مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكدراسات محكمة

-2- التدليل الشرعي وسؤال الحجاج

2.1- خصائص التدليل الشرعي:

أ – انبناء التدليل على الأصل القرآني:

إن أخص الخصائص المميزة للتدليل في مجال الشرع هو كون  الأدلة الشرعية تستمد حجيتها ومادتها من الكتاب المنزل، إذ “هو أصل الأصول والغاية التي تنتهي إليها أنظار النظار، ومدارك أهل الاجتهاد، وليس وراءه مرمى لأنه  كلام الله القديم (وأن إلى ربك المنتهى)(53)، وقد قال تعالى: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين)(54). وقال: ( ما فرطنا في الكتاب من شيء)(55)(56).

وبيان ذلك أن الأدلة الشرعية إذا كان منها ما هو راجع إلى النقل المحض ومنها ما هو راجع إلى الرأي المحض، فإنها متلازمة في الاعتبار، وهذا التلازم يظهر في أن “الاستدلال بالمنقولات لابد فيه من النظر، كما أن الرأي لا يعتبر شرعا إلا إذا استند إلى النقل”(57). كما أن الضرب الثاني محصور في الضرب الأول وآيل إليه في الاعتبار، “لأنا لم نثبت الضرب الثاني بالعقل، وإنما أثبتناه بالأول، إذ منه قامت أدلة صحة الإعتماد عليه. وإذا كان كذلك فالأول هو العمدة، وقد صار إذ ذاك الضرب الأول مستند الأحكام التكليفية من جهتين: إحداهما جهة دلالته على الأحكام الجزئية للفرعية، والأخرى جهة دلالته على القواعد التي تستند إليها الأحكام الجزئية الفرعية”(58).

 وإذا أخذنا في الاعتبار أن الضرب الأول هو بدوره راجع إلى الكتاب، اتضح لنا معنى كون الأدلة الشرعية تختص بالانبناء على الأصل القرآني على الوجه الذي تستمد به حجيتها وتقيم به قوانينها وشرائطها… ولهذا كان الكتاب سيد الأدلة.

3-1: ب-طبيعة المقدمات المكونة للدليل الشرعي:

يرى الشاطبي أن الدليل الشرعي ينبني على مقدمتين(59):

-مقدمة راجعة إلى الحكم الشرعي.

-ومقدمة راجعة إلى تحقيق مناط الحكم الشرعي.

أما الأولى فتختص بالصفة النقلية، حيث تنزل منزلة القضايا المسلمة من الشارع ولا تحتاج إلى نظر أو تأمل إلا من جهة تصحيحها نقلا(60).

وأما الثانية فتتصف بالخاصية النظرية وتشتمل على جملة التقويمات الشرعية المطلقة والمقيدة، سواء كان طريق ثبوتها الضرورة أو الفكر والتدبر(61)، ومقتضاها “أن الشارع حكم على أفعال المكلفين مطلقة ومقيدة (…) ولا ينزل الحكم بها إلا على ما تحقق أنه مناط ذلك الحكم على الإطلاق أو على التقييد”(62). فالمكلف مثلا إذا أراد الوضوء يتعين عليه التحقق من كون الماء مطلقا، وذلك برؤية اللون وذوق الطعم وشم الرائحة، وهذا هو مقتضى المقدمة النظرية المحققة للمناط. وتلازم هذه المقدمة مقدمة أخرى نقلية تقضي بأن كل ماء إذا كان مطلقا فالوضوء به جائز(63) فإذن كل دليل شرعي ينبني على مقدمتين: إحداهما محققة للمناط والأخرى حاكمة عليه بحيث تكون الأولى محل النظر والثانية تؤخذ مأخذ التسليم(64).

وبهذا البيان يتضح -كما سبقت الإشارة إليه- أن القول بانبناء الدليل الشرعي على مقدمتين لا صلة له بمناهج المنطق الأرسطي ولا بمسالك من تبناها من متفلسفة الإسلام، وذلك لأمور ثلاثة:

أولها أن القيد العددي الذي وضعه المناطقة على المقدمات في الدليل مبني على معايير صورية، أي راجعة إلى صورة الاستدلال، في حين ينبني مسلك الشاطبي على معايير مضمونية أي راجعة إلى مادة الاستدلال(65)، وشتان بين الصورة والمادة، ولهذا نجد ابن تيمية يعيب على المناطقة اهتمامهم بالصورة دون المادة في الاستدلال، فيقول: “المنطقيون يمثلون بصورة مجردة عن المواد، لا تدل على شيء بعينه لئلا يستفاد العلم بالمثال من صورته المعينة، كما يقولون: كل أ – ب وكل ب- ج فكل أ-ج. لكن المقصود هو العلم المطلوب من المواد المعينة، فإذا جردت يظن الظان أن هذا يحتاج إليه في المعينات وليس الأمر كذلك(66)“، لأن “الاعتبار بمادة العلم لا بصورة القضية”(67).

وثانيها أنه لما كان المرجع في الدليل هو المادة وليس الصورة عكس ما ذهب إليه المناطقة، فإن المستدل يتعين عليه أن يورد في استدلالاته من المقدمات بحسب ما تقتضيه حاجة التخاطب، وألا يذكر منها ما يعتبر معلوما عند المدلل له.

وثالثها أن قول الشاطبي لا إشعار فيه بالتزام نظم معين أو ترتيب محدد أو تأليف مخصوص فيما يتعلق بالمقدمة الحاكمة على المناط، والمقدمة المحققة للمناط، كما أنه لا دلالة فيه على وجوب التصريح بهما مجتمعتين في الدليل، بل لا دلالة فيه على التزام عدد مخصوص كما هو الظاهر من سياق الكلام.

ج- انضباط التدليل الشرعي بجملة من القواعد(68):

يختص التدليل الشرعي بالانضباط بجملة من القواعد الاستدلالية الحجاجية، حيث تبرز ( هذه القواعد) طرق وكيفيات إعمال الدليل على جهة الإجمال لا التفصيل، ويمكن تلخيصها فيما يلي:

1- تنزيل الدليل على وفق مقاصد الشارع:

إن المستدل يتعين عليه أن يوقع الأحكام على النوازل “لتقع في الوجود على وفاق ما أعطى الدليل من الحكم”(69)، لا بحسب أغراضه وأهوائه، وذلك لأن التدليل مظهر للتعقل، والعقل يضاد الهوى فيلزم منه التجرد من الهوى كلية في إيراد الأدلة وتوقيع مقتضاها على أفعال المكلفين، ولأن المستدل العاقل من وافق قصده قصد الشارع، والشريعة كما هو معلوم مبنية على أصل إخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون متحققا بالعبودية لله كامل التحقق(70). ومن مقاصد الشرع أيضا النظر في مآل الاستدلال، فلا يلقي المستدل بالدليل حتى يتحقق حال مخاطبه ويتبين قدره ويتأكد من غرضه ومقصوده.

2- إيراد الدليل على مقتضى التبليغ العربي:

بحيث يجب تنزيل ألفاظ الدليل على معهود العرب في الاستعمال، أو بعبارة جامعة لابد للتدليل من مراعاة خصوصية البيان العربي فهما وإفهاما. وتفريعا على هذه القاعدة يرى الشاطبي أن الدليل إذا كان “على حقيقته في اللفظ لم يستدل به على المعنى المجازي إلا على القول بتعميم اللفظ المشترك، بشرط أن يكون ذلك المعنى مستعملا عند العرب في مثل ذلك اللفظ”(71).

3- إقامة الدليل على مقتضى الاتباع لا الابتداع:

ومعنى هذه القاعدة أن المستدل مطلوب بالوقوف مع العمل المستمر سواء كان دائما أو أكثريا، وذلك لأن الأدلة بدون اعتبار التشخيص العملي لمقتضاها تبقى مقدرة في الأذهان، بينما المطلوب تحقيقها في الأعيان، كما أن عمل السلف بها يمثل الممارسة النموذجية لمقتضياتها على الوجه الأكمل، فيتعين الجريان على وفق عمل السلف.

وتأسيسا هلى هذه القاعدة يكون المستدل في التفاته إلى نوادر الأعمال وقلائل الأفعال واطراح ما يقتضيه العمل العام، متلبسا بوصف الابتداع، والابتداع كما هو معلوم ليس شيئا سوى مخالفة الأولين في أعمالهم ومفارقة وصف الاقتداء بأفعالهم. فالاتباع مبني على الموافقة، والابتداع ناشئ من المخالفة.

إن موافقة العمل في الاستدلال “شاهد للدليل الذي استدل به، ومصدق له، على نحو ما  يصدقه الإجماع، فإنه نوع من الإجماع فعلي، بخلاف  ما إذا خالفه، فإن المخالفة موهنة له أو مكذبة.

وأيضا فإن العمل مخلص للأدلة من شوائب المحامل المقدرة الموهنة، لأن المجتهد متى نظر في دليل على مسألة احتاج إلى البحث عن أمور كثيرة لا يستقيم إعمال الدليل دونها، والنظر في أعمال المتقدمين قاطع لاحتمالاتها حتما، ومعين لناسخها من منسوخها، ومبين لمجملها، إلى غير ذلك، فهو عون في سلوك سبيل الاجتهاد عظيم، ولذلك اعتمده مالك بن أنس ومن قال بقوله (…) وأيضا فإن ظواهر الأدلة إذا اعتبرت من غير اعتماد على الأولين فيها مؤدية إلى التعارض والاختلاف، وهو مشاهد معنى.

 ولأن تعارض الظواهر كثير مع القطع بأن الشريعة لا اختلاف فيها. ولذلك لا تجد فرقة من الفرق الضالة ولا أحدا من المختلفين في الأحكام لا الفروعية ولا الأصولية يعجز عن الاستدلال على مذهبه بظواهر من الأدلة (…) بل قد شاهدنا ورأينا من الفساق من يستدل على مسائل الفسق بأدلة ينسبها إلى الشريعة المنزهة (…)، فلهذا كله يجب على كل ناظر في الدليل الشرعي مراعاة ما فهم منه الأولون وما كانوا عليه في العمل به، فهو أحرى بالصواب وأٌقوم في العلم والعمل”(72).

وبناءا على هذا النظر المذكور في الحلقة السابقة يشير الشاطبي إلى خصوصية المنهج الاستدلالي عند الإمام مالك رضي الله عنه وميزة هذا المنهج، فقد كان مالك رحمه الله “يراعي كل المراعاة العمل المستمر والأكثر، ويترك ما سوى ذلك وإن جاء فيه أحاديث، وكان ممن أدرك التابعين  وراقب أعمالهم، وكان العمل المستمر فيهم مأخوذا عن العمل المستمر في الصحابة، ولم يكن مستمرا فيهم إلا وهو مستمر في عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم أو في قوة المستمر.

 وقد قيل لمالك أن قوما يقولون: إن التشهد فرض. فقال: أما كان أحد يعرف التشهد؟ فأشار إلى الإنكار عليه بأن مذهبهم كالمبتدع الذي جاء بخلاف ما عليه من تقدم.

وسأله أبو يوسف عن الآذان، فقال مالك: وما حاجتك إلى ذلك؟ فعجبا من فقيه يسأل عن الأذان، ثم قال له مالك: وكيف الأذان عندكم؟ فذكر مذهبهم فيه فقال: من أين لكم هذا؟ فذكر له أن بلالا لما قدم الشام سألوه أن يؤذن لهم، فأذن لهم كما ذكر عنهم. فقال له مالك: ما أدري ما أذان يوم؟ وما صلاة يوم؟ هذا مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولده من بعده يؤذنون في حياته وعند قبره، وبحضرة الخلفاء الراشدين بعده، فأشار مالك إلى أن ما جرى عليه العمل وثبت مستمرا  أثبت في الاتباع وأولى أن يرجع إليه”(73).

4- اعتبار المناط في الاستدلال:

إن الدليل في اقتضائه للحكم إما أن يكون مجرد المناط أو يكون معين المناط، فإن كان الأول صح للمستدل أن يأخذ الدليل على الحكم مجردا عن اعتبار التوابع والإضافات، وإن كان الثاني فلابد للمستدل من اعتبار ما اقترن بالمناط من التوابع والإضافات المخرجة للدليل عن مقتضى الحكم الأصلي(74).

وبناء على هذه القاعدة “لا يصح للعالم إذا سئل عن أمر كيف يحصل في الواقع إلا أن يجيب بحسب الواقع، فإن أجاب على غير ذلك أخطأ في عدم اعتبار المناط المسؤول عن حكمه ، لأنه سئل عن مناط معين، فأجاب عن مناط غير معين”(75)، ولأن “الحكمة اقتضت أن يجاب السائل على حد سؤاله، فإن سأل عن مناط غير معين أجيب على وفق الاقتضاء الأصلي، وإن سأل عن معين فلابد من اعتباره في الواقع”(76).

5- إقامة الاستدلال على مقتضى الوصل بين الكليات والجزئيات:

وتقرير هذه القاعدة أن من الواجب على الفقيه المستدل اعتبار الجزئيات بالكليات “عند إجراء الأدلة الخاصة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، إذ محال أن تكون الجزئيات مستغنية عن كلياتها. فمن أخذ بنص مثلا في جزئي معرضا عن كليه فقد أخطأ”(77)، كما يتعين عليه أيضا اعتبار الكليات بالجزئيات، وإلا أخطأ في الاستدلال وذلك لأمور حاصلها:

– أن العلم بالكلي مستفاد من استقراء الجزئيات(78).

– أن حقيقة الكلي لا وجود لها في الخارج، وإنما هي متضمنة في الجزيئات(79).

– أن الإعراض عن الجزئي في الاستدلال يستلزم الإعراض عن الكلي نفسه، لأن الجزئي “لم يوضع جزئيا إلا لكون الكلي فيه على التمام وبه قوامه”(80).

– أن هذا الإعراض يستلزم  الشك في الكلي ذاته “من جهة أن الإعراض عنه إنما يكون عند مخالفته للكلي أو توهم المخالفة له، وإذا خالف الكلي الجزئي –مع أنا إنما نأخذه من الجزئي- دل على أن ذلك الكلي لم يتحقق العلم به، لإمكان أن يتضمن ذلك الجزئي جزءا من الكلي لم يأخذه المعتبر جزءا منه”(81).

ولضرورة اعتبار الكليات بالجزئيات والعكس أيضا،  “لم يكن بد من الرجوع إلى الجزئي في معرفة الكلي، ودل ذلك على أن الكلي لا يعتبر بإطلاق دون اعتبار الجزئي، وهذا كله يؤكد لك أن المطلوب المحافظة على قصد الشارع، لأن الكلي إنما ترجع حقيقته إلى ذلك، والجزئي كذلك أيضا، فلابد من اعتبارهما معا في كل مسألة”(82).

وبيان لزوم اعتبار الكليات بجزئياتها “أن الحفظ على الضروريات معتبر (وهو أمر كلي) فلم يحصل العلم بجهة الحفظ المعينة، فإن للحفظ وجوها قد يدركها العقل وقد لا يدركها، وإذا أدركها فقد يدركها بالنسبة إلى حال دون حال، أو زمان دون زمان،أو عادة دون عادة، فيكون اعتبارها على الإطلاق خرما للقاعدة نفسها”(83). أما “إذا اعتبرنا في كل رتبة جزئياتها، كان ذلك محافظة على تلك الرتبة وعلى غيرها من الكليات، فإن تلك المراتب الثلاث يخدم بعضها بعضا، ويخصص بعضها بعضا، فإذا كان كذلك فلابد من اعتبار الكل في مواردها وبحسب أحوالها”(84).

لكن تعن للناظر هنا حالتان: حالة التعارض بين أمر كلي وأمر جزئي، وحالة تخلف بعض الجزئيات عن كلياتها، فما العمل في هاتين الحالتين؟

يرى الشاطبي بالنسبة للحالة الأولى أن القاعدة المقررة تقديم الكلي على الجزئي، لأن الأول يقتضي مصلحة كلية، والثاني يقتضي مصلحة جزئية “ولا ينخرم نظام في العالم بانخرام المصلحة الجزئية بخلاف ما إذا قدم اعتبار المصلحة الجزئية، فإن المصلحة الكلية ينخرم نظام كليتها”(85).  وهذا الترجيح يتم طبعا بعد تعذر إمكانية الجمع بينهما في النظر(86).

            وأما الحالة الثانية فإن المقرر فيها أن الكليات لا يقدح فيها تخلف آحاد الجزئيات، وبيان ذلك أن “الغالب الأكثري معتبر في الشريعة اعتبار العام القطعي، لأن المتخلفات الجزئية لا ينتظم منها كلي يعارض هذا الكلي الثابت”(87)، كما أن هذا التخلف قد يكون “لحكم خارجة عن مقتضى الكلي، فلا تكون (أي الجزئيات المتخلفة) داخلة تحته أصلا، أو تكون داخلة لكن لم يظهر لنا دخولها، أو داخلة عندنا لكن عارضها على الخصوص ما هي به أولى” (88).

لتخلف الجزئيات عن كلياتها أحوال تتلخص في الصور التالية:

أ- التخلف الاعتيادي:

 ومثاله أن الأصل في تشريع العقوبات هو حصول الازدجار، لكن العادة قاضية بوجود من لا يرتدع بالعقوبة، فهذا التخلف لا تأثير له في اعتبار الكلي الأصلي.

ب- التخلف الذي يقصد به الحفاظ على نفس الكلي:

فالحفاظ على النفس أصل كلي من الكليات الضرورية، والقصاص شرع للحفاظ على هذا الأصل، لكن يتضمن إتلاف النفس، وبتحقيق النظر يتبين أن ذلك إنما هو من أجل المحافظة على الكلي نفسه لما فيه من صيانة حياة  الأنفس. يقول الشاطبي: “إن حفظ النفوس مشروع –وهذا كلي مقطوع بقصد الشارع إليه- ثم شرع القصاص حفظا للنفوس، فقتل النفس في القصاص محافظة عليها بالقصد، ويلزم من ذلك تخلف جزئي من جزئيات الكلي المحافظ عليه، وهو إتلاف هذه النفس، لعارض عرض وهو الجناية على النفس، فإهمال هذا الجزئي في كليه من جهة المحافظة على جزئي في كليه أيضا، وهو النفس المجني عليها، فصار عين اعتبار الجزئي في كليه هو عين إهمال الجزئي، لكن في المحافظة على كليه من وجهين”(89).

ج- التخلف الذي يكون من أجل الحفاظ على كلي أعظم:

والمثال الموضح له: جواز قتل المسلم الذي تترس به الكفار في الحرب حتى تؤمن غائلتهم ويحفظ الدين، فتجويز قتل المسلم يعارض كلي حفظ النفس، ولكنه يؤول إلى حفظ كلي أعظم منه وهو الدين(90).

د- التخلف الذي يكون لحكم شرعية:

وعلى هذا الأصل يستقيم النظر في سائر المستثنيات والرخص الشرعية، فالعزائم هي في الأصل تجري مجرى الكليات لكونها “لا تختص ببعض المكلفين من حيث هم مكلفون دون بعض ولا ببعض الأحوال دون بعض”(91). بينما الرخصة تنزل منزلة الجزئي المستثنى من كلي العزيمة، لأن حاصلها ما شرع لعذر شاق استثناه من أصل كلي يقتضي المنع، مع الاقتصار على مواضع الحاجة”(92). وهذا كالقصر والفطر بالنسبة إلى الصلاة والصوم.

والحاصل من هذه القاعدة الاستدلالية أنه من الضروري اعتبار التلازم الوظيفي بين الكليات والجزئيات عند تحقيق النظر والاجتهاد، فلا ينظر في الكليات إلا على مقتضى التخصيص والتشخيص، لأن الجزئيات هي مجلى تحقق العلم بالكليات، ولا ينظر في الجزئيات إلا على مقتضى التعميم والتجريد، لأن الكليات تقوم مقام القانون المستفاد من آحاد الجزئيات والحاكم عليها. وعلى هذا لا يصح للناظر “إهمال النظر في هذه الأطراف، فإن فيها جملة الفقه، ومن عدم الالتفات إليها أخطأ من أخطأ. وحقيقته نظر مطلق في مقاصد الشارع وأن تتبع نصوصه مطلقة ومقيدة أمر واجب، فبذلك يصح تنزيل المسائل على مقتضى قواعد الشريعة، ويحصل منها صور صحيحة الاعتبار”(93).

الهوامش: 


(53) النجم، 42.

(54) النحل، 89.

(55) الانعام، 38.

(56) الموافقات، 3/31.

(57) نفسه، 3/29.

(58) نفسه، 3/30.

(59) الموافقات، 3/31.

(60) نفسه، 3/33.

(61) نفسه، 3/31.

(62) نفسه، 3/32.

(63) نفسه، 3/32.

(64) نفسه، 4/247.

(65) المقصود بمادة الاستدلال جملة العناصر التداولية المضافة للدليل كالمستدل والمستدل له ومقام التدليل ومضمون الدليل وسياق الدليل وغير ذلك مما له دخل في إلزامية الدليل وإنتاجيته.

(66) الرد على المنطقيين، ص 113.

(67) نفسه، ص 201.

68) لا يعني هذا أن التدليل في غير المجال الشرعي غير منضبط بقواعد استدلالية معينة، وإنما المقصود أن الاختصاص المذكور يعود إلى طبيعة القواعد الضابطة للتدليل الشرعي، وليس إلى الانضباط  نفسه.

(69) الموافقات، 3/57.

(70) نفسه، 3/57.

(71) نفسه، 3/39.

(72) الموافقات، 3/56-57.

(73) الموافقات، 3/48.

(74) نفسه، 3/58.

(75) نفسه، 3/62.

(76) الموافقات، 3/62-63.

(77) نفسه، 3/5.

(78) نفسه، 3/5.

(79) نفسه، 3/6.

(80) نفسه، 3/6.

(81) نفسه، 3/6.

(82) الموافقات، 3/6.

(83) نفسه، 3/7.

(84) نفسه، 3/8.

(85). الموافقات، 1/242.

(86) نفسه، 3/6.

(87) نفسه، 2/41.

(88) نفسه ، 2/41.

(89) الموافقات ، 2/49.

(90) انظر شرح تنقيح الفصول، ص 446.

(91) الموافقات، 1/223.

(92) نفسه، 1/224.

(93) نفسه، 3/11.

اظهر المزيد

د. إدريس غازي

• خريج دار الحديث الحسنية ـ الرباط.
• دكتوراه في الدراسات الإسلامية، جامعة سيدي محمد بن عبد الله ـ فاس، في موضوع: "أصل ما جرى به العمل ونماذجه من فقه الأموال عند علماء المغرب".
• دبلوم الدراسات العليا من دار الحديث الحسنية، الرباط، في موضوع: "المنهجية الأصولية والاستدلال الحجاجي في المذهب المالكي".
من أعماله:
ـ الشاطبي بين الوعي بضيق البرهان واستشراف آفاق الحجاج.
ـ في الحاجة إلى تجديد المعرفة الأصولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق