مركز الإمام أبي عمرو الداني للدراسات والبحوث القرائية المتخصصةدراسات عامة

اعتلاء المقرإ النافعي ذروة النظام عند شيوخ العلم بالمغرب الأقصى وناحية الغرب الإسلامي

الحمد لله رب العالمين وبه نستعين وصلوات ربنا وسلامه على رسوله الأمين وعلى آله وصحبه والتابعين

وبعد؛ فقد سبق لنا حديث مُعْرَبٌ مُطْرَفٌ مُشعرٌ بمنزلة مقرإ الإمام نافع المدني (ت‍ 169 ه‍) عند نقّاد التلاّء الرواد ومن بلغ من أعيان الرواة المحققين وأعوان المصنفين المشـرِّحين وكيف تسنَّم هذا المقرأُ النافعي ذروة سَنام الأخذ والتلقي بناحية الغرب الإسلامي والمغرب الأقصى وما إليهما حتى عُدّ فاتحة الطالب الدارس في نظام الأخذ والتحمل لأوجه القرآن الكريم المعتبرة وتلقي أجزاء رواياته وفنون أدائه المشتهرة (قراءة ورسما وأداء وعزوا وتحريرا وعلة …) واتُّخذ سَبْقُ التفقه بأدبيات حرفه إلى القلب وسرعتُها غِراساً لما ينبني عليه من خواص المعلوم من المُدْرَكات القرائية وموادِّ ملكاتها الدرائية المتصلة بالكتاب من هذه الوجهة، وما يلزم مريده من تمام الأحوال وكمال الهيئات (ظاهرا وباطنا)، لأجل ذلك وغيره قامت سُنّة العرْض والمدارسة في تلقي أحرف القرآن الكريم على عرْف نافذ مستمر ناهض على اعتماد المضمَّنات السبعية والعشـرية النثرية والشعرية النصيّة منذ الإمام ابن مجاهد (ت‍ 324ه‍) إلى الآن لما  لها من الكفالة الإفادية التامة المعينة في ضبط مخارج طرق الأداء وتعيين منازع حكمها من الكتب والمصنفات التي اشترط أصحابها الأَوْجَه الأشهر من الأحرف والروايات واختاروا ما قُطع به عند الجلّة، وتلقاه الناس بأيْدي القبول والتسليم، بل أجمعوا عليها من غير معارض حتى تعصم قلب القارئ المبتدئ – خاصة – من التيه أو السقوط في مَضلَّة تركيب ما لا يقبل التركيب من بعض الأوجه على بعض، فيقع في المحذور غير المقبول بتخليط المعاني أو إحالة المباني وما شابه، خاصة إذا عُلم أن الواحد من أهل الصدر الأول من الصحابة ومن بعدهم؛ كان يعْكُف زمناً على القراءة على الشيخ الواحد عدَّةً من الروايات والكثير من القراءات، كل ختمة برواية، إذ لم يكونوا يجمعون رواية إلى أخرى أو ما شابه، واستمر الحال على ذلك إلى حدود المائة الرابعة وصدر الخامسة زمن الشيخ مكّي (ت‍ 437 ه‍) والحافظ الداني (ت‍ 444 ه‍) والإمام ابن شريح (ت‍ 476ه‍ ) وغيرهم، فظهر جمع القراءات في الختمة الواحدة، واستمر العمل على ذلك إلى اليوم، وإن كان مِنْ بعض السلف مَنْ ينكره ولا يراه [غيث النفع للصفاقسي 1278/، طبعة سالم الزهراني]، … ثم إن الطريقة المثلى في ضبط الحروف عند جمعها ؛ حفظ كتاب جامع معتبر في استحضار مسائل الخلف القرائي (أصلا وفرشا) كما سلف، قال العلامة النوري الصفاقسـي (ت‍ 1118 ه‍): لا بد لكل من أراد أن يقرأ بمضمَّن كتاب؛ أن يحفظه على ظهر قلبه، ليستحضر به اختلاف القراء أصلا وفرشا، ويميز قراءة كل قارئ بانفراده، وإلا فيقع له من التخليط والفساد كثير [غيث النفع 1/285]، وعليه فلقد تفنن الناس في التأليف في قراءة نافع منذ عهد التدوين إلى الآن فكا ن منهم الموجز والباسط والمقتصد رعيا لمقام العلم وما فُرض له ووعْيا بحال الآخذ المتعلم ورفقا بجانبه، وسياق حديثنا هنا إلى النهضة النافعية التي طبعت الإسهام الفكري القرائي في القرن السابع الهجري وانتشـرت لأجلها كراسي الإقراء والتعليم واستطالت مجالس الشيوخ والإفادة خاصة سبتة وفاس ومراكش ومكناسة وتازا وغيرها من معاقل العلم ومعاهده، إذ كان الاعتماد في التلقي والأخذ على مقرّرات ومصنفات مُجمَعٌ على ما فيها مثل: الكافي والمفردات كلتا اثنيهما للإمام ابن شريح (ت‍ 476 ه‍) وعلى (القصيدة الحصرية) ثم يزاد على ذلك (تيسير) الحافظ أبي عمرو (ت‍ 444 ه‍) ونظمُه (التبيين والتبصير) للعلامة الأديب المقرئ مالك بن المرحّل السبتي (ت‍ 699 ه‍) الذي عارض بنظمه قصيدة (حرز الأماني) لولي الله الشاطبي (ت‍ 590 ه‍) رحم الله الجميع ورضي عنهم، فمن الشيوخ المتقدّمين في ميدان القراءات والعربية ورجالات السند المغربي الفائقين الذين برَّزوا في القطر المغربي لهذا العهد: ابن القصاب (توفي قرابة 690 ه‍) وابن آجروم (ت‍ 723 ه‍) وأبو عمران ابن حدادة المرسي (كان حيا بفاس عام 723 ه‍) وأبو الحسن القرطبي (ت‍ 730 ه‍) صاحب (التجريد) و(التهذيب) وابن آجطا (ت‍ 750 ه‍) وأبو الحسن ابن برّي (ت‍ 730 ه‍)  وأبو عبد الله الخراز (ت‍ 718 ه‍) ومحمد بن شعيب المجاصي (ت‍ 743 ه‍) … وعليه؛ فإننا قد وجدنا الأسوة المعتبرة المجلّية لهذا المنحى التربوي المتعلق بالتدرج في الأخذ والتلقي وألفينا تعلَّته عند العلامة القاسم التجيبي (ت‍ 730 ه‍) الذي جرى على نهج أسلافه في حفظ القرآن الكريم أثناء أخذه عن الشيخ المتقن ابن أبي الربيع السبتي (ت‍ 688 ه‍)، ثم إنه شرع بعد ذلك بتلقي أصول قراءة نافع وذلك بمضمَّن القصيدة الحصـرية للعلامة المقرئ أبي الحسن علي بن عبد الغني الحصـري القيرواني (ت‍ 488 ه‍)، أحد رواد المدرسة القيروانية الأعيان، ويمكن استجلاء قيمة القصيدة الحصـرية وتحسُّس رَجْع صداها القرائي في الأقطار (المغرب والأندلس والمشرق)؛ من بُعد صيت صاحبها أبي الحسن، الذي تملّك ناصية البيان الشعري وحاز قافية الأداء القرائي، وعقد لواء المدرسة القيروانية وبعث أنفاس اختياراتها، ورفع ذكر مذاهبها وما إليه، كما تشهد لذلك دواوين البرامج والفهارس والمشيخات والمسلسلات والأسمعة وما إلى ذلك من دواوين المعارف ودوائر الفنون، على أنه ليس من حسابنا وهمِّنا – هنا – إلا أن نقضي الحقَّ أو بعضه لما يتصل بالجهة الصناعية الفنية – قراءة وأداء -؛ منصرفين عن الخوض فيما سوى ذلك، فما زالت الوجهة الفنية من كل مطلوب خبري هي الروض المريع من أصل طروئه ونبْع ذبالته في التوريخ.

وعليه؛ فلقد أسهم في اعتناء القطر المغربي بمقرإ الإمام نافع وارتضائه مذهبا ومنهجا جملة أمور نوردها على جهة التقريب والاختصار في الآتي:

تقديم مقرإ الإمام نافع على سائر المقارئ؛ أصل متبع بالقطر المغربي:

وبيان ذلك وتصويره؛ أن الله سبحانه لما كتب الحفظ لهذا الكتاب المنزل، هيأ له عُصبة أولي بقية، تجردوا لضبط حروفه واختصوا بتصحيح ألفاظه وكلمه، كما تلقوه من النبي صلى الله عليه وسلم ثرّاً غضّا، إذ لم يهملوا منه حركة ولا سكونا ولا إثباتا ولا حذفا ولا داخلهم في شيء منه شك أو ريبة أو ما شابه، فكثر لأجل ذلك القراء والنقاد فامتدَّ حبل عنايتهم حتى طاول الأعصـر والأمكنة، فخلفهم جيل بعد جيل، عرفت طبقاتهم وتمايزت منازلهم، إذ كان منهم المتقن للتلاوة الجامع بين الرواية والدراية، كما كان منهم المقتصـر على نعوت من ذلك مع وفور الرعاية ومتانة الديانة، ولقد كان من جميل الموافقات السماوية وجزيل الاختصاصات الربانية؛ أن حظيت بعض الأقطار بشـرف التَّقدمة لخدمة الكتاب العزيز على بعض، واتفقت الأمة على الانتهاض لقبول قراءات بأعيانها وحياطتها بكريم الصيانة وخالص التبجيل في الانتقاء والنخل والرعاية  وما إليه، وفق أصول مقررة معتبرة في الاختيار، وضوابط محررة مرجوة في الانتصار، فلأجل ذلك قُدّم أبناء المدينة النبوية القراء، على صاحبها أزكى الصلوات وأتمّ التسليم، وأعقبتها مكة المشرفة، ثم سائر أقطار المسلمين، فكان القصد في تقديم قراء المدينة النبوية، والبداءة بهم في دواوين علم القراءات ومصنفاته كنافع المدني أبي رؤيم؛ كمنٌ في جُمَل المعاقد الآتية:

قصد التيمُّن بمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومهاجره، قال ابن مجاهد (ت‍ 324 ه‍): (فأول من أبتدئ بذكره من أئمة الأمصار؛ من قام بالقراءة بمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما بدأت بذكر أهل المدينة، لأنها مهاجَر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعدن الأكابر من صحابته، وبها حفظ عنه الآخر من أمره، فكان الإمام الذي قام بالقراءة بمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد التابعين) [كتاب السبعة ص 53].

وعلى ذلك جرت سنة قدامى المصنفين ومحدثيهم (في السبع أو العشـر، إفرادا أو جمعا)، تصديرا منهم لأسانيد قراء المدينة النبوية وتقديما، وذكر من اشتهر منهم وذاع صيته وفضله كنافع بن أبي نعيم (ت‍ 169 ه‍) وشيوخه.

تصدره المبكّر مجالس الإقراء بالمسجد النبوي في حياة أكابر شيوخه، فقد أخذ القراءة عن رؤوس من جلَّة التابعين، قد ناهز عددهم السبعين، قال الإمام نافع: (قرأت على سبعين من التابعين أو اثني وسبعين، فنظرت ما اجتمع عليه اثنان؛ أخذته، وما شذ فيه واحد؛ تركته، حتى ألفت هذه القراءات)[ الكامل ص 42]، واشتهر منهم: عبد الرحمان بن هرمز الأعرج المدني المتوفى سنة 117 ه‍، (قرأ على أبي هريرة وابن عباس رضي الله عنهما)، وأبو جعفر يزيد بن القعقاع المدني المتوفى سنة 130 ه‍ (قرأ على أبي هريرة وابن عباس وعبد الله بن عياش المخزومي رضي الله عنهم)، وشيبة بن نصاح المتوفي سنة 130 ه‍ (خَتَن أبي جعفر على ابنته ميمونة) وقد كان أدرك عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما،  ومسلم بن جندب الهذلي المتوفي بعد سنة 110(روى عن الزبير بن العوام وابن عمر رضي الله عنهما)، ويزيد بن رومان المدني المتوفى سنة ت‍ 130ه‍ (عرض على عبد الله بن عياش وابن عباس رضي الله عنهما)، فهؤلاء وغيرهم الذين ذكر نافع أنه أدركهم بالمدينة من الأئمة في القرآن [السبعة ص 61] قال الأصمعي: مررت بالمدينة رأس مائة؛ ونافع رأس في القراءة [الكامل للهذلي ص 42]، وقال الليث بن سعد: قدمت المدينة؛ ونافع إمام الناس في القراءة لا ينازع وشيبة حيٌّ [السبعة ص 63]، وقال ابن وهب: قراءة أهل المدينة سنة، قيل له قراءة نافع ؟ قال: نعم [السبعة ص 62]، وغير ذلك من الآثار الدالة على مكانة الإمام نافع وعلو منزلته.

استمساكه في اختياراته بالنقل والرواية دون الاستحسان أو النظر، فتلك شريعة أكابر القراء والمجودين، إذ ملاك الأمر عندهم على الأخذ من أفواه الأشياخ المتقدمين، ومعارضة الأئمة المعتبرين، قال العلامة أبو العباس الونشريسي (ت‍ 914ه‍): (قال الإمام أبو بكر بن مجاهد في كتاب جامع القراءات: ولم أر أحدا ممن أدركت، من القراء وأهل العلم باللغة وأئمة العربية؛ يرخصون لأحد في أن يقرأ بحرف لم يقرأ به أحد من الأئمة الماضين، وإن كان جائزا في العربية، بل رأيتهم يشددون في ذلك وينهون عنه، ويرون الكراهية له عمن تقدم من مشايخهم، ليلاَّ يجْسـر على القول في القرآن بالرأي أهل الزيغ، وينسبون من فعله إلى البدعة، والخروج على الجماعة، ومفارقة أهل القبلة ومخالفة الأمة، قال أبو بكر بن مجاهد: ومتى ما طمع أهل الزيغ في تغيير الحرف والحرفين، غيروا أكثر من ذلك، وعسى أن يتطاول الزمان كذلك، فينشأ قوم فيقول بعضهم: لم يقرأ ه ذه إلا وله أصل) [المعيار 12/162].

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبع

 

 

Science

د.مولاي مصطفى بوهلال

    • باحث بمركز الإمام أبي عمرو الداني للدراسات والبحوث القرائية المتخصصة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق