مركز الإمام أبي عمرو الداني للدراسات والبحوث القرائية المتخصصةشذور

درر قرآنية (3): التشوف إلى مقامات التصوف(1) درر من تفسير ابن جزي الغرناطي (مقام الصبر)

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده

وبعد فقد قضت سنن الله الكونية والشرعية ألا يتمحض تمام الالتجاء وكمال المفزع إلى الله من جملة خلقه إلا في لحظات الهزاهز والخطوب، ولعله من ألطاف الحكيم الحليم؛ تذكرة للساهي، وتبصرة للسادر، وإيقاظا للغافل، واستحثاثا للمقصر، واستزادة من اليقظ الفطن؛ كيما يتم كمال التشوف إلى لطفه، بمقتضى تمام التعرف على قدره، قال سهل التستري رحمه الله: «إنما يكون الالتجاء على معرفة قدر الابتلاء»([1])

فمن نظر إلى المُنعم والمبلي في وقتي النعمة والبلاء كان غريقا في معرفة الحق بالحق، فاطمأنت نفسه، واستقرت حاله، وتلك أعلى درجات السعادة.

ومَن نظر إلى النعمة والبلاء كان غريقا في الخلق عن رب الخلق، فاضطربت حشاشته، وتغيرت حاله، وتلك هي الشقاوة؛ إذ في حال النعمة يخاف زوالها، وفي حال البلية يخشى آلامها([2])

وأهل الله السالكون معارج الوصول، القاصدون فناء الشهود لا يشهدون في الحالتين إلا حكيمالايجهل،وعالمالايغفل،وعليمالاينسى،ورحيمالايطغى،فما صدر عنه بلا ريب عين الحكمة والصواب، قال الإمام القشيري رحمه الله: «ومقدورات الحق سبحانه من الألطاف لانهاية لها»([3])

وبمثل هذا التعرُّف تهنأ النفوس بربها، ويصدق اللجأ إليه، وتمتن الصلة به، وتخف الوطأة من بلائه؛ لتسليمها بقضائه، ورضائها بقدره، فما فعله الجليل فهو جميل؛ إذ المحبةالتامةلاتزدادبالوفاء،ولاتنقصبالجفاء،وهذا أعلى درجات مقام الصبرعند القوم.

وهو مقام افتتحنا به هذه السلسة (التشوف إلى مقامات التصوف)؛ جمعا لما تناثر أوزاعا من فرائد المقامات في تفسير الإمام محمد بن أحمد بن جزي الغرناطي المالكي (ت:714)المسمى بـ«التسهيل لعلوم التنزيل»، إذ الكل في مسيس حاجة إلى درر أولئك الأصفياء، وغرر هؤلاء الأتقياء سيما في الصبر والتصبر، والرضا بالقضاء والقدر؛لما تمر به بلادنا وسائر الأقطار من محنة الوباء، وشدة الأدواء؛ حتى تستحيل المحن منحا، والضراء سراء، والشدة رخاء، فـ ﴿الله لطيف بعباده﴾[الشورى: 19].

قال الإمام محمد بن أحمد بن جزي في تفسير قوله تعالى:﴿ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموالوالأنفس والثمرات وبشر الصـبرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾[البقرة:155 إلى 157]

قال رحمه الله: «ولنبلونكم أي: نختبركم.. والخطاب بهذا الابتلاء للمسلمين.. «بشيء من الخوف» من الأعداء،«والجوع» بالجدب،«ونقص من الأموال» بالخسارة،«والأنفس والثمرات» بالجوائح..

﴿قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون﴾.. تذكروا الآخرة؛ لتهون عليهم مصائب الدنيا، وفي الحديث الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال: ﴿من أصابته مصيبة فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها، أخلف الله له خيرا مما أصابه﴾. قالت أم سلمة: فلما مات زوجي أبوسلمة قلت ذلك، فأبدلني الله به رسولَ الله صلى الله عليه واله وسلم.([4])

فـــــائـــدة:

ورد ذكر الصبر في القرآن في أكثر من سبعين موضعا، وذلك لعظمة موقعه في الدين. قال بعض العلماء: كل الحسنات لها أجر محصور من عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصبر فإنه لا يحصر أجره؛ لقوله تعالى: ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾[الزمر: 10] .

وذكر الله للصابرين ثمانية أنواع من الكرامة:

 أولها: المحبة، قال: ﴿والله يحب الصابرين﴾[آل عمران: 146]

والثاني: النصر قال: ﴿إن الله مع الصابرين﴾[البقرة: 153]

 والثالث: غرفات الجنة، قال: ﴿يجزون الغرفة بما صبروا﴾[الفرقان: 75]

والرابع: الأجر الجزيل قال: ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾[الزمر: 10]

والأربعة الأخرى المذكورة في هذه الآية، ففيها البشارة، قال: ﴿وبشر الصابرين﴾، والصلاة والرحمة والهداية:﴿أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾.

والصابرون على أربعة أوجه:

صبر على البلاء: وهو منع النفس من التسخيط والهلع والجزع.

وصبر على النعم: وهو تقييدها بالشكر، وعدم الطغيان، وعدم التكبر بها.

وصبر على الطاعة بالمحافظة والدوام عليها.

وصبر عن المعاصي بكف النفس عنها.

وفوق الصبر التسليم: وهو ترك الاعتراض والتسخيط ظاهرا، وترك الكراهة باطنا.

 وفوق التسليم الرضا بالقضاء: وهو سرور النفس بفعل الله، وهو صادر عن المحبة، وكل ما يفعل المحبوب محبوب».

التسهيل لعلوم التنزيل للإمام ابن جزي الغرناطي المالكي: 1/253


([1])طريق الهجرتين: 1/57.

([2])ن مفاتيح الغيب للرازي:16/16.

([3])الرسالة القشيرية:239.

([4])أخرجه الإمام مالك في الموطإ رقم:(498)، والإمام مسلم في صحيحه رقم (1526).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق