مركز الإمام أبي عمرو الداني للدراسات والبحوث القرائية المتخصصةشذور

التشوف إلى مقامات التصوف (13) درر من تفسير ابن جزي الغرناطي (مقام الشكر «ب»)

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده

وبعد فقد مضى ـ في «مقام الشكر أ» ـ أن في الشكر خلالا ثلاثا: تعظيم المنعم، وتقدير النعمة، والرضى بها، وهي خلال إذا ما أشربتها الأفراد والمجتمعات والأمم تحقق ـ بالنظر المادي ـ معنى الزيادة الموعود بها في قوله سبحانه: ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾[إبراهيم:9]  ؛ لما في الشكر من الهناء النفسي والاجتماعي المخفف من وطأة التنازع البشري الذي لا يرتفع لأسباب:

  أحدها: ضرورة التشارك الاجتماعي؛ إذ «لا تُمكن حياة المنفرد من البشر، ولا يتم وجوده إلا مع أبناء جنسه؛ وذلك لما هو عليه من العجز عن استكمال وجوده وحياته، فهو محتاج إلى المعاونة في جميع حاجاته أبدا بطبعه..»([1])

وثانيها: محدودية موارد الطبيعة ـ بالنظر المادي ـ بالنسبة إلى البشر وطبيعته قبل التهذيب السماوي، المفضية إلى التزاحم المؤدي إلى التنازع، وهو ما ألمع إليه ابن خلدون بقوله: «وتلك المعاونةُ لابد فيها من المفاوضة أولا، ثم المشاركة وما بعدها، و ربما تُفضي المعاملة عند اتحاد الأغراض إلى المنازعة والمشاجرة؛ فتنشأ المنافرة والمؤالفة، والصداقة والعداوة. و يؤول إلى الحرب والسلم بين الأمم والقبائل»([2]) ولخصه في باب الخلافة بقوله: «ومن ضرورة الاجتماع التنازع؛ لازدحام الأغراض».([3])

وثالثها: على فرض كفايتها، وعدم محدوديتها فلا رفع؛ لتسلسل حاجات الإنسان بلا حدود، كلما أشبع حاجة تشوف إلى أخرى حتى رمقه الأخير، على ما في طبيعة الآدمي من النزوع إلى الترف والسرف، وولوعه بآفة التملك وشره الادخار، ناهيك عما في طبائع الأشياء من اللذة المتناقصة: فقبل عقود من الزمان كان المذياع آية الفخامة، وبعده بعقد أضحى التلفاز من مظاهر النبلاء، وبعيده صار الهاتف الثابت مفخرة أهل الثراء.. وهكذا في المركب والملبس والمسكن وسواها.. تتناقص فيها قيم الأشياء ولذاتها؛ لتنقلب بفعل قانون اللذة المتناقصة إلى نقيض قصد مالكها من تملكها.. وتلك أدواء بلا دواء، تأتي على الأخضر واليابس بلغ ما بلغ.  

وهذا حكم عقلي عمراني مسدد بحكم شرعي قطعي، قال تعالى: ﴿وتحبون المال حبا جما﴾ [الفجر:22]، وفي الحديث:﴿لو أن لابن آدم مثل واد مالا لأحب أن له إليه مثله، ولا يملأ عين ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب﴾([4]) ففيه «أن الآدمي مجبول على حب المال، وأنه لا يشبع من جمعه إلا مَن حفظه الله تعالى ووفقه لإزالة هذه الجبلة عن نفسه، وقليل ما هم»؛ ولذلك وضع قوله «ويتوب» موضعه؛ إشعارا بأن هذه الجبلة مذمومة جارية مجرى الذنب، وأن إزالتها ممكنة بتوفيق الله وتسديده.

وفي ذكر «التراب» إلماعة إلى أن الآدمي خلق من التراب، ومن طبعه القبض واليبس، وأن إزالته ممكنة بأن يمطر الله عليه ما يصلحه حتى يُثمر الخلال الزكية والخصال المرضية، قال تعالى: ﴿والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا﴾[الأعراف:57].

ويؤيده إضافة «الشح» إلى النفس في قوله: ﴿ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾[التغابن:16] دلالة على أنه غريزة فيها، وفي قوله ﴿ومن يوق﴾ إيماءة إلى إمكان إزالة ذلك، فرتب الفلاح عليه.

وهذا ما لخصه القاضي عياض بقوله: «والذى يقتضيه منحى الكلام ومقصده : أن المراد بالحديث حرص القلب ورغبة النفس»([5]) ويعضده حديث: ﴿يهرم ابن آدم وتشب منه اثنتان: الحرص على المال، والحرص على العمر ﴾([6])  قال القاضي: «فيه من المطابقة وبديع الكلام الغاية، وذلك أن الشيخ من شأنه أن تكون آماله وحرصه على الدنيا قد بليت على بِلاء جسمه إذا انقضى عمره ولم يبق له إلا انتظار الموت، فلما كان الأمر بضده ذم»([7])

وعليه يتنزل ما ورد تشريعا في ذم الدنيا وهوانها زمانا ومكانا ومادة؛ لمحدودية زمانها ﴿قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم﴾ [المؤمنون:113ـ114] وضآلة جرمها، ﴿وسع كرسيه السموات والأرض﴾[البقرة:254] وكدر مادتها؛ لتناقص لذاتها، ﴿وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون﴾[العنكبوت:64] لا على عدم عمارتها وإدامة سنة الاستخلاف فيها ـ على هدي الوحي في شأنها ـ إلى إبانها.

إذا تمهد ما زبر من ضرورة التنازع؛ لضرورة الاجتماع؛ فإن الشكر خليق بإحالة التنازع؛ تهذيبا له إلى تنافس وتعاون؛ لما في تعظيم المنعِم من قوة التوكل عليه، والاطمئنان في الأرزاق والمعايش على سلطانه، فتهنأ نفسه، ويسكن روعه، فيجنح إلى المظاهرة بدل المنافرة؛ إذ لا أشد على الآدمي من حزن يؤرقه أو خوف يرقبه؛ ولهذه النكتة انتفيا عن الأصفياء بقوله سبحانه: ﴿ألا إن أولياء الله لاخوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ [يونس:62] قال العلامة الثعالبي: « فقد أدرج في الآية ذكر إقبال كل محبوب عليهم، وزوال كل مكروه عنهم، ولا شيء أضر بالإنسان من الحزن والخوف؛ لأن «الحزن» يتولد من مكروه ماض أو حاضر، و«الخوف» يتولد من مكروه مستقبل، فإذا اجتمعا على امرئ لم ينتفع بعيشه، بل يتبرم بحياته، والحزن والخوف أقوى أسباب مرض النفس، كما أن السرور والأمن أقوى أسباب صحتها، فالحزن والخوف موضوعان بإزاء كل محنة وبلية، والسرور والأمن موضوعان بإزاء كل صحة ونعمة هنية»([8])

وفي تقدير النعم حياطة لها عن نواقضها بذخا وسرفا وتبذيرا، فتندر المباهاة الباعثة على أسباب المشاجرة، وفي الرضى بها اهتبال ورعاية لشأنها، ووله بما من شأنه زكاؤها ونماؤها؛ إحكاما له قولا وعملا، وذلك غاية الإحسان المروم في كل أمة، المندوب إليه في كل شرعة، كقوله صلى الله عليه وسلم: ﴿إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه﴾([9])، وجماع ذلك في قوله سبحانه: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب﴾[المائدة:3] فأمر بالتعاون على كل ما هو خير ورعايته، ونهى عن التآزر عن كل ما هو شر، وهدد إجمالا؛ تحذيرا من جنايته، قال ابن عطية: «ثم أمر الله تعالى الجميع بالتعاون على البر والتقوى.. فالبر يتناول الواجب والمندوب إليه، والتقوى رعاية الواجب.. ثم نهى تعالى عن التعاون على الإثم وهو الحكم اللاحق عن الجرائم، وعن العدوان وهو ظلم الناس، ثم أمر بالتقوى، وتوعد توعدا مجملا بشدة العقاب»([10])

وقد جمح بنا القلم هـهنا في التفسير المادي للشكر وثماره؛ تأليفا لما ينزع إلى  التفسير المادي اعتمادا على ذاتية السبب في الوجود، وإلا فيكفي أن يقال: إن الشكر يديم النعم ويزيدها بركة وثوابا، وإن الجحود والكفران يمحقها نقمة وعقابا؛ لذلك أمر الرحيم بخليقته سبحانه بالأول ﴿فاشكروا لي﴾ ونهى عن الثاني بقوله: ﴿ولا تكفرون﴾  قال ابن جرير: «ولا تجحدوا إحساني إليكم، فأسلبكم نعمتي التي أنعمت عليكم، ولكن اشكروا لي عليها، وأزيدكم فأتمم نعمتي عليكم، وأهديكم لما هديت له من رضيت عنه من عبادي، فإني وعدت خلقي أن من شكر لي زدته، ومن كفرني حرمته وسلبته ما أعطيته».([11])

فالحاصل أن الشكر ـ على التفسيرين ـ قيمة القيم للفرد والجماعة والأمة استقرارا وهناء، تنمية وزكاء؛ إذ في سبيله الاطمئنان النفسي والاجتماعي، والأمان المادي والروحي، والاكتفاء المالي والاقتصادي، وتلك مقومات حياة الخليقة، وبجملتها وقع الامتنان الإلهي، والابتهال النبوي: فمن الأول قوله سبحانه: ﴿واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الارض تخافون أن يتخطفكم الناس فئاويكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبـت لعلكم تشكرون﴾ [الأنفال:26]، ومن الثاني قوله تعالى: ﴿وإذ قال إبـرهيم رب اجعل هذا البلد ءامنا ـ إلى قوله سبحانه ـ وارزقهم من الثمرت لعلهم يشكرون﴾ [إبراهيم:37،38، 39]، وأجملها العقلاء في أمهات النعم الثلاث فقيل:

ثلاثة ليس لها نهاية **الأمن والصحة والكفاية([12])

اقتباسا من كلام النبوة حيث جوامع الكلم: ﴿من أصبح آمنا في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها﴾([13])

فهذي أصول النعم بشكرها يجزل العطاء إدامة وازديادا، وبكفرانها يتنزل القضاء إزالة واقتلاعا، وهذه أمثلة ثلاث على مستويات ثلاثة:

مستوى الحضارة

فقد كانت حضارة سبإ آية في المسكن والمأكل والمشرب، في التجارة الواسعة، والزراعة المنتجة، والمناخ الآمن: ﴿لقد كان لسبإ في مساكنهم آية﴾([14])

1- حباهم الله بواد مترامي الأطراف، تهوي إليه سيول وفيرة، شيدوا على مصبه سد مأرب الشهير الذي أمدهم بما تحتاجه الزراعة لإثمار حدائق غناء، وبساتين فيحاء، عن يمين الوادي وشماله: ﴿جنتـن عن يمين وشمال﴾. قال جار الله الزمخشري: «فإن قلت: كيف عظم الله جنتي أهل سبأ وجعلهما آية، ورب قرية من قريات العراق يحتف بها من الجنان ما شئت؟ قلت: لم يرد بستانين اثنين فحسب، وإنما أراد جماعتين من البساتين: جماعة عن يمين بلدهم، وأخرى عن شمالها، وكل واحد من الجماعتين في تقاربها وتضامها كأنها جنة واحدة، كما تكون بلاد الريف العامرة وبساتينها».([15])

2- ووهبهم بلدة طيبة؛ لحسن هوائها، وقلة وخمها، وخصب تربتها، ورغد نتاجها، زاخرة بما لذ وطاب من الثمار، حتى قيل: كانت المرأة تمشي تحت أشجار البساتين وعلى رأسها المكتل، فيمتلئ من أنواع الفواكه التي تساقط في مكتلها دون جهد منها،([16]) طاهرة عن المؤذيات لا حية فيها ولا عقرب، ولا وباء ولا وخم:﴿بلدة طيبة﴾.

3- وأغدق عليهم من نواله بتهيئة الأمان والاطمئنان لهم خلال أسفارهم للكسب والتجارة، وتلك نعمة عظمى لا يدرك ضخامتها إلا من مارس الأسفار من مكان إلى مكان، سيما في ذلك الزمان: ﴿وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير﴾ أي: كانت القرى على مقادير للراحل، فمن سار من قرية صباحا وصل إلى أخرى حين الظهيرة، ومن سار من بعد الظهر وصل إلى أخرى حين الغروب، فلا يحتاج إلى حمل زاد، ولا مبيت في أرض خالية، ولا يخاف من عدو ولا سبع، آمنين من كل ما يكرهون([17])

4- وأتم عليهم نعمته؛ إذ وعدهم بمغفرته، وشملهم بعفوه: ﴿ورب غفور﴾ قال الفخر الرازي: «أي: لا عقاب عليه ـ يعني الأكل ـ ولا عذاب في الآخرة، فعند هذا بان كمال النعمة؛ حيث كانت لذة حالية خالية عن المفاسد المآلية».([18])

فكانوا بهذا أرباب البلاد في ذلك الزمان، لا تخضد شوكتهم، ولا يفل حديدهم، ولا يستباح جنابهم، على بعد صيت، وجليل مهابة، في عافية وأمان، ورغد بلا حسبان، لكنهم بطروا النعمة، وبشموا من طيب العيش، وملوا العافية، ﴿فأعرضوا﴾ فأهلكهم الله بخراب السد، فانهال عليهم تيار مائه، فأغرق بلادهم، واجتاح أرضهم، وأفسد مزارعهم، وخرب عمرانهم، فهلك منهم من هلك، واضطر من نجا للنزوح والترحال، فتفرقوا في البلاد شذر مذر: فبعضهم كالأوس والخزرج إلى يثرب رحل، و بعضهم كالأزد شخص إلى عمان، ونآى بعضهم إلى الشام كقبيلة غسان، فصاروا مضرب المثل في الشتات الذي لا يشعب صدعه، فيقال:«تفرقوا أيدي سبأ»، فخربت الديار، وتباعدت الأقطار، واستحال العمران مفاوز وصحاري، والبساتين أشجار شوك بلا ثمار: ﴿وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل﴾ قال الفخر الرازي: «وقوله: ﴿وبدلناهم بجنتيهم..﴾ الخ: بَيَّنَ به دوامَ الخراب، وذلك لأن البساتين التي فيها الناس يكون فيها الفواكه الطيبة بسبب العمارة، فإذا تركت سنين تصير كالغيضة والأجمة، تلتف الأشجار بعضها ببعض، وتنبت المفسدات فيها، فتقل الثمار وتكثر الأشجار.. و«السدر» معروف، وقال فيه ﴿قليل﴾؛ لأنه كان أحسن أشجارهم فقلله الله»([19])

فهذه حضارة سبأ أثرا بعد عين، استحالت آية الشتات والوهن بعدما كانت آية القوة والسكن؛ إذ أعرضوا عن الله، وما شكروا نعمه سبحانه: ﴿ذلك جزيناهم بما كفروا، وهل يجــزى إلا الكفور﴾.

ويجوز أن يقال ـ بالنظر المادي ـ إنهم لما أصيبوا  بالترف تركوا العناية بإصلاح هذه السدود فتصدعت، واجتاحت المياه أراضيهم فأفسدتها، واكتسحت مساكنهم، فتفرقوا عنها، ومزقوا شر ممزق، ويؤيده أن المراد بـ«العرم» السدود التي كانت مبنية لحجز الماء.([20])

والنتيجة واحدة، خراب ودمار، وحرمان للتوفيق؛ ومن حرمه فقد حرم الخير كله، ولله الأمر من قبل ومن بعد، وهو القوي العزيز.

مستوى المدينة والقرية

أما مستوى القرية ففي قوله تعالى: ﴿وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان ﴾[النحل:112]  فقوله: ﴿آمنة﴾ إشارة إلى الأمن، وقوله: ﴿مطمئنة﴾ إشارة إلى الصحة؛ لأن هواء ذلك البلد لما كان ملائما لأمزجتهم اطمأنوا إليه واستقروا فيه. وقوله: ﴿يأتيها رزقها رغدا من كل مكان﴾ إشارة إلى الكفاية. ﴿فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون﴾؛ جزاء وفاقا: جوع وفقر وخوف شديد، بعد أمن واطمئنان وعيش رغيد، فكانت هذه القرية([21]) مثلا لكل قوم أنعم الله عليهم، فأبطرتهم النعمة، فكفروا وتولوا، فأنزل الله بهم نقمته، وأحل بهم عذابه؛ عبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

وعبر بجمع القلة «الأنعم»؛ تنبيها بالأدنى على الأعلى يعني: أن كفران النعم القليلة لما أوجب العذاب، فكفران النعم الكثيرة أولى بإيجاب العقاب.

مستوى الأفراد

وأما على مستوى الفرد فهذا صاحب الجنتين أغدق الله عليه من نعمه، وأعطاه من خيراته جنتين عن يمين وشمال،  وُصفتا بما يدل على جمال منظرهما، وغزارة عطائهما، وكثرة خيراتهما، واشتمالهما على ما يزيدهما بهجة ونفعا:﴿واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا، وفجرنا خللهما نهرا وكان له ثمر..﴾[الكهف:32 إلى 42]، وتلك صفات للجنة خمس: الصفة الأولى: كونها جنة والصفة الثانية: قوله:﴿وحففناهما بنخل﴾ أي: وجعلنا النخل محيطا بالجنتين قال في الكشاف: «وهذا مما يؤثره الدهاقين في كرومهم: أن يجعلوها مؤزرة بالأشجار المثمرة»؛ لحسن منظرها، وبهاء رونقها. الصفة الثالثة: ﴿وجعلنا بينهما زرعا﴾، والمقصود منه أمور: أحدها: أن تكون تلك الأرض جامعة للأقوات والفواكه. وثانيها: أن تكون تلك الأرض متسعة الأطراف متباعدة الأكناف، ومع ذلك فإنها لم يتوسطها ما يقطع بعضها عن بعض. وثالثها: أن مثل هذه الأرض تأتي في كل وقت بمنفعة أخرى، وهي ثمرة أخرى فكانت منافعها دارة متواصلة. الصفة الرابعة: قوله تعالى: ﴿كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا﴾ الصفة الخامسة: قوله تعالى: ﴿وفجرنا خلالهما نهرا﴾ أي: كان النهر يجري في داخل تلك الجنتين. ثم بين سبحانه أن له أموالا غيرهما، فقال:﴿وكان له ثمر﴾.([22])

 لكنه بدل أن يشكر تفاخر وتبختر، فقال لصاحبه المسكين فخرا وخيلاء: أنا أكثر منك مالا، وأعز منك عشيرة وحشما وأعوانا، ولم يكتف بذلك حتى زعم الخلود في نعيمه، ولو رد ـ فرضا ـ إلى ربه لوجد خيرا من ذلك منقلبا: ﴿فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا، ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منهما منقلبا﴾ فقد زعم أولا أن مدار التفاضل على الثروة والعشيرة. وبنى حياته ثانيا على الغرور والبطر، واعتقاد الخلود لزينة الحياة الدنيا، وطغا ثالثا إذ أنكر البعث والحساب، والثواب والعقاب، وتوهم رابعا أن غناه في الدنيا سيكون معه مثله في الآخرة قال في الكشاف: ﴿وهو ظالم لنفسه﴾ وهو معجب بما أوتى مفتخر به، كافر لنعمة ربه، معرض بذلك نفسه لسخط الله، وهو أفحش الظلم. ﴿قال ما أظن أن تبيد هذه..﴾ إخباره عن نفسه بالشك في بيدودة جنته؛ لطول أمله، واستيلاء الحرص عليه، وتمادى غفلته، واغتراره بالمهلة، واطراحه النظر في عواقب أمثاله، وترى أكثر الأغنياء من المسلمين وإن لم يطلقوا بنحو هذا ألسنتهم، فإن ألسنة أحوالهم ناطقة به، منادية عليه، ﴿ولئن رددت إلى ربي﴾ إقسام منه على أنه إن رد إلى ربه ـ على سبيل الفرض والتقدير، وكما يزعم صاحبه ـ ليجدن في الآخرة خيرا من جنته في الدنيا، تطمعا وتمنيا على الله، وادعاء لكرامته عليه، ومكانته عنده، وأنه ما أولاه الجنتين إلا لاستحقاقه واستئهاله، وأن معه هذا الاستحقاق أينما توجه..» ([23])

وقد نصحه صاحبه لو انتصح فقال: ﴿ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لاقوة إلا بالله﴾، وفي ذلك تواضعٌ لله وتذلل، واعتراف بأن الكل من عنده، وهي نصيحة عامة لكل من أنعم عليه بصحة وعافية، أو مال وبنين، أو أمن وأمان، أو جاه وحسب: ﴿ وما بكم من نعمة فمن الله﴾[النحل:53] لكنه لم ينتصح بل زاد في غروره، وتمادى في جحوده، فكفر النعم الظاهرة والباطنة: فجفت آباره، وعطشت أنعامه، وأقفرت جنتاه، فأهلكت أمواله، وأبيدت خضراؤه، فصار يقلب كفيه أسَفا وندما، على ما أنفق في عمارتها وتزيينها من أموال كثيرة، ضاعت هباء، ومن جهدٍ كبير ذهب سدى، قال تعالى: ﴿وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها..﴾ قال ابن الخطيب: ﴿وأحيط بثمره﴾ «وهو عبارة عن إهلاكه بالكلية، وأصله من إحاطة العدو؛ لأنه إذا أحاط به فقد ملكه واستولى عليه»([24])

وفي المستويات الثلاث « الحضاري، والجماعي، والفردي» الدلالة الأجلى على التلازم الحتمي بين الشكر والازدياد، والجحود والإحاطة،  والتهديد الخطير لكل من يجحد النعم صغيرها أو كبيرها، فالعاقل من اعتبر بغيره، فشكر الله، وتواضع له، وقدر نِعمه، فرضي بها، وصرفها في حقها بحقها، وإلا تعرض لمحقها، وفي قصة الأبرص والأقرع والأعمى المثل السائر، والموعظة البليغة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ﴿ إن ثلاثة في بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى، فأراد الله أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكا، فأتى الأبرص، فقال: أي شيء أحب إليك ؟ قال: لون حسن، وجلد حسن، ويذهب عني الذي قد قَذِرَني الناس، قال: فمسحه فذهب عنه قذره، وأعطي لونا حسنا وجلدا حسنا، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الإبل، قال: فأعطي ناقة عُشَراء،  فقال: بارك الله لك فيها.

 قال: فأتى الأقرع فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال شعر حسن، ويذهب عني هذا الذي قد قذرني الناس، قال: فمسحه فذهب عنه، وأعطي شعرا حسنا، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: البقر، فأعطي بقرة حاملا، فقال: بارك الله لك فيها.

 قال: فأتى الأعمى، فقال: أي شيء أحب إليك، قال: أن يرد الله إلي بصري فأبصر به الناس، قال: فمسحه فرد الله إليه بصره، قال: فأي المال أحب إليك، قال: الغنم، فأعطي شاة والدا.

فأنتج هذان وولد هذا، قال: فكان لهذا واد من الإبل، ولهذا واد من البقر، ولهذا واد من الغنم.

 قال: ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال، بعيرا أتَبَلَّغُ عليه في سفري، فقال: الحقوق كثيرة: فقال له: كأني أعرفك، ألم تكن أبرص يَقْذَرُك الناس ؟! فقيرا فأعطاك الله ؟! فقال: إنما ورثت هذا المال كابرا عن كابر، فقال: إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت.

 قال: وأتى الأقرع في صورته، فقال له مثل ما قال لهذا، ورد عليه مثل ما رد على هذا، فقال: إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت.

 قال: وأتى الأعمى في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين وابن سبيل انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي رد عليك بصرك، شاة أتبلغ بها في سفري، فقال: قد كنتُ أعمى فرد الله إلي بصري، فخذ ما شئت ودع ما شئت، فوالله لا أجهدك اليوم شيئا أخذته لله، فقال: أمسك مالك، فإنما ابتليتم، فقد رضي عنك، وسخط على صاحبيك﴾.([25]) والحمد لله الأسمى أولا وآخرا، وله الشكر الأنمى بدءاً وختما وبالله التوفيق.


([1]) المقدمة لابن خلدون:3/1012

([2]) نفسه:3/1012

([3]) المقدمة:2/579

([4]) ن فتح الباري لابن حجر:11/256. وكذا ما يأتي في شرح الحديث.

([5]) إكمال المعلم شرح صحيح مسلم:3/305

([6]) ن صحيح مسلم ح 1047.

([7]) ن فتح الباري لابن حجر:11/241.

([8]) ن الإعجاز والإيجاز لأبي منصور الثعالبي : 15

([9]) ن مسند أبي يعلى الموصلي (مسند عائشة): 7/349.

([10]) ن المحرر الوجيز:2/150.

([11]) جامع البيان: 3/212.

([12]) قال ابن عادل الحنبلي في كتاب اللباب في علوم الكتاب (12/ 173): قال العقلاء:

ثلاثة ليس لها نهايه ** الأمن والصحة والكفايه

ثم قال في موضع آخر (16/486): قال ابن الخطيب: الأولى أن يحمل على الثلاثة المذكورة في قوله صلى الله عليه وسلم : «ثلاثة ليس لها نهاية الأمن والصحة والكفاية» فأورده حديثا وليس به، فانتبه. فإن قيل: إنما هي حكاية عن ابن الخطيب ـ يعني الفخر الرازي ـ، فأصل الخطإ منه؟ فالجواب: نعم تبعه دون تمحيص في خطإه كما تبعه في صوابه؛ لأنه قال في الموضع الأول: (مفاتيح الغيب 26/ 430): « ..الثلاثة المذكورة في قوله صلى الله عليه وسلم ﴿ثلاثة ليس لها نهاية..﴾..الخ،  وقال في الثاني (20/279): «والجواب: أن العقلاء قالوا..» ثم أورده كما أورده. فتأمل.

([13]) الترغيب والترهيب للمنذري: 2/45. ن شعب الإيمان للبيهقي:7/،3352.

([14]) قال في الكشاف: «فإن قلت: ما معنى كونهما آية؟ قلت: لم يجعل الجنتين في أنفسهما آية، وإنما جعل قصتهما، وأن أهلهما أعرضوا عن شكر الله تعالى عليهما فخربهما، وأبدلهم عنهما الخمط والأثل آية وعبرة لهم؛ ليعتبروا ويتعظوا فلا يعودوا إلى ما كانوا عليه من الكفر وغمط النعم. ويجوز أن تجعلهما آية، أى: علامة دالة على الله، وعلى قدرته وإحسانه ووجوب شكره».

([15]) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل:3/ 575.

([16]) ن الكشاف:3/ 575، زاد المسير لابن الجوزي:3/494.

([17])ن تفسير المراغي: 22/72

([18])ن مفاتيح الغيب:25/200.

([19])ن مفاتيح الغيب:25/201. قال: «و«الخمط» كل شجرة لها شوك، أو كل شجرة ثمرتها مُرَّة، أو كل شجرة ثمرتها لا تؤكل. و«الأثل» نوع من الطرفاء، ولا يكون عليه ثمرة إلا في بعض الأوقات يكون عليه شيء كالعفص أو أصغر منه في طعمه وطبعه».

([20]) ن التفسير الوسيط لطنطاوي :11/ 281. وقيل: «العرم» هو السيل الذي لا يطاق وقيل: اسم الوادي وقيل: الجرذ الذي نقب السد. ن زاد المسير:3/494

([21]) ن الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل:2/638، وقيل: المراد بـ«القرية» مكة، والأشبه ما قرر.

([22]) ن مفاتيح الغيب:21/462، و ن  الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل:2/721.  

([23]) ن  الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل:2/722.  ون التفسير الوسيط لطنطاوي: 8/ 516.

([24]) ن مفاتيح الغيب: 21/ 465. 

([25]) صحيح البخاري:ح 3464 ، صحيح مسلم: ح 2964. و ن المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم لأبي العباس القرطبي: 7/ 118.

اظهر المزيد

د. عبد الهادي السلي

  • باحث بمركز الإمام أبي عمرو الداني للدراسات والبحوث القرائية المتخصصة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق