وحدة الإحياءدراسات عامة

استراتيجيات التأويل بين العلم والإيديولوجيا.. مقارنة بين التأويلية الإصلاحية والتأويلية الإحيائية

على سبيل التقديم

ترنو هذه الدراسة إلى مقاربة موضوع التأويل من منظور نظرية المعرفة؛ من خلال تمييزها الأساسي بين الذاتي والموضوعي.. بين المحددات الإيديولوجية في تعبيرها عن المصالح والنزعات والتمذهبات والمواقع الاجتماعية، وبين المحددات الموضوعية للعلم والمعرفة العلمية والموقف العلمي؛ في تعبيرها عما هو عام وموضوعي ومجرد.

كما تنطلق من النظر النقدي إلى التأويل باعتباره عنصر استقطاب حول الحقيقة الدينية والرأسمال الديني بين مختلف القوى الاجتماعية والتوجهات السياسية والأيديولوجية، الحديثة منها على وجه الخصوص؛

 بحيث أن كل تأويل من التأويلات السائدة يكاد يعبر عن استراتيجية مخصوصة لقراءة النص وفهمه وتوظيفه سعيا لتملكه؛ فإلى جانب “التأويل الحرفي النصي” الذي يلتزم بظاهر النص ولا يتعداه ويناوئ من يتعداه وتمثله الحركات السلفية، و”التأويل التوفيقي” وتمثله الحركات الإسلامية المعتدلة، و”التأويل العرفاني” وتمثله الحركات الصوفية، و”التأويل الخوارجي” وتمثله “السلفية الجهادية”، توجد شتى “التأويلات التاريخانية”..

بحيث أن كل تأويل يعبر عن منظور مخصوص لطبيعة الاجتماع السياسي، كما أن كل ضرب من هذه الأضرب من التأويل يعبر عن استراتيجية للفعل والتأثير في التاريخ. الأمر الذي يهدد بتحول الدين من مصدر هداية وإجماع ووفاق ووحدة وسلام إلى مصدر توتر وصراع واحتراب وتمزق وشنآن.

لمقاربة موضوع “استراتيجيات التأويل بين العلم والإيديولوجيا[1]” سوف تحاول هذه الدراسة استحضار الاستشكالات التالية:

كيف يمكننا أن نجعل من تعدد زوايا النظر التأويلي مصدرا لغنى نظرية المعرفة الإسلامية، ومدخلا للاجتهاد والتجديد في مختلف القضايا التي تهم الاجتماع السياسي الإسلامي بوجه خاص، والإنساني بوجه عام، بدل أيلولته عنصر استقطاب وصراع وانشداد عقيم لاستعادة صراعات تاريخية ولى زمانها؟

هل من إمكانية لبلورة جملة من الضوابط المنهاجية والتصورية التي من شأن استحضارها والوعي بها وتمثلها وتفعيلها أن يحصن عمليات التأويل من الانحراف عن جادة الحق، ومن زيغان التسييس؟

ما طبيعة العلاقة بين استراتيجيات التأويل وسؤال المرجعية ومحددات السياق؟

هناك نظر اجتهادي يذهب إلى أن “القرآن وإن كان قد تعرض للمؤثرات التاريخية بدءاً من عصر التدوين، عن طريق التفسير والتأويل، لم يكن الأمر بالنسبة له أمر توليد أو إنشاء. وذلك لأنه كان قد اكتمل قبل أن يبدأ التاريخ حركته النشطة باسم الإسلام بما في ذلك العملية التدوينية ذاتها..

فإذا كان النص الفقهي نص تاريخي، مطبوع بالسياق التاريخي زمانا ومكانا، فإن النص القرآني فمطلق وغير خاضع لهذا السياق، وإن كان واعيا به ومستحضرا له في فلسفته للتاريخ ورؤيته للعالم. غير أن العقل الإسلامي الراهن في مجمله محكوم بالفقه أكثر من اتصاله بالنص المؤسس.

ويخلص من قول الرسول، صلى الله عليه وسلم: “ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ”[2].

إلى أن هذا النص الصحيح يشير إلى أن البنية النصية على وجه الإجمال تتشكل من حيث التشريع التكليفي من عنصرين اثنين؛ الأول مصرح به، والثاني مسكوت عنه، وأن هذا المسكوت عنه يدخل بمجرد السكوت في دائرة المباح، كما أن هذا المسكوت عنه يعد جزءاً لا يتجزأ من بنية النص؛ لأن الشرعية التي يندمك عليها إنما هي شرعية نصية مستمدة من مجموع النص وإحالاته. فكما أن المنصوص عليه يستمد حكمه من منطوق النص، فإن المسكوت عنه يستمد حكمه من إحالة النص بحيث لا شيء يصدر من خارج النص[3].

وفي هذا المعنى يقول ابن حزم: «إن قولهم: هذه المسألة لا نص فيها» قول باطل وتدليس في الدين؛ لأن كل ما لم يحرمه الله تعالى على لسان نبيه، صلى الله عليه وسلم، إلى أن مات فقد حلله بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (البقرة: 28). وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ (الأنعام: 120)، بحيث أن كل ما لم يأمر به لم يُجبه.

وهكذا فإن المنهج التشريعي في الإسلام وفقا لهذا الفهم التأويلي، يقوم على أنه لا معنى للسكوت إلا أن يكون مقصودا من الشارع العليم. الأمر الذي يؤكده بصيغة لا غبار عليها: “إِنَّ اللهَ فَرَضَ فَرَائِضَ، فَلَا تُضَيِّعُوهَا وَحَّدَ حُدُودًا، فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَنَهَى عَنْ أَشْيَاءَ، فَلَا تَنْتَهِكُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رُخْصَةً لَكُمْ لَيْسَ بِنِسْيَانٍ، فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا”[4].

غير أن هذا الاتجاه في الفقه السياسي الإسلامي المعاصر يذهب بتأويله لدائرة الإباحة إلى مدى بعيد يثير غير قليل من الالتباس خاصة حينما يخلص إلى أن المسكوت عنه إذا كان مقصوداً، كان القول بإلزامية الإجماع والقياس وما ألحق بهما من مرجعيات مفارقة للنص، مناقضا لمقصود الشارع العليم في إنشاء دائرة الحرية، أو بالأحرى في الكشف عن هذه الدائرة التي هي كائنة بالأساس على سبيل الأصالة والابتداء”[5].

وتفسير ذلك من وجهة هذا الرأي أن “الإجماع والقياس كما هو معروف وفقا لصريح ما ذهب إليه الإمام الشافعي نفسه لا يبدآن في “العمل” إلا عند سكوت النص، في حين أن الغرض من سكوت النص، إنما هو على وجه التحديد “وقف العمل”؛ أي وقف الإلزامية بشقيها في الإيجاب والتحريم.”..

فإذا ما “ثبت السكوت بهذا المعنى في حق شيء كائنا ما كان أو يكون، كان ذلك إيذاناً بدخوله في دائرة الحرية الإنسانية أو دائرة الإباحة.. أي كان هذا الشيء مباحا يُمتنع القول فيه بحرمة “ربانية” أو وجوب “لا رباني”، وذلك عكس منهج الإمام الشافعي الذي ما أن يَتثَبَّت من السكون عن حكم شيء، حتى يوجب قياسه على حكم من الأحكام المنصوصة، فينتهي إلى القول فيه بالوجوب أو بالحرمة؛ أي أنه يعود إلى إسناد الإيجاب أو التحريم إلى الشارع بعد أن أثبت الشارع له حكم الإباحة..

وخلافا للسنة، التي جرى فيها غير قليل من الوضع”، فإن القرآن الكريم ظل معصوما من التأثير المباشر للتاريخ السياسي، وأن هذا التأثير لم يتجاوز حدود التفسير والتأويل، وذلك لسبب واضح ومعقول مفاده أن النص القرآني الذي تكفّل الله تعالى بحفظه كان يكتب لدى نزوله أوّلا بأول تحت إشراف النبي، صلى الله عليه وسلم،، وعنايته؛ بحيث أن القرآن المجيد كان قد اكتمل كنص نهائي منقول بالتواتر قبل أن يبدأ التاريخ السياسي فاعلية التدخل والتأثير.. وتفسير ذلك أن لحظتا النزول والتّدوين لم تعرفا الانفكاك.

وانسجاما، مع ذلك، فإن قراءة النص القرآني قراءة تاريخية إنّما هي في حقيقة الأمر قراءة في التأويل السياسي والأيديولوجي للنص. وهو ما سوف نحاول الوقوف عليه من خلال استحضار الجذور التاريخية لانبثاق هذه التأويلات واستمرار انبعاثها ضمن سياقات تاريخية مختلفة، وكذا من خلال المقارنة بين التأويلين الإصلاحي والإحيائي[6]..

فبينما تميز الخطاب الإصلاحي منذ الشيخين جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وصولا إلى الطاهر بن عاشور وعلال الفاسي بمصالحته مع ذاته ومع روح العصر حضارة وثقافة؛ من خلال مصالحته مع العلم والاعتراف بسلطة ومرجعية المعرفة العلمية دونما شعور بأن ذلك من شأنه أن يخدش طهرانية العقيدة والولاء، ومصالحته مع النظام السياسي الحديث، والاعتراف بشرعية المصادر المدنية التي تقوم عليها الدولة الحديثة، فضلا عن مصالحته مع منظومة العلم الحديث، والتراث الليبرالي في نسبية الأفكار، والقبول بالتعددية، والديمقراطية، وفلسفة الحقوق والحريات، وشرعية الاختلاف..

فإن الخطاب الإحيائي لم يتردد في مهاجمة العلم والفلسفة ونبذ مفهومي الثقافة والحضارة وجعلهما في تعارض وتنابذ مع الإيمان، ورفض مشروع الدولة الحديثة المدنية والديمقراطية ووصمها بالكفر والإلحاد..

إن التباين بين المشروعين يتجاوز “مجال الإشكالية إلى ميدان منهج العمل، بل يصح القول إن الاختلاف في مناهج العمل بينهما إنما يتأسس على اختلاف في الرؤية والتصور بين الدعوتين”، وبالتالي بين التأويلين؛ تأويل إصلاحي يسعى إلى “صوغ مشروع فكري إصلاحي يتناول أوضاع العالم العربي- الإسلامي بالدرس والتحليل، ويقترح معالجات له تصحح الخلل والاضطراب فيه، وتفتح له طريق الخروج من مهاوي السقوط الحضاري” وتعمل على تحرير الوعي والدفع به نحو الاجتهاد والتجديد والإبداع.. وتأويل إحيائي ينطلق من الحكم على المجتمعات المعاصرة بالجاهلية، ولذلك لا يتردد لحظة في تفسيقها وتكفيرها والاستعلاء عليها..[7].

أولا: إيديولوجيا الحاكمية وصراع التأويلات

لقد درجت الأدبيات الإسلامية الحديثة والمعاصرة[8] منذ جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده.. إلى أبي الأعلى المودودي وسيد قطب وعبد السلام ياسين ومحمد عمارة.. على التمييز بين المحددات التاريخية والمرجعية التي حكمت كل من التجربة السياسية المسيحية والتجربة الإسلامية؛ حيث جرى التأكيد، على سبيل المثال، أن نشأة نظرية “الحق الإلهي” في التجربة التاريخية المسيحية في العصور الوسطى تختلف اختلافا بينا عن نشأة هذه النظرية في التجربة التاريخية الإسلامية مع الشيعة الإمامية في النصف الثاني من القرن الأول الهجري.

فرغم اتفاق الشيعة الإمامية، إيديولوجيا، مع كهنوت الكنيسة الكاثوليكية، في نظرية الحق الإلهي، إلا أنهم يختلفون عنهم من حيث المنطلقات والمقاصد والغايات..

إن ارتباط “نظرية الحق الإلهي” لدى الشيعة بالسعي إلى رفع المظلومية وإحقاق الحق، لآل البيت، قد عمل على تسويغها بعض التسويغ خلافا للتجربة المسيحية؛ فبينما كانت المواقف من النظرية محددة والفرقاء متمايزون إيديولوجيا بشكل جلي؛ حيث “كانت الكنيسة الكاثوليكية مع “الحق الإلهي” للأباطرة والملوك، وخصومها وخصوم الملوك ضد وحدة السلطتين: الدينية والزمنية، ومع الفصل بينهما.. فإن التجربة التاريخية الإسلامية لم تكن تتمتع بمثل هذا الوضوح؛ فالشيعة وهم يعارضون السلطة الأموية المستبدة باسم الحق الإلهي كانوا هم أنفسهم يصدرون عن تأويل عقائدي يؤمن بنفس الحق، وهو وضع لا يخلو من مفارقة ظاهرة؟ وبالمقابل فقد كان هناك من يعارض بني أمية كما يعارض الشيعة في توسلهم بهذا الحق المزعوم كالمعتزلة والخوارج على سبيل المثال.

إن هذا الوضع الملتبس الذي يضع المعتزلة والخوارج في نفس الخندق جنبا إلى جنب مع الشيعة في معارضة حكم الأمويين من جهة، ويضعهم في نفس الآن في تعارض قاطع مع الشيعة فيما يتصل بقولهم بـ”الحق الإلهي” القائم على ادعاء الوصية والنص.. إن هذا الوضع هو الذي يفسر جانبا مهما من حالة التشويش والمفارقة التي حكمت تصور المسلمين لمبحث الإمامة لدرجة أن العديد من أفكار الشيعة حول الموضوع سرعان ما تسللت إلى تصور خصوم الشيعة للخلافة بما فيهم “أهل السنة والجماعة[9]“.

يصدر الخطاب الإحيائي الإسلامي عن تأويل لمفهوم الدولة الإسلامية مفاده أن “الأساس الذي يقوم عليه بناؤها هو تصور مفهوم حاكمية الله الواحد الأحد، وأن نظريتها الأساسية أن الأرض كلها لله، وهو ربها والمتصرف في شؤونها. فالأمر والحكم والتشريع كلها مختصة بالله وحده، وليس لفرد أو أسرة أو طبقة أو شعب، ولا للنوع البشري كافة شيء في سلطة الأمر والتشريع. فلا مجال في حظيرة الإسلام ودائرة نفوذه إلا لدولة يقوم فيها المرء بوظيفة خليفة الله[10]“.

فالحاكمية وفقا لهذا التأويل “مختصة بالله وحده، لا يشاركه ولا ينازعه فيها غيره، ذلك أن التوحيد، كما فسره القرآن، يستلزم أن يكون الله وحده هو المعبود بالمعنى الديني المعروف. ليس ذلك فحسب، بل يستلزم أن يكون الله وحده هو الحاكم المطاع، والآمر الناهي، والشارع بالمعنى السياسي والقانوني أيضا”[11].

غني عن البيان أن عبارة “الحاكمية” قد اشتقت من تأويل مغلوط لقوله تعالى: “إن الحكم إلا لله” و”لا حكم إلا لله”. وهي “مقولة” رفعها الخوارج في وجه الإمام علي بن أبي طالب بعد أن قبل بالتحكيم في صراعه مع معاوية[12]، تم سرعان ما تلقفها الأمويون من بعدهم في سعيهم لتكريس حكمهم.

ويزعم دعاة “الحاكمية” بوجه عام أن السياسة ونظام الحكم في الإسلام يعدان من أصول الدين: أي أنهما دين ووحي لا دخل لإرادة الإنسان ولا اجتهاده فيه.. وبذلك فهم “يخلطون بين أصول الدين وقواعده وعباداته: أي بين الثوابت التي حكم بها الله تعالى.. وبين شؤون الدنيا، ومنها سياسية الأمة والمجتمع سلما وحربا وعمرانا[13]“، رغم أن هذا الخلط لم يكن موجودا في معظم التراث السياسي الإسلامي[14].

ولا يخفى أن الزعم بأن السلطان السياسي لله وليس للبشر يفضي، لا محالة، إلى فرض الوصاية على الأمة باسم الدين، وتجريدها من حق الولاية على نفسها، وحرمانها من أن تكون هي مصدر السلطة والمسؤولة عن ممارستها كما أراد لها خالقها.

كما أن القول بالحاكمية، الصادر عن التأويل الإحيائي، يؤدي إلى تحريف المعنى القرآني لمصطلح الحكم؛ الذي منه اشتقت لفظة الحاكمية، وحسبانه دالا على معنى النظام السياسي أو السلطة السياسية، والحال أن معظم الاستخدامات القرآنية لـ”الحكم يرد بمعنى القضاء والفصل في المنازعات، أو بمعنى الحكمة ورجاحة الرأي، وبالتالي لا صلة له بالخلافة أو بالنظام السياسي[15].

كما أن القرآن لم يستعمل لفظ “الخليفة” بمعنى الحاكم. فهو “يقرر أن الإنسان خليفة الله في الأرض، والمقصود الإنسان كنوع وليس هذا الإنسان أو ذاك، بل الإنسان سواء كان حاكما أو محكوما، مصلحا أو مفسدا: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 29)”[16].

إن “نظام الحاكمية” كما تبلور مع التأويل الإحيائي لا يمكن إلا أن يفضي إلى إنتاج “طبقة سياسية- دينية (ثيوقراطية) تتمتع بسلطة مطلقة مستمدة من “الإنابة الإلهية” لها سلطة تعلو على كل نقد أو محاسبة شبيهة بتلك السلطة التي كان يتمتع بها رجال الإكليروس في أوروبا المسيحية الوسيطة قبل الإصلاح الديني والثورة[17]“.

وهو ما عبر عنه بشكل صريح المودودي بقوله: “لا يصح إطلاق كلمة الديمقراطية على نظام الدولة الإسلامية، بل أصدق منها تعبيرا كلمة الحكومة الإلهية أو التيوقراطية[18]“. وبذلك يكون، بحق، “أول مفكر إسلامي يحدث انعطافا تأويليا في مفهوم السياسة والسلطة في الإسلام، خارج الدائرة الشيعية، ينتهي به إلى أن يتماهى مع مفهوم الإمامة الشيعي، وفكرة ولاية الفقيه، وإلى أن يتماهى مع نظرية “الحق الإلهي” التي كانت إيديولوجيا سياسية للدولة الدينية المسيحية في أوروبا قبل النهضة..[19]“.

يتحدد مبدأ الحاكمية، أول ما يتحدد، من منطلق أن “الله رسم للدولة الإسلامية هدفها وواجبها، وحرم على المسلمين الحاكمين أن يحكموا بغير ما أنـزل الله وإلا كانوا كافرين، ظالمين، فاسقين”؛ إذ مهما صلينا وصمنا فرادى وتحاكمنا إلى القاضي الشرعي في شؤون أحوالنا الشخصية ثم “أعرضنا عن الشريعة في الفضاء العام، في تسيير شؤون الحكم، في الاقتصاد، في الإدارة، في علاقتنا بالغير، في التعليم، في العادات، في وضع الدستور، في فروع القانون، فما جزاء من يؤمن ببعض كتاب الله ويكفر ببعض إلا خزي في الحياة الدنيا، ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب[20]“.

 فالأمر محسوم عند الإحيائيين؛ فلسنا مسلمين “إن زعمنا أننا نعبده في الصلاة والزكاة ونحكم غير شريعته في الشأن العام[21]“.

إن هذا التأويل الذي يربط بشكل وثيق بين الدين والسياسة قد نقل المسألة السياسية من مجال الفقه العام، والفقه السياسي، إلى علم الكلام؛ بحيث تصير مسألة عقدية من مسائل أصول الدين.. ومعنى ذلك أن الخطاب السياسي للإحيائية الإسلامية لم يكتف بمجرد الدفاع عن علاقة الوصل بين الديني والسياسي في الإسلام، ضد من حاولوا فك الارتباط بينهما، بل ذهب إلى درجة إسباغه “طابعا قدسيا” على تلك العلاقة “لقطع الطريق على أي تساؤل حولها متقاطعا، في ذلك كما سلفت الإشارة، مع الموقف الفقهي الشيعي في مسألة الإمامة وأصوليتها الدينية في الإسلام[22]“.

وفي انتظار إقرار مبدأ الحاكمية، في مواجهة دولة القانون[23]، يجري العمل حثيثا لتأسيس “دولة القرآن”، مع ما يثيره هذا المفهوم من مفارقات؛ إذ لا توجد نظرية ولا نموذج للدولة في القرآن الكريم، وإنما ترك المولى عز وجل أمر التنظير لها وإقامتها من عدمه لنظر المسلمين واجتهادهم وفقا لظروفهم ومقتضى مصلحتهم..

وجبت الإشارة، هاهنا، أن الاتجاه الإحيائي يسعى إلى تكريس أولوية الدعوة على السياسة والدولة؛ علما أن “سيادة القرآن” تكاد تختزل في سيادة فئة مخصوصة تشمل من جرت تسميتهم بـ”أهل القرآن”: “السيادة للقرآن، وعلماء الملة الخاشعون لله هم أهل القرآن. لهم السيادة والكلمة الأولى. ولرجال الحكم نترك نظام الحكم وأبهة البرتوكول ومراتب الدولة ودواوين الإدارة لينصرفوا إلى شغلهم. تحت النظر والمراقبة والتوجيه، والسيادة الفعلية والخلقية[24]“.

يتضح إلى أي مدى جاء هذا النص مكرسا لتراتبية هيراركية واضحة؛ فهو لا يكتفي بتأكيد السيادة المرجعية للقرآن وحاكميته التي لا يمكن الاعتراض عليها في كنف مجتمع مسلم متى ارتضى الإسلام بملء اختياره ومنتهى وعيه وأهليته.. إنما الاعتراض على اختزالها في فئة مخصوصة تصبح هي صاحبة السيادة الفعلية والكلمة الأولى، ذلك أن هذا الاتجاه يقر بما لا يدع مجالا للتأويل أن “علماء الملة الخاشعون لله هم أهل القرآن ولهم السيادة والكلمة الأولى”، وهي ليست سيادة رمزية وأخلاقية، وإنما هي في الآن نفسه “سيادة فعلية وخلقية”.

أما مظاهر هذه السيادة المتمثلة في مظاهر الحكم فتؤول للحكام: “ولرجال الحكم نترك مظاهر الحكم وأبهة البرتوكول ومراتب الدولة ودواوين الإدارة.”. الأمر الذي يعني أن سلطة رجال الحكم لا تستمد من الأمة صاحبة السيادة، وإنما من الفئة المخصوصة صاحبة السيادة الفعلية.

وهو تفويت للسلطة يقترب من مستوى التفضل والتنازل عن شيء لا رغبة ظاهرية لهم فيه رغم أنه يقع في حوزتهم وصميم نفوذهم أو بالأحرى، فهم “يتنازلون” عن سلطة يعتبرونها شكلية ولذلك فقد جرى نعتها بـ”مظاهر الحكم وأبهة البروتوكول”للإمساك بالسلطة الفعلية.. وهو ما جرى الإفصاح عنه بالقول: “لينصرفوا إلى شغلهم تحت النظر والمراقبة والتوجيه والسيادة الفعلية والخلقية” وغني عن البيان أن عبارة “لينصرفوا إلى شغلهم”، خاصة في السياق التداولي المغربي، تستبطن كل معاني التبعية والوصاية والتراتبية..[25].

وتبعا لذلك، فإن أولوية الدعوة على الدولة، وفقا لهذا التأويل، تجد ترجمتها في أفضلية الداعية على السياسي؛ ما دام “علماء الدين” أسمى من أهل المعارف الدنيوية الذين يصفهم بـ”الفضلاء” مهما بلغت قيمة معارفهم فإنها لاتسموا إلى مستوى “علم علماء الدين”الذين لا ينبغي أن ترتبط صفة العلم إلا بهم[26]“.

كما يحذر من أن “يسرق الخبراء من خارج الدعوة المفاتيح فيصبح الأمر دولة بلا دعوة”، وذلك حينما يغدو “إشراف الدعوة على الدولة رخوا من بعيد. الأمر الذي يفيد، بمنطق المخالفة، أن إشراف الدعوة على الدولة يراد له أن يكون حديديا مستحكما يخضع فيه منطق السياسة النسبي لمنطق العقيدة المطلق وهنا يكمن مأزق الخطاب السياسي الإحيائي..

وهو الخطاب الذي يتحدث عن “الوطن الإيماني المشترك” القائم على “المواطنة القلبية[27]” و”النسب الروحي” حيث لا تكتمل جماعة المسلمين “الخارجة من محضنها التربوي الروحي في المسجد” إلا في النظام السياسي الشوري.. كما لا “يكتمل المجتمع المدني إلا في النظام السياسي الديمقراطي”، وبينما يتمثل “العامل المؤسس في النظام السياسي الشوري” في “الضمير الخلقي والنسب الروحي” فإن العامل المؤسس في النظام السياسي الديمقراطي الحقوقي القانوني هو العقلنة..[28]“.

لا يكتفي هذا التأويل بافتراض التعارض بين “دولة القرآن” و”دولة القانون”، مع أننا، كما سلفت الإشارة، لا نجد أثرا لنظرية حول الدولة في القرآن المجيد بقدر ما نجد منظومة من القيم والمعايير والمبادئ العامة التي تسعف الأمة في استخلاص ما يناسبها من أشكال تنظيمية ومؤسسية لاجتماعها السياسي تبعا لمستوى تطورها التاريخي والحضاري، لا يكتفي بذلك وإنما يمعن في حفر هوة عازلة بين المجتمع المدني القائم على النظام السياسي الديمقراطي وبين ما عبر عنه بـ”المجتمع الأخوي” القائم على النسب الروحي.

الملاحظ أن مفردات هذا التأويل الإحيائي القائم على مفاهيم “الوطن الإيماني المشترك” و”المواطنة القلبية” و”النسب الروحي” تحيل كلها لمفهوم سيد قطب المركزي “جنسية المسلم عقيدته” الذي اتخذ منه عنوانا لفصل كتابه “معالم في الطريق” وفيه يؤكد أن “لا جنسية للمسلم إلا عقيدته التي تجعله عضوا في “الأمة المسلمة” في “دار الإسلام”، ولا قرابة للمسلم إلا تلك التي تنبثق من العقيدة في الله، فتصل الوشيجة بينه وبين أهل الله.”. ويواصل في نفس السياق أن “الوطن دار تحكمها عقيدة ومنهاج حياة وشريعة من الله.. هذا هو معنى الوطن اللائق “بالإنسان”. والجنسية عقيدة ومنهاج حياة.

وهذه هي الآصرة اللائقة بالآدميين”؛ فـ”الأمة التي يكون من الرعيل الأول فيها أبو بكر العربي، وبلال الحبشي، وصهيب الرومي، وسلمان الفارسي، وإخوانهم الكرام. التي تتوالى أجيالها على هذا النسق الرائع.. الجنسية فيها هي العقيدة، والوطن فيها هو دار الإسلام، والحاكم فيها هو الله، والدستور فيها هو القرآن.”. ليخلص إلى “أنه لا إسلام في أرض لا يحكمها الإسلام، ولا تقوم فيها شريعته، ولا دار إسلام إلا التي يهيمن عليها الإسلام بمنهجه وقانونه، وليس وراء الإيمان إلا الكفر، وليس دون الإسلام إلا الجاهلية.. وليس بعد الحق إلا الضلال..[29]“.

والأهم من كل ما سبق، أن شرط الدخول في المواطنة الإيمانية والمجتمع الأخوي هو: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (التوبة: 11)[30].  ليتأكد بذلك أن المواطنة المؤهلة للانتماء للمجتمع الأخوي، الذي يشكل جوهر الاجتماع السياسي كما يتصوره ويدعوا إليه هذا التأويل، إنما هي مواطنة دينية عقائدية قائمة على النسب الروحي..وهو ما يتناقض، بشكل جلي، مع نموذج الاجتماع السياسي المنفتح والمتعدد الذي تؤسسه صحيفة المدينة.ويتناقض مع شكل الاجتماع السياسي الذي ارتضاه المغاربة في كنف إمارة المؤمنين القائمة على البيعة الشرعية.

وتبرز الملامح العقائدية لنموذج الاجتماع السياسي الذي تؤسس له وتبشر به التأويلية الإحيائية المحدثة، أكثر ما تبرز، من خلال تأسيسها للاجتماع والتعاقد السياسيين على مفهوم “الولاية” بدلالاته العقائدية؛ فهي “اللحام الكلي الجامع لوحدة المؤمنين حاملي الرسالة، المخاطبين بالقرآن المتآمرين بالمعروف المتناهين عنه.. فلا التوحيد بالاقتصاد، ولا بالقوة، ولا بالقومية، ولا بقانون الدستور، وقسم الوطنية، يستجيب للمعيار القرآني، بل الولاية هي اللحمة الجامعة هي القاعدة العاطفية الإيمانية[31]“.

وبالتالي فإن المبدأ المؤسس والحاكم للاجتماع السياسي الإسلامي وفقا لهذا التأويل مبدأ عقائدي يقوم على مفهوم “الولاية” وليس مفهوما سياسيا بندمك على مفهوم المواطنة، وفي هذا خلط بين منطق العقيدة المطلق والثابت ومنطق السياسة النسبي والمتغير..

الملاحظ أن تأويل الحاكمية يتقاطع، كما سلفت الإشارة، مع تأويل الإمامة الشيعي بوجه عام؛ من حيث تعبيرهما المشترك عن تصور سياسي موحد لدولة دينية تقوم على فكرة “الحق الإلهي”: أي على دولة الحاكم فيها هو الله وشرعة الإسلام، والقائمون على أمر الولاية فيها هم رجال الدين.

مع فارق أساسي بين التأويلين؛ فبينما نجد “ولاية الفقيه” متواصلة مع تراثها الفقهي الإمامي في الكثير من عناصرها وأسسها، فإننا نلفي “الحاكمية” منقطعة بشكل جلي عن تراثها الفقهي السني قديمه وحديثه، مقابل تواصلها مع المذهب الشيعي حول الإمامة والسلطة.

وهو التواصل الذي يبرر اشتراكهما في التنظير لنموذج سلطة واحد يشرع لقيام “كهنوت إسلامي[32]” يقوم على ادعاء الوكالة عن الله في الولاية الدينية أو السياسية، ومن ثم الحكم باسمه فيما يوازي القول بنظرية “الحق الإلهي” في تعبيرها المسيحي القرسطي..

والواقع أن مذهب الشيعة في الإمامة القائم على العصمة لا يجد ما يبرره أو يشرعنه في الإسلام، وأن مصدر نظريتهم سابق على الإسلام بحيث يعود إلى “الكسروية الفارسية” التي عادة ما يجري حكم كسرى في إطارها بمقتضى “الحق الإلهي”..كما يعود إلى “القيصرية الرومانية” قبل أن تعتنق المسيحية حينما “كانت ذات الإمبراطور مقدسة إلهية[33]“.

وفي هذا السياق تذهب الأدبيات السنية الحديثة والمعاصرة إلى أن الجانب السياسي أو الدنيوي في الممارسة النبوية داخل دولة المدينة لم يكن مشمولا بالعصمة على غرار الجانب الديني؛ وذلك انطلاقا من التمييز القاطع التي تقيمه هذه الأدبيات بين “الرسالة” و”السياسة” بين الدين والدولة؛ بحيث أن الرسالة تقوم على وجود نبي معصوم يوحى إليه.. بينما تفترض السياسة وجود قائد سياسي يجتهد ويستشير فيما لم يرد فيه نص..وهو عين التمييز الذي تندمك عليه البنية الدستورية للدولة المغربية من خلال الفصل بين صلاحيات جلالة الملك باعتباره أميرا للمؤمنين أولا، وملكا دستوريا ثانيا.

وبناء على هذا التمييز فإن السنة النبوية “منها ما هو دين ومنها ما هو سياسة”؛ بحيث أن ما اندرج منها تحت أمور السياسة وشؤون الدنيا لا يعد دينا.. وإنما شأنا دنيويا يقوم على الرأي والمصلحة والاجتهاد..[34]؛ بحيث أن “البيعة في الإسلام، سواء بيعة النبي في العقبة (الأولى والثانية)، والمعاهدة المعروفة بـ”صحيفة النبي”، ومبايعة أبي بكر خليفة للنبي، ومبايعة عمر ثم عثمان ثم علي، كل ذلك تم بعد مشاورات وتسويات واشتراط شروط[35]“.

ثانيا: السلطة في الإسلام بين التأويلين؛ الديني والمدني

مع أن اتجاها في الفقه السياسي الإسلامي المعاصر يتفاعل مع هذه الاعتراضات والتحفظات بشكل إيجابي لا يخلو من نفس تجديدي يسعى لرسم فواصل دقيقة بين المفهومين مستخلصا أن “الفرق الأساسي بين الدولة الدينية والدولة الإسلامية هو أن الأولى تقوم على فكرة أن الله هو مصدر السلطة، بينما في الثانية.. فإن الله مصدر القانون، بينما الأمة مصدر السلطة. ومن ثم فلا حصانة ولا عصمة لحاكم، وإنما القانون فوق الجميع، والحاكم في المقدمة منهم[36]“.

إن الطبيعة التعاقدية التاريخية القائمة على الاختيار الأصلي لنوعية الاجتماع السياسي هي التي جعلت رأيا في الفقه السياسي المعاصر يعتبر أن الإقرار بأن المصدر الأساسي والمرجعية الحاكمة للقانون الإسلامي هي الكتاب والسنة “لا يعني مصادرة جهد البشر، أو إغلاق الباب دون الاستفادة من المصادر الأخرى، وإنما يعني أن القرآن والسنة هما الإطار المرجعي الذي يهتدى به؛ بحيث يشترط في كل الأحوال ألا يتعارض الجهد البشري المبذول مع ما هو قطعي الثبوت والدلالة.. ولا مع مقاصد الشريعة في نهاية المطاف”[37]، خاصة وأن أي قانون لابد له من مصدر ومرجعية حاكمة..

غير أن الفاحص لأكثر أدبيات الفقه السياسي الإسلامي المعاصر انفتاحا يلحظ حالة من التوتر وعدم الوضوح فيما يتصل بطبيعة الحكم والسلطة في الإسلام؛ ففي الوقت الذي يجري فيه التشديد على مدنية السلطة في الإسلام يجري التأكيد على أن “حاكمية الشريعة في الدولة شرط لتحقيق الإيمان بالدين”؛ بدعوى أن “الإسلام ليس بالدين الذي نـزل ليقف الرسول به عند حدود البلاغ.. وإنما هو دين جاء ليقيمه الناس معيارا حاكما للعمران، وليجسد نظما وسياسات في الدنيا، وأعمالا ترد عليهم يوم القيامة.”.[38].

غير أن هذا التوتر سرعان ما جرى تفسيره بخصوصية العلاقة بين الدين والسياسة في الإسلام؛ حيث تتميز الدولة عن النبوة والرسالة، بكون الأولى اختيارا بشريا وبناء مدنيا، وبكون الثانية اصطفاء إلهيا لا شأن للناس فيه، وبكون الدولة ثمرة للاجتهاد البشري، بينما الدين وضع إلهي..

ثالثا: مفهوم الحاكمية بين التأويل الدلالي القرآني والتأويل الدلالي السياسي المحدث

وعيا من الأنصاري بمحورية مفهوم “الحاكمية” في أي خطاب يتخذ من العلاقة بين الإسلام والسياسة موضوعا نظر وتفكير له، ووعيا منه أن الحاكمية تمثل “الركيزة الكبرى للأصولية المعاصرة”، فقد أفرد لها مبحثا خاصا بعنوان: “التباس مفهوم الحكم والحاكمية في الوعي الإسلامي المعاصر: بين الأصل القرآني والمعنى المحدث” سعيا منه للتوصل إلى “رؤية علمية محايدة”، للمسائل الخلافية المتداخلة، الناجمة عن غياب التدقيق العلمي في استخدامات هذا المصطلح بين معناه القرآني والعربي الأصلي، وبين معناه الحديث والمعاصر[39].

وفي سبيل ذلك، اعتمد مقاربة اكتفى فيها بتناول المفهوم الحديث الذي اقتصر عليه معنى “الحكم” في الاستعمال العربي المعاصر نظرا لكونه مصدر الإشكالية.

ليعرض بعد ذلك، بشكل تفصيلي، لمختلف معاني لفظة “الحكم” في اللغة العربية والنص الديني بما يجلي التفاوت والاختلاف الدلالي للمعنيين الأصولي والمحدث، وما يترتب عليه من إشكالات مفهومية، سعيا للوقوف على “المصطلح القرآني والإسلامي الأصلي” الذي تداوله المسلمون في صدر الإسلام محل لفظة “حكم” للدلالة على المعنى الذي يقصده منها في الاستعمال المعاصر بمعنى ممارسة السلطة السياسية.

وحرصا منه على الوقوف على المغزى العميق لهذا التغير الدلالي بمختلف انعكاساته وأبعاده، عمل على تقديم تفسير عام للمنطق الحاكم لهذا التغير الدلالي في لغة المجتمع العربي على المدى التاريخي من خلال نظرات في الخصوصية المجتمعية العربية. ليبرز في نهاية المطاف كيف أضاف مفهوم “الحاكمية” إشكالية مفهومية جديدة أخطر إلى الإشكالية القائمة بالفعل. الأمر الذي يستلزم العمل على حل هذه الإشكالية المفهومية لمصطلح “الحكم” في السياق التداولي الإسلامي المعاصر تحقيقا لفهم أكثر انطباقا على الواقع التاريخي للإسلام.

إن الإشكالية الدلالية والمفهومية تنشأ، هاهنا أول ما تنشأ،وفقا لهذا النظر التأويلي، من منطلق أن هذا المعنى المحدد لمصطلح “الحكم” بمعنى تولي وممارسة السلطة السياسية لم يرد إطلاقا في الاستعمال اللغوي الأصلي لدى العرب في الجاهلية وصدر الإسلام، ولا في المعاجم اللغوية العربية القديمة المعتمدة، والأهم من ذلك كله أنه لم يرد لا في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية ولا في سائر المصادر الإسلامية الأولى دون أن يحول ذلك ووروده بمعاني و دلالات مختلفة..

فبعد أن الوقوف على المغزى الدلالي للحكم والحكمة في العديد من النصوص القرآنية، يخلص إلى أن الحكم والحكمة فيها جميعا تعبر عن “معنى الوعي الفكري الراسخ بمجمل الحقائق الإلهية والكونية والإنسانية التي تتضمنها الرسالة وما يتطلبه هذا الوعي الموجه للحياة من تمييز بين حق وباطل، وبين عدل وظلم”.[40].

لينتقل على إثر ذلك إلى التمييز بين “الحكم” و”الملك” مستخلصا أن القرآن حينما يشير إلى معنى السلطة السياسية التي كانت في حوزة بعض الأنبياء وغيرهم من الشخصيات التاريخية، فإنه لا يستخدم مصطلح “الحكم”، وإنما يستخدم المصطلح السياسي العربي المتعارف عليه حينئذ بشأن سياسة الدولة وهو “الملك”.

أما كلمة “حاكم” وجمعها “حكام” فلم تطلق في النصوص الدينية كتابا وسنة على القائم بالأمر السياسي: أي الخليفة أو الملك أو السلطان أو الأمير، كما يجري إطلاقها اليوم على “حكام الدول”، وإنما “اختصت بالقاضي والقضاة وحدهم باعتبار أن مصدر “حكم” يشير إلى “العلم والفقه والقضاء.”. بحيث أن “حكم بينهم” تفيد “قضى بينهم”، والحاكم هو القاضي.. وإلى وقت قريب كان المغاربة يتداولون كلمة “الحاكم” للدلالة على القاضي..

وفي نفس السياق يلاحظ الأنصاري أن “في لغة الحديث النبوي والفقه يتطابق ويترادف “الحكم” و”القضاء” ومشتقاتهما دون أدنى تفريق، ويستخدم الأئمة والرواة إحدى الكلمتين مكان الأخرى دون أي تحرز نظرا لتطابقهما المعنوي التام[41]“.

 وللتدليل على ذلك يورد العديد من النصوص القرآنية والحديثية ليخلص إلى أن “الحكم” يرد في أغلب هذه النصوص بمعنى الحكم بين الناس من خلال تبيان وجه العدالة والحق بينهم وليس بمعنى حكم الناس والتصرف في شؤونهم من موقع السلطة والقدرة على فرض القرار السياسي.

أكثر من ذلك، فإن هذا النظر التأويلي يسجل أن ما يجري على مصطلحي “حكم” و”حاكم” يجري على مصطلح “حكومة”، جازما أن لفظ “حكومة”لم يرد في اللغة العربية إطلاقا بمعنى السلطة السياسية التنفيذية أو الجهاز الحاكم أو الهيئة الحاكمة إلا في القرن التاسع عشر”. في حين أن معناها في لغة العرب يحيل إلى “إصدار حكم قضائي”، كما يفيد عملية “التحكيم” التي يقوم بها حكمان “ذوا عدل” وفقا للتعبير القرآني[42].

غير أن نفي حمل مصطلح “الحكم” بجميع مشتقاته في القرآن الكريم لأي معنى من معاني “الحكم السياسي” بالمعنى المعاصر، لا يعني نفي اشتمال القرآن على “مفهوم ونظام للحكم السياسي” كما ذهب علي عبد الرزاق. وتفسير ذلك أن القرآن الكريم استخدم مصطلحا آخر معادلا لمفهوم السلطة السياسية؛ هو مصطلح “الأمر”.

 وهو مفهوم يظل،مع ذلك، أقل قيمة من الناحية المعيارية من مفهوم الحكم لديه؛ من منطلق أن مفهوم “الحكم” القرآني يعد “أعمق وأغنى بكثير، دينيا وقضائيا وأخلاقيا ومعرفيا، من المعنى السياسي الذي انحصر فيه في الخطاب العربي والإسلامي المعاصر[43]“.

 ذلك أن “الحكم” بترادفه مع “الحكمة”، كـ”معرفة لأفضل الأشياء بأفضل العلوم”، يمثل ما جرى التعبير عنه بـ”جماع فلسفة الإسلام”؛ ليس كنظام نظري مجرد وإنما كمعرفة بـ”أصول الأشياء في حقائقها الأولى بموازينها ومقاديرها الحقيقية” بما يفضي إلى “العلم النافع”: أي “العلم المرتبط بالعمل”.

بعد أن تتبع مفهوم الحكم والحكمة لدى كل من الطبري، وأبي بكر محمد بن العربي، والشافعي خلص إلى أنهم يتفقون جميعا على إعطاء “الحكم والحكمة” في الإسلام “مفهوما توجيهيا مكملا للوحي والرسالة”، وتبعا لذلك فالحكم، في نهاية التحليل، يشير إلى تلك الملكة والبصيرة والقدرة على التمييز بين الصواب والخطأ والإصابة في العلم والعمل على مستوى تمييز الحق عن الباطل على الصعيد الديني في أبعاده العقيدية والقيمية والمبدئية.

وكذا تمييز العدل عن الظلم على الصعيد القانوني وشتى مناحي التعامل الإنساني والاجتماعي. وتمييز الخير والفضيلة عن الشر والرذيلة على الصعيد الأخلاقي. إلى جانب تمييز الحقيقة عن الوهم والزيف على المستوى المعرفي والعلمي والفلسفي. فضلا عن تمييز الجمال عن القبح في مختلف صورهما المعنوية والحسية.

وجماع هذه الأضرب من التمييز تعبر عن “الحكم القيمي والتمييزي والتقديري” الذي يقابل مفهوم Value judgement؛ الذي بمقتضاه لا يصدر المرء أمرا تنفيذيا ولا يمارس سلطة، وإنما يعبر عن “تقديره وتقويمه للأشياء ويحدد مقاديرها ويزنها بموازينها الدقيقة، سواء في ميدان الاعتقاد، أو القضاء، أو الأخلاق، أو المعرفة[44]“.

غير أن العلاقة بين السياقين الدلاليين لمفهوم “الحكم” لا تنقطع، مع ذلك، تبعا لهذا التأويل؛ مادام “صاحب القرار السياسي (السلطان) بحاجة إلى عملية مشاورة وتقدير وتقويم: أي إلى حكم، قبل اتخاذ قراره السياسي وإنفاذه”، بحيث ما أن ينتقل إلى مستوى التنفيذ، أمرا ونهيا وإلزاما، حتى يتجاوز مرحلة التقدير والتقويم إلى مرحلة الإلزام والفرض انسجاما مع طبيعة السلطة التي لا تكتفي بعناصر الإقناع المعنوي والرمزي وإنما تتوسل، أكثر من ذلك، بوازع يزع الناس ويحملهم على الإذعان لقراراتها..

نخلص مع هذا النظر التأويلي، إذن، إلى أن المصطلح العربي الأصلي الذي يشير إلى مفهوم الشأن السياسي والسلطة السياسية الحاكمة بالمعنى الحديث هو “الأمر” وليس “الحكم”. وفي ملاحظة نافذة لا تخلو من مفارقة، يسجل أنه بينما فقد مصطلح “الأمر” معناه السياسي ليكتفي بدلالته اللغوية العامة التي تحيل إلى “شأن” جمع شؤون، فقد انتقل “الحكم” من المعنى العام إلى الخاص.[45].

يترتب على هذا الفرق الجوهري بين المفهومين نتيجة مفادها أن لا مجال للاختلاف والتنازع في “الحكم” بهذا المعنى عندما يتقرر على أي مستوى من مستوياته الإلهية، أو النبوية، أو القضائية.”.، وبالمقابل فإن السياسة ظلت تفيد معنى “الأمر” القائم على الشورى وإعمال البشر للعقل والرأي واتخاذ القرار، بينما الدين فيه إسلام الوجه والامتثال التعبدي لأن مصدره الغيب ووحي السماء..

فمصطلح “الأمر” هو المصطلح الذي وظفه القرآن الكريم وشاع تداوله في الأدب السياسي منذ وقت مبكر قبل أن يشيع استعمال مفهوم “الإمامة” في كتابات الفرق الإسلامية، وقبل أن يشيع تداول مفهوم “الحكم والحاكمية” بهذا المعنى في الاستعمال الحديث والمعاصر.

لكن هل من تعليل مقنع لهذا التغير الدلالي؟ كيف يمكن تفسير هذا التحول التأويلي في معنى “الحكم” من دلالته الأصلية السالفة إلى دلالته السياسية المباشرة؟

إلى جانب تأثير الثورة السياسية الغربية الحديثة في إشاعة منظومة قيمها ومعاييرها السياسية عبر العالم، نجد عاملين إضافيين:

أولهما: يتصل بالدور التاريخي للتحكيم في نشوء السلطة السياسية الموحدة في التاريخ العربي؛ حيث كان لعملية التحكيم[46] أهمية مفصلية خاصة في تحديد المنطق الحاكم للعلاقات القبلية بين العرب، وفي “تطويرها إلى وئام الجماعة ثم وحدتها”.

 وفي هذا السياق نجد أن الرسول، صلى الله عليه وسلم، “بدأ المرحلة المدنية من الدعوة بصفته حكما ومحكما في الخلافات والنـزاعات بين قبيلتي الأوس والخزرج، يعيد بينها الوئام والسلام تمهيدا لتوحيدها في بوتقة الجماعة والأمة، وكذا في التقريب والتحكيم بينهم وبين المهاجرين حيث توافرت فيه عليه السلام الفضائل والميزات المثلى للحكم..[47]“.

وهكذا يتم الإنطلاق من دور التحكيم في تطوير العلاقات القبلية إلى كيان سياسي يجمعها ويتجاوز تعدديتها بتوحيدها، لنستكشف طبيعة العلاقة بين ظاهرة التحكيم وكيفية تحوله إلى قيادة سياسية ذات سلطة آمرة ونافذة في المجتمعات القبلية عندما تصل إلى مرحلة النـزوع لوحدة أكبر. وهو ما يفسر كيف “حدث التطابق في الذهن العربي بين مفهوم الحكم كقضاء وتحكيم ومفهومه كحكم سياسي[48]“.

ومع التسليم أن الطبيعة الاستثنائية لشخصية الرسول، صلى الله عليه وسلم، قد مكنته من الانتقال “من دور الحكم والتحكيم إلى دور القيادة الكاملة في شؤون الدين والدنيا، إلا أن التجربة التاريخية لبعض المجتمعات العربية والإسلامية تكشف عن إمكانية أن يتحول الحكم بين القبائل، في غير حالة النبوة، من دور التحكيم المحايد غير المدعوم بسلطة نافذة إلى دور الحاكم السياسي، بالمعنى المعاصر، ملبيا حاجة تلك القبائل إلى وحدة سياسية أرفع تتجاوز خلافاتها الكيانية الصغيرة وصراعات أمرائها المحليين لدمجها في كيان أكبر.

وفي هذا السياق يستحضر الأنصاري النموذج المغربي مبرزا كيف أن “حالة المغرب الأقصى منذ صدر الإسلام إلى العهد العلوي في مطلع العصر الحديث (تمثل) أبرز مثال على إمكانية تحول الحكم القائم بدور التحكيم بين القبائل، بنسبه الشريف وتميزه المناقبي إلى دور الأمير أو السلطان، بالمعنى السياسي الكامل[49]، عندما يتطلب التحول المجتمعي هذا الانتقال من التعددية القبلية إلى وحدة أكبر للأمة والجماعة[50]“.

أما ثاني التعليلين والتأويلين لهذا التحول الدلالي المتمثل في تقلص “المفهوم الواسع للحكم”، بمفهومه القرآني المعرفي والتقييمي المندمج في معنى الحكمة، واختزاله في معنى الحكم السياسي الضيق فيكمن في كون السلطة التاريخية في المجتمع العربي والإسلامي أنكرت جميع أنواع التقييم والتقدير و”الحكم” على الأمور في نواحي الحياة كافة بحيث غدا كل “حكم”: أي تقدير وتقويم، لأي شيء، دينيا أو قضائيا أو معرفيا أو اجتماعيا، هو “حكمها” الذي تفرضه من موقع احتكار السلطة وليس “حكم” المعنيين بالأمر..

وهكذا أدى هذا التطور الانتكاسي والارتدادي إلى معنى “الحكم” القرآني الذي ارتبط بالمعرفة الكونية العليا وبالكتاب الموحى به وبالنبوة، والذي يشمل تقدير وتقييم مختلف مراتب الحياة والحقيقة والوجود، ليتقلص في معنى الحكم السياسي السلطوي وحده وبهذه المعيارية الواضحة نخلص إلى أن التغير المجتمعي المفهومي قد فرض نفسه سوسيولوجيا وتاريخيا لينتقل إلى واقع اللغة من مفهوم “حكم” مرادف للكتاب والنبوة إلى “حكم” لا يدل إلا على التحكم والسلطة[51].

غير أن الحرص على إبراز التمايز الدلالي بين “الحكم” و”الأمر” لم يحل دون السعي إلى إبراز الصلة المفهومية والمنطقية بينهما؛ من منطلق أن “الحكم” يشير إلى حكم الشورى أي تقدير وتقييم أهل الشورى لمسائل السياسة وكيفية معالجتها.

 بينما يحيل “الأمر” إلى “القرار التنفيذي عندما تنتقل المسألة “المحكمة” لدى الهيئة التمثيلية الشورية إلى السلطة التنفيذية الآمرة لتتخذ بشأنها القرارات التطبيقية والإجراءات العملية الملزمة”، فأن معيارية “الحكم الإسلامي”، تبعا لهذا النظر التأويلي، تتمثل في “حكم الشورى في مداولاتها وتقديراتها لقضايا السياسة، وليس “حكم” رجل أو رجال السلطة؛ إذ ليس لهم “حكم”؛ وإنما هو الأمر والقرار..

وبذلك نخلص إلى التمييز بين “حكم الله في الوجود وحكم الجماعة في شؤونها”، على اعتبار أن “الحكم في السياسة هو للجماعة، بشرع الله، أما الحكم الذي اختص به سبحانه فهو حاكميته في كونه وخلقه. وليس هو الحاكمية السياسية التي أوكلها للجماعة..[52]“.

فمع أن هذا النظر التأويلي يعترض على مقولة الحاكمية كما تبلورت لدى كل من أبي الأعلى المودودي وسيد قطب انطلاقا من اعتبارات لغوية وشرعية وفكرية واضحة[53]، إلا أنه لا يجادل في أن “جميع المؤمنين بالله عامة، والمسلمين خاصة، يسلمون بأن الحاكمية لله سبحانه في جميع شؤون خلقه وغيبه، وفيما شرع لعباده من نهج وأحكام[54]“.

فمع أن المودودي يقر بوجود طائفة كبيرة من الشؤون والمعاملات سكتت الشريعة عنها سكوتا تاما، ويقر بذلك لحق الإنسان للتشريع فيها بكل حرية فيما ما لا يتعارض مع روح الإسلام وقواعده العامة..[55]، إلا أن الحاكمية كإيديولوجيا مؤطرة للذهنيات ودافعة للفعل والحركة تفضي، رغم الإقرار بالسيادة الجزئية للمجتمع، إلى فرض نموذج للاجتماع السياسي الإسلامي يند عن مقاصد الإسلام وروحه..

إن الأمر يتجاوز، وفقا لهذا التأويل، مجرد إيراد استثناء لقاعدة أو لأصل، ليكشف عن تلبس الموقف الفكري بالموقف السياسي الأيديولوجي؛ ذلك أن الحاكمية عند المودودي تجد تفسيرها هنا في “الدعوة إلى قيام دولة إسلامية مستقلة ببلاد الهند، ثم هي إلزام لهذه الدولة، بعد أن قامت، بالشرط الذي قامت على أساسه، أي الالتزام الشامل بالشريعة الإسلامية، وإلا انتفى مبرر إنشائها..[56]“.

ولذلك كان من الطبيعي أن يجري تأويل مبدأ الحاكمية في مرحلة التعبئة السياسية والأيديولوجية لدولة الباكستان تأويلا عقائديا مطلقا، وهو التأويل الذي سيميل إلى نوع من المرونة والواقعية والتنسيب حينما سيتم إعلان قيام الدولة ويتضح أمام حقائق الواقع التاريخي أن مبدأ الحاكمية، كما تمت صياغته والتبشير به، عاجز عن تسيير دواليب هذه الدولة وإمدادها بالقواعد القانونية والفقهية الكفيلة باشتغالها.. الأمر الذي يقتضي التسليم بحق المجتمع في سن القوانين واستخلاص النظريات السياسية من النصوص التأسيسية في تفاعلها مع المتغيرات التاريخية..[57].

في هذا السياق نجد منحى تأويليا محدثا يميز بين السلطان الذي يحيل إلى السلطة السيادية التي لا يمكن أن تتجزأ، والتي يعرفها بأنها السلطة التي لا سلطة فوقها أو “الحاكمية”، وبين السلطة التي يمارسها كل من يمتلك جزءاً من الرأسمال الحضاري الاجتماعي العلمي أو السياسي أو الاقتصادي أو الإداري: أي كل من يمتلك ولاية معينة، كما ينتقد نظرية الحاكمية الإلهية معتبراً أنها تمثل البعث المباشر لمفهوم “السلطان الكنسي”..

وفي هذا السياق يبرز التوجه التأويلي كيف أن التسليم بسيادة الله على العالم أجمع وسيطرته المطلقة عليه لا يتعارض البتة مع وجود “سيادة اختصاصية”، وإلا فإن القول بأن السيادة السياسية هي أيضا لله لا يمكن أن تفضي إلا إلى أمرين: إما أن السلطة السياسية غير ممكنة؛ لأنها اغتصاب للسلطة الإلهية، أو أن السلطان هو خليفة الله وهو مسؤول أمامه وليس أمام الشعب، وبالتالي انعدام المسؤولية السياسية أمام المجتمع..

 فإذا كانت الحاكمية تلغي كل سيادة بشرية: أي كل إمكانية لبناء مسؤولية البشر الذاتية عن أعمالهم ونظمهم وسلوكهم، عدمت السلطة ولم يعد لها أي مبرر، وهو ما يفضي إلى غياب مسؤولية السلطة أمام الأمة، فلا مناص من التسليم بالسلطة الثيوقراطية والدينية التي تغدو أحكامها مقدسة. والنتيجة الخطيرة التي تترتب على انتفاء أية حاكمية أرضية ذات منـزع اجتماعي مدني، بدعوى أن لا حكم سياسيا في الأرض إلا لله، هي انتفاء مقابل للحساب: أي إثابة وعقاب المكلفين عن أعمالهم في الدنيا[58].

على سبيل الختم

إلى هذا المستوى من المقاربة والمقارنة بين التأويلين الإصلاحي والإحيائي نخلص إلى أن المسافة بين التأويلين كبيرة إلى الحد الذي تبدو فيه الفجوة بينهما غير قابلة للجسر، بل إلى الحد الذي يسوغ القول فيه إن العلاقة بينهما علاقة قطيعة وانفصال؛ ففكر الإصلاحية الإسلامية فكر انتشار وذيوع وارتباط بالناس بعامة، وهو فكر توثيق العرى. وفكر الإحيائية فكر مجانبة ومفاصلة، وفكر امتناع عن الآخرين. الفكر الإصلاحي فكر يزرع أرضا، وينثر حبا، ويسقي شجرا، وينتشر مع الشمس والهواء. أما الفكر الإحيائي، فهو يحفر خندقا، ويبني قلاعا عالية الأسوار سامقة الأبراج، قلوعا ممتنعة. والفرق بين التأويلين هو الفرق بين السلم والحرب (…) لقد “تبلور الفكران، فكر الانتشار وفكر المصادمة. وقام كل على مسافة، ليؤدي الوظيفة التي ترشحها له الظروف في كل حال، وتنميها الأوضاع في كل آن”[59]. الأمر الذي يؤكد الأبعاد الوظيفية والإيديولوجية والسياقية للتأويل فيما وراء أبعاده المعرفية.

الهوامش

[1]. للوقوف على مفهوم إيديولوجيا انظر:

– عبد السلام طويل، هل الإسلام دين أم إيديولوجيا؟ قراءة في كتاب نادين بيكودو: L’Islam entre religion et Idiologie

مجلة الإحياء/الرابطة المحمدية للعلماء، الرباط، العدد:37-38، 2013، ص67-68.

[2]. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج،  باب فرض الحج مرة في العمر، حديث رقم: 1337.

[3]. انظر: عبد الجواد ياسين، “السلطة في الإسلام: العقل الفقهي السلفي بين النص والتاريخ”، الدار البيضاء/بيروت: المركز الثقافي العربي، ط1، 2000.

[4]. أورده البيهقي في سننه، رقم (19725) (10/21)، والطبراني في المعجم الكبير رقم (589) (22/221).

[5]. المرجع نفسه.

[6]. ارتبط مفهوم الإحيائية، في تعبيره عن تيار فكري وإيديولوجي طهوري إشكاليته الأساسية هوياتية تواري أبعادا سياسية، برضوان السيد وبوجه خاص في كتابه الموسوم: “الصراع على الإسلام: الأصولية والإصلاح والسياسات الدولية”، بيروت: دار الكتاب العربي، ط1، 2004. لأخذ فكرة أوضح عن الإحيائية في صلتها المقارنة بالإصلاحية لدى رضوان السيد انظر: سعيد بنسعيد العلوي، “الإصلاحية والإحيائية: قراءة في الفكر العربي الإسلامي المعاصر”، مجلة رواق عربي، القاهرة: مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، العدد: 49-50، 2008، ص107-118.

[7]. عبد الاله بلقزيز، الإسلام والسياسة: دور الحركة الإسلامية في صوغ المجال السياسي”، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/ بيروت، ط:1،2001، ص-ص: 155-165.

[8]. انظر: حامد عبد الماجد قويسي، “في التراث السياسي الإسلامي: حول نظرية السلطة وتعاملها الخارجي”، القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، ط1، 2009. وكذلك: رضوان السيد، “سياسات الإسلام المعاصر: مراجعات ومتابعات”، بيروت: دار الكتاب العربي، ط1، 1997. وبوجه خاص الباب الثاني؛ “الفكر الإسلامي المعاصر، والحركات الإسلامية المعاصرة”، ص157-226.

[9]. عبد الإله بلقزيز، “الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر”، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 2002، ص205.

[10]. أبو الأعلى المودودي، “نظرية الإسلام وهديه في السياسة والقانون والدستور”، بيروت: مؤسسة الرسالة، 1980، ص77-78. انظر كذلك: أبو الأعلى المودودي، “الإسلام في مواجهة التحديات المعاصرة”، الكويت: دار القلم للنشر والتوزيع، ط4، 1980، ص231.

[11]. أبو الأعلى المودودي، “مفاهيم إسلامية حول الدين والدولة”، الكويت: دار القلم للنشر والتوزيع، ط5، 1994، ص143.

[12]. انظر: أحمد أمين، “ضحى الإسلام”، بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 2004، ص237-249.

[13]. أحمد شوقي الفنجري، “كيف نحكم بالإسلام دولة عصرية”، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1990، ص24. انظر كذلك: محمد عمارة، “الدولة الإسلامية بين العلمانية والسلطة الدينية”، م، س، ص51.

[14]. سيف الدين الآمدي، “أبكار الأفكار في أصول الدين”، تحقيق أحمد محمد المهدي، ج5، القاهرة: دار الكتب والوثائق القومية، مركز تحقيق التراث، ط 2002، ص117-304.

[15]. عبد الإله بلقزيز، الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر”، م، س، ص242.

[16]. محمد عابد الجابري، “العقل الأخلاقي العربي: دراسة تحليلية نقدية لنظم القيم في الثقافة العربية”، نقد العقل العربي 4 بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط2، 2006، ص144.

[17]. المرجع نفسه، ص205.

[18]. أبو الأعلى المودودي، “نظرية الإسلام وهديه في السياسة والقانون والدستور”، م، س، ص34.

[19]. عبد الإله بلقزيز، “الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر”، م، س، ص205. انظر: محمد ضريف، “الإسلاميون المغاربة: حسابات السياسة في العمل الإسلامي 1969-1999″، منشورات المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 1999، ص51.

[20]. عبد السلام ياسين، “الشورى والديمقراطية”، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، ط1، 1996ص134-135.

[21]. المرجع نفسه، ص67.

[22]. عبد الإله بلقزيز،” الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر”، م، س، ص130.

[23]. يتضح ذلك من سياق تساؤل عبد السلام ياسين الاستنكاري: “هل نلتقي مع اللاييكيين الديمقراطيين عندما ينشدون دولة القانون ونشد نحن دولة القرآن؟ هل لنا معهم لقاء ونحن نضمرها شورى قرآنية نبوية راشدية وهم يخططونها ديمقراطية لاييكية؟” انظر: عبد السلام ياسين، “حوار مع الفضلاء الديمقراطيين”، مطبوعات الأفق، ط1، 1994 ص62-63.

[24]. عبد السلام ياسين، “العدل: الإسلاميون والحكم”، دار الآفاق، الدار البيضاء، ط2، 2001، ص632.

[25]. انظر: عبد السلام طويل، “العلمانية في الفكر الإسلامي المعاصر: عبد السلام ياسين نموذجا”، ضمن كتاب، الإسلاميون والمجال السياسي في المغرب والبلاد العربية”، تنسيق امحمد مالكي، الدار البيضاء، مطبعة النجاح الجديدة، ط1، 2008، ص179-226.

[26]. عبد السلام ياسين، “العدل: الإسلاميون والحكم”، م، س،ص: 220.

[27]. المرجع نفسه، ص186.

[28]. عبد السلام ياسين، ” الشورى والديمقراطية”، م، س، ص154.

[29]. سيد قطب، “معالم في الطريق”، بيروت: دار الشروق، والدار البيضاء: دار الثقافة، ص151-161.

[30]. عبد السلام ياسين، “العدل: الإسلاميون والحكم”، م، س، ص192.

[31]. المرجع نفسه، ص253.

[32]. المرجع نفسه، ص234.

[33]. محمد عمارة، “الدولة الإسلامية بين العلمانية والسلطة الدينية”، القاهرة: دار الشروق، 1988، ص80-81.

[34]. المرجع نفسه، ص16-17.

[35]. محمد عابد الجابري، “العقل الأخلاقي العربي: دراسة تحليلية نقدية لنظم القيم في الثقافة العربية”، نقد العقل العربي(4)، م، س، ص227.

[36]. فهمي هويدي، “الإسلام والديمقراطية”، القاهرة: مركز الأهرام للترجمة والنشر، ط1، 1993، ص185.

[37]. المرجع نفسه، ص186.

[38]. المرجع نفسه.

[39]. محمد جابر الأنصاري، “التأزم السياسي عند العرب وسوسيولوجيا الإسلام: مكونات الحالة المزمنة”، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط2، 1999، ص154.

[40]. المرجع نفسه، ص159.

[41]. المرجع نفسه، ص161.

[42]. تأصيلا منه لهذا المعنى الأخير يستلهم تفسير ابن كثير لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (المائدة: 95) مؤكدا أن عملية التقدير والتحكيم التي يضطلع بها الحكمان كانت تسمى “حكومة”. كما يعود إلى قول علي بن أبي طالب في “نهج البلاغة” موجها الخطاب إلى أنصاره: “وقد كنت أمرتكم في هذه الحكومة أمري، ونخلت لكم مخزون رأيي، لو كان يطاع لقصير أمر” وقوله: “وقد كنت نهيتكم عن هذه الحكومة، فأبيتم علي إباء المخالفين المذنبين”، ليخلص إلى أن المقصود من التحكيم هاهنا هو عملية التحكيم التي جرت بين أنصاره وأنصار معاوية بن أبي سفيان بعد معركة صفين عام 37 هجرية وتصدرها الحكمان أبو موسى الأشعري وعمرو بن العاص؛ وساءت نتائجها، بحيث لو قصد بالحكومة السلطة الحاكمة لكان يقصد نفسه ورجاله؛ لأنه الحاكم وقتذاك. وهو عين التفسير الذي نجده لدى الشيخ محمد عبده في سياق شرحه لكتاب” نهج البلاغة” معلقا على النص السالف بقوله: “الحكومة حكومة الحكمين: عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري..”.

[43]. محمد جابر الأنصاري، “التأزم السياسي عند العرب وسوسيولوجيا الإسلام..”، م، س، ص163.

[44]. المرجع نفسه، ص164.

[45]. تأكيدا لهذا الفرق القائم بين “الحكم” و”الأمر” يلاحظ أن الله تعالى قال في سورة الشورى الآية 38: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ ولم يقل: «وحكمهم شورى بينهم»، مشددا على أن الشورى تختص بالأمر الذي يحيل إلى الشأن الدنيوي العام بين المسلمين، وهو ما يتقاطع إلى حد كبير مع مفهوم Le séculier في الحقل التداولي الغربي، في حين أن “الحكم” بمعنى الوصول إلى الحق والحقيقة والعدل “يستند على شريعة ثابتة ومعايير قيمية ومعرفية مقررة لدى مرجعية الاختصاص بكل “حكم” في مجاله”، انظر: محمد جابر الأنصاري، “التأزم السياسي عند العرب وسوسيولوجيا الإسلام..”، م، س، ص165.

[46]. وهي العملية التي يقودها حكم غير منحاز وغير منتمي إلى أية قبيلة من القبائل المتنازعة والداخلة في عملية التحكيم، كما يشترط فيه كذلك أن يكون ذا أصل شريف في نسبه الأصلي، وأن يكون متمتعا بالحكمة والدراية وسعة الصدر والتسامح والخلق المترفع عن الصغائر، فضلا عن فصاحته وبلاغته وامتلاكه “فصل الخطاب” المتمثل في “القول الفصل الجامع بين رجاحة الفكر وطلاقة اللسان في عرض حيثيات التحكيم وإصدار الحكم.

[47]. محمد جابر الأنصاري، “التأزم السياسي عند العرب وسوسيولوجيا الإسلام..”، م، س، ص168.

[48]. المرجع نفسه، ص169.

[49]. للوقوف على الدور التحكيمي للملك في النظام السياسي المغربي وأسس المشروعية التي تقوم عليها المؤسسة الملكية.. انظر: عبد المالك الوزاني، “الشرعية والاختيارات الدستورية: حالة المغرب العربي”، مجلة الديمقراطية، مؤسسة الأهرام، القاهرة، العدد19، 2005، ص68-71.

[50]. محمد جابر الأنصاري، “التأزم السياسي عند العرب وسوسيولوجيا الإسلام..”، م، س، ص169.

[51]. المرجع نفسه، ص170.

[52]. المرجع نفسه.

[53]. فمن الناحية اللغوية اعترض على صيغة “حاكمية” بدعوى أنها لم تكن مألوفة اشتقاقا من جذر “حكم” في الاستعمال اللغوي أو الشرعي أو الفكري من قبل، ولم ترد تحت مادة حكم في المعاجم العربية المعتمدة كلسان العرب أو الصحاح على سبيل المثال، كما أن المصدر الصناعي في اللغة العربية بعامة الذي قيست عليه هذه الصياغة لم ينتشر إلا بعد أن أكثر منه المولدون في اصطلاحات العلوم وغيرها بعد ترجمة العلوم العربية.. وكأن اللغة كائن ثابت وجامد لا يتطور دلاليا تبعا للتطورات التاريخية والحضارية العامة التي تخضع لها المجتمعات التي تتداول هذه اللغة؟ وهو ما يكشف عن هشاشة هذا الاعتراض؛ خاصة إذا علمنا أن مصطلح “الحاكمية” من الناحية اللغوية الصرفية مصدر صناعي من اسم الفاعل “حاكم” لحقته ياء النسبة مردفة بالتاء لدلالة على صفة فيه تماما كما صيغ اسم “عالمية” و”جاهلية” من “جاهل” و”فاعلية” من “فاعل”.. وتزداد هذه الهشاشة حينما يربط الأنصاري عدم أصالة مفهوم الحاكمية بأصل المودودي غير العربي. فإلى جانب أن كبار اللغويين العرب منذ سيبويه لم يكونوا عربا، فإن سيد قطب وهو الأديب العربي الضليع في اللغة العربية وعلومها تبنى نفس المفهوم..

[54]. محمد جابر الأنصاري، “التأزم السياسي عند العرب وسوسيولوجيا الإسلام..”، م، س، ص172.

[55]. المرجع نفسه، ص146-147.

[56]. علي أومليل، “الحاكمية والإسلام الهندي”، ضمن كتاب، علي أومليل، “الإصلاحية العربية والدولة الوطنية”، بيروت: المركز الثقافي العربي ودار التنوير، ط1، 1985، ص172-173.

[57]. وفي هذا المعنى يقول: “نجد في القرآن، إلى جانب النظريات السياسية، مبادئ كريمة في توجيه سياسة الدولة. والدراسة الدقيقة لهذه المبادئ تلقي ضوءا كثيرا على مقاصد الدولة الإسلامية”، انظر: أبو الأعلى المودودي، “الإسلام في مواجهة التحديات المعاصرة”، م، س، ص229.

[58]. برهان غليون، “نقد السياسة: الدولة والدين”، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، 1991، ص530.

[59]. طارق البشري، “الملامح العامة للفكر الإسلامي في التاريخ المعاصر”، القاهرة: دار الشروق، ط1، 1996، ص33.

الوسوم

د. عبد السلام طويل

  • رئيس وحدة بحثية بالرابطة المحمدية للعلماء بالمغرب، ورئيس تحرير مجلتها الإحياء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق