مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراثغير مصنف

الإعلام بحدود قواعد الإسلام

للقاضي أبي الفضل عياض بن موسى اليحصبي السبتي(ت544هـ)

يندرج كتاب«الإعلام بحدود قواعد الإسلام» للإمام القاضي أبي الفضل عياض بن موسى اليَحْصُبِي السبتي(ت544هـ) في خانة التصانيف التي تبرز اهتمام علماء الإسلام بتعليم النشء وتلقينه تعاليم الإسلام وأخلاقه، وما ينبغي على المعلّمين تعليمه للصغار، على غرار الرسالة الفقهية لابن أبي زيد القيرواني(ت386هـ)، ومختصر علي  بن عبيد الطّليطلي(من علماء القرن الرابع الهجري)، و«مواهب المنّان فيما يتأكد على المعلّمين تعليمه للصّبيان» للسلطان سيدي محمد بن عبد الله العلوي(ت1204هـ)، وغيرهم.

ونجد هذا الاستشعار بالمسؤولية تجاه الصّبيان في هذه الرّسالة من خلال كشف مؤلفها عن سبب وضعها، وذلك في مستهلّها بقوله:«أيها الراغبُ في الخير، الحريصُ على تدريب المتعلّمين لوجوه البرّ؛ فإنك سألتني في جمع فصول سهلةِ المأخذ، قريبةِ الـمَرَام، مفسرةٍ حدود قواعد الإسلام»، ويظهر من خلال وَسْم الرسالة ورسمها أن القاضيَ عياضا رام فيها بيان أركان الإسلام الخمسة وقواعده التي ينبني عليها؛ المذكورة في حديث ابن عمر المشهور وهي: الشّهادتان، والصّلاة، والزّكاة، والصّيام، وحجّ البيت.

وزاد من قيمة الرسالة على وَجازتها واختصارها كونها حَوَت أحكام العقائد والعبادات التي لا يسع المسلم جهلها، ومشى المصنِّف على تسمية الأركان الخمسة بالقواعد، فيقول:«قاعدة»، ثم يتكلم عليها بكلام يكشف ما ينضوي تحتها من مسائل وفروع وتنبيهات مهمة، ويتبعها بالقاعدة التي تليها حسب ورودها في الحديث المشار إليه، فتحدث عن الشهادتين اللّتين هما ركيزة عقيدة المسلم، فقسّمهما إلى أربعين عقيدة؛ عشرٌ يُعتقد وجوبها، وعشر يُعتقد استحالتها، وعشر متحقَّقٌ وجودها، وعشر متيقَّنٌ ورودها.

ولما كانت الصلاة أعظمَ أركان الإسلام بعد الشهادتين فصّل القول فيها في القاعدة الثانية بما لا يخرج عن مقصده في الكتاب، فبيّن أقسامها، وأسبابها، وشروط وجوبها، وفرائضها وسننها ومستحباتها ومكروهاتها ومفسداتها، وصلاة الجمعة والجماعة وأحكامهما، وصلاة العيدين والجنازة وما يتعلق بهما، وختم هذه القاعدة بالحديث عن الطهارات وأحكامها؛ لأنه لا يمكن الحديث عن الصّلاة دون الحديث عن الطّهارة.

وتحدث في القاعدة الثالثة عن الصيام؛ فرضه، ونفله، ومستحبه، ومكروهه، ومحرمه، وشروط وجوبه، ومفسداته، ومكروهاته، والأعذار المبيحة والموجبة للفطر، وغير ذلك مما له صلة بهذه الشّعيرة.
وفي القاعدة الرابعة بيّن أهمّ أحكام الزّكاة وشروط إخراجها، وموانعها، وآدابها، ومستحقيها، وألمح في نهاية القاعدة إلى شيء من أحكام صدقة الفطر.

وأما القاعدة الخامسة، فبيّن فيها أحكام الحجّ؛ شروطَ وجوبه، وأركانه، وأنواعه، وسننه، ومستحباته، وفضائله، ومحظوراته، ومكروهاته، وما يتعلق بذلك من الأحكام التي يتوجب على قاصدي البيت معرفتها، كل ذلك وفق مشهور مذهب الإمام مالك والصّحيح من أقواله.

وامتازت الرّسالة بأسلوبها الجَزْل، وبيانها الفَصْل، مع بديع رصفها، ودقة ترتيبها، فكانت ـ كما قال مؤلفها ـ سهلة المأخذ، قريبة المرام، وهو ما جعل العلماء من بعده يحتفون بها، ويَنكَبُّون على درسها وشرحها، كما هو صنيعهم مع سائر مؤلّفاته رحمه الله التي وصفها ابن الأبَّار بأنها:«تواليف مفيدة كتبها الناس وانتفعوا بها، وكثر استعمال كل طائفة لها»، ومثله قول ابن فرحون:«وله التصانيف المفيدة البديعة».

فلم يلزم نفسه استعراض المسائل والاحتجاج لها بالأدلة والبراهين، بل يذكر المسألة مجردة بما يسهل على الفئة المخاطَبة فهمها، وليس من العجب أن ينقل العلماء عن هذه الرسالة ويعتمدوا أقوال مؤلّفها الصائبة، وآرائه الراجحة كمحمد بن يوسف العبدري الشهير بالمواق(ت897هـ) في كتابه«التاج والإكليل لمختصر خليل»، وأبي عبد الله الحطاب(ت954هـ) في«مواهب الجليل»، ومحمد بن عبد الله الخرشي(ت1101هـ) في«شرح مختصر خليل»، بل انبرى بعضهم لشرحها وفك ألفاظها وعباراتها، فشرع أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن التميمي الكرْسوطي الفاسي (من علماء القرن السابع) في وضع تقييد عليها.

  وشرحها الفقيه العلامة أبو العباس أحمد بن قاسم القَبَّاب الفاسي(ت779هـ) شرحا نفيسا يعتبر من أحسن ما وصل إلينا منها، ولا زال مخطوطا،  ولأحمد بن يوسف بن علي البُرلُّسي الأقطع(ت891هـ أو 901هـ)، شرحٌ أيضا لم يكمله، كما شرع الحطاب(ت954هـ) في شرحها وصل فيه إلى القاعدة الثانية.

صدر كتاب الإعلام بحدود قواعد الإسلام بتحقيق العلاّمة المحقق محمد بن تاويت الطنجي رحمه الله(ت1974م) في عدة طبعات آخرها سنة1428هـ/2007م، عن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب، وصدرت أيضا هديةً مع مجلة الأزهر في ذي الحجة 1410هـ/1989م بتحقيق الشيخ أحمد حسن جابر رجب، كما طبعت عن دار الفضيلة بالقاهرة بتحقيق محمد صديق المنشاوي السُّوهاجي بدون تاريخ.

    

الكتاب الإعلام بحدود قواعد الإسلام.
المؤلف أبو الفضل عياض بن موسى اليحصبي السّبتي(ت544هـ).
مصادر ترجمته  التعريف بالقاضي عياض لولده أبي عبد الله محمد، الصلة(2/453)، معجم ابن الأبار(ص294)، الإحاطة(4/222)، الديباج المذهب(2/43)، أزهار الرياض.
تحقيق محمد بن تاويت الطنجي ط7/ 1428هـ ، 2007م.
دار النشر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب.
الثناء على المؤلف قال ابن الأبار:«وله تواليف مفيدة كتبها الناس وانتفعوا بها، وكثر استعمال كل طائفة لها».

 

إعداد: ذ. جمال القديم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق