وحدة الإحياءدراسات عامة

الثقافة والعولمة.. رؤى وتوجهات

 أ. د. عبد الرحمن حوطش 
 (العدد 21)

1. استهلال

لم يعد خافيا اليوم زحف العولمة بكل تجلياتها على هذا العالم الفسيح الأرجاء، المتعدد الأجناس والقارات، المتضارب المصالح والحاجات، المتنوع الأفكار والثقافات، والمتصارع من حيث الأهداف والغايات؛ فذلك مالا يخطئه نظر، ولا يحول دون معرفته حائل أو حاجز، بعد هذه الثورة الخارقة في مجال الإعلام والتواصل، وإمحاء الحدود، وتهاوي السدود، وتشظي الأصفاد والقيود، وتقلص المسافات، وتقارب البلدان والشعوب إلى الحد الذي بات معه العالم يدعى: “القرية الكونية الصغيرة”، بسبب هذا النوع الجديد من وسائل الاتصال الباهرة التي أضحت في ملك الإنسان يسخرها لنفسه كيفما شاء، ومتى ما أراد، وللغرض الذي يسعى إلى تحقيقه!

وإذا كان من الثابت في هذه الأيام، بأن العولمة قدر البشرية، شاءت ذلك أم أبت، وأن سلبياتها وإيجابياتها على حد سواء، مما كتب للإنسانية وعليها أن تعيشه في هذا الزمن، وبخاصة في مجال الاقتصاد والسياسة والعلاقات الدولية المتأرجحة، الخاضعة في كل الأحوال لمصالح الدول العظمى ذات السيطرة والنفوذ، وفي طليعتها الولايات المتحدة الأمريكية، فإن هناك في هذا العالم من لا يزال يقدم رجلا ويؤخر أخرى، أو هو مطرق يتأمل في حاله ومآله، ملقيا الأسئلة من مثل: أهو قادر على الانخراط في العولمة أو ليس بقادر؟ وهل يكون له نصيب من ثمار العولمة أو لا؟ وكم هو هذا النصيب إذا كان؟.. وغير ذلك من الأسئلة التي قد لا يجد لها جوابا شافيا، ولا الوقت الكافي لانتظار ما إذا كان متهيئا لتلقي الأجوبة على تساؤلاته، قبل أن ينخرط في العولمة التي باتت، كما قلت، قدر البشرية اليوم، وأن من لم يتعولم، سيظل على هامش التاريخ المعاصر لا يفيد ولا يستفيد.

2. مهندسو العولمة والعالم

إن مهندسي العولمة، حين فكروا في جعل العالم معولما، لاشك نظروا إلى خارطة هذا العالم بشعوبه المتساكنة فيه، وإلى مصادر الثروة، و إلى أمور أخرى كثيرة وضعوها في الحسبان، ورأوا أن شعوب هذا العالم يمكن تقسيمها إلى خمسة أقسام، وأن الخمس (1/5) فقط هو الذي يستحق أن يعيش في الرفاهية والديمقراطية وحقوق الإنسان، أما الأربعة أخماس الباقية فلا عليها أن تموت إن شاءت، أو تصبح خدما للخمس الباقي المرفه المنعم، وقد سمى بعض الباحثين هذا الصنف: مجتمع الخمس[1] وهو ما أخذ يتوضح بجلاء مع انتشار هذه الظاهرة، وغزوها العالم على المستوى الاقتصادي، والسياسي، والتيكنولوجي، والعسكري؛ فأربعة أخماس سكان العالم فقراء، وهم لا يزدادون إلا فقرا، كما أن دائرتهم تتسع باستمرار في إفريقيا، وأمريكا اللاتينية، وبعض دول آسيا، والأمر ليس بحاجة إلى توثيق دقيق هنا: إذ كل الدراسات والتقارير والتحقيقات التي تتحدث عن معضلة الفقر في العالم، تشير إلى هذه المسألة الاجتماعية، الخطيرة (الفقر)، وليس هناك في الأفق القريب، ولا البعيد ما يبشر بتخفيف معدلات الفقر، بله القضاء عليه[2].

إن العولمة في بعدها الاقتصادي والعسكري والتقني والسياسي أمر لا غبار عليه، فكل الذين كتبوا في الموضع، أو حوله، لم يختلفوا، ولم تتباين آراؤهم بشأنه، ويكاد أن يكون الأمر مسلما به لدى المجموعة الدولية برمتها، لكن المسألة المختلف حولها هي المسألة الثقافية، بكل مظاهرها وشائك مفاهيمها، وتنوع أنساقها وعطاءاتها، وشديد حساسيتها، وذلك بسبب ما تمثله الثقافة من رصيد معرفي للشعوب، ومن خصوصيات تسمح لها بالمغايرة والتمايز.

3. عولمة الثقافة وثقافة العولمة

إن عولمة الثقافة، أو ثقافة العولمة، ليست بالأمر الجديد كليا، بل هي مسألة قديمة بعض القدم إذ هناك أبحاث ودراسات تشير إلى ما يسمى “الحرب الثقافية” التي واكبت الحرب الباردة التي عاشها العالم وهو يتأرجح بين قطب الشرق الشيوعي، وقطب الغرب الرأسمالي، فقد سخرت الولايات المتحدة عبر مخابراتها كل إمكاناتها الثقافية من أجل دحر الشيوعية، كما عملت هذه الأخيرة بإصرار على وقف زحف الثقافة الغربية إليها وأنشئت لهذه الغاية هيئات مدججة بمختلف الأقلام في مجال الكتابة والإعلام والسينما، واستطاعت أجهزة المخابرات الأمريكية (c.i.a) أن تجهز على المنظومة الشيوعية الشرقية برمتها، بواسطة نشر ثقافة الغرب، وأن تجرها إلى ما وقعت فيه أخيرا من تدهور وتفسخ وانحلال، وبودي أن أسمع القارئ هذا الكلام الذي أوردته إحدى الباحثات الإنجليزيات التي رصدت الموضوع، ألا وهو قولها: “تولت المخابرات المركزية (c.i.a) تكوين واجهة ثقافية تحارب الشيوعية، بالوسائل الثقافية، واستخدمت في ذلك المنشقين عن الشيوعية، والمراكز الثقافية، وأفلام السينما، والمحاضرات والموسيقى وترويج الذوق الأمريكي في الطعام واللباس والغناء والفن[3]… ويبدو من خلال هذا الكلام أن إقامة أسس العولمة الثقافية تزامن مع بناء أسس العولمة الاقتصادية؛ فمشروع مارشال الاقتصادي الذي هدف إلى الحيلولة دون وقوع أوروبا بأكملها في أحضان الشيوعية المتحفزة يومئذ؛ أي عشية انتهاء الحرب العالمية الثانية (1939-1945)، لم يكن يدافع من المساعدة البريئة على تخطي تلك الدول آثار الحرب المدمرة، وإنما كان بغاية استدراج العالم إلى الوقوع في الحضن الأمريكي، وهذا في الواقع يعتبر البدايات الأولى لأمركة العالم بكل ما تعنيه الكلمة من إشارات ودلالات.

إن المسألة الثقافية بما تحمله من مضامين اجتماعية، وحضارية، وبما تعنيه من خبرات الشعوب وتجاربها، وإنجازاتها في المجالات المعرفية والإبداعية والفكرية والفنية وغيرها، هي المسألة الوحيدة، ربما، التي تجد اليوم مقاومة ليس فقط من قبل بعض الدول الصغرى، أو النامية، وإنما كذلك من قبل الدول الكبرى ذات القوة الاقتصادية والمالية والسياسية والعسكرية والتقنية، وبخاصة دول الاتحاد الأوروبي التي سارعت إلى توحيد قوتها في الميدان المالي، حين أنشأت عملتها الموحدة (الأورو) لتقف في وجه الزحف الكاسح للعملة الأمريكية (الدولار)، وهي إحدى الأفكار العشرة التي كان صاحبا كتاب: فخ العولمة، المشار إليه قد طرحاها لمقاومة العولمة، من منظور الاقتصادي والمالي[4].

4. الثقافة المعولمة وتنميط المفاهيم

لعل من مظاهر العولمة الثقافية ما يلاحظه المختصون من تنميط للمفاهيم والتصورات والأفكار، والسلوكات، والاتجاه نحو إلغاء الخصوصيات والتمايزات التي كانت إلى زمن ليس بالبعيد طابع الثقافة الإنسانية في مختلف المجتمعات والحضارات، ويبدو لمتتبعي ظاهرة العولمة ككل، أن القالب الذي أصبح جاهزا اليوم لصب كل ثقافة معولمة فيه هو القالب الأمريكي، وأن أي مفهوم أو تصور، أو فكر، أو معرفة لا يحتمله هذا القالب هو نشاز ترفضه العولمة بشدة، وتعمل على الإجهاز عليه بكل ما أوتيت من قوة، ومن ثم فإن الجميع عليه أن يتبنى العولمة في المجال الثقافي كما هو الحال بالنسبة إلى المجالات الأخرى الاقتصادية والمالية والسياسية وغيرها.

وتبدو الأهمية القصوى لموضوع الثقافة المعولمة من خلال المؤتمرات والندوات والملتقيات العديدة التي تنعقد هنا وهناك، وبخاصة في أوروبا الغربية وفي القسم الفرنسي من كندا، وفي غيرها من الجهات والأنحاء؛ فأوروبا، وفرنسا على وجه الخصوص، والمنظومة الفرنكفونية معها، ربما أحست أكثر من غيرها بمخاطر العولمة الثقافية، على ثقافاتها التي ظلت على مدى القرون الثلاث الأخيرة، على الأقل، هي الثقافة السائدة، وظلت مراكز الثقافة فيها هي المراكز الوحيدة التي تشد إليها الرحال، ويتسابق نحوها الناس من شرق ومن غرب ومن جنوب للأخذ والاقتباس والاحتذاء، ولذلك جندت كفاءات علمية هناك، ومراكز القرار فيها للعمل على تتبع ورصد ما أصبح يدعى “إشكالية التنوع الثقافي” وأنجزت منشورات ودراسات ووثائق مختلفة ترصد الانعكاسات المحتملة حول هذه الإشكالية، وبما أن الثقافة هي مكون رئيس من مكونات هويات الشعوب، وأن العولمة الثقافية هي في الأساس تذويب لهذه الهوية وصب للمخلوط كله في قالب واحد، أو في ثقافة نمطية واحدة، فإن هناك شعورا عارما لدى مختلف الهيئات والحكومات في دول الاتحاد الأوروبي ولاسيما فرنسا، بأن خطرا ما يتهدد هذه الهوية برمتها، والواقع أن هناك الآن ما يشبه الحمى في صفوف المسؤولين عن الشأن الثقافي، يبدو ذلك من خلال أعمال وتقارير هيئات مختلفة سياسية وبرلمانية وعلمية في فرنسا خاصة، حيث تبدو لهم صورة العولمة الثقافية مخيفة للغاية، يتوجب معها استنفار كل القوى ذات النظر في المستقبل المأزوم الذي قد تسفر عنه الأيام إذا ما تركت المسألة الثقافية نهبا للعولمة الأمريكية الزاحفة.

وبودنا أن نوضح للقارئ الكريم بأن الثقافة التي نقصد هنا، ليست فقط هي تلك الإنتاجات الفكرية والأدبية والفنية على اختلافها، المنتجة من قبل أقلام وعبقريات بعض الناس في المجتمعات البشرية المختلفة، ولكن أيضا تلك الأنساق المعرفية والقانونية والتربوية والحرفية والعادات والتقاليد في الملبس والمأكل والمشرب، والمسلك، والعلاقات العامة التي تنشأ بين الأفراد والجماعات داخل أمة واحدة، أو شعب واحد؛ وبتعبير أشمل: كل ما يعطي الشعوب خصوصياتها ويطبعها بطوابع المغايرة والتمايز، ويمنحها ما يضفي عليها صفة “شعب” بكامل المقومات الثقافية والعلمية واللغوية والحضارية، ولكن في إطار من التناغم والتناسق مع باقي الثقافات والإبداعات والمعارف الأخرى، بينما العولمة الثقافية لا ترى فائدة في هذا التنوع الثقافي، المتناغم والمتناسق، لأن ذلك يحرمها من تلك الآلية القوية المتحكمة في العالم: هي آلية التذويب، والمحو لصناعة ثقافية جديدة تناسب العالم الجديد عالم الخمس) الذي لا مكان فيه للضعفاء بما لهم وما عليهم، وهذا هو مصدر التخوف الذي يحس به أقوياء العالم الآخرون، غير أمريكا، ومن يدور في فلكها من المنظور الأنكلوفونية وبخاصة بريطانيا. إن هؤلاء الأقوياء اقتصاديا وماليا وسياسيا أيضا لا يرضون أن تكون ثقافتهم مهمشة، أو مصادرة، أو مذوبة لأن ذلك يعني الفناء بالنسبة إليهم، وهو ما هم على استعداد لدفع أي ثمن من أجله، وهذا عكس الحال عندنا في عالمنا الإسلامي مع الأسف، بحيث لا نرى إلا الرضوخ والتسليم، بل والاستعداد للتضحية من أجل نيل رضى العولمة، حتى لو كان ذلك على حساب مناهجنا التربوية وبرامجنا التعليمية، ومقرراتنا الدراسية، وقد يأتي يوم تطلب فيه العولمة منا التخلي عن كل ما يميزنا كأمة ذات مساهمة في بناء صرح الحضارة الإنسانية، رغم ما أصابها في العصر الحديث من ضعف ووهن!

والحق أن العولمة الثقافية لا تسعى، فقط، إلى تحقيق هذه الدرجة من السيطرة التي يمكن اعتبارها خارجية، سطحية، بل تسعى إلى أكثر من ذلك، ألا وهو إعادة تشكيل الوعي بالذات وبالآخر، وتكوين عقلية جديدة في الأجيال الحاضرة والقادمة، عقلية تتقبل بسهولة كل ما يملي عليها من جهة، وتعمل من جهة أخرى على إنتاج ثقافة، إن سمح لها بإنتاج ثقافة ما أصلا، لا مكان فيها للتمايز والمغايرة، وإنما هي نسخة، أو نسخ مشوهة لثقافة العولمة التي تلهث وراء صب العالم كله في قالب جاهز، هو القالب الأمريكي كما قلنا؛ أي تنميط كل شيء وفق الرؤية والنظرة الأمريكيتين.

إن تسويق مفاهيم ومقولات معينة من مثل الحرب على الإرهاب، ومقاومة الأصولية والدفاع عن العدالة المطلقة، وحماية الحضارة، والحرب الوقائية أو الضربة الاستباقية، وتقسيم العالم إلى محور الشر ومحور الخير، وترديد مقولة: إما معنا، وإما ضدنا، والاكتفاء بالأبيض والأسود، دون قبول أي لون من الألوان التي كانت إلى عهد قريب مقبولة في عالم السياسة عندما كان هناك ما يسمى المعسكر الشرقي، والمعسكر الغربي، دول عدم الانحياز، وفي عالم الاقتصاد ما كان يسمى الاقتصاد الموجه، والاقتصاد الحر، والاقتصاد الذي كان يخلط بين النظامين الكبيرين المعروفين (الموجه والحر)، كل ذلك وغيره مما أصبح يردد في وسائل الإعلام المرئي، والمسموع والمكتوب، سيجد طريقه، إن لم يمكن وجده فعلا، نحو التغلغل في القواميس السياسية والعسكرية والإعلامية، ومن ثم تحويلها إلى مضامين ثقافية عامة ذات بعد عولمي؛ إن كل ثقافة عدا هذه الثقافة المعولمة “ستساير تلقائية، أو باضطرار توجهات العولمة التي ستضغط على الثقافات المحلية، إن لم تتجاهلها، مما سيكون له مفعول قوي على هذه الثقافة.. “على حد تعبير الدكتور عباس الجراري[5].

إن الثقافة المعولمة سوف لا تضغط فقط على الثقافات المحلية في مختلف أرجاء المعمور، وإنما ستعمل على تذويب هذه الثقافات كما سبق أن أشرنا إلى ذلك في هذه المقالة، والخبراء يتوقعون زحف العولمة إلى كل الثقافات واللغات والهويات، وأن قدر البشرية في هذه الدورة الحضارية التي لا يدري إلا الله تعالى كم ستستمر وتدوم، أن تعيش في ظل العولمة بكل مالها وما عليها، وإن كان بعض الخبراء يرى أن الإنسانية من الخير لها أن تنخرط في العولمة بدون تردد أو انتظار، وبخاصة المسلمين الذين لا يزالون واقفين على الشط ينظرون، “فحتى لا نكون متطفلين أو عالة، أو مجرد مستهلكين.. فإن علينا أن ندخل في سياق العولمة بهويتنا الإسلامية، وقبل ذلك علينا أن نتخلص من عقد الماضي وما رسخه واقع التخلف في النفوس، مما يحتم أن نراجع ذاتنا من خلال مفهوم صحيح لهذه الهوية، من شأنه أن يرد الاعتبار للشعوب الإسلامية، ويمنحها مكانتها الحق، ويجعلها ليس فقط قادرة على التكيف مع العولمة والإسهام فيها أو الاندماج، ولكن يجعلها مؤهلة إيجاد التوازن اللازم بين القوى الحالية أو المتوقعة[6]

5. العولمة الثقافية واللغات والبيئة 

ومن المسائل التي يمكن أن تثير قدرا من الاستغراب لدى غير المتخصصين، ما يتردد على لسان بعض الخبراء من أن العولمة الثقافية تهدد أكثر من نصف اللغات المتكلمة في العالم بالزوال إلى نهاية القرن الذي نعيش، أي حوالي ثلاثة آلاف لغة من مجموع الستة آلاف لغة يتكلم بها الناس في العالم[7]، وفي دراسة أعدها فريق من خبراء الأمم المتحدة للبيئة أن أسرار الطبيعة التي تتضمنها الأغاني والقصص والفن، والصناعات الحرفية لدى الشعوب الأصلية قد تختفي إلى الأبد بسبب ظاهرة العولمة المتصاعدة في جميع المجالات، وتضيف الدراسة بأن بعض الأبحاث تقدر عدد اللهجات المحلية في العالم بما بين خمسة آلاف وسبعة آلاف لهجة، منها ما يقارب خمسة آلاف لشعوب أصيلة، لكن هناك أكثر من ألفين وخمسمائة (2500)، لغة مهددة بالاختفاء على المدى القصير، بعد أن بدأ بعضها يفقد صلته بالطبيعة[8].

قد يكون لعلماء الاجتماع اللغوي تفسير آخر يستند إلى ما يسمى (نظرية تآكل اللغات) لكن ما الذي يجعل هذه اللغة أو تلك تتآكل، أو تختفي، أو تندثر، بهذه السرعة أو تلك؟ ألا يمكن أن تكون العولمة الثقافية هي أشد العوامل خطرا على لغات الناس؟ ألا يكون هذا هو بالضبط ما استشعره ما يقرب من سبعين وزيرا للبيئة من القارات الخمس، شاركوا في مؤتمر نيروبي في فبراير من العام الماضي (2001)؟ ذلك المؤتمر تبنى خطة للدفاع عن الثقافات واللغات المحلية التي تمثل بالنسبة إليهم إحدى الأولويات لحماية البيئة[9]؟ قد يستغرب أحدنا حقا كيف يكون لوزراء البيئة هذا الاهتمام بالثقافات واللغات المحلية، والعولمة تزحف بهذه السرعة المخيفة، بينما وزراء الثقافة عن المسألة غافلون، أو نائمون على الأقل عندنا في عالمنا الإسلامي، أما البلدان الأخرى فالأمر عندهم جد لا هزل فيه، وحزم لا تراخي معه، ومواجهة للعولمة في بعدها الثقافي بكل الوسائل المتاحة لديهم، وهي كثيرة أوجزها أستاذنا الدكتور عباس الجراري فيما سماه: الإرث الثقافي الغني الذي يشكل هوياتهم، أي الأوروبيين والآسيويين، بثوابت راسخة تتمثل في اللغة وما يرتبط بها من فكر وأدب وقيم تجعلهم يصمدون غير قابلين للاندماج في السياق الثقافي الذي تحاول فرضه ثورة المعلومات القوية في  أمريكا[10]، ومع ذلك فإن السؤال سيظل مطروحا حول ما إذا كان بإمكان هذه الدول التي لا تزال قوية في الميدان الاقتصادي والمالي والسياسي أن تصمد أمام العولمة الثقافية التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية بكل جبروتها وسيطرتها على القرار الدولي في كل الشؤون، إن أمريكا اليوم هي التي تنتج العقيدة، أو الرؤية الموجودة للنظام العالمي، وهذه الرؤية هي اليوم بامتياز (النيوليبرالية) التي تؤسس لعلاقات التراتب بين الكتل والشعوب والقوميات على حد تعبير د. برهان غليون[11].

والواقع أن المرء ليحار في أمر هذه الدولة العظمى كيف استطاعت أن تحوز كل هذا السبق، وتتصدر العالم وتسيطر عليه، ومرد هذه الحيرة على كل حال ما يشير إليه بعض الباحثين من أن هناك في الولايات المتحدة الأمريكية ما يناهز (96%) من السكان دون المستوى المقبول لقياس الذكاء.. وأن مستوى الكونغريس في تدن لم يشهده في أي وقت مضى[12]، بيد أن هذه الحيرة ستزول إذا ما علم بأن وراء القوة الأمريكية مال اليهود، وخططهم ووجودهم الفعلي في كل القطاعات، وهم لا يسعون لخدمة أمريكا، ولكن لدفعها دائما نحو الوقوع في المهالك والمزالق، وليس واقع التشنج والهيستيريا الذي يلاحظ في هذه الأيام، وبخاصة بعد أحداث الحادي عشر من شهر شتنبر (2001) إلا مظهر من مظاهر الأيدي الخفية أو ما سماه بعض الدارسين؛ حكومة العالم الخفية التي تسيطر على أمريكا وأوروبا وغيرهما من بلدان العالم[13].

ومجمل القول في المسألة الثقافية متعالقة مع العولمة: إن هناك توجهات كونية للعولمة، مست جوانب كثيرة من حياة المجموعة البشرية، في المجال الاقتصادي والسياسي والمالي، والتقني والاستراتيجي، وهي زاحفة إلى الثقافة كذلك، ولا مندوحة لها عنها، وأنه إذا كان هناك من يدعو بقوة إلى المحافظة على التنوع الثقافي، والهويات الوطنية والقومية وخصوصيات الأمم والشعوب، فإنه في الوقت ذاته لا يرى مفرا من ضرورة الانخراط في العولمة بكليتها، ومنها العولمة الثقافية، وما اهتمام الباحثين والدارسين والمنظمات والهيئات والمحافل السياسية والعلمية في مختلف أرجاء العالم بهذه المسألة إلا دليل على إحساس الناس بأن العولمة الثقافية، كالعولمة الاقتصادية، قدر البشرية في هذه الدورة الحضارية الجديدة، وأن على الجميع أن يستعد للانخراط فيها، مع العمل ما أمكن على تحصين الذات، وحماية الثقافات الوطنية من التذويب الذي يعتبر إحدى أهم آليات العولمة كما قلنا.

الهوامش


1. انظر كتاب: هانس بيتر مارتين وهارالد شومان، فخ العولمة، ترجمة د. عدنان عباس علي، مراجعة وتقديم: رمزي زكي، سلسلة عالم المعرفة، ع: 238 أكتوبر 1998، ص: 21 وما بعدها.

2. لعل آخر ما يوضح هذه المسألة مؤتمر “الفاو” المنعقد في إيطاليا في الأسبوع الثاني من شهر يونيو (2002)، حيث بدأ تذمر الأفارقة واضحا من نتائج المؤتمر بخصوص علاج مشكلة الفقر في العالم الثالث ولاسيما إفريقيا.

3. انظر ملخص لكتاب: الحرب الباردة الثقافية c.i.a وعالم الفنون والأدب لصاحبته ستوتر سوندرز المنشور على موقع الجزيرة نت، لمعرفة المزيد من المعلومات حول هذه الحرب الثقافية التي كانت تؤذن بالعولمة الثقافية، وسيادة أمريكا على العالم في المجال الثقافي، كما في المجال الاقتصادي والتقني والعسكري والسياسي.

4. ينظر فخ العولمة، م، س، ص: 400.399، ولنا أن نتأمل كيف يعمل ويفكر الأوربيون، وهم أقوى وأغنى من دول الجنوب وفي طليعتها الدول العربية والإسلامية التي لها كافة المقومات لوضع سياسة مالية واقتصادية وثقافية وعلمية وتقنية، لمواجهة المخاطر التي تتهدد الهويات الثقافية والمقدرات الاقتصادية التي تمتلكها.

5. انظر كتابه: هويتنا والعولمة، الرباط: منشورات النادي الجراري، ط1، 2000، ص50.

6. المرجع  نفسه، ص81.

7. انظر مقالا بعنوان: عولمة شيزوفرانية بجريدة لومانتي الفرنسية، عدد8 يناير 2001، وفي المقال سؤال كبير حول وجهة العولمة الثقافية، هل هي في اتجاه شكل واحد، أو أشكال كثيرة للعولمة الثقافية؟

8. انظر هذه المعومات في موقع الجزيرة نت، التي نقلتها عن مصدر آخر هو: (إيه إف. بي)، وفي المقال إحصائيات أخرى مهمة عن هذه الإشكالية، أو جزها للقارئ الكريم على النحو الآتي:

234  لغة أصيلة اختفت كليا.

90% من اللغات المحلية في العالم سوف تختفي في القرن 21.

32% من اللغات المحلية توجد في آسيا.

30% من اللغات المحلية توجد في إفريقيا.

19% من اللغات المحلية توجد في منطقة المحيط الهادي.

15% من اللغات المحلية توجد في القارة الأمريكية.

03% من اللغات المحلية توجد في أوربا.

هذا حسب القارات، أما حسب الدول، فإن الإحصائية تذكر بعضها وفق الترتيب الآتي:

غينيا: 837 لغة.

إندونيسيا: 655 لغة.

الهند: 309 لغة.

أستراليا: 261 لغة.

المكسيك: 230 لغة.

الكاميرون: 201 لغة.

البرازيل: 185 لغة.

الكونكو الديمقراطية: 158 لغة.

الفلبين: 153 لغة.

9. المرجع نفسه.

10. هويتنا والعولمة، ص36.

11. مأخوذ من مقال له بعنوان: “القيادة الأمريكية للعالم، أو نحو إمبراطورية الشر والفوضى”، انظر ملخصا له على موقع الجزيرة نت.

12. انظر كتاب: حكومة العالم الخفية لمؤلفه شيريب يدوفتش، ترجمة: مأمون سعيد، بيروت: دار النفائس، ط9، 1990، ص41.

13. انظر المرجع نفسه، ولاسيما الصفحات من 153 إلى 185، مع الإشارة إلى أن المعلومات الواردة في الكتاب قديمة، لكنها تدل على النفوذ الذي كان ولا يزال لليهود الأمريكيين على سياسة الولايات المتحدة الأمريكية الداخلية والخارجية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق