، فالأخلاق في هذه الموجة اعتبرت شرطا من شروط الجمهورية ليس إلا، وهذا يعني أن الأمير يمكنه أن يتظاهر بالفضيلة دون أن يؤمن بها[17]، وتقترن الموجة الثانية باسم روسو الذي انتقد في البداية التوجهات الفكرية لموجة الحداثة الأولى، واعتبر أنه يجب العودة إلى القدامى وإحياء التراث القديم والمناداة بالقانون الطبيعي، في حين تقترن الموجة الثالثة باسم نيتشه، الذي وضع ركائز العدمية الفكرية والسلوكية، فإذا كان روسو يميل إلى الاعتقاد بأن الإرادة العامة ستقود المجتمع إلى التعايش في انسجام مع الطبيعة وستثير في الإنسان الإحساس بالطمأنينة والسكينة، فنيتشه يرى أن قضايا الإنسان لا يمكن حلها عن طريق السياسة.

فالوجود يثير في الإنسان الإحساس بالقلق والخوف أكثر مما يثير فيه الإحساس بالطمأنينة، وهذا القلق الوجداني يرتبط بما يسميه نيتشه “مأساة الحياة”، وهذا الإشكال هو لصيق بالإنسان بصفته إنسانا وليس هناك نظام سياسي كفيل بحله.

 لقد شكلت فلسفة نيتشه تعبيرا أساسيا من تعبيرات أزمة الإنسان ضمن نسق الحداثة.

– أزمة القيم تعبير عن أزمة الفلسفة السياسية

لقد انطلق ليو ستراوس[18] في تفسيره لأزمة القيم في السياق الغربي من خلال استدعائه لمقولة “أفول، أو غروب الغرب” لاشبنغلر (spengler[19])، حيث لا يفهم من الغرب الدلالة المعهودة التي نصف بها الحضارة الغريبة: أي تلك الحضارة التي انبثقت من اليونان، بل يفهم منه الثقافة التي بزغت بأوروبا الشمالية حوالي ق 1000م. وتشمل علاوة على ذلك، الثقافة الغربية الحديثة.

وهكذا يعتبر ليو ستراوس أن كتاب شبنغلير وثيقة دامغة على أزمة الحداثة، وأن حقيقة وجود هذه الأزمة أصبح اليوم جليا حتى لذوي الأفهام الضعيفة.

وخلاصة خطاب أزمة الحداثة كما نفهمه من خلال تأويل ليو ستراوس لأطروحة شبنغلير، أنها أزمة إنسان، وأزمة في الإطار المرجعي لبناء الموقف من الوجود، كما أنها أزمة تمس الفلسفة السياسية.

إنها أزمة تكمن، بتعبير ليو ستراوس، في واقع كون الإنسان الغربي الحديث الذي لم يعد يفهم ما يريد ولم يعد يعتقد أن بإمكانه أن يعرف ما هو خير وما هو شر، ما هو صحيح وما هو خاطئ. وإلى بضعة أجيال خلت كان من المسلم به عادة أن بإمكان الإنسان أن يعرف ما هو صحيح وما هو خاطئ، ويعرف النظام الاجتماعي العادل أو الحسن أو الأحسن. وباختصـار يعرف أن الفلسفة السياسية ممكنة، بل وضرورية. هذا الاعتقـاد فقد نفوذه في زماننا.

وإذ يعتبر ليو ستراوس أن الفلسفة السياسية تفترض مسبقا بأنه يمكن البرهنـة عقلانيا على أحكام القيمة، فإن التفرقة السائدة بين الوقائع والقيم لا يمكن الدفاع عنها؛ لأن مقولات المعرفة النظرية تنطوي بداهة وبهذه الطريقة أو تلك، على مبادئ التقييم. لكن مبادئ التقييم تلك، إلى جانب مقولات الفهم، فهي كلها متغيرة تاريخيا ومن عصر لآخر. ولهذا السبب يستحيل الجواب بطريقة معترف بها كونيا عن مسألة الصحيح والخاطئ أو مسألة النظام الاجتماعي الأحسن، وبطريقة صالحة لكل الفترات التاريخية، كما تستوجب الفلسفة السياسية[20]، من هنا، إذن، تأتي أزمة الفلسفة السياسية المعاصرة باعتبارها نتيجة حتمية لأزمة نظام القيم التي تعبر عنها.

 إن الموجة الثالثة للحداثة هي نتاج للتصور الفلسفي الغربي المادي/النيتشوي، والتي تجد إحدى تجلياتها في منطق الصورة الذي يلخص سيرة الحداثة وانحلالها المرجعي.

إن أزمة النموذج الحداثي الغربي تكمن جوهريا في انحلال وتفكك مرجعية المعنى، وتدفقاتها التي تنعش الحياة فيها بعد كل دورة تاريخية، مما جعلها إطارا فاقدا للمرجعية المتعالية، بحيث تشخص نظام القيم في المؤسسة القانونية ثم في المقاولة ليصير إلى التعبير عن فعاليته من خلال نظام الصورة، بمنطقها التجريدي الذي لا يعير اهتماما للواقع أو للمعاناة الإنسانية الحقيقية.

فكيف حلت الصورة محل المرجعية الأصلية للحداثة، إن افترضنا وجود هذه المرجعية؟

وما السبيل للخروج من هذا الوضع التاريخي المحرج؟

إشكالية القيم والحداثة في عصر الصورة السياقات والآفاق

يسود كثيرا في أدبياتنا ومؤتمراتنا الحديث عن ما يعرف بعصر الصورة، والذي يشير إلى العصر الذي تهيمن فيه الصورة وتسود لتكون إحدى أدواته المعرفية والثقافية والاقتصادية المركزية”، كما يتم الحديث عن ما يسمى “ثقافة الصورة[21]” بما يشير إلى الدور المتعاظم للصورة في مجال تواصل البشر وتسجيل خبراتهم وأحوالهم ناهيك عن اقتصاديات صناعتها، ولا يعني هذا الوصف أن الصورة أمر مستجد في التاريخ الإنساني، وإنما يعني تحولها من الهامش إلى المركز، ومن الحضور الجزئي إلى موقع الهيمنة والسيادة على غيرها من العناصر والأدوات الثقافية.

ونحن ضمن بحثنا نستعمل مفهوم “منطق الصورة” باعتباره إحدى المفاهيم التي تشير إلى “حقل جديد” من حقول البحث العابر للتخصصات، فمن زاوية سيكولوجية فإن منطق الصورة يقوم على تأسيس الإدراك الصوري وليس الوعي بحقيقة الأشياء، وهذا الإدراك يصدر عن إحساس باللذة والفرح عند التعرض لموجات الصورة، ومن زاوية أنثربولوجية، فإن منطق الصورة يقوم على تعزيز أساطير الجماعية من خلال تمثلات إدراكية صورية تقوم على الرغبة والقوة والنرجسية، وليس من خلال قيم ثقافية ومعرفية مؤسسة، ولو اكتفينا بهذين المجالين، فإن منطق الصورة منطق فاقد للقيم المرجعية التي تؤسس للفعل التاريخي المتعين في أبعاده الاجتماعية والثقافية والسياسية.

        إن منطق الصورة كما حددناه هو إحدى التمثلات الأساسية لأزمة القيم في ظل الموجة الثالثة للحداثة؛ إذ لما فقدت الحداثة قدرتها على التجدد الذاتي المستمر، بحيث توقفت في نقطة تاريخية محددة دون الاكتمال، وهو ما يعبر عنه أحد المنظرين المتفائلين بمستقبل الحداثة؛ أي يورغن هابرماس بقوله: “الحداثة مشروع لم يكتمل[22]“؛ أي أنه عندما لم يكتمل المشروع الحداثي الغربي نحو تمثل قيمه المؤسسة، التي تمس أساسا الإطار المرجعي لدينامية الحداثة باعتبارها واقعا تاريخيا متعينا، انبجس منطق الصورة باعتباره إطارا تعويضيا مرحليا لذلكم الفراغ المرجعي والخواء الحضاري.

– عولمة منطق الصورة

لقد توقف فيلسوف الصورة الفرنسي ريجيس دوبري[23] عند هذه المسألة ضمن جهود حثيثة لتخليص الحداثة من مأزقيتها، فكانت أفكاره غاية في الجرأة وحملت معها روح النقد وصرامة الاعتراف.

يؤكد الفيلسوف الفرنسي ريجيس دوبريه أن تاريخ الصورة كان دائما غربيا، لذلك لا غرابة في أن تكون الصورة وسيلة لتغريب العالم، فمنذ بدايتها التفت الكنيسة الكاثوليكية على السينما، وكانت العروض السينمائية الأولى تقدم في الفضاءات الكنسية، وهذا التاريخ أحدث مفعولات هامة بالنسبة للفترة المعاصرة، فأكبر المنشآت الوطنية في الغرب تمت عن طريق الأفلام؛ إذ هناك نوع من الالتحام بين الأمة (Nation) والسينما، فعن طريق المتخيل المبني من خلال التمثيل البصري تشكلت الأمة كتمثل جماعي أفرزته دواليب إنتاج الصورة، لذلك وجدت الأمم المعاصرة في السينما أداة مهمة لترسيخ ذاتها في متخيل جماعي يحول مجموعة بشرية من كثرة من الناس إلى شعب، ويعطي مثالا على ذلك بتجربة الولايات المتحدة التي تمثل أمة حديثة العهد وشعبا جديدا والذي جعل من السينما فنه الأساسي الذي رسم له صورة عن نفسه كأمة ذات أفق تاريخي، وهو نفس الدور الذي لعبته السينما بالنسبة لشعوب أخرى في فترات معاركها الوطنية كمصر الناصرية والهند والبرازيل، ليخلص إلى أن الصورة تساهم في تكوين الهوية الجماعية وتفتح أبواب المستقبل[24].

إن عالم الصور يندرج ضمن حرب اقتصادية ضاربة لا هوادة فيها، ذلك ما يشدد عليه ريجيس دوبريه، فحركة الصور تتعلق أساسا بحركة تجارية وتباشر صناعة مهمة تتحكم فيها مصالح هائلة وأموال طائلة، وهو الوضع الذي يحول الصور من تحف فنية ذات قيمة جمالية إلى مجرد منتوج تجاري بقيمة مادية، ولذلك فإذا كانت الحرب تمديد للسياسة بوسائل أخرى، فالاقتصاد السمعي البصري هو تصريف للسياسة الدولية بوسائل أخرى، فالصراع الاقتصادي التي تخوضه الولايات المتحدة الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية، اعتمد على السينما بشكل أساسي؛ لأنه حين يمر فيلم أمريكي تمر معه السيارة الأمريكية والشمبوان الأمريكي وغيرهما من منتوجات الاقتصاد الأمريكي، إن صناعة الحلم حددت في هذا السياق كأداة أساسية للهيمنة والتحكم، فمن المؤكد يقول دوبريه: أن الصورة تتضمن قدرة هائلة على الاستحواذ على وعي الناس وانتباههم وأذهانهم وتنفذ إلى زمانيتنا الخاصة، إنها اجتياح لحميميتنا الفردية[25].

التفكير في عالم الصورة اليوم يفترض بالضرورة، حسب الفيلسوف الفرنسي، التفكير في التحولات التي أحدثتها الثورة الرقمية في هذا العالم، فيلاحظ –مثلا- أن البرنامج السمعي البصري هو الذي صار ينظم المتخيل (البرنامج بالمعنى الإلكتروني المعروف)، فهناك برمجة واسعة تجتث الثقافات وتفتت التجمعات.

 ومن خلال هذه الملاحظة يعتبر دوبريه أن العولمة ظاهرة مزدوجة، فهي من ناحية عولمة اقتصادية وتقنية للأرض، لكنها تترجم في نفس الوقت بلقنة سياسية وثقافية، فثقافاتنا، ومن هنا، فإن الصورة أصبحت تصريفا للمطالبة بالتفرد.

يشير ريجيس دوبريه أيضا إلى أن هناك تقدما غربيا على مستوى الصورة، وهو تقدم قد يترجم بتأخر مقبل، فربما أن نقطة قوة الغرب قد تتحول إلى نقطة ضعفه، ويوضح هذه المفارقة قائلا: “إن الكون الرقمي لم يعد يمثل العالم، لكنه يخلقه ويستبقه، ولم تعد الصور مرهونة بمرجعها في الواقع، بل أضحى ما ليس له صورة ليس له واقع، ومالا يمر في التلفزيون لا يوجد، وهذا الوضع يقود تدريجيا إلى إبدال مبدأ الواقع بمبدأ الرغبة، إنه نوع من النرجسية، يهدد العالم الغربي بفقدان العلاقة بالواقع، يجب أن نتذكر أن هناك متعة الصورة لكن كذلك هناك مرض الصورة: أي ما لا يفكر فيه، لذلك فالغرب المتخم اليوم بصوره قد يصبح ضحية قوته هذه، وكل هذا يعني أن لعبة القوة لم تتوقف وحرب الصور لم تنته”.

 وهكذا، فإذا كان عالم الصور عالما غربيا بامتياز، فإن أيضا هو من يصنع منطق الصورة  وأن عالم الصور هو الذي يؤسس الواقع، وهذا الواقع الذي تؤسسه الصورة ليس له زمن، ذلك أن الصورة هي محددة في ذاتها وهي مؤسسة على منطق اللذة: أي بمعنى أنه إذا كانت الصورة هي الواقع فإن الواقع هو اللذة، وإذا ما تحكم منطق الصورة فيعني ذلك تلقائيا تحكم منطق اللذة، وهو ما دفع دوبريه إلى القول بأن عنصر قوة الغرب الذي تمثل تاريخيا في الصورة سيتحول إلى عنصر انهياره الحضاري؛ لأن الإنسان الغربي سيصير إلى إنسان يعيش في الصورة ولا يعيش في الواقع، فهذا المنطق كما يقول ريجيس دوبري والذي تعقد مع التكنولوجية الرقمية سيؤدي إلى تفكيك القيم وإلغاء الإنسان[26].

إن خطاب ريجيس دوبري ليس من قبيل الفذلكة اللغوية والفقاعات التنظيرية، بل هو خطاب يمس في الجوهر إشكالية الإنسان الغربي اليوم، ويشكل خطرا كبيرا على الوجود الأنطولوجي والقيمي للإنسان المعاصر، ذلك أن منطق الصورة من هذا المنطلق يؤدي إلى تنمية النزعة الاستهلاكية عند الإنسان، بحيث تتحول الغاية هي الاقتصاد، وتكون النتيجة حضاريا واقتصاديا هي أن يصير “الإنسان ذا بعد واحد” بتعبير ماركيوز،  وأن يفكر بـ”منطق أداتي” بتعبير أدورنو وهابرماس، وهذا نزوع إذن إلى صناعة “حضارة الوهم” و”استلاب الإنسان” و”أسطرة الواقع” بالصورة، و”تسليع العالم” وجعله سوقا كبيرا.

إن النتيجة الأساسية من هذا المنظور هي “تهافت المعايير”، وشيوع “فوضى قيمية” وتفكك قيمي: أي عجز عن التمييز والحكم وبناء الموقف الحضاري كما رأينا مع ليو ستراوس وشبنغلر في المقال السابق، وهذه الانعكاسات تتجلى على مستوى الحضارة ككل وتؤدي إلى “صراع القيم[27]“.

والأخطر من كل ذلك على مستوى البناء السياسي للقيم، خاصة في حالات التبعية الثقافية، بحيث إن المخاطر الناتجة عن تبلور النسق الاجتماعي الاستهلاكي القائم على “بنية المنفعة” في نهاية المطاف هو تحول القيم السياسية إلى اختيارات إستراتيجية، تتغير بتغير الأحوال والظروف، وهذا التصور يأخذ في الدول النامية طابعا دراميا، حيث تبدو هذه الدول وكأنها في تأرجح دائم بين سياسات شبه ديمقراطية وسياسات سلطوية[28].

– الفلسفة الأخلاقية الجديدة

إن “أزمة القيم” في العالم المعاصر؛ إذ تفقد البوصلة المرجعية، بَعد “التحييدات” التي حصلت بسبب تأليه القيم في الرؤية الفلسفية، كما أنها إذ تعبر عن فعاليتها اليوم ضمن منطق الصورة، فإن مداها قد يصل إلى إعادة صياغة الإطار المرجعي الفلسفي للحركة الإنسانية في مختلف أبعادها الثقافية، الاجتماعية الخ، وفي نفس الوقت وضع أسئلة الانتماء في مأزقية كبيرة.

 وسنجد أنه مع بروز منطق الليبرالية الشاملة (أو ما يعرف بالنيوليبيرالية) والتي تحاول توظيف منظومة العالم وتعميم هذا النموذج كونيا، صار الاهتمام الإنساني يرتكز على منطق السوق والتقنية والعلاقات الممكننة[29]، مما سينعكس لا محالة على مستوى المفاهيم التي  يفهم بها الإنسان العالم ويفهم من خلالها أيضا موقعه في هذا العالم، بحيث إن إرادة الهيمنة عبر تنميط العالم بتعبير سيرج لاتوش[30] وتوسيع دائرة الاستهلاك المادي لاستعادة النموذج الرأسمالي بقوته سينعكس على طريقة التعاطي مع مكونات الحضارة المعاصرة.

لقد تنبه الفكر الغربي إلى هذه الإشكالية أخيرا، وتعالت الأصوات المنادية بالحاجة لاستعادة الضمير الأخلاقي للحداثة حتى تصير أكثر إنسانية، وهي نداءات انتصرت للمعرفة التأملية التي تحترم التفكير الإنساني وتمجده، على حساب المعرفة التقنية التي تحبس أنفاس الإنسان وخياله في أرقام بلا جواهر، ومعادلات حسابية بلا روح، كما أنها انتصرت للنزعة الإنسانية المتحررة من عقال العقلنة الأداتية القاتلة والاستهلاكية المنتفخة الجسد والفاقدة للروح والمعنى.

في هذا الإطار تحضر أدبيات يورغن هابرماس، وجون راولز، وهانس يوناس، وجاك إيلول، وآلان تورين وكارل بوبير وكافين رايلي وغيرها من الأدبيات الفلسفية، التي تستثير الوعي الإنساني نحو الاهتمام بالإشكالية القيمية[31]، وهي محاولات وجهود استئنافية للجهود التي تبلورت في سياق مدرسة فرانكفورت النقدية (هوركايمر، أدورنو، ماركيوز، حنا أرندت، وإريك فروم)، والتي اهتمت بتفكيك عقل الحداثة الذي سقط في الأداتية، والمنطق التقني، وإعادة تركيبه في أفق نقدي ومجتمعي، ثم جاءت الموجة الثانية من أدبيات المدرسة النقدية من خلال المحاولات التي أسلفنا لتؤسس من جديد لمحاولات تحويل العقل النقدي نحو طفرة جديدة.

ولعل أهم الأطروحات في هذا الصدد، والتي استقطبت اهتماما فلسفيا ومعرفيا أساسيا أطروحة هابرماس المعروفة بـ “نظرية الفعل التواصلي”، التي تحاول جعل أخلاق التواصل بناء على مرجعية عقلانية برهانية تعتمد قوانين الحجاج المنطقي في الفضاء العمومي المفتوح، بحيث بعبر كل ذات مفكرة عن “واقعها المعيش” ضمن عملية حجاجية موضوعية خالصة من كل العقائد واليقينيات الكبرى، غير أن أطروحة هابرماس تبقى عاجزة عن التأسيس لهذه الطفرة الجديدة بسبب مفاصلتها للمرجعية النهائية في تأسيس العقل التواصلي، مما يفقد هذا العقل المعيارية التي يتأسس عليها[32].

– القيم الدينية وضرورة الوعي التاريخي

إن النظر إلى القيم سيعرف تحولات كبيرة في التعاطي الفلسفي، ربما سيرتبط بالنظرة للإنسان نفسه، من حيث ماهيته ووجوده ودوره[33]، وخاصة حينما ستتحول الصورة والتقنية إلى معوضين وجوديين للإنسان ولحضوره التاريخي.

ومن هنا، فإن سؤال القيم في ظل العالم المتغير الذي نعيش فيه، والمآزق التي دخلتها البشرية بفعل إشكالية القيم، تدفع إلى التفكير في ضرورة تعزيز منظومة القيم الإسلامية بأفق كوني رحماني عبر مداخل التربية والتعليم والتأطير الثقافي، وبذل جهود عميقة تقلص من آثار “عولمة العولمة” بتعبير الأستاذ المهدي المنجرة، ثم أيضا تتطلب منا أن نجلي معالم الخطاب الإسلامي المعاصر في قضية القيم والكشف أيضا عن حلول ومداخل الحل، وأيضا الإمكانات التي يقدمها المنظور الإنساني الإسلامي[34] باعتباره يقدم قوة تفسيرية غير عادية ولا متناهية ومتكاملة أنطولوجيا ومعرفيا وأخلاقيا في هذا المستوى، في اتجاه نهضة إنسانية إسلامية[35] تفتح المجال للتأمل والانصهار في العالم الغيبي اللامتناهي، ولكن دونما الغوص أو السقوط في “الاستعلائية الغيبية” التي تجعل الغيب معزولا عن الواقع.

وفي اعتقادنا أن من أولويات كسب هذه التحديات تطوير الاشتغال الفكري حول قضية القيم ومداخل تشغيل الفلسفة الإسلامية في إعادة البناء ضمن آفاق التفاعل الحضاري الذي تتيحه “تكنولوجيا الحداثة”.

لقد صار واضحا اليوم أن الحاجة للدين حاجة تاريخية لإنقاذ الحضارة المعاصرة؛ إذ إن مرجعية الدين تستوعب جميع قضايا الوجود، وهو ما يجعلها مرجعية أساسية للقيم، وهو ما يسميه الأستاذ بلفقيه[36] “قيم العبادة” في مقابل “قيم العادة”: أي قيم الوجود المعياري في مقابل قيم الوجود التعيني.

 إن استعادة قيم الوجود المعياري من خلال تشغيل المنهجية المقاصدية، في الربط بين مراتب الفعل الاجتماعي في ضوء مقاصد الشريعة التي تدور كلها حول “جلب المصلحة ودرء المفسدة” لكل الناس وتنظم العلاقات الاجتماعية وتوجهها نحو غايتها الأسمى ربطا وثيقا بشعب الإيمان؛ لأنها تشمل جميع القيم الموجبة الموزعة على مجالات الشريعة التي توافق مراتب الفعل الاجتماعي.

ولا شك أن تشغيل تلكم المنهجية سيكون له أكبر الأثر على مستوى إعادة بناء منطق الحضارة المعاصرة، وتجنيبها أسباب الانهيار الكامنة في منطق الصورة باعتباره تعبيرا عن قيم الوجود التعيني الفاقد للبوصلة القيمية وللمرجعية المعيارية المتعالية.

وحق لنا، ونحن ننظر إلى سياقات تأثير منطق الصورة والثورة التقنية على الوعي الإسلامي، طرح الاستشكال الآتي:

 لماذا نحتكم نحن المسلمون وننخرط في عالم الصورة الذي تطور غربيا كما رأينا مع ريجيس دوبريه، وهو حضاريا لا يمثلنا نحن، في حين أن لنا مساحات حضارية رحبة تسمح بأن نعالج الإشكالات الأخلاقية والقيمية؟

ثم أليست لدينا القدرة الحضارية القمينة بطرح الإسهام الإسلامي في توظيف الصورة دون استعادة منطقها الذي يزيف قيمة الحقيقة ويلغي أبعاد الروح والصدق في السلوك البشري، ويؤدي إلى “التحيز ضد الذات[37]” ضمن تفاعلنا التاريخي الحتمي مع الحداثة[38]؟

لاشك أن هذه التساؤلات تحيل في العمق على إحساس بمخاطر “الاندخال” غير الواعي في منطق الصورة باعتبارها إحدى تعبيرات أزمة الحداثة في سياقها الحضاري الخاص.

كما أن من تحديات الإسهام الحضاري للمسلمين في علاج إشكالية القيم، تطوير منهجية التفكير العمراني الإجرائي الإسلامية، ذلك أن جدلية الغيب والإنسان التي تأسس عليها الوعي الإسلامي في مساراته الكبرى، والتي كان لها الأثر الكبير في استمرار الحمولات المعيارية والإنسانية في التعاطي مع الحقيقة الوجودية، لم تتعزز بمعرفة عملية تستدمج عنصر الطبيعة والمادة في التفكير وفي المسلكيات الحضارية، وذلك مجال كبير للتفاعل مع نتائج الحداثة الإيجابية واستيعابها، استيعابا نقديا يجنب فكر الأمة من مزالق الاستعلاء العقائدي والتضخم الديني المنكفئ عن العطاء والكسب الحضاري، وفق المقولة الخلدونية: “أخلاق الناس وثقافتهم تتحدد حسب فرصهم في المعاش”، كما أن التفكير الإجرائي (أو الوعي التاريخي المطابق) يسمح بتلافي مأساة “تأليه القيم” وإطلاقيتها ضمن مناخ التعددية التأويلية، وتنسيبها ضمن مجالات الفعل التاريخي، فالمطلق الوحيد هو الله، عز وجل، وما دونه فهو متعدد، والقيم ليست مطلوبة بذاتها، بل مطلوبة لقدرتها على بلوغ المراد الإلهي.

الهوامش

  1. شكل ما عرف بـ”الأزمة المالية العالمية” في التداول الإعلامي الأخير، مناسبة لطرح مناقشة “عالمية” حول دور القيم والأخلاق في استعادة التوازن للنظام العالمي المعاصر، بعد أن تبدى عدم كفاية العلاجات التقنية للأزمة الحالية، انظر: النقاشات التي أثارها فرانسيس فوكوياما على سبيل المثال.
  2. نعتبر ضمن محاولة فكرية سابقة أن “التناقض الأساسي للعصر تناقض شامل يشمل جميع المستويات الفكرية والسياسية والاقتصادية، لينكشف في تناقض أساسي بين “المعنى” و”اللامعنى”، إنه في النهاية نتاج لسيرورة الحداثة في أبعادها السياسية والاقتصادية وما ولدته من إشكاليات “العقلانية الأداتية” و”الاستهلاك العدمي” و”الاستلاب الوجودي” وغيرها من تعبيرات الحداثة التاريخية المدمرة.

انظر مقالتنا: في الحاجة لفهم التناقض الأساسي للعصر، مجلة الملتقى الفكري، يونيو 2008.

  1. يتعين أن نلاحظ أنه يمكن لمجتمع معين أن يتعايش مع أزمة القيم من خلال ميكانيزمات واستراتيجيات الاحتواء والتخفي، غير أنه لا يمكنه التعايش مع أزمة الهوية، ذلك أن أزمة الهوية تنتج بالضرورة أزمة اتجاه ووظيفة في المجتمع.
  2. لقد شكلت الحربين العالميتين الأولى والثانية تعبيرا عن أزمة الهوية في الدول الأوروبية، تم تصديرها فيما بعد إلى باقي دول العالم، والحديث عن ما “حروب عالمية” شكلت وبحق “أسطورة” من أساطير القرن العشرين” الكبرى كما يعبر عن ذلك الدكتور المهدي المنجرة.
  3. انظر:

 .Oxford Dictionary: third edition 2003. Oxford university press

  1. منجود، مصطفى، “القيم والنظام المعرفي في الفكر السياسي”، مجلة إسلامية المعرفة، العدد 19، 1999، ص35-36.
  2. يمثل المجهود العلمي الذي أطلقه الأستاذ محمد بلفقيه من خلال كتابه “العلوم الاجتماعية ومشكلة القيم: تأصيل الصلة” مقدمة أساسية في تطوير الاشتغال العلمي حول مفهوم القيم من زاوية سوسيولوجية تجديدية.
  3. نستعير هذا المفهوم من كتابات الدكتور عبد الوهاب المسيري -رحمة الله عليه-.
  4. نقصد هنا بـ “تأليه القيم” جعل القيم تتطابق في التعبير عن ماهيتها مع الذات الإلهية، مما يفقد القيم نسبيتها التاريخية من جهة، ويحدد مفهوم الذات الإلهية ضمن سياق الدلالة البشرية الوضعية من جهة ثانية، من هنا كانت أسماء الله الحسنى في القرآن الكريم تعبيرا عن الذات الإلهية المتعالية، والتي تشكل أيضا إطار للاستلهام البشري وليس للتطابق الماهوي.
  5. ساهم المفكر السوداني الكبير أبو القاسم الحاج حمد -رحمة الله عليه- في بسط أطروحة معمقة حول هذه الإشكالية ضمن كتابه الذائع الصيت “العالمية الإسلامية الثانية: جدل الغيب والطبيعة والإنسان”.
  6. التذويت (من الذات)، استعمله هايدغر للدلالة على عملية إرجاع الوجود الموضوعي لحقيقته الذاتية، وهو أدق تعبير عن ما قصده هايدغر، من تعبير “الذاتية”، ولذلك نطمئن للترجمة التي أوردها الأستاذ عبد لهادي مفتاح لـ “رسالة في النزعة الإنسانية” لمارتن هايدغر التي صدرت ضمن منشورات مجلة “فكر ونقد”، والتي تحيل على المرجع الأصلي:
  7. Heidegger “Lettre sur l’humanisme” in Questions III T.R. Munier. Ed. Gallimard 1966, p73-157.
  8. مارتن هايدغر، “رسالة في النزعة الإنسانية”، ترجمة عبد الهادي مفتاح، مجلة فكر ونقد.
  9. المرجع السابق.
  10. تجد أفكار هايدغر بعض تعبيراتها ضمن أدبيات “الحداثيين العرب”، حيث تؤسس لمقولة الدفاع عن الإنسان كمقولة للتأصيل لمفهوم الفردانية في النسق الفكري العربي، بما هي تعبير عن الحرية الفاقدة لمرجعية السلوك والموقف: أي فاقدة للمعايير والقيم الحاكمة للفعل التاريخي والمجتمعي، إن الفرد بهذا المعنى هو أساس الإنسان.. والإنسان علة تأسيسية لفرديته وتاريخه الكوني، وهذه الفردانية تعلي من مركزية الجسد؛ إذ الإنسان “لا يحقق نفسه (رغبته) ككائن في العالم إلا من خلال جسده.”.، وهنا فالتحقق الفعلي للجسد وللرغبة هو تحقق للحرية ـ الفردانية، وهو ما يحيل على معنى آخر للعالم؛ إذ يمثل “مدى تصريف الحرية التي من دون التحامها بالرغبة يستحيل الجسد”.

انظر: عزالدين العزماني، خطاب ما بعد الهوية وقضية الفردانية، مجلة الملتقى الفكري، ماي 2008.

  1. نهتم هنا أساسا بمؤلفه التأسيسي: “أخلاق البروتيستانية وروح الرأسمالية”.
  2. STRAUSS, LEO, Political philosophy, The Bobbsmeril company, indianapolis, New York, 1975.

انظر للتوسع الأستاذ رشيد العلمي الإدريسي، مجلة فكر ونقد، العدد 25 (12).

  1. المرجع السابق.
  2. ليو ستراوس، موجات الحداثة الثلاث، ترجمة مشروحي الذهبي، مجلة فكر ونقد، العدد 2، ص11.
  3. ظهر هذا المؤلف في أواخر الحرب العالمية الأولى، حيث عبر عن “صدمة الحرب” التي أصابت العقل الغربي، وقد استأثر باهتمام كبير من قبل المفكرين الإسلاميين في سبعينيات وثمانينيات القرن المنصرم، نستحضر بالأساس كتابات محمد قطب، وعماد الدين خليل، ومحمد الغزالي وغيرهم.
  4. المرجع السابق.
  5. نظم في أبريل من السنة الماضية (2007) مؤتمر فيلادلفيا الثقافي الدولي، الذي تنظمه جامعة فيلاديلفيا بالأردن، وكان موضوعه “ثقافة الصورة”.
  6. انظر كتاباته الأساسية “نظرية الفعل التواصلي”، “الأخلاق والتواصل”، و”خطابات الحداثة”..
  7. مداخلة قدمها دوبريه ضمن أشغال ندوة: “الصورة والحضارة: التمثيلات البصرية والهويات الجماعية” التي نظمت بمراكش في 12 نونبر 2005، انظر جريدة الاتحاد الاشتراكي، تغطية بتاريخ 15/ 12/ 2005.
  8. المرجع السابق.
  9. المرجع السابق.
  10. يقول ابن خلدون في المقدمة: “إذا فسد الإنسان في قدرته على أخلاقه ودينه، فقد فسدت إنسانيته وصار مسخا على الحقيقة”.
  11. يعبر المنظر الأمريكي أ. ماسلو عن انعدام القيم أو صراعها باللامعيارية anomie وبالحياد الأخلاقي amorality وبما سماه “انعدام الجذور” وانعدام أي شيء يؤمن به الإنسان أو يتحمس له. انظر:

Abraham A Maslow: religions, values, and peak, experiences. Columbus, ohio state university press; 1964.

  1. رشيد العلمي الإدريسي، مجلة فكر ونقد، العدد 25.
  2. يصف “آلان تورين” الحضارة الغربية المعاصرة بأنها “حضارة متخمة بالوسائل والأدوات ومعوقة من المقاصد والغايات”، وذلك بسبب النزعة العقلانية المادية المجردة التي عملت على تشييء الانسان وقتله، وهو نفس المعنى الذي يعبر عنه الفيلسوف طه عبد الرحمن بقوله “حضارة الغرب حضارة ناقصة عقلا وظالمة قولا ومتأزمة معرفة ومتسلطة تقنية”، نقلا عن “نسيج الإنسان الفاسد”، مقالة إلكترونية.
  3. نهتم هنا بكتابه الأساسي “تغريب العالم”.
  4. نجد أيضا أن المراكز التي تهتم بالقضايا الإستراتيجية في الغرب صارت أكثر اهتماما في السنوات الأخيرة بقضية القيم، وفي هذا السياق ظهرت مجموعة من الدراسات الأكاديمية، أهمها “المسح العالمي للقيم: Survey Values World” الذي يتبناه مركز أبحاث الدراسات الاجتماعية بجامعة ميتشيكان بأمريكا، ومن الباحثين الأساسيين ضمن هذا المشروع أستاذ العلوم السياسية “Ronald Inglehart” الذي أصدر مقالا أساسيا في مجلة The Washington survey سنة 2000 تحت عنوان العولمة وقيم ما بعد الحداثة. “Globlization and postmodern values”، كما نجد في نفس الإطار المسح الأوروبي حول القيمSurvey ” EVS   “European Values.
  5. انظر للتوسع: عبد الرحمن، طه: تعددية القيم، ما مداها وما حدودها، الدرس الافتتاحي لجامعة القاضي عياض (كلية الآداب والعلوم الإنسانية).
  6. يرى تركي علي الربيعو “إنه في إطار الأجمل الذي تؤسس له ثقافة عالم ماك كما ينعتها بنجامين باربر: أي عالم الثقافة الأمريكية المعولمة، تصبح قضايا الفكر والحقيقة والثقافة والحضارة أشياء ثانوية. فالناس سوف يتعرفون على أنفسهم من خلال بضائعهم وجملة الخردوات التي يمتلكونها، ليجدوا جوهر روحهم في سياراتهم الجميلة وأجهزتهم التلفزيونية الدقيقة الاستقبال وفي بيوتهم الأنيقة وأدوات طبخهم الحديثة.

وفي مجتمع الاستهلاك تسود القيم الاستهلاكية كرديف لقيم الأجمل والأسرع، حيث الريادة لثابت السرعة المتوحش، كما يكتب لويس ممفورد الذي ينعي إدوارد سعيد غيابه عن مقاهي نيويورك، وحيث أصبح الإنسان مجرد سلعة في دكاكين الخردوات “مصائد اغترابه” يصبح الحديث عن الموضة ضرورة حضارية، وعندما تكثر المجلات الفنية التي تغطي واجهة المكتبات وكذلك المحلات التي تستورد ما تنتجه صيدلية الغرب، من الأزياء والعطور إلى كل أشكال الخلاعة.. الخ. وكذلك دكاكين الثقافة التي من شأنها أن تبرر التبعية للآخر باسم حداثة معطوبة لا تزال تستبطن مسيرتنا الحداثوية”، انظر مقالته المنشورة على موقع “مالك بن نبي”: قراءة في أوراق مالك بن نبي.

  1. تنتبه العديد من الكتابات الغربية لحضور البعد الإنساني في الرؤية الإسلامية، انظر مثلا: مارسيل بوازار “إنسانية الإسلام”.
  2. يحيل مفهوم النهضة في استعمالنا الاصطلاحي على تلك “الطاقة الروحية والأخلاقية والفكرية التي تنطلق من “الذاتية” الإسلامية في تفاعلها الجدلي مع إنسانية الإنسان وعصرانية الحضارة”، انظر عزالدين العزماني: في الحاجة لفهم التناقض الأساسي للعصر، مرجع سابق.
  3. بلفقيه، محمد: “العلوم الاجتماعية ومشكلة القيم: تأصيل الصلة، الطبعة الأولى 2008.
  4. كان للدكتورة هبة رؤوف الفضل في صياغة هذا المفهوم ضمن “مشروع التحيز” الذي صاغه المفكر الألمعي عبد الوهاب المسيري -رحمة الله عليه- انظر:

رؤوف، هبة: “واقع نقل التكنولوجيا والتحيز ضد الذات: ورقة مستخلصة من كتابات سيد دسوقي” في: إشكالية التحيز: رؤية معرفية ودعوة للاجتهاد، ج 2، فرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1995م، ص589-618.

  1. مما يتعين الإشارة إليه في هذا الصدد أن الحضارة الإسلامية لم تكن نزاعة إلى تصوير القيم وربطها بنسق تاريخي مادي، يلغي فاعليتها الحضارية وديناميتها التاريخية، بحيث تتحدد النظرة الإسلامية للقيم في المستقبل، ولا تنحبس في الحاضر بمنظور حتمي، ولذلك تجد أشكال العمارة الإسلامية تنزع نحو “الدائرية” (الأقواس) في حين تنزع العمارة المسيحية نحو الشكل المحدب، ومن الواضح أن الشكل الدائري يدل على اللانهاية واللاتحديد، في حين أن الشكل المحدب يدل على النهاية والتحدد.

يمكن ضمن هذه الرؤية التفكير في ما عرف بأزمة الرسوم الدانماركية: أي باعتبار فعل التصوير من قبل الصحيفة الدانماركية مسا بأحد مرتكزات الرؤية الحضارية الإسلامية القائمة على الارتقاء عن كل فعل تصوير مادي لنظام القيم السامية.

Science
الوسوم

د. عزالدين عزماني

كاتب مغربي مقيم في أمريكا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق