مركز أبي الحسن الأشعري للدراسات والبحوت العقديةدراسات عامة

الاسم الإلهـي والقيمة الروحية (1)

في طفولتي كنت شغوفا بحديث أسماء الله الحسنى وإحصائها (=إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا ، من أحصاها دخل الجنة)()، خُـيّل إلي أن دخول الجنة سهلٌ يسير، فمن منا لا يستطيع أن يحفظ تسعة وتسعين اسما مع استظهارها في مجلس واحد، إن العمل يخلو من كل جهد ومشقة، بل كان الحفظ ماتعًا عند استعانتي بالأداء الصوتي الآسر للشيخ سيد نقشبندي، ومع ذلك كان في نفسي شيء من هذا العمل الهيّن، ففي بداية الطلب شرعَتْ الشكوك تعتريني من معنى الإحصاء الذي يدل على التعداد والحفظ، لاسيما في ملاحظتي لهؤلاء الحافظين الذين لا يتسمون بأية قيمة تفاضلية، وكأن الإحصاء الذي ورد في الحديث الشريف لا علاقة له بمعنى الحساب والعدّ.

إن هذه الشكوك لم تدم طويلا معي، فمع تطور بحثي في كتب علم الكلام والتفاسير وشروح الحديث والفلسفة والتصوف شرع تصوري لدلالة الإحصاء في التوسع والاغتناء، فقد اكتشفتُ أن موضوع أسماء الله الحسنى حقلٌ معرفي مستقل وقائم بنفسه، وصُنّفت فيه المؤلفـات بكثرة في كل ربوع العالم الإسلامي عبر مراحله التاريخية، وتعددت معاني ودلالات الإحصاء بحسب فنون العلم، وتفرّعت عنه مباحث ومسائل وإشكالات جمّة، فنظـرُ المتكلم() يختلف عن تأمّل الفيلسوف، وبحوث اللغوي تتميّز عن وجدانيات المتصوف، وتأويلات مُـفسّر القرآن مباينة لدراية المحدّث، والعجيب أن موضوع أسماء الله الحسنى لم يكن مقتصـرا على هذه الميادين المعرفية المشروعة، بل تناولته مجالات أخرى مثل السيمياء والسحر وغيرهما.

بيد أن أجلّ المسائل وأكثرها نفاسة هي تلك التي وقفت عليها في كتاب «روضة التعريف بالحب الشـريف»، فقد ساق صاحب هذا السِّفر الجليل ثلاثة أضرب من الإحصاء، أولها الإحصاء التعلقي، ثم الإحصاء التخلقي، ثم الإحصاء التحققي()، ومن الغرابة أن لا أحد منها يعني الحساب والعدّ والحفظ، ومن وقوفي على هذه المستويات شرع مفهوم الإحصاء يتضح في ذهني أكثر، لا أقصد بالوضوح هنا انكشاف المعنى وتبيّن الدلالة، وإنما اتساقه مع معقولية دخول الجنة.

إن هذا لا يعني تقليلي من شأن الحساب والحفظ، وإنما رفعي من شأن سموّ المعرفة بأسماء الله الحسنى وتكيّف الذات بحقائقها، ما الفرق بين الذي يستظهرها والذي لا يفعل؟ إن قضية الاكتفاء بقدرتي على سردها، لم يكن مقنعا وكافيا في تحقيق مقصد هذه المعرفة، إننا إذا قلنا بذلك دعّمنا فكرة بعض الذين جحدوا الوجود الإلهي بمقولتهم «لاشيء سيتغيّر إذا كان الله غير موجـود»()، ففكرتهم عن الحقيقة الإلهية أنها لا تتجاوز التصور الذهني، ما يعني أن الإيمان مجرد فكرة في الرأس، تترجمها كلمـات في اللسـان ـ حتى أن الفيلسوف الفرنسـي جون بول سارتر (ت. 1980م) مع انتمائه للوجودية الملحدة، اعترض في كتابه «الوجودية منزع إنساني» على الفكرة بإثباته أن ثمة فرقا على مستوى الرؤية الوجودية للإنسان ـ لكننا إذا تأملنا في مقولة هؤلاء بإنصاف سنجدها صائبة إذا نحن اكتفينا بالمعرفة الخالصة والخالية من أي أثر إنساني ملموس، أما إذا علمنا أن القصد هو إحداث ثورة روحية في الذات وتحقيق تحوّل نفسـي جذري أدركنا حينها القيم الروحية والمقومات الأخلاقية الحيّة المنبثة في هذه الأسماء الحسنى.

وحتى ندرك الفرق العميق بين مستوى الحفظ أو الاستظهار، والضـرب الأول من الإحصاء الذي أشرنا إليه سابقا، أي الإحصاء التعلّقي، لننصت لما يذكره صاحب «روضة التعريف» بأسلوب في غاية الإقناع والإمتـاع، يقول: «أما إحصاؤهـا تعلّـقاً فبأن يُطلَب كلُّ واحد منها في نفسِه وبدنه وجميع قواه ومجامع حالاته وهيآتها الجسمانية والنفسانية، وفي جملة تطوراته وتنوعات ظهوراته، نوما ويقظة، وقياما وقعودا، وطاعة ومعصية، وقبضا وبسطا، وصحة وسقمـا، ورضى وغضبا، ولذة وألمـا، وغنى وفقرا، ونحو ذلك. فترى جميع ذلك من أحكام هذه الأسماء، ويضيف كل ما يظهر من ذلك إليها وإلى آثارها، فيقابل كل واحد بما يليق به، من شكر، أو صبر، أو ملق، أو عذر، أو استكانة، أو خضوع، أو استحياء، أو تذلل، أو التجاء، أو انكسار، أو نحو ذلك من أوصاف العبودية..» ().

إن معنى الإحصاء هنا يقطع مع كل أشكال المعرفة التجريدية، فنحن كما نلاحظ في هذا الضرب من الإحصاء أمام ذات إنسانية تحيـا بمعاني الألوهية بدل الاقتصار على تعقّلهـا في سرد الأسماء أو الترنّم بهـا، وكأن شعورنا بالجلال الإلهي لا يظل حبيس الوجدان والشعور، بل يسري في كل تفاصيلنـا ويغطي جميع حياتنا، وأن عمليات التلفظ بالاسم أو النداء به أو اتخاذه وِردًا يوميا مع أسماء أخرى لا تعدو أن تكون وسائل لتكييف معنـاه وجعلِه حقيقة حيّة وواقعة عبر جُهد التحقق ومكابدة التخلّق.

إن هذا الرأي في الإحصاء التعلّقي يذكرنا برأي آخر لأحد المشتغلين بموضوع تلمّس الجانب الروحي في الأسماء الحسنى، وأقصد ابن بـرّجـان (ت.536هـ)، فقد اقترح هذا الأكسيولوجي الكبير تقسيما بديعا ومبتكرا لممارسة فعل الإحصاء، يبدو الاسم الإلهي في خطابه وكأنه يَعبُر في الذات الإنسانية حتى يصير حقيقة روحية عبر سبع مراحل: مرحلة أولى هي استخراج معنى الاسم الإلهي، ومرحلة ثانية هي معرفة خواص بعضه عن بعض وتمييز مفهومه عن الآخر، والمرحلة الثالثة هي معرفة رجوعه إلى الصفات العلى، والمرحلة الرابعة هي استقراء معانيه في العالم وآثاره في مصانع الله، والمرحلة الخامسة هي معرفة التعبد بمقتضاه وموقعه من العبادات على سبيل الأمر والنهي، والمرحلة السادسة هي أخذ النفس بالعمل بما يوافق التخلق به، ثم الأخيرة المتمثلة في التحقق الروحي به().

إن وقوفي على هذه الدلالات الغنية لم يوقف مجموع شكوكي في معنى الإحصاء، فبالرغم مما تنطوي عليه كل هذه المعارف من ثراء أخلاقي، واكتشافي أن علوم الاسم الإلهي ليست محصورة في التعرف على الله بالعقل والنظر، بل بالممارسة والجهد والعمل، وأن أسماءه الحسنى تنتهي تحققاتهـا في السمو بالذات الإنسانية إلى الرحمة واللطف والغفران والجمال والحكمة والعلم…الخ، إلا أن هذا لم يكن كافيا في غلق ملف الإحصاء.

إننا إذا تدبرنا القرآن الكريم رأينا أن أسماء الله الحسنى تشغل منه جانبه الجوهري على مستوى المعنى، فمحور العالم القرآني هو الذات الإلهية التي تتجلى بأفعالها وتذكرنا بأسمائها، ولم نتعرف على الله إلا بهـا، فهي تتوسط الآيات، وتُفتتح بها، وتنتهي في ثنائيات مقترنة، والكثير منا يمرّ بها دون مساءلة منزلتها وعلاقتها بدلالة الآية والقصد من إثباتها وترسيخها، مع أن حضورها يوحي بأنها سـرُّ كل حكم إلهي، سواء كان كونيا أو شرعيا، وأنها مقصد المقاصد، فمقصد الخطاب الإلهي لا ينتهي في الضروريات الخمس كما عبّر عنه علم المقاصد، فكل تشريع حتى الدنيوي منه ينطوي على هذه المقاصد التي تصير وسائل في حق الاسم الإلهي.

إن تطور اكتشافي للمنزلة التي يشغلها الاسم الإلهي في أسرار التكليف، فرض علي استشكال التحقق من جانب آخر، وهو التحقق الجمــاعي بدل حصـر التخلّق في المحيط الفردي، إن هذا الإشكال يتضمن معنى استدلاليا نادرا ما انتبهت له العقلانية الكلامية، وهو أن الأمة الإسلامية طبيعتها عملية، لأن القرآن كما يذكر الفيلسوف الإسلامي محمد إقبال يُعنى بالعمل()، وإذا كان الاسم الإلهي مقصد مقاصد كتابه، فمعناه أن كل حقيقة من حقائقه يجب أن تنكشف بالعمل، وليس بالسجال والجدل، وهذا ما تقتضيه علوم الاسم الإلهي ومقتضياتها الروحية.

إن الاستدلال على وجود الله يختلف من سياق الفرد إلى سياق الجماعة، فإذا كان في السياق الأول يبدأ في الخطاب وينتهي فيه، فهو في سياق الجماعة يفقد معناه إذا افتقد تحقّقاته العملية، فإذا كان الله تعالى جميلا، رحيمـا، عالمـا، حكيمـا، عدلا، غفورا،…الخ وافتقد المجتمع المؤمن كل هذه المعاني على المستوى الملموس، يصبح حينها الحِجاج اعتباطيا، وإذا كان الوعي الجماعي يتباين كذلك عن الوعي الفردي فالطارئ فيه كذلك يتمايز، أي أن الاسم الإلهي يقتضي منا سياقا ملائما للتحقق، وهذه الفكرة من أغنى ما قدمه محمد إقبال في عمله الرائع «تجديد الفكر الديني في الإسلام».

تختلف مقاربة موضوع أسماء الله باختلاف العصور ومقاييسها المعرفية()، فبحسب ما تستجد في نظرية الوجود والمعرفة والقيم من إمكانات حديثة يمكن تطوير هذا الموضوع والكشف عن جوانبه الخصبة، وهذا ما نلمسه عند محمد إقبال، ففي فصلٍ خصّصه للألوهية()، نقف على أنماط جديدة من التفكير دفعت هذا الفيلسوف إلى معالجة صفات العلم والقدرة والإرادة على اعتبار ما ظهر من تحولات في الوعي الإنساني العـام.

فتطوير النظر في الاسم الإلهي في علاقته بالقيمة الروحية يجد أساسه الإبستيمولوجي في كل المرجعيات في منهجية قياس الغائب على الشاهد أو منهج المماثلة، فإذا كانت معرفتنا بالألوهية قامت على وسائط من عالم الشهادة في تحصيل إدراك الغيب، فمعناه أن معطيات الشهادة تختلف بحسب تاريخ الفكر وأطواره، وما نلاحظه هو أن مجموع هذه الوسائط كما استثمرها القدماء خضعت لتحولات نظرية كبرى، فتصورنا لمقولات المعرفة يختلف عن تصوراتهم().

يتبين لنا إذن مما عرضناه أن مسيرة الاسم الإلهي في طريق الفهم والتفهّم طويلة، وشاقة، مثلما نرى في مسارها التحولي من تلفظ لساني فمعنى ذهني ثم قيمة روحية إلى غاية التحقق الخلقي العـام، إننا لم نقف على مفهوم الاسم، ولا مفهوم القيمة، ولم نستشكل أن القيمة معنى حديث علينا البحث عن مقابله في تراثنـا، وهل فرضية انفصال القيمة والحقيقة كما عرفه التفكير الفلسفي الغربي منعدم في موروثنا الروحي ولم يعرفه العقل الإسلامي؟ وما معنى تجدد القيمة؟ هل هي في القديم غيرها في العصـر الراهن؟ وكيف يتحول الاسم الإلهي إلى قيمة روحية حية؟ وما معنى تحقق الاسم الإلهي في النظم الاجتماعية؟

كل هذه الأسئلة وغيرها سنحاول مناقشتها في المقالات القادمة، فموضوع الاسم الإلهي كما يبدو مبحث متشابك، يكفي أن نعلم أن الفيلسوف المصري المعروف زكي نجيب محمود الذي ترحّل في مدارس فلسفية مختلفة، وعرف كل تياراتها ومذاهبها، وابتدأ مساره الفلسفي وضعياً حتى إنه صنّف عملا في ذلك عنونه بـ«خرافة الميتافيزيقا»، انتهى بعد كل هذه الرحلة إلى الإيمان العميق بأننا «بأسماء الله الحسنى نستطيع أن نرسم خريطة للأخلاق الإسلامية»().

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق