مركز عقبة بن نافع للدراسات والأبحاث حول الصحابة والتابعينشذور

الآثار في صفة الصحابة الكرام رضي الله عنهم (3)

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم»([1]).

من المعلوم أن الله جل شأنه رأفة بعباده اختار محمدا صلى الله عليه وسلم فبعثه برسالته الخالدة للناس، واختار له أصحابا جعلهم أنصارا لدينه ووزراء لنبيه ونموذجا لكل مسلم يريد القرب من الله؛ فبذلوا نفوسهم وأموالهم ومهجهم في سبيل الله وإعلاء كلمته وتبليغ رسالته، فصاروا بقيادة أفضل الأنبياء: الصـراط المستقيم الذي نسأل الله سبحانه أن يهدينا إليه، فقائدهم أفضل الأنبياء، وهم صفوة الخلق بعد الأنبياء، والمرسلين، فهم خير الصديقين، وأفضل الصالحين، وأعظم المجاهدين، وسادة الشهداء. قال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}([2]).

فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: «إِنَّ اللهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَاصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ، فَابْتَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ، فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَجَعَلَهُمْ وُزَرَاءَ نَبِيِّهِ، يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينِهِ، فَمَا رَأَى الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا، فَهُوَ عِنْدَ اللهِ حَسَنٌ، وَمَا رَأَوْا سَيِّئًا فَهُوَ عِنْدَ اللهِ سَيِّئٌ»([3]).

ويعتبر الصّحابة الكرام خير خلق الله تعالى بعد الرّسل والأنبياء، اختارهم الله عز وجل لصحبة نبيّه مُحمد صلى الله عليه وسلم، فهم أكثر هذه الأمة فهماً وعلماً، والأطهر قلوباً، زُهّادٌ بالحياة الدنيا، توّاقون للآخرة، وقد وردت في القرآن الكريم وفي السّنة المُطهّرة آياتٌ وأحاديث تُبيّن فضلهم ومكانتهم. فقد اصطفاهم الله سبحانه وتعالى من بين الخلق ليكونوا سنداً لرسول الله عليه الصلاة والسلام، فهم خير الناس بعد الأنبياء والمرسلين، وهم أعف الناس يداً، وأخلصهم عملاً، وأصدقهم طوية، وأطهرهم قلوباً، وهم الذين استرخصوا في سبيل نصـر الدِّين أنفسهم وأموالهم! وفارقوا أهلهم وأوطانهم! حين ضنَّ غيرهم بالنفس والمال، واستثقلوا مُفارقة الأهل والولدان، فلا كان ولا يكون مثلهم والله! وهم من بذلوا الغالي والنّفيس في سبيل نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذّب عن دينه، فلاقَوا أشد أنواع العذاب، وصبروا وتحمّلوا، الجوع والخوف وشظف العيش.

أخرج البخاري([4]) عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال:  « لَقَدْ رَأَيْتُ سَبْعِينَ مِنْ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ عَلَيْهِ رِدَاءٌ، إِمَّا إِزَارٌ وَإِمَّا كِسَاءٌ، قَدْ رَبَطُوا فِي أَعْنَاقِهِمْ، فَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ نِصْفَ السَّاقَيْنِ، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ الكَعْبَيْنِ، فَيَجْمَعُهُ بِيَدِهِ، كَرَاهِيَةَ أَنْ تُرَى عَوْرَتُهُ».

وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّا كُنَّا نَشْبَعُ مِنَ التَّمْرِ فَقَدْ كَذَبَكُمْ فَلَمَّا افْتَتَحَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُرَيْظَةَ أصَبْنَا شيئا من التَّمرِ و الْوَدَكِ([5])» ([6])

وأخرج البخاري([7]) عن عائشة رضي الله عنها: أن رجلاً دخل عليها وعندها جارية لها، عليها دِرْع ثمنه خمسة دراهم، فقالت: « ارْفَعْ بَصَرَكَ إِلَى جَارِيَتِي انْظُرْ إِلَيْهَا، فَإِنَّهَا تُزْهَى([8]) أَنْ تَلْبَسَهُ فِي البَيْتِ، وَقَدْ كَانَ لِي مِنْهُنَّ دِرْعٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ تُقَيَّنُ([9]) بِالْمَدِينَةِ إِلَّا أَرْسَلَتْ إِلَيَّ تَسْتَعِيرُهُ».

وأخرج الإمام أحمد في المسند([10]) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ: قَالَ فَتًى مِنَّا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ لِحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ، رَأَيْتُمْ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَحِبْتُمُوهُ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا ابْنَ أَخِي، قَالَ: فَكَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟ قَالَ: وَاللهِ لَقَدْ كُنَّا نَجْهَدُ، قَالَ: وَاللهِ لَوْ أَدْرَكْنَاهُ مَا تَرَكْنَاهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ، وَلَجَعَلْنَاهُ عَلَى أَعْنَاقِنَا، قَالَ: فَقَالَ حُذَيْفَةُ: يَا ابْنَ أَخِي، وَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْخَنْدَقِ، وَصَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ اللَّيْلِ هَوِيًّا، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْنَا فَقَالَ: «مَنْ رَجُلٌ يَقُومُ فَيَنْظُرُ لَنَا مَا فَعَلَ الْقَوْمُ يَشْرُطُ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ يَرْجِعُ أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ»، فَمَا قَامَ رَجُلٌ، ثُمَّ صَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَوِيًّا مِنَ اللَّيْلِ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْنَا فَقَالَ: «مَنْ رَجُلٌ يَقُومُ فَيَنْظُرُ لَنَا مَا فَعَلَ الْقَوْمُ، ثُمَّ يَرْجِعُ يَشْرِطُ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّجْعَةَ، أَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَكُونَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ»، فَمَا قَامَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ مَعَ شِدَّةِ الْخَوْفِ، وَشِدَّةِ الْجُوعِ، وَشِدَّةِ الْبَرْدِ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ أَحَدٌ دَعَانِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ يَكُنْ لِي بُدٌّ مِنَ الْقِيَامِ حِينَ دَعَانِي، فَقَالَ: «يَا حُذَيْفَةُ، فَاذْهَبْ فَادْخُلْ فِي الْقَوْمِ فَانْظُرْ مَا يَفْعَلُونَ، وَلَا تُحْدِثَنَّ شَيْئًا حَتَّى تَأْتِيَنَا»، قَالَ: فَذَهَبْتُ فَدَخَلْتُ فِي الْقَوْمِ، وَالرِّيحُ وَجُنُودُ اللهِ تَفْعَلُ مَا تَفْعَلُ لَا تَقِرُّ لَهُمْ قِدْرًا، وَلَا نَارًا وَلَا بِنَاءً، فَقَامَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، لِيَنْظُرْ امْرُؤٌ مَنْ جَلِيسُهُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: فَأَخَذْتُ بِيَدِ الرَّجُلِ الَّذِي إِلَى جَنْبِي، فَقُلْتُ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، ثُمَّ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنَّكُمْ وَاللهِ مَا أَصْبَحْتُمْ بِدَارِ مُقَامٍ لَقَدْ هَلَكَ الْكُرَاعُ، وَأَخْلَفَتْنَا بَنُو قُرَيْظَةَ، وَبَلَغَنَا عَنْهُمُ الَّذِي نَكْرَهُ، وَلَقِينَا مِنْ هَذِهِ الرِّيحِ مَا تَرَوْنَ، وَاللهِ مَا تَطْمَئِنُّ لَنَا قِدْرٌ، وَلَا تَقُومُ لَنَا نَارٌ، وَلَا يَسْتَمْسِكُ لَنَا بِنَاءٌ، فَارْتَحِلُوا فَإِنِّي مُرْتَحِلٌ، ثُمَّ قَامَ إِلَى جَمَلِهِ وَهُوَ مَعْقُولٌ فَجَلَسَ عَلَيْهِ، ثُمَّ ضَرَبَهُ فَوَثَبَ عَلَى ثَلَاثٍ، فَمَا أَطْلَقَ عِقَالَهُ إِلَّا وَهُوَ قَائِمٌ، وَلَوْلَا عَهْدُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تُحْدِثْ شَيْئًا حَتَّى تَأْتِيَنِي، ثُمَّ شِئْتُ لَقَتَلْتُهُ بِسَهْمٍ، قَالَ حُذَيْفَةُ: ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي مِرْطٍ لِبَعْضِ نِسَائِهِ مُرَحَّلٍ، فَلَمَّا رَآنِي أَدْخَلَنِي إِلَى رَحْلِهِ، وَطَرَحَ عَلَيَّ طَرَفَ الْمِرْطِ، ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ وَإِنَّهُ لَفِيهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ أَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ، وَسَمِعَتْ غَطَفَانُ بِمَا فَعَلَتْ قُرَيْشٌ، فَانْشَمَرُوا إِلَى بِلَادِهِمْ([11]).([12])

————————————————————————————

([1]) أخرجه مسلم في الصحيح-كتاب فضائل الصحابة– باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم:4/1963 رقم: 2533.

([2])  سورة التوبة، آية 101.

([3]) أخرجه أحمد في المسند: 6/84، وقال المحقق شعيب الأرنؤوط: (إسناده حسن).

([4]) أخرجه في الصحيح-كتاب الصلاة-بَابُ نَوْمِ الرِّجَالِ فِي المَسْجِدِ: 1/96، رقم: 442.

([5]) الودك: هو دسم اللحم ودهنه الذي يستخرج منه، غريب الحديث لابن الأثير: 5/169.

([6]) أخرجه ابن حبان في الصحيح: 2/460، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: 3/152.

([7]) صحيح البخاري – كِتَابُ الهِبَةِ وَفَضْلِهَا وَالتَّحْرِيضِ عَلَيْهَا – باب الاستعارة للعروس عند البناء: 3/165، رقم: 2628.

([8]) تزهي: أي؛ تترفع عنه ولا ترضاه. غريب الحديث لابن الأثير: 2/323.

([9]) تقين: أي تزين لزفافها. والتقيين: التزيين. غريب الحديث لابن الأثير: 4/135.

([10]) أخرجه أحمد في المسند: 6/84، وقال المحقق شعيب الأرنؤوط: (حديث صحيح).

([11]) وأخرجه مسلم مختصرا في الصحيح-كتاب الجهاد والسير–باب غزوة الأحزاب- 3/1413، 1414 رقم: 1788. وفيه: أَلْبَسَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ فَضْلِ عَبَاءَةٍ كَانَتْ عَلَيْهِ يُصَلِّي فِيهَا، فَلَمْ أَزَلْ نَائِمًا حَتَّى أَصْبَحْتُ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ قَالَ: «قُمْ يَا نَوْمَانُ».

([12]) – مسند الإمام أحمد بن حنبل- المحقق : شعيب الأرنؤوط- الناشر : مؤسسة الرسالة- الطبعة : الثانية 1420هـ ، 1999م.

        -صحيح البخاري- المحقق: محمد زهير بن ناصر الناصر- الناشر: دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي)- الطبعة: الأولى، 1422هـ

        -صحيح مسلم- المحقق: محمد فؤاد عبد الباقي- الناشر: دار إحياء التراث العربي – بيروت

        -صحيح ابن حبان- حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه: شعيب الأرنؤوط- الناشر: مؤسسة الرسالة، بيروت- الطبعة: الأولى، 1408هـ – 1988م.

      -حياة الصحابة تأليف: محمد يوسف الكاندهلوي-تحقيق: الدكتور بشار عواد معروف-مؤسسة الرسالة-ط 1- 1420هـ/1999م.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق