مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكدراسات عامة

الإرشاد إلى تقريب الاعتقاد

إعداد:

الدكتور عبد الله معصر، رئيس مركز دراس بن إسماعيل

الدكتور مولاي إدريس غازي، باحث بمركز دراس بن إسماعيل.

(فصل) في بيان الإسلام وقواعده والإيمان والإحسان والدين أخذا من حديث الصحيحين عن أبي هريرة وعمر بن الخطاب، ولفظ مسلم عن عمر: (بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخديه وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا، قال: صدقت، قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه، قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان، قال أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال فأخبرني عن الساعة، قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، قال: فأخبرني عن أماراتها، قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان، قال: ثم انطلق فلبثت مليا، ثم قال: يا عمر أتدري من السائل؟ قلت الله ورسوله أعلم، قال فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم ). وفي رواية له عن أبي هريرة قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سلوني، فهابوا أن يسألوه، فجاء رجل فجلس عند ركبتيه) الحديث. وعند النسائي عن أبي هريرة وأبي ذر معا: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس بين ظهراني أصحابه فيجيء الغريب فلا يدري أهو هو حتى يسأل، فطلبنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن نجعل له مجلسا يعرفه الغريب إذا أتى، فبنينا له دكانا من طين يجلس عليه، وإنا لجلوس عنده إذ أقبل رجل أحسن الناس وجها، وأطيب الناس ريحا، كأن ثيابه لا يمسها دنس، حتى سلم من طرف السماط، قال: السلام عليكم يا محمد، فرد عليه صلى الله عليه وسلم السلام فقال: أأدنو يا محمد، فقال أدنه، فما زال يقول أأدنو مرارا، ويقول أدنه، حتى وضع يده على ركبتي النبي صلى الله عليه وسلم )الحديث. وللبخاري ومسلم في حديث أبي هريرة زيادة:(ولقائه في الإيمان). ولمسلم في رواية عند ذكر أشراط الساعة: (أن تلد الأمة بعلها )،وله في رواية أبي هريرة: (وإذا رأيت الحفاة العراة الصم البكم ملوك الأرض فذاك من أشراطها)، وله في أخرى: (وإذا كانت الحفاة العراة رؤوس الناس فذاك من أشراطها)، ولهما بعد ذكر تلك الأشراط :(في خمس لا يعلمهن إلا الله، ثم تلا: ((إن الله عنده علم الساعة)) الآية، ثم أدبر الرجل، فقال: ردوه فلم يروا شيئا، فقال: هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم )، وفي رواية لمسلم: (أراد أن تعلموا إذ لم تسألوا)، وفي البخاري قال أبو عبد الله: فجعل ذلك كله دينا.

قال العلماء: علوم الشريعة كلها راجعة إلى هذا الحديث ومتشبعة منه، فهو حقيقي أن يسمى أم السنة كما سميت الفاتحة أم القرآن، لتضمنها جل معانيه. ثم اعلم أن الإسلام لغة الانقياد والاستسلام، وشرعا اسم للنطق بالشهادتين أو ما يقوم مقامه كما يفيده كلام عياض، ويطلق شرعا بمعنى الفرد الكامل فيكون اسما لطاعة جميع الجوارح قولا وفعلا ظاهرا وباطنا، وبهذا فسره الناظم حيث قال: (وطاعة الجوارح)، أي الكواسب، جمع جارحة، وهي اللسان، والعينان، والأذنان، واليدان، والرجلان، والبطن، والفرج، (الجميع قولا وفعلا) يشمل عمل القلب كالنية والاعتبار، ونصبهما حال من المبتدأ، أي طاعةً عند من جوزه، أو على حذف الجار أي الطاعة بالقول والفعل، (هو) ويجوز أن يقال هي لتوسطه بين مؤنث ومذكر (الإسلام الرفيع)، أي الكامل، فإن لم تكن الطاعة بجميع الجوارح بل ببعضها فقط فليس بإسلام كامل، بل إما أن يسمى إسلاما ناقصا، أو يكون غير إسلام أصلا، لأن هذه الطاعة بالبعض إن كانت طاعة اللسان بالنطق بالشهادتين فقط، أو مع طاعة بعض الجوارح الباقية دون بعض، أو في بعض التكاليف دون بعض فإسلام ناقص، وإن  كانت طاعة بغير اللسان دون النطق بالشهادتين حقيقة  أو حكما كما سبق تحقيقه  فليست بإسلام أصلا، وبكون الإسلام شرعا بالنظر إلى حقيقته إنما هو النطق بالشهادتين من غير اعتبار بقية الأعمال إلا في الفرد الكامل منه يندفع السؤال الوارد على تفسيره في الحديث بالأركان الخمسة، بأن يقال يلزم عليه أن لا يكون مسلما إلا من فعل جميعها، ومعلوم أن الأمر ليس كذلك لحديث:(من قال لا إله إلا الله دخل الجنة)، ومعلوم أنه لا يدخلها إلا مسلم، فقد جعل النطق وحده كافيا في الإسلام، والمراد النطق بالشهادتين معا، لأن لا إله إلا الله عبارة عنهما من باب الاكتفاء، فكأنه قيل: من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله دخل الجنة. وحاصل الاندفاع أنه حيثُ فُسِّر الإسلام بعمل الأركان الخمسة كما في حديث جبريل المذكور فالمراد تفسير الإسلام الكامل، وهو الذي عبر عنه الناظم بالرفيع، وحيث دل على حصول الإسلام بمجرد النطق بالشهادتين فالمراد مطلق الإسلام وأقل ما تتحقق به ماهيته، فإن قلت تلخص إذن أن الإسلام الكامل على ما فسره به في حديث جبريل هو الأركان الخمسة، فمن أتى بها فقد حصل الإسلام الكامل،  والناظم  شرط في حصول الإسلام الرفيع عمل جميع الجوارح الظاهرة والباطنة قولا وفعلا. قلت الاقتصار في حديث جبريل على الأركان الخمسة لأهميتها وتأكيدها وكونها معظم خصاله على حد (الحج عرفة)، لا لكفايتها في حصول مسمى الإسلام الكامل، بدليل حديث ابن أبي شيبة عن أنس مرفوعا (الإسلام علانية والإيمان في القلب )، فشمل قوله الإسلام علانية جميع الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة.

شرح العالم العلامة البحر الفهامة شيخ الشيوخ سيدي محمد الطيب بن عبد المجيد المدعو ابن كيران المولود سنة 1172هـ المتوفى بمدينة فاس 17 محرم سنة 1227 على توحيد العالم الماهر سيدي عبد الواحد بن عاشر قدس الله سرهما آمين، ص 119 .

(طبع على نفقة الحاج عبد الهادي بن المكي التازي التاجر بالفحامين)

مطبعة التوفيق الأدبية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق