وحدة الإحياءدراسات عامة

استخلاف الإنسان في الأرض.. نحو رؤية قرآنية كلية

يعتبر مبدأ الاستخلاف من المبادئ القرآنية، التي لم تحظ بما يلزم من البحث والدراسة، رغم اشتماله على عدة مقومات، تؤهله ليكون المحور الأساس في بناء رؤية قرآنية كلية للوجود الكوني والبشري.

كما أن الدراسات في هذا الموضوع قل ما تتناوله، باعتباره أساسا لبناء رؤية شاملة لوجود الإنسان ووظيفته على الأرض، وإنما كثيرا ما تخوض فيه من منطلق جزئي واختزالي، يبتعد به عن موقع التأسيس لبناء تصور متماسك لحقيقة الوجود الإنساني.

ويروم هذا البحث بيان أن المهمة الأصلية التي من أجلها خلق الله الإنسان، وأبرزها القرآن بجلاء هي الاستخلاف في الأرض، وأن جميع آياته تولت تفصيل مقتضياته وأبعاده، وعاضدتها نصوص السنة ومعطيات التجربة الإنسانية منذ خلق الله آدم وحواء وتحملهما مسؤولية الاستخلاف في الأرض.

أولا: المهمة الاستخلافية

انطلق تحديد المهمة الاستخلافية للإنسان في الأرض، مع اقتضاء مشيئة الله تعالى خلق الجنس البشري، وإخبار الملائكة بذلك: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 29).

فالمهمة الأساسية لهذا الكائن الآدمي، التي تبرز الغاية الإلهية من خلقه هي كونه خليفة، بحيث يلزمنا الوقوف على دلالات هذه الصفة، واعتبارها حاكمة على الوجود البشري كله، ومهيمنة على غيرها من الصفات والمميزات الإنسانية الأخرى.

ولقد اختلفت في فهم مدلول الاستخلاف أقوال العلماء وتفاسير المفسرين وتصورات المفكرين، وسنعمل على استعراض بعض الأفكار المتصلة به، وسوق المرجحات والتوجهات، التي تجعل من الاستخلاف في الأرض أساسا متينا لبناء رؤية قرآنية، شاملة لحقيقة الإنسان ومهمته الكبرى في الحياة.

1. حقيقة الاستخلاف

اتجه تفسير جمهور العلماء في تحديد معنى استخلاف الإنسان، إلى كون مجيئه يكون بعد من كان قبله في الأرض من الكائنات الأخرى، والتي أفسدت فيها وسفكت الدماء.

وأيضا فسر بتوالي وجود البشر على الأرض جيلا بعد جيل، وقوما بعد قوم آخرين بعد امتلاك أسباب السيطرة والبأس واستعمار الأرض والغلبة على من دونهم.

وهكذا أورد المفسرون لمعنى خليفة وجهين: أولهما؛ أنه تعالى لما نفى الجن من الأرض، وأسكن فيها آدم، عليه السلام، كان خليفة لأولئك الجن الذين تقدموه.

والثاني؛ إنما سماه الله خليفة، لأنه يخلف الله في الحكم بين المكلفين من خلقه، وهو المروي عن ابن مسعود وابن عباس والسدي، وهذا الرأي مدعوم بقوله تعالى عن داوود عليه السلام: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (ص: 25)([1]).

واستبعد آخرون أن يكون الإنسان خليفة لله؛ إذ الخلافة في اللغة: تعنى النيابة عن الغير، ولابد فيها من استخلاف المستخلف بكسر اللام، للمستخلف بفتحها وإذنه له بها، ولا تصح في اللغة بغير هذا المعنى؛ فـ”الخلافة النيابة عن الغير إما لغيبة المنوب عنه، وإما لموته وإما لعجزه”([2]). وكل هذه المعاني مجافية لكمال الله واستغنائه عن المعين والنائب.

وهذا المعنى للخلافة، هو ما حمل أبا بكر الصديق، رضي الله عنه، على إنكار وصفه بخليفة الله، فقال لست بخليفة الله ولكني خليفة رسول الله([3]).

يقول ابن قيم الجوزية: “إن أريد بالإضافة إلى الله أنه خليفة عنه، فالصواب قول الطائفة المانعة منها، وإن أريد بالإضافة أن الله استخلفه عن غيره ممن كان قبله، فهذا لا يمتنع فيه الإضافة، وحقيقتها خليفة الله الذي جعله الله خلفا عن غيره”([4]) ثم يشرح معنى إضافة الخليفة إليه سبحانه فيقول: “فالإضافة هنا للتشريف والتخصيص كما يضاف إليه عباده كقوله تعالى: إن عبادي ليس لك عليهم سلطان”([5]).

وفي ذات الاتجاه الذي ينزه الله تعالى عن النائب، وما يقترن به من المعاني السلبية التي لا تليق بالألوهية، تساق كراهة وصف السلطان بأنه “خليفة الله أو نائب الله في أرضه، فإن الخليفة والنائب إنما يكون عن غائب، والله، سبحانه وتعالى، خليفة الغائب في أهله، ووكيل عبده المؤمن”([6]).

فهذا الاتجاه في التفسير يحصر الخلافة في مجرد التعاقب على الأرض، ولا يرى في الخلافة عن الله إلا مفهوم النيابة، الذي يستحيل في حقه تعالى، مع احتمالها معنى النيابة في حدود ضيقة، تمنح فيها للإنسان حرية الاختيار، التي يكون بها مسؤولا عن إرادته ومعتقده وسلوكه خلافا لباقي المخلوقات.

إن الحرص على استبعاد معاني النيابة عن الله من دلالات الاستخلاف، صرفه كلية إلى مجرد التعاقب على الأرض جيلا بعد جيل أو حضارة بعد أخرى، مما حال دون استحضار المعاني الجليلة القدر التي يشتمل عليها، وتبرز مكانته السامية وأساسيته في تجلية حقيقة الإنسان ومركزه المرموق في الكون، وذلك من خلال استعراض سياقات وروده عبر الخطاب القرآني.

2. ارتباط الاستخلاف بمسؤولية الإنسان

لقد أحيط حدث استخلاف الإنسان بما ينبئ عن عظم شأنه، وخطورة أمره، وأنه حدث جلل، يدل على ذلك إخبار الله لملائكته به، وتساؤلهم الذي ينطوي على استغرابهم الواضح اتجاهه، ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 29).

قال سيد قطب: “ويوحي قول الملائكة هذا بأنه كان لديهم من شواهد الحال، أو من تجارب سابقة في الأرض، أو من إلهام البصيرة، ما يكشف لهم عن شيء من فطرة هذا المخلوق، أو من مقتضيات حياته على الأرض، وما يجعلهم يعرفون أو يتوقعون أنه سيفسد في الأرض، وأنه سيسفك الدماء.. ثم هم، بفطرة الملائكة البريئة، التي لا تتصور إلا الخير المطلق، وإلا السلام الشامل، يرون التسبيح بحمد الله والتقديس له، هو وحده الغاية المطلقة للوجود، وهو وحده العلة الأولى للخلق.. وهو متحقق بوجودهم هم، يسبحون بحمد الله ويقدسون له”([7]).

فقد علموا، إذن، من خصائص هذا الكائن المستخلف، أنه خلافا لما هم عليه من الطاعة الخالصة لله تعالى، يملك جرأة فائقة على معصية الله تعالى عن طريق الإفساد في الأرض وسفك الدماء. “ولا شك أن تساؤلهم نشأ من فهم المعنى المراد من الخليفة وما يقتضيه من العلم غير المحدود والإرادة المطلقة، وكون هذا العلم المصرف للإرادة لا يحصل إلا بالتدريج، وكون عدم الإحاطة مدعاة للفساد والتنازع المفضي إلى سفك الدماء كما تقدم”([8]).

وقد توالت الآيات القرآنية، التي تصف الملائكة بالانقياد التام لأمر الله، الذي لا يشوبه زيغ أو فتور، كما هو شأن باقي المخلوقات في الكون غير الجن والإنس، منها قوله تعالى: ﴿çوَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ. يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (النحل: 49-50)؛ ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ. لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ (الأنبياء: 26-27)؛ ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ. يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ (الأنبياء: 19-20).

فعندما “أخبر الله الملائكة بأنه جاعل في الأرض خليفة، فهموا من ذلك أن الله يودع في فطرة هذا النوع الذي يجعله خليفة، أن يكون ذا إرادة مطلقة واختيار في عمله غير محدود، وأن الترجيح بين ما يتعارض من الأعمال التي تعن له تكون بحسب علمه، وأن العلم إذا لم يكن محيطا بوجوه المصالح والمنافع فقد يوجه الإرادة إلى خلاف المصلحة والحكمة وذلك هو الفساد.. فعجبوا كيف يخلق الله هذا النوع من الخلق وسألوا الله تعالى معرفة البيان والحكمة”([9]).

ويبدو أن القول بوجود مخلوق على الأرض قبل آدم، مارس الفساد وسفك الدماء قول مرجوح، ولا يستند إلى روايات مؤكدة، ويقوي هذا الاتجاه كون القيام بالإفساد وسفك الدماء، لا يمكن أن يصدر إلا عن كائن حر ومسؤول ومستخلف في الأرض، على غرار ما عليه حال آدم وتسمح به طبيعته، وأن اتخاذ آدم خليفة، والذي علم الملائكة أن من مقتضيات ذلك، مخالفته لما عليه جميع الخلائق من العبودية الدائمة لله، كان حدثا مفاجئا وغير مسبوق في علم الملائكة مما جعلهم يستغربون ويتساءلون حول الحكمة من خلق هذا الكائن الجديد والعجيب.

فكان جواب رب العالمين: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، فهم لا يعلمون بأن حكمة الله تعالى اقتضت خلق مخلوق يملك حرية اختيار عبادة الله أو معصيته، ويتعرض بعد الاختيار للثواب والعقاب، وأنه عندما يختار الطاعة والانقياد لأمر الله وهو يغالب ما في نفسه من نوازع الانحراف والعصيان، يكون فضله أعظم ودرجته عند الله أعلى من الخلائق الأخرى، التي لا تملك الخروج عن عبادة الله قيد أنملة.

وكانت أهم مراحل تأهيل آدم لمهمة الاستخلاف في الأرض، بعد تسويته والنفخ فيه من روح الله، تعليم الله له الأسماء كلها وعرضها على الملائكة، الذين عجزوا عن معرفتها إلى أن أخبرهم آدم نفسه بحقيقتها.

ولقد اختلفت آراء المفسرين في معنى هذه الأسماء فقيل: “أي أودع في نفسه علم جميع الأشياء من غير تحديد ولا تعيين؛ فالمراد بالأسماء المسميات، عبر عن المدلول بالدليل لشدة الصلة بين المعنى واللفظ الموضوع له، وسرعة الانتقال من أحدهما إلى الآخر. والعلم الحقيقي: إنما هو إدراك المعلومات أنفسها، والألفاظ الدالة عليها تختلف باختلاف اللغات التي تجري بالمواضعة والاصطلاح، فهي تتغير وتختلف والمعنى لا تغيير فيه ولا اختلاف”([10]).

وقيل: “سر القدرة على الرمز بالأسماء للمسميات. سر القدرة على تسمية الأشخاص والأشياء بأسماء يجعلها، وهي ألفاظ منطوقة، رموزاً لتلك الأشخاص والأشياء المحسوسة. وهي قدرة ذات قيمة كبرى في حياة الإنسان على الأرض. ندرك قيمتها حين نتصور الصعوبة الكبرى، لو لم يوهب الإنسان القدرة على الرمز بالأسماء للمسميات، والمشقة في التفاهم والتعامل، حين يحتاج كل فرد لكي يتفاهم مع الآخرين على شيء أن يستحضر هذا الشيء بذاته أمامهم ليتفاهموا بشأنه”([11]).

ويرى الألوسي أن المراد بالأسماء صفات الأشياء ونعوتها وخواصها؛ لأنها علامات دالة على ماهياتها، فجاز أن يعبر عنها بالأسماء، ثم يقول: “والحق عندي..، وهو الذي يقتضيه منصب الخلافة.. وهو أنها أسماء لأشياء علوية أو سفلية جوهرية أو عرضية، ويقال لها أسماء الله تعالى.. باعتبار دلالتها عليه، وظهوره فيها غير متقيد بها، ولهذا قالوا: إن أسماء الله تعالى غير متناهية؛ إذ ما من شيء يبرز للوجود من خبايا الجود، إلا وهو اسم من أسمائه تعالى وشأن من شؤونه عز شأنه، وهو الأول والآخر والظاهر والباطن”([12]).

وأرى أن هذا الرأي يقترب بنا أكثر نحو الفهم الأنسب لحادث الاستخلاف وسياقه العام، حيث يبدو أن تعليم آدم الأسماء كلها، يشمل كل ما ذكره المفسرون مما له ارتباط معين بالعلم المتعلق بماهية الاستخلاف باعتباره أمانة وتكليفا لبني آدم، وبالصفات والأسماء الكاملة للمستخلف وهو الله تعالى، وخصائص ومهام المستخلف وهو الإنسان، والعلم بحقائق المستخلف فيه وهو الرسالة الإلهية وطبيعة الحياة الأرضية.

وهذا العلم جديد كل الجدة على الملائكة، الذين لم يكن لهم عهد سابق به، ولذلك أقروا بعجزهم عن معرفته حتى علمهم إياه آدم عليه السلام.

ويمكن القول بأن مدار هذه الأسماء كلها، على حقيقة الاستخلاف وأساس الحرية والمسؤولية اللتين يقوم عليهما، وثنائيات الحق والباطل، والهداية والضلال، والإيمان والكفر، والصلاح والفساد، والطاعة والعصيان، واللذة والألم، والعقاب والثواب، والنور والظلام، والخير والشر.. وكل الثنائيات التي برزت وترسخت باستخلاف آدم في الأرض، وفي إطارها يتجه الإنسان نحو معرفة الله وعبادته والسير على نهجه أو مخالفة شرعه ومعاكسة هديه.. وكلها متقابلات ترتبط بعلاقة معينة تصلها بمسؤولية الإنسان الاستخلافية على الأرض.

وهو ما يمكن ملاحظته في كل الآيات، التي تطرقت لموضوع الاستخلاف، مثل قول موسى عليه السلام لقومه: ﴿قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (الأعراف: 128) وفي الحديث: “أما بعد فإن الدنيا خضرة حلوة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون”([13])؛ فالاستخلاف من خلال هذين النصين ينبني على إطلاق حرية الإنسان في الأرض ليصلح إن شاء ويفسد إن شاء، تحت عين الله الذي يراقب عمله ويحصيه عليه، ثم يجزيه به يوم الحساب نعيما أو جحيما.

وبهذا الفهم يكون الاستخلاف هو أن الله تعالى منح الإنسان مسؤولية الاختيار والفعل في مجال الحياة الدنيا، ليتولى محاسبته على اختياراته وأفعاله في الدار الآخرة، وكأن الإنسان خلف الله في جانب ضئيل مما هو من شأنه الخاص، المتعلق بتدبير أمر الخلائق كلها، ولم يستثن من ذلك إلا الإنس والجن اللذين وكل حيزا ضيقا من تدبيره المطلق إليهما، وهو المتعلق بالصيرورة السلوكية للذات الإنسانية وعملها العمراني، بحيث تصنع مصيرها بنفسها على الأرض وفي العالم الآخر.

وهكذا تأخذ خلافة الإنسان عن الله بعدا أخطر وأشرف في ذات الوقت؛ “بمعنى أن الله تعالى قد أعطاه من قوة العقل والتفكير والتدبير، والسيطرة على نفسه، وعلى ما في الوجود، وفي الأرض، التي خلفه الله تعالى عليها ليكون خليفة خلافة نسبية عن الله تعالى “([14]).

فهذا استخلاف بالمعنى العام، ويدل على كون الآدميين مفضلين عما سواهم من المخلوقات الأخرى، بالنيابة عن الله في بعض اختصاصه وشأنه العظيم، الذي ليس لأحد من خلقه أن يخالف فيه إرادة الخالق في قليل أو كثير، ولا يسعه إلا الطاعة الكاملة والإقرار بفضله على الخلائق، وتدبيره لما دق وجل من أمرها، فهو سبحانه يوجدها من العدم على النحو الذي تقتضيه حكمته، ويحدد لها مهمتها في الوجود بمحض إرادته دون شريك أو معين، ولا تملك حق الاعتراض عليه أبدا.

لكن الله تعالى شاء أن يخلق الإنسان، ويعرض عليه أمانة تقرير مصيره وتشكيله بإرادته الحرة في هذه الحياة الدنيا وفي الآخرة، بحيث يكون في وسعه أن يعترف بألوهية الله أو يرفضها، وأن يطيعه أو يعصاه، وأن يعبر عن موقفه الخاص في كل ما يتعلق بحياته الشخصية أو الاجتماعية، وأن يتحمل مسؤولياته كاملة عما يفعل أو يترك، وعما يحب أو يكره، وأن يسعد ويهنأ بحسن فهمه وسديد رأيه، ويجني ثماره في العاجل والآجل. أو يشقى ويخزى إذا أساء التقدير فخالف قانون الخالق وتدبيره وحكمته من خلقه.

3. الاستخلاف تفاعل بين إرادة الإنسان وتيسير الله

إن استخلاف الله للإنسان محصور داخل دائرة حريته، الذي سمح له الخالق الحكيم أن يختار بها ما يشاء، ويأتي ضمنها بالأسباب المقدورة له، والتي لا تعدو في حقيقة الأمر كونها تأكيدا للاختيار المعبر عنه؛ إذ يتولى الله تعالى تيسير فعل الإنسان لتلك الأسباب، ويسخرها له حتى تفضي إلى نتائجها المعلومة: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى. فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى. وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى. وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى. وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ (الليل: 4–10).

 فالمساحة التي استخلف الله فيها الإنسان لا تخرج عن دائرة القصد والنية، وما يفعله بعد ذلك فهو بإقدار الله له وتيسيره عليه، يقول الفضيل بن عياض: “إنما يريد الله، عز وجل، منك نيتك وإرادتك”([15]).

فمثلا عندما يقرر الفلاح غرس شجرة، يكون عليه فقط دفن البذرة في الأرض، وتعهدها بالسقي أو انتظار المطر، ثم القيام ببعض الأعمال الأخرى البسيطة مقارنة بعملية النمو ونضج الثمار، الذي يتم دون تدخل الإنسان في خباياه ودقائقه، لأن ذلك من اختصاص الخالق القادر العليم، الذي بيده تدبير كل شيء([16]).

ولهذا فإن المؤمن انطلاقا من يقينه بأنه “لا حول ولا قوة إلا بالله”، و”لا حركة ولا سكون إلا بإذن الله”، يسأل الله العون والسداد في كل ما يروم فعله من أمور المعاش والمعاد على السواء، حيث يسأل الله التأييد والتوفيق في جميع خطواته وإنجازاته، التي ترك له فيها مجال الاختيار والقرار، ليعبر عن إرادته الحرة الطليقة، فيسأل الله دوما الهداية والصلاح والاستقامة، ويستعيذ به من الزيغ عن هديه والزلل والانحراف عن صراطه المستقيم، لذلك فإن المسلم يمارس تكرار دعاء” “إياك نعبد وإياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم” أثناء قراءته سورة الفاتحة سبعة عشر مرة في صلواته المفروضة كل يوم، وعن أنس قال: كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يكثر أن يقول: “يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك” فقلت: يا نبي الله آمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا؟ قال: “نعم إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاء”([17]).

ومعلوم أن الله يقلب القلب إلى إرادة الحسنة أو السيئة قبل الانتقال إلى فعلهما تبعا لكسب صاحبه واختياره، كما قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (التغابن: 11) وقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (الصف: 5) وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (الأنفال: 24) فالله تعالى قد يحول بين المرء وقلبه فلا يبصر الحق أبدا بعد أن أمعن في رفضه وتنكب طريقه، وعندما يحاول من جديد الرجوع إليه يكون السبيل إليه قد سد في وجهه جزاء بما أسرف على نفسه في حب الباطل وإدمانه.

فالاستخلاف، إذن، عبارة عن تفاعل بين إرادة الإنسان وإرادة الله، وبين فعل الإنسان وفعل الله تعالى، سواء فيما يتعلق باستخلاف الإنسان في دين الله وشرعه، أو فيما يتعلق باستعمار الأرض واستغلال خيراتها المسخرة لصالح البشر.

 ففي مجال ممارسة الدين يكون فعل الله دائما تابعا لاختيار الإنسان وما يريد تحصيله من خلال فهمه له وعمله على وفق ذلك الفهم، فمن آمن بالله واتبع هدي دينه هداه الله وأنار بصيرته، ومن جحد وعاند وخالف هدي الله زين الله له توجهه واختلال فهمه، حتى يتبين له سوء اضطراب سعيه فيقرر التراجع عنه تلقائيا إلى الرشد والصلاح، أو يستمر في مسلكه، وينهي حياته كما بدأها في غيّه وضلاله.

 فعن ابن عباس قال: “لما جحد المشركون ما أنزل الله، لم تثبت قلوبهم على شيء، ورُدَّتْ عن كل أمر”. فإذ رفضوا الانصياع للحق، لم يكن الله تعالى ليفرضه عليهم استجابة منه سبحانه لمرادهم، وتسخيرا لقلوبهم فيما ارتضته من الإعراض والصدود، ولما استماتوا في نبذ الحق وترسخ لديهم هذا الموقف إزاءه، حول الله قلوبهم إلى الطغيان والعمه وألزمهم بما اختاروه، وما كان أبدا ينسجم مع مسؤوليتهم عن أحوالهم أن يحملهم الله تعالى على الإيمان وهم له كارهون([18]).

فما نراه في هذه الحياة من خير وصلاح ونماء وبناء، أو عكس ذلك من شر وفساد ورعونات وحماقات، يعتبر نتيجة طبيعية لممارسة الإنسان للمهمة الاستخلافية في بعديها الإصلاحي والإفسادي.

ثانيا: علاقة الاستخلاف بالأمانة العظمى

 ينطوي مفهوم الاستخلاف كما ألمحنا سابقا على معاني التكليف والعهد إلى المستخلف بأداء مهام محددة في نطاق الوسع البشري، ومن ثم أرى أن فهم خلافة الإنسان عن الله يحتاج بعض التوضيح لأبعاد الأمانة العظمى التي اختار الإنسان حملها من دون الخلائق.

1. في مفهوم الأمانة

والأمانة العظمى هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا. لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (الأحزاب: 72-73).

وقال قوم: إن الآية من المجاز؛ أي إنّا إذا قايسنا ثقل الأمانة بقوة السموات والأرض والجبال، رأينا أنها لا تطيقها، وأنها لو تكلمت لأبت وأشفقت، فعبّر عن هذا بعرض الأمانة([19]).

ففي تفسير القرطبي([20]): والأمانة تعم جميع وظائف الدين على الصحيح من الأقوال، وهو قول الجمهور. وذكر حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال الله تعالى لآدم يا آدم إني عرضت الأمانة على السموات والأرض فلم تطقها فهل أنت حاملها بما فيها، فقال: وما فيها يا رب؟ قال: إن حملتها أجرت وإن ضيعتها عذبت، فاحتملها بما فيها، فلم يلبث في الجنة إلا قدر ما بين صلاة الأولى إلى العصر حتى أخرجه الشيطان منها، قَالَ: “فالأمانة هي الفرائض التي ائتمن الله عليها العباد”)([21]).

 يتبين من هذا الحديث، كما من تتمة الآية: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أن مفهوم الأمانة شامل لكل ما يثاب الإنسان على فعله، وما يعاقب على تركه من تكاليف الله تعالى، التي يختار الإنسان الالتزام بها أو مخالفتها عن طواعية واختيار.

أما غير الإنسان من المخلوقات الفاقدة لحرية المشيئة والاختيار، فليست مستأمنة على الوظائف المسخرة لها والمقهورة عليها، “وهذا القمر، وهذه النجوم والكواكب، وهذه الرياح والسحب، وهذا الهواء وهذا الماء، وهذه الجبال، وهذه الوهاد، كلها.. كلها.. تمضي لشأنها، بإذن ربها، وتعرف بارئها، وتخضع لمشيئته بلا جهد منها ولا كد ولا محاولة. لقد أشفقت من أمانة التبعة، أمانة الإرادة، أمانة المعرفة الذاتية، أمانة المحاولة الخاصة”([22]).

وذهب الرازي إلى أن الأمانة هي التكليف المخالف للطبيعة، ثم قال: “واعلم أن هذا النوع من التكليف ليس في السموات ولا في الأرض، لأن الأرض والجبل والسماء كلها على ما خلقت عليه؛ الجبل لا يطلب منه السير، والأرض لا يطلب منها الصعود ولا من السماء الهبوط.. كما يشتغل الإنسان بأمر موافق لطبعه”([23]).

لقد اقتضت حكمة الله أن ينفرد الإنس والجن بالأمانة وحدهما دون باقي المخلوقات، حتى لا تضيع الأمانة بين الخلائق، ويلقي الإنسان بالمسؤولية عليها عند كل خلل أو زلل يحدثه فوق الأرض، ويبرئ نفسه من تبعاته كما هو دأب غالبية الآدميين.

وتكاليف الشرع في مجملها مخالفة لهوى الأنفس يتطلب القيام بها صبرا ومجاهدة، “والتكليف الشرعي لم يعتبر تكليفًا إلا لما فيه من الكلفة الشاقة، ولما ينطوي عليه من تحمل بعض الأتعاب والإجهاد النفسي والجسدي والعقلي، الذي يؤهله لمرتبة التكليف المرجوة”([24]).

ويتسع نطاق التكليف في إطار الأمانة، حيث “في الأمانة وجوه كثيرة، منهم من قال هو التكليف وسمي أمانة لأن من قصر فيه فعليه الغرامة، ومن وفى فله الكرامة. ومنهم من قال هو قول لا إله إلا الله، وهو بعيد فإن السموات والأرض والجبال بألسنتها ناطقة بأن الله واحد لا إله إلا هو، ومنهم من قال الأعضاء، فالعين أمانة ينبغي أن يحفظها، والأذن كذلك واليد كذلك، والرجل والفرج واللسان، ومنهم من قال معرفة الله بما فيها”([25]).

2. فطرية الأمانة

مما يدل على فطرية الأمانة وكونها مركوزة في الروح الإنسانية، ما رواه حذيفة، رضي الله عنه، قال: “حدثنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حديثين قد رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر، حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن وعلموا من السنة، ثم حدثنا عن رفع الأمانة، قال: ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل الوكت، ثم ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل المجل كجمر دحرجته على رجلك فنفط، فتراه منتبرا وليس فيه شيء، فيصبح الناس يتبايعون فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة…”([26]).

فالحديث خصص موضع نزول الأمانة من ذات الإنسان في أصل القلب؛ أي الروح، كما أشار إلى أن قبضها يكون من القلب أيضا. وهنا يلاحظ انسجام واضح بين طبيعة القلب المتقلبة، لما جبل عليه من إرادة حرة، وبين احتضانه للأمانة القاضية بنيل الجزاء على الإحسان، والعقاب على الإساءة.

فعن ابن عباس، رضي الله عنهما، أن الأمانة “هي الفرائض التي أمروا بها ونهوا عنها”، وقيل هي الطاعة، وقيل هي التكاليف وقيل العهد الذي أخذه الله على العباد، وقيل الأمانة المذكورة في هذا الحديث هي الأمانة المذكورة في الآية (إنا عرضنا الأمانة)، وهي عين الإيمان، فإذا استمكنت في القلب قام بأداء ما أمر به واجتنب ما نهي عنه([27]). ويدعم هذا الفهم لمدلول الأمانة، وتعيين متعلقها في الذات الآدمية، قول أبي بكر بن العربي حول آية الأمانة بعد إيراد الأقوال المختلفة في معناها: “فهذه الأقوال كلها متقاربة، ترجع إلى قسمين: أحدهما؛ التوحيد فإنه أمانة عند العبد، وخفي في القلب، لا يعلمه إلا الله، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إني لم أومر أن أنقب على قلوب الناس”. وثانيهما؛ قسم العمل وهو في جميع أنواع الشريعة، وكلها أمانة تختص بتأكيد الاسم فيها”([28]).

ومعلوم أن الأدلة توافرت من الكتاب والسنة على أن للأمانة ظاهر يجري على الجوارح، وباطن يكمن في القلب، وهو ما يسمى بالسريرة والعلانية، أو المخبر والمظهر، وكل هذا يندرج في التصور الذي يكرس مسؤولية القلب في الذات الإنسانية.

 قال في التحرير والتنوير: “والقول في حمل معنى الأمانة على خلافة الله تعالى في الأرض مثل القول في العقل، لأن تلك الخلافة ما هيأ الإنسان لها إلا العقل، كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: 29) ثم قوله: ﴿وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ (البقرة: 30)، فالخلافة في الأرض هي القيام بحفظ عمرانها ووضع الموجودات فيها في مواضعها، واستعمالها فيما استعدت إليه غرائزها، وبقية الأمور التي فسر بها بعض المفسرين الأمانة يعتبر تفسيرها من قبيل ذكر الأمثلة الجزئية للمعاني الكلية.

 والمتبادر من هذه المحامل أن يكون المراد بالأمانة حقيقتها المعلومة، وهي الحفاظ على ما عهد به ورعيه، والحذار من الإخلال به سهوا أو تقصيرا فيسمى تفريطا وإضاعة، أو عمدا فيسمى خيانة وخيسا”([29]).

كما يكون المقصود بالأمانة العظمى أصل التكليف، وهو مسؤولية الإرادة والعمل وفقها، وتحمل نتائج الاختيار وتبعاته التي رتبها الخالق عليها، وهذا المعنى ظاهر في مواقف الأطراف الحاضرة أثناء تنصيب آدم خليفة لله في الأرض؛ إذ سجد الملائكة لآدم طاعة لله لأنهم لا يملكون القدرة على اختيار موقف آخر غير الامتثال للأمر الإلهي، وفي المقابل رفض إبليس أن يسجد واختار عصيان أمر الله، معرضا نفسه للعذاب عن وعي وإصرار؛ لأنه يملك حرية القرار وتحمل مسؤولية اتخاذه، أما آدم وحواء فأكلا من الشجرة الممنوعة في الجنة، ثم بادرا للاعتراف بمسؤوليتهما الكاملة عما وقعا فيه من الخطإ، وأقرا بظلمهما لنفسيهما فتابا على عجل، وطلبا من الله العفو والمغفرة، ولم يلقيا باللوم على إبليس رغم ضلوعه في تزيين مخالفة نهي الله لهما، وكانا في كل ذلك ممارسين لحرية الاختيار أيضا: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ. قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ. قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ (الأعراف: 21-23).

فكانت هذه التجربة العملية نموذجا مؤسسا لمعنى الأمانة الاستخلافية، التي سوف يتحملها آدم وحواء وذريتهما من بعدهما فوق الأرض، والتي لا تخرج عن نطاق الفعل الإرادي، الواقع في دائرة الصواب أو الخطإ، ثم مراجعة النفس وتصحيح توجهها، أو استمراء العوج والاستمرار عليه.

ويلاحظ أن عنصري الإنس والجن كليهما في هذه التجربة المؤسسة لممارسة المسؤولية، عبرا عن حرية الاختيار بارتكاب المخالفات ومعاكسة مطلوب الله منهما، وظل ذلك هو خصيصة نسلهما الغالبة في سلوكه على الأرض.

 وفي ذلك تأكيد لخاصية المسؤولية في فطرة الإنسان، وإن استعملها في الطريق الخطإ وجرت عليه خسارة فادحة، فقد أخرج آدم وحواء من الجنة، وأهبطا إلى الأرض بسبب خطإ الأكل من الشجرة الممنوعة، ولحقت إبليس لعنة الله وعذاب الجحيم بسبب رفضه امتثال أمر الله له بالسجود لآدم عليه السلام.

إن حقيقة استخلاف الإنسان على الأرض، ترتبط أساسا بقدرته على فعل الخطايا وتحمل عواقبها في الحياة وبعد الممات، أكثر من اختيار الصواب وجني ثماره في دنياه وأخراه؛ إذ الاعتراف بالخطإ وبمسؤولية الإنسان الكاملة عن ارتكابه هي عين الصواب ومقتضى الفطرة الإنسانية، وحبل النجاة لكل آدمي.

وفي بيانات القرآن والسنة ترسيخ لهذه الحقيقة: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (الزمر: 50)، كما أن الخطايا والأخطاء تعتبر من أساسيات الفعل الاستخلافي، إذ تتجلى المسؤولية الإنسانية من خلالها أكثر من تجليها خلال فعل الصواب والأصوب، ولهذا كان فعل الخطإ هو ما برز به العنصران المسؤولان والمكلفان آدم والشيطان، في مقابل الملائكة الطائعين وغير المكلفين، ففي الحديث: “والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله فيغفر لهم”([30])، “كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون”([31]).

فباب المراجعة والتصحيح والاستفادة من الأخطاء مهما قبحت، والوقوف على عواقبها في الدنيا قبل الآخرة، يظل مشرعا أمام الخاطئين على امتداد العمر، لكي يعترفوا بزيغهم عن الحق وإمعانهم في الباطل، فتشملهم، رحمة الله، وينعموا بعفوه وغفرانه. فالتوبة التي تمحو الخطايا مهما عظمت وقبحت، تمثل قمة الإقرار بمسؤولية الإنسان عن أفعاله السيئة واستعداده للإقلاع عنها في المستقبل.

فليس مطلوبا من الإنسان الخليفة أن يكون معصوما من الأخطاء تماما، ولكن المطلوب منه أن يعترف بمسؤوليته عن أخطائه قبل أن يقفل في وجهه باب التوبة الصادقة إلى الله، وتضيع منه فرصة الأوبة من قريب إلى رحاب الحق والرشاد، عندما يحكم الله عليه بانطماس البصيرة وعمى القلب جزاء وفاقا.

ثالثا: عموم الاستخلاف لكل البشر

إن الاستخلاف كما تقدم هو تحميل الإنسان الأمانة الأصلية، التي تتفرع عنها مسؤوليات ﴿جسيمة، تتعدى نطاق الفرد إلى الجماعة أو الأمة بل والبشرية بأسرها، وهو مهمة إنسانية مشتركة بين بني آدم يمارسها كل واحد وكل قوم، على امتداد الزمان والمكان انطلاقا مما يؤمن به من معتقدات، سماوية أو أرضية صالحة أو فاسدة، بحيث يمكن وصف الاستخلاف تبعا للخلفية الفكرية الموجهة له، والتي يجري في إطارها ويخضع لمقتضياتها، فنتكلم عن الاستخلاف الإسلامي والاستخلاف المسيحي والاستخلاف البوذي والاستخلاف الليبرالي.. وهكذا.

1. استحقاقات الاستخلاف في واقع الأرض

استخلاف الإنسان في الأرض يكون بالهداية وبالضلال، ويكون بالصلاح وبالفساد، فهو نتيجة لاختيار الإنسان، الذي ولي تدبير أموره بهامش معين من الحرية المسؤولة. بعدما تجرأ على حمل هذه الأمانة الثقيلة، والتي أكدت وقائع التاريخ الماضي والواقع الحاضر أنه لم يفلح في ذلك إلا بنسبة ضئيلة، كما أخفق في التعرف على الله والالتزام بتعاليم وحيه عندما يبلغه، حسب ما يفيدنا القرآن في آيات عديدة، ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (يوسف: 103)، ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (النحل: 83)، ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ (المؤمنون: 71). ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ (الأعراف: 9)، وهكذا يمكننا القول بأن عموم تاريخ الاستخلاف الإنساني على الأرض إنما هو تاريخ فشل الإنسان في الاهتداء لما تتحقق به سعادته في الدنيا والآخرة.

 ويواجه المتأمل في هذا الصدد سؤال حارق وهو: ألا يعتبر فشل بني آدم في تحمل الأمانة الاستخلافية وأدائها على الوجه الصحيح، وتحمل واجباتها الثقيلة التي جعلته عرضة لخسارة كبيرة ومعانات متواصلة، تكاد تكون شاملة لجميع الأفراد في مختلف الأمصار والأعصار، ألا يعتبر ذلك فشلا لنهج الاستخلاف؟

 والجواب لا! لأن واقع الاستخلاف ظل رهينا لإرادة الإنسان، وطبيعي جدا أن تختلف نتائجه بين الأفراد والجماعات والشعوب والدول، على امتداد الزمان والمكان، وما يلاحظ في السلوك البشري من ظلم وعبث وضياع ودمار، يمثل اختيارا واستحقاقا لا يرجع إلى الاستخلاف في حد ذاته، بقدر ما يرجع إلى فعل الإنسان المحض ومسؤوليته في إطاره، فكل خير وصلاح ورقي، أو شرّ وفساد وانحطاط يحصل فوق الأرض، إنما هو من كسب الإنسان حسب طبيعة ممارسته للمهام الاستخلافية.

ولقد جاءت الحصيلة مطابقة لتخوف الملائكة، بإفضائه إلى الفساد في الأرض وسفك الدماء، ووقع منسجما تماما مع ما سبق في علم الله وتوالى تقريره في القرآن، بأن القليل من بني آدم هم المؤمنون الشاكرون المصلحون العاقلون المتقون، لكن الغاية الكبرى للاستخلاف تتحقق دوما بشكل يرفع النفي، وهي تقرير الإنسان لمصيره بنفسه في الدنيا وفي الآخرة، وتحمل مسؤوليته أمام الله في كل ذلك بصورة كاملة.

فقد مارس الإنسان حريته في إطار الاستخلاف، بفعل ما يريد مما يحسن أو يقبح، فكما عبدَ الله وتفانى في ابتغاء مرضاته، وسعى في تمثل ونشر الخير والصلاح والأخلاق الفاضلة، فإنه أيضا يتمرد على حكمه ويعصى أمره سبحانه، بل ويستهزئ به وبدينه وبرسله: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ (الأعراف: 50) ولم يترك نقيصة ولا ظلما أو جرما وفسادا إلا اقترفه وأدمن عليه.

 وما دام المقصد الإلهي من خلق الإنسان والحياة هو الابتلاء باختيار الصلاح أو الفساد، ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (هود: 7)، ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (الملك: 2)، ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا. إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ (الإنسان: 2-3).

فليس مطلوبا من الإنسان المستخلف ألا يخطئ أصلا، حتى يعتبر ناجحا في تحمل الأمانة العظمى، وإنما المطلوب منه ألا يتمادي في أخطائه دون إنهائها بالاعتراف بمسؤوليته عن ارتكابها والإصرار عليها قبل نفاد الأجل المحتوم.

ومن هذا المنطلق فإن منهج الاستخلاف في الأرض، لا يعدو أن يندرج في أحد الاتجاهين، إما اعتماد شرع الله المبلغ للناس من خلال الرسالات السماوية، عن طريق الرسل عليهم السلام، وإما الاعتماد على الفطرة والعقل في غياب الوحي، أو عند اختيار رفضه وافتقاد الإيمان به لسبب من الأسباب.

2. الاستخلاف على أساس الوحي

الاستخلاف انطلاقا من الوحي، هو الذي يمارس في إطار توجيهاته، والتي أرشدت الناس لفعل الصالحات كل الصالحات بالتمام والكمال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (الأنعام: 39)، ونيل الريادة والسيادة في الأرض، واستحقاق الفوز بالنعيم المقيم في الجنة: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (النور: 53).

فقد بينت الشرائع السماوية بأن مقصد الله تعالى من إنزالها، هو أن يختار من شاء أن يمارس أمانة الاستخلاف في الأرض بمنهج شرع الله الهادي إلى خيري الدنيا والآخرة، ويختار من شاء كذلك ممارسته بمنهج غير مرتبط بدين الله، الذي توالى الوحي به للإنسان منذ آدم، واعتمد في تشكيله على ما يرشد إليه العقل وتجارب الحياة.

فتكون الشريعة حجة ومنهجا استخلافيا ربانيا لمن آمن بها وسار على هديها، المحقق لمصالح البشر في الدنيا والآخرة، كما تظل حجة على من أدار ظهره إليها وتنكب طريقها، ومارس الاستخلاف خارج إطارها بعد تلقي بلاغها المبين، لأن إقامة حجة الله على العباد وإتاحة هدايتهم إلى ما تصلح به دنياهم وآخرتهم، هو المقصد الأول من جميع الرسالات السماوية: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (فاطر: 24).

ومن المؤكد أن أقواما كثيرين عبر التاريخ لم تبلغهم الرسالة الإلهية، أو بلغتهم محرفة وناقصة، أو لابستها تفسيرات أو تطبيقات مشوهة لصفائها وحقائقها، مما يحمل على رفضها وامتناع الاحتكام إليها في القيام بالمهام الاستخلافية.

 فماذا يكون مآل المسؤولية الإنسانية في مثل هذه الظروف التي تعم معظم البشر؟

يعتبر الإيمان بالله واليوم الآخر والتزام الأخلاق الحسنة، من أصول الأديان السماوية التي تبقى ويستمر حضورها في ثقافات الشعوب جيلا بعد جيل، وإن علقت بها انحرافات طامسة لمدلولاتها ومقتضياتها السلوكية، والتي تحمل على عرضها على العقل السليم لتبين ما يصح منها فيؤخذ به، وما يبطل منها فيعمل على اجتنابه، أو يُلجأ إلى البحث عن الدين الأصلح عبر الواقع الأرضي، والذي قد لا يخلو منه زمان.

ولقد رأينا كيف أن العرب ظلوا متشبثين ببقايا دين نبي الله إبراهيم، لكنهم أفسدوه بلوثات الشرك، كما استمرت اليهودية والمسيحية على ما خالطها من تحريفات قائمتين في العالم، لحفز طلاب الحقيقة على البحث وتحري الحقيقة.

ومنذ بعثة النبي الخاتم محمد، صلى الله عليه وسلم، ظل وحي الله محفوظا بحفظ القرآن الكريم والسنة النبوية، وبارتفاع نسبة التدين بين المسلمين المنتشرين في ربوع المعمور، بحيث تتضاءل إمكانية وجود مجموعة من الناس، لم يسمعوا عن الإسلام أو لم تبلغهم ترجمة معاني القرآن إلى لغاتهم، كما أن تقدم تكنولوجيا الإعلام والتواصل، اختصرت عناء التعرف على الإسلام، إلى مجرد كتابة كلمة إسلام بأي لغة في أحد محركات البحث على شبكة النت.

ومن جهة أخرى تميز هذا العصر، باستخدام خصوم الإسلام لوسائل الإعلام، التي أرهقت أسماع الناس وأبصارهم في قرية العالم الصغيرة، بمحاولات متوالية تكاد تكون يومية، لتشويهه، بقصد صرف الناس المتعطشين لمعرفة الله تعالى عن اعتناقه والنهل من فيض هديه، لكنها غدت أقوى سبب لإقبال العقلاء من أهل الكتاب ومن غيرهم على دراسته واستخلاص حقيقته بأنفسهم، مدفوعين بما يلاحظ في المواد الإعلامية من تحامل مكشوف على الإسلام، غايته تضليل الرأي العام العالمي بإلباس سلوك يقوم به فرد أو مجموعة معزولة مخالفة لهديه، لجميع المسلمين وللإسلام نفسه ولنهجه العام.

3. الاستخلاف على أساس الفطرة والعقل

 لما كان الاستخلاف هو الغاية من خلق الإنسان، والمقتضية أن تطلق له حرية العمل على ظهر الأرض مدة حياته فوقها، وأن يكون مسؤولا عن اختياراته الكبرى المحددة لموقفه من الخالق المدبر الحكيم، إيمانا به واحتكاما لشرعه، أو جحودا به وإعراضا عن نهجه القويم، فإنه يصير مكلفا على أساس متين خلق في ذاته منذ خلقتها، وهذا الأساس المتين يلازم النفس ما تصاعدت أنفاسها، ويحفظ لها حدا أدنى من الرشد والصواب، تكون مسؤولة على أساسه إذا لم يعزز بهدايات الوحي، وذلك الأساس هو الفطرة والعقل.

فهو الذي يؤهله للتساؤل حول أصل وجوده، والمغزى من حياته فوق الأرض ومصيره بعد الموت، ويمكنه من التمييز بين الهداية والضلال، والمصلحة والمفسدة والخير والشر والربح والخسارة، والنجاة والهلاك، إذا أحسن التجاوب مع توجيهاته الهادية، التي تأتي لتأكيدها وتنميتها بيانات الوحي المنزل من الله على البشر.

أ. الاستخلاف على أساس الفطرة

يستفاد من تعاريف الفطرة أنها هي الحال التي تخلق عليها الروح وتظل ملازمة لها مدى الحياة، وتأسيسا على هذه الحقيقة، فإن القلب الذي هو مركز النفس، سيكون مصدرا للفطرة، يستمد منها العلم الضروري بالحق والباطل، ويستدل بها على الصواب عندما تقصر وسائل اكتشافه أو تتعتم صورته.

 وهي التي تطبع السلوك البشري بطابعه الخاص المتميز عن الحيوان بميزات الحرية والمسئولية والعقل، والإيمان بالله والتجمل المادي والمعنوي، والحرص على الفضيلة والجنوح عن الرذيلة، والنفور منها والإعراض عنها، والتوبة إلى الله والخوف من عذابه واستشعار السعادة والاطمئنان في معرفة الحق والالتزام به ورفض الباطل ومحاربته. ومن الفطرة أيضا حب الجنس الآخر والوالدين والأولاد والأقارب والعيش في جماعة، وحب التملك والسعي إلى جلب الملذات وتجنب الآلام والميل مع المنافع ودرء المفاسد..([32]).

فهذا السلوك القويم هو الذي جاءت الشرائع السماوية داعمة ومميزة له وحاضة عليه، بحيث إن الدين والفطرة السليمة يلتحمان ويتساندان؛ “والله، سبحانه وتعالى، خلق عباده على الفطرة التي فطرهم عليها وبعث إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه فصلاح العباد وقوامهم بالفطرة المكملة بالشرعة المنزلة”([33]).

ويثار سؤال بصدد موضوع الفطرة، هل من مقتضياتها إلى جانب الحث على الصلاح والاستقامة والفضيلة، وكل ما ذكر سلفا وما لم يذكر مما ينتظم في سلكه، أن تميل أحيانا إلى بعض الدنايا والنقائص، أم أن ذلك حاصل دون دخل منها؟

يرى الراغب الأصفهاني أن الإنسان مفطور في أصل الخلقة على أن يصلح أفعاله وأخلاقه، وعلى أن يفسدها، وأنه ميسر له اتباع طريق الخير والشر وإن كان منهم من هو بالجملة إلى أحدهما أميل، وعلى تمكنه من السبيلين دل الله بقوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾؛ أي عرفناه الطريقين، وكما أنه مفطور على اكتساب الأمرين في ابتدائه، مفطور على أنه إذا تعاطى أحدهما إن خيرا، وإن شرا ألفه فإذا ألفه تعوده، وإذا تعوده تطبع به وإذا تطبع به صار له طبعا وملكة، فيصير فيه بحيث لو أراد أن يتركه لم يمكنه([34]).

فصلاح الفطرة الأصلي، قابل للتغير إلى الفساد، بمؤثر ذاتي أو خارجي. والمقصود بالمؤثر الذاتي هو اختيار القلب للزيغ والإعراض عن المقتضى الغالب للفطرة ونهج الشريعة.

قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الروم: 29).

ففي هذه الآية يأمر الله تعالى رسوله بأن يسدد وجهه للدين الإسلامي بحيث لا ينظر إلا إليه، فهو فطرة الله؛ أي صنعة الله التي صنع عليها الإنسان وهي قابليته للإيمان بالله تعالى([35]).

ومعنى “الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها؛ أي خلقهم عليها وهي قبولهم للحق وتمكنهم من إدراكه، أو ملة الإِسلام فإنهم لو خلوا وما خلقوا عليه أدى بهم إليها”([36]).

وقال الشيخ السعدي: “وهذا الأمر الذي أمرناك به هو ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ووضع في عقولهم حسنها واستقباح غيرها، فإن جميع أحكام الشرع الظاهرة والباطنة قد وضع الله في قلوب الخلق كلهم، الميل إليها، فوضع في قلوبهم محبة الحق وإيثار الحق وهذا حقيقة الفطرة”([37]).

ويؤكد فطرية الإيمان والتوحيد في النفس الإنسانية قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ (الأعراف: 172)؛ فالمعنى أن الله أودع في نفوس الناس دلائل الوحدانية، فهي ملازمة للفكر البشري، فكأنها عهد عهد الله لهم به، وكأنه أمانة ائتمنهم عليها، لأنه أودعها في الجبلة ملازمة لها”([38]).

وفي الحديث الصحيح([39])، أن أبا هريرة، رضي الله عنه، كان يحدث، قال النبي صلى الله عليه وسلم: “ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء”، ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (الروم: 29) الآية. والمقصود بالفطرة هنا الإسلام أو الإيمان العام بالله تعالى، لذلك “فلست واجدا أحدا إلا وهو مقر بأن له صانعا ومدبرا، وإن سماه بغير اسمه، أو عبد شيئا دونه، ليقربه منه عند نفسه، أو وصفه بغير صفته، أو أضاف إليه ما تعالى عنه علوا كبيرا، قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (الزخرف: 87)، فكل مولود في العالم على ذلك العهد والإقرار، وهي الحنيفية التي وقعت في أول الخلق، وجرت في فطر العقول”([40]).

ولقد أكد الحديث دور البيئة المحيطة بالنشء، والتي من شأنها تنمية أصل التدين في فطرته، والدفع به في اتجاه الإسلام أو اليهودية أو النصرانية أو المجوسية أو الوثنية أو العلمانية أو الإلحاد، والذي يتنكر للفطرة وشواهد الإيمان المتوافرة في مخلوقات الله، ويسلك في ذلك مناهج فكرية يراها مقوضة لأسس الاعتقاد الإيماني.

فكل الناس عباد لله اضطرارا، ومقصد الشرائع الإلهية تيسير عبادة الله لهم اختيارا، كما بين الإمام الشاطبي بقوله: “المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه، حتى يكون عبدا لله اختيارا، كما هو عبد لله اضطرارا”([41]) ومقصدها الأكبر هو تمكين الإنسان من الاختيار عن طواعية بين اتباع شرع الله واتباع الشرع البشري الوضعي، الذي يتخذ أشكالا متعددة.

ب. الاستخلاف على أساس العقل

مما يثبت أساسية العقل في قرارات الإنسان واختياراته، اشتداد الحاجة إلى الاعتماد على الأحكام العقلية، في إعداد حيثيات اتخاذ قرار الإيمان أو عدمه، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ (هود: 17)؛ فالبينة برهان من الله يدله على الحق والصواب فيما يأتيه ويذره.. ويتبع ذلك البرهان الذي هو دليل العقل، شاهد من الله يشهد بصحته وهو القرآن([42]).

بل نجد القرآن الكريم يدعو دائما المخاطبين لاستخدام عقولهم وحدها، وبشكل صحيح في الحكم بصواب ما يسوقه لهم من حقائق الرسالة البينة، وما يعرضه عليهم من حجج وأدلة عقلية، ومن الآيات الحاثة على التعقل: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (يونس: 16)، ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (يوسف: 109)، ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: 163)، وآيات أخرى تثير التفكير والاعتبار منها: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (الأنبياء: 22)، ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ. أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ﴾ (الطور: 33-34).

ولقد فرق الإمام الغزالي بين نوعين من حقائق المعلومات، نوع صادر عن الشرع، ونوع صادر عن العقل، وفرق فيما يصدر عن العقل بين ما هو ضروري وأصله الفطرة، وما هو مكتسب بالتعلم، فقال: “أما العقلية فنعني بها ما تقضي بها غريزة العقل، ولا توجد بالتقليد والسماع، وهي تنقسم إلى ضرورية لا يدرى من أين حصلت وكيف حصلت؛ كعلم الإنسان بأن الشخص الواحد لا يكون في مكانين، والشيء الواحد لا يكون حادثا قديما، موجودا معدوما معا، فإن هذه علوم يجد الإنسان نفسه منذ الصبا مفطورا عليها… وإلى علوم مكتسبة وهي المستفادة بالتعلم والاستدلال وكلا القسمين قد يسمى عقلا”([43]).

فالإنسان عندما يبلغه الوحي يصير مسؤولا عن إعمار الأرض، بإقامة الدين ونشر أخلاقه والتمكين لنهجه قدر المستطاع، ويظل مسؤولا أيضا ولو دون الوحي، بما معه من العقل والفطرة الهادية، عن استغلال خيرات الأرض وتسخيرها، عن طريق مختلف العلوم والمعارف العقلية، قصد الانتفاع بها في مجالات الفلاحة والصناعة، وإقامة ما تدعو إليه مصالحه من المنشآت الحضارية، ومسؤول فوق كل ذلك عن إقامة نظام أخلاقي فطري، يشمل القيم الإنسانية الفضلى من عدل وصدق وأمانة، وتعاون على الخير وإتقان العمل وإحسان التعامل مع الغير، واجتناب الظلم والزيف والخيانة والفواحش وسوء المعاملة، “فالخليفة آدم وخلفيته قيامه بتنفيذ مراد الله تعالى من تعمير الأرض بالإلهام أو بالوحي وتلقين ذريته مراد الله تعالى من هذا العالم الأرضي”([44]).

ويستثمر الإلهام الإلهي في كيان الإنسان عن طريق التعليم الذي يمارسه الكبار على الصغار والعلماء على فاقدي العلم والخبرة، بحيث تنمو المدارك العقلية وتتطور عبر ممارسة نمط معين من إعمار الأرض، خلافا لما عليه الحال عند باقي الأحياء بحيث “يولد الحيوان عالما بالإلهام ما ينفعه وما يضره، وتكمل له قواه في زمن قليل، ويولد الإنسان وليس له من الإلهام إلا الصراخ بالبكاء، ثم يحس ويشعر بالتدريج البطيء بالنسبة إلى غيره من الحيوان، ويعطى قوة أخرى تتصرف بشعوره وإحساسه تصرفا يكون له به السلطان على هذه الكائنات، فيسخرها ويذللها بعد ذلك كما تشاء تلك القوة الغريبة وهي التي يسمونها العقل”([45]).

فأصل مسؤولية الإنسان ثابت بمجرد امتلاكه للعقل، ثم تتعزز هذه المسؤولية بالنسبة لمن وصلهم الوحي، فتصبح مقيدة بنصوصه فيما وردت آمرة به من المعتقدات والعبادات، ومختلف المفروضات والواجبات أو ناهية عنه من الضلالات والغوايات وقبائح السلوك والمحرمات، وما كان خارج هذه الدائرة يرجع فيه إلى العقل في ضوء بيانات الشرع ومقاصده العامة، كما يشهد على ذلك حديث معاذ بن جبل الذي “لما بعثه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى اليمن قال: كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله، قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو، قال: فضرب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على صدره، وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضى به رسول الله”([46]).

قال ابن القيم عن هذا الحديث: “وقد أقر النبي، صلى الله عليه وسلم، معاذا على اجتهاد رأيه فيما لم يجد فيه نصا عن الله ورسوله”([47]).

ومن لم يبلغه الوحي لا يسقط ذلك عنه المسؤولية بين يدي الله تعالى، مادام متمتعا بقدراته العقلية، حيث تستند مسؤوليات عديدة إلى وجود العقل، القادر على تمييز كثير من المصالح والمفاسد، والفضائل والرذائل، والمعروف والمنكر، فيكون مستحقا لنعم الله إذا أحسن ولنقمه إذا أساء ولو لم يعلم عن الوحي شيئا، وذلك في الدنيا قبل الآخرة.

فالمسؤولية الاستخلافية مرتبطة دائما بالعلم نقليا كان أو عقليا: ﴿وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ (البقرة: 31)؛ إذ من المعلوم “أن أسباب العلم بالأمور ثلاثة: فمنها ما يعلم بظاهر الحواس بالبديهة، ومنها ما يفهم ويعلم بالتأمل والنظر، ومنها ما لا يعلم إلا بالتعليم والتنبيه”([48]).

فلا يسوغ أبدا إخراج قرونا كاملة في حقب زمنية مختلفة لم يبعث فيهم رسول، ولم يلموا بمضمون سليم لرسالة سماوية من دائرة الاستخلاف، المقترن ضرورة بالمسؤولية الإنسانية عما يصدر عنهم من فساد ومظالم، ومخالفات لأحكام العقل والفطرة، التي فطر الله الناس عليها. “فالإنسان بهذه القوة غير محدود الاستعداد، ولا محدود الرغائب، ولا محدود العلم، ولا محدود العمل، فهو على ضعف أفراده يتصرف بمجموعه في الكون تصرفا لا حد له بإذن الله وتصريفه، وكما أعطاه الله  تعالى، هذه المواهب والأحكام الطبيعية ليظهر بها أسرار خليقته، وملكه الأرض وسخر له عوالمها، أعطاه أحكاما وشرائع، حد فيها لأعماله وأخلاقه حدا يحول دون بغي أفراده وطوائفه بعضهم على بعض، فهي تساعده على بلوغ كماله؛ لأنها مرشد ومرب للعقل الذي كان له تلك المزايا؛ فلهذا كله جعله خليفته في الأرض وهو أخلق المخلوقات بهذه الخلافة”([49]).

ومما يؤكد مسؤولية الإنسان مطلقا على امتداد وجوده فوق الأرض، كون الحيوانات أيضا يحشرون يوم القيامة للحساب فيما بينها، وفيما بينها وبين البشر، بحيث يقتص للمعتدى عليه من المعتدي وهي غير مكلفة، فيدل ذلك من باب أولى على ملازمة المسؤولية للإنسان، الذي إن لم يكن مسؤولا بما بلغه من الرسالات السماوية فهو مسؤول بما زوده الله به من قوة الفكر، وبما يرتضيه من أنظمة وقوانين غايتها تحقيق العدل ورفع الظلم بين أفراد المجتمع، فمن يخل بقوانين وضعية لحفظ الأمن والتعاون بين الناس، وتحقيق المصالح الدنيوية العامة، ويبغي على غيره ويظلمه، يتعرض لعقاب الله في الدنيا، وعند المثول أمامه للحساب.

فعن أبي هريرة، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: “لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء([50])، من الشاة القرناء”([51])، هذا تصريح بحشر البهائم يوم القيامة وإعادتها إلى ربها كما يعاد أهل التكليف من الآدميين، وكما يعاد الأطفال والمجانين ومن لم تبلغه دعوة، وعلى هذا تظاهرت دلائل القرآن والسنة، قال الله تعالى وإذا الوحوش حشرت، وإذا ورد لفظ الشرع ولم يمنع من إجرائه على ظاهره عقل ولا شرع، وجب حمله على ظاهره، قال العلماء وليس من شرط الحشر والإعادة في القيامة المجازاة والعقاب والثواب، وأما القصاص من القرناء للجلحاء فليس هو من قصاص التكليف؛ إذ لا تكليف عليها، بل هو قصاص مقابلة([52]).

وإذا وجد من الناس من لم يبلغه وحي الله الهادي لما تكون به سعادة الدنيا والآخرة، وتمارس المسؤولية الاستخلافية على أساسه، ومنها تحديد موقفه من الله الخالق المدبر الحكيم، فإنه لا يعفى من واجب البحث عن الله، انطلاقا من الإحساس الفطري بضرورة وجود خالق عظيم ومدبر عليم وحكيم لهذا الكون، وما يشتمل عليه من مخلوقات لا تعد ولا تحصى، شاهدة على وجوده وأهم صفاته وكمالاته، واستخدام عقله للتفكر في آيات الله المنشورة في الأنفس والآفاق، واستنتاج ما تدل عليه من علم وحكمة وعناية الله الخالق المدبر.

 وقد تخللت القرآن آيات عديدة داعية للتفكر بجد وحزم في هذه الآيات المنظورة، والمنثورة في كل شيء حول الإنسان، وقراءتها بإمعان وتدبر، والتي ترشد إلى البحث عن الآيات المسطورة في الكتب المنزلة: ﴿سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (فصلت: 52)،

ومن عزفت نفسه عن معرفة الله، ورضي بما يسود مجتمعه من صدود عن هديه المبين، فإنه لا يعير آيات الله المنشورة أي اهتمام، وبالتالي لن تدله على الخالق وهو لاه غافل عنه: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ (الأعراف: 146).

فالذي يتقرر من مفهوم هذه الآية هو ثبوت مسؤولية الإنسان في جميع الأحوال، سواء بلغه الوحي أو لم يبلغه؛ لأن من عدم الوحي ملك فطرته وعقله وآيات الله المنشورة في كل الأرجاء، وترتب عنها قدر معين من المسؤولية ولم تزل عنه نهائيا، كما قد يفهم من قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء: 15)،

حيث ذكر بأن “المراد وما كنا معذبين في الأعمال التي لا سبيل إلى معرفتها إلا بالشرع إلا بعد مجيء الشرع من أنواع العبادات والحدود”([53]).

وقالت فرقة هي الجمهور: هذا في حكم الدنيا؛ أي إن الله لا يهلك أمة بعذاب إلا من بعد الرسالة إليهم والإنذار، وقالت فرقة: هذا عام في الدنيا والآخرة([54]) واعتمدوا في ذلك قوله تعالى عن جهنم في الآخرة: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِير. قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ (الملك: 8-10)، وهذا ما تقوله الملائكة للمكذبين بالرسل وحدهم ولا يشمل المؤمنين بهم من المنحرفين عن الدين والموغلين في الآثام، والمستحقين أيضا لدخول جهنم مع الداخلين، لنيل ما يستحقون من العقاب قبل الانتقال إلى الجنة، وكذلك يتعرض لعقاب الله من لم تبلغهم رسائله، ولم يحسنوا استخدام عقولهم في فعل الصالحات واجتناب الشرور والجرائم، ويكون منهم قطعا الصالحون والمحسنون، وكذا الظالمون الذين طال شرهم الإنسان والحيوان والنبات، فهؤلاء لا يمكن أن يكونوا بريئين من المساءلة والعقاب بدعوى أنهم لم يبلغهم الوحي.

لذا فإن الراجح أن العذاب في هذه الآية يقصد به أساسا عذاب الدنيا، كما أكدت ذلك بعض التفاسير بأنه “يحتمل: ما كنا معذبين تعذيب استئصال في الدنيا إلا بعد دفع الشبه، ودفعها عن الحجج، من كل وجه، وبعد تمامها، وإن كانت الحجة قد لزمتهم بدون بعث الرسل؛ ليدفع عنهم عذرهم من كل وجه، أو أن يكون قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ إفضالًا منه ورحمة، وإن كان العذاب قد يلزمهم، والحجة قد قامت عليهم، والعذاب الذي كانوا يعذبونه في الدنيا ليس هو عذاب الكفر؛ لأن عذاب الكفر دائم أبدًا لا انقطاع له، وهذا مما ينقطع وينفصل، لكن يعذبون بأشياء كانت منهم من العناد ودفع الآيات”([55]).

وأورد الزمخشري في تفسير هذه الآية أيضا: “فإن قلت: الحجة لازمة لهم قبل بعثة الرسل، لأنّ معهم أدلة العقل التي بها يعرف الله، وقد أغفلوا النظر وهم متمكنون منه، واستيجابهم العذاب لإغفالهم النظر فيما معهم، وكفرهم لذلك، لا لإغفال الشرائع التي لا سبيل إليها إلا بالتوقيف، والعمل بها لا يصح إلا بعد الإيمان. قلت: بعثة الرسل من جملة التنبيه على النظر والإيقاظ من رقدة الغفلة، لئلا يقولوا: كنا غافلين فلولا بعثت إلينا رسولا ينبهنا على النظر في أدلة العقل”([56]).

لكن أدلة العقل تظل قائمة مع وجود الوحي الداعي لاعتبارها، كما عند عدمه بحيث يستوي جميع البشر في أصل الأمانة، التي يقتضيها استخلاف الله لهم جميعا، قال الطاهر بنعاشور في معنى الأمانة عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ..﴾ الآية، “وقيل: الأمانة العقل، وقيل: الخلافة، أي خلافة الله في الأرض التي أودعها الإنسان كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً..﴾”([57]).

والذي يدعم اتجاه شمول المسؤولية لجميع الناس وبصفتهم الإنسانية فحسب، ما ثبت من مسؤولية العرب في الجاهلية عن عبادتهم للأوثان ووقوعهم في الشرك، قبل البعثة النبوية؛ لأن العقل الصريح يرفض اتخاذ الأوثان آلهة تعبد من دون الله، وآحاد الناس هم من صنعوها ونحتوها وحالها أنها لا تنفع ولا تضر، ولا تسمع ولا تتكلم، فمن عبدها لذاتها أو تقربًا للإله الخالق الرازق تقليدا للآباء والأجداد، يكون قد ارتكب خطأ عقليا كبيرا لا عذر له فيه عند الله، واستحق العقاب الإلهي لمعاكسته مقتضيات فطرته وعقله، ولاختياره اتباع ما شاع من ضلالات في البيئة الاجتماعية.

ولو جاز أن يعفى أحد من الذين ماتوا قبل بعثة الرسول، صلى الله عليه وسلم، من الحساب والعقاب عما وقعوا فيه من الشرك لأعفي والدا سيد الخلق وحبيب الرحمن محمد، صلى الله عليه وسلم، فعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: “استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي”([58])، وعن أنس، أن رجلا قال: يا رسول الله، أين أبي؟ قال: “في النار”، فلما قفى دعاه، فقال: “إن أبي وأباك في النار”([59]) قال النووي: “فيه أن من مات على الكفر فهو في النار ولا تنفعه قرابة المقربين، وفيه أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو من أهل النار، وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم”([60]).

ونلاحظ أن تقادم العهد وبعد زمان إبراهيم، عليه السلام، عن بعثة الرسول، صلى الله عليه وسلم، لم يكن عذرا لمشركي قريش في عبادة الأوثان، ولا كافيا لدرء المحاسبة والمعاقبة عن زلاتهم العقلية الشنيعة.

ومعلوم تفاوت الناس في المؤاخذة بين من بلغته الرسالة صحيحة محفوظة، ومن بلغته مشوهة ومن لم تبلغه أصلا مثل أهل الفترة، دون احتمال وجود آدمي تسقط عنه المسؤولية تماما إلا أن يكون به عته أو جنون، أو عاش دون أن يسمع برسالة سماوية؛ فالمؤاخذة أشد ما تكون مع تلقي الوحي، ثم تخف ولا تزول نهائيا مع وجود العقل وسلامة الفطرة. وهو ما ذهب إليه “المعتزلة وجماعة من الحنفية الماتوريدية قالوا بأنهم مكلفون وإن لم يرسَل إليهم رسول، وعليهم أن يستدلوا بعقولهم، فما استحسنه العقل فهو حسن، وما قبحه العقل فهو قبيح. وإن الله سبحانه يعذب في النار من لم يؤمن وإن لم يرسَل إليه رسول لقيام الحجة عليه بالعقل، وهذا يدل على أن هناك ثوابًا وعقابًا قبل بلوغ الدعوة وبعثة الرسل”([61]).

ومن جهة أخرى يدلنا حديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على خضوع طوائف من الناس للامتحان يوم القيامة، لم تتح لهم شروط الاختبار والابتلاء على أساس الوحي وكان لهم عذر مقبول ألا يكونوا مسؤولين في الدنيا.

فعن الأسود ابن سريع عن النبى، صلى الله عليه وسلم، قال: “يعرض على الله، تبارك وتعالى، الأصم الذي لا يسمع شيئاً، والأحمق والهرم، ورجل مات في الفترة، فيقول الأصم: رب جاء الإسلام وما أسمع شيئاً، والأحمق يقول: رب لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئاً، يقول الذي مات في الفترة: رب ما أتاني لك رسول، وذكر الهرم وما يقول، قال: فيأخذ مواثيقهم ليطيعنّه، فيرسل إليهم (تبارك وتعالى): ادخلوا النار، فو الذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم برداً وسلاماً”، قال الحافظ عبد الحق في حديث الأسود: قد جاءَ هذا الحديث، وهو صحيح فيما أعلم، والآخرة ليست دار تكليف ولا عمل، ولكن الله يخص من يشاءُ بما يشاءُ، ويكلف من (يشاء ما شاء) وحيثما شاءَ، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون”([62]).

وكان تعليق ابن القيم على استبعاد التكليف في الآخرة على النحو التالي: “فإن قيل: فالآخرة دار جزاءٍ، وليست دار تكليف، فكيف يمتحنون في غير دار التكليف؟ فالجواب: أن التكليف إنما ينقطع بعد دخول دار القرار وليس في عرصة القيامة حيث ساق عدة أدلة منها قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ (القلم: 42)، فهذا صريح في أن الله يدعو الخلائق إلى السجود يوم القيامة، وأن الكفار يحال بينهم وبين السجود إذ ذاك، ويكون هذا التكليف، بما لا يطاق حينئذ حساً عقوبة لهم، لأنهم كلفوا به في الدنيا وهم يطيقونه، فلما امتنعوا منه وهو مقدور لهم كلفوا به وهم لا يقدرون عليه حسرة عليهم وعقوبة لهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ (القلم: 43)”([63]).

ويستفاد عموم الاختبار والابتلاء لجميع بني آدم في الدنيا والآخرة، من آيات قرآنية عديدة منها: ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا. وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ (مريم: 95-96)، ﴿وَالْعَصْر. إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (العصر: 1-3)، ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ. بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ. وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ (القيامة: 13-15)، ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (الملك: 11). ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ (القيامة: 35)، ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ (المؤمنون: 116)، ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ. الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ (الانفطار: 6-7)، ومثل هذه الآيات كثيرة والتي تدعو الإنسان لاستخدام عقله متفكرا ومعتبرا ومستنتجا داخل إطار الوحي وخارجه.

خاتمة

يتبين مما تم بيانه سابقا، بأن استثمار التوجهات الكبرى لمضمون القرآن ورصد العلاقات الرابطة بينها، يقود دونما تمحل إلى اعتبار الاستخلاف في الأرض بما يتضمنه من مؤشرات مبدئية لمسؤولية الإنسان عن نفسه وصيرورة حياته في الدنيا ونتائجها في الآخرة، بأنه يمثل مدار رؤية قرآنية كونية تمكن من بناء تصور مقنع إلى أبعد الحدود لغاية الوجود البشري، وتقديم تفسير مرض لكبريات الإشكالات الوجودية للإنسان والحياة، وتوجيه الفكر إلى ما يحقق الكرامة والسعادة والرقي الروحي والمادي للإنسانية، الباحثة دوما عن مغزى رفيع للوجود، وعما يجلب لها الطمأنينة النفسية والراحة الأبدية.

وإذا كان المحك لتقويم أية رؤية هو مدى ترجمتها إلى مناهج وبرامج تطبيقية في مختلف ميادين الحياة، وهو ما لا يتسع المجال لاستعراض نماذج عنه في هذه الصفحات المعدودة، فحسب هذا القدر من البحث أنه قد طرح مقاربة لرؤية قرآنية استخلافية كلية، تسهم من وجهة نظرنا بعد شيء يسير من التنقيح والإنضاج في تأطير الفعل الإنساني الحضاري فوق الأرض، وتعين على استيعاب معضلاته ومجرياته قديما وحديثا.

الهوامش

([1]) فخر الدين الرازي، مفاتيح الغيب، بيروت: دار إحياء التراث العربي، ط3، 1420ﻫ، (2/389).

([2]) أبو البقاء الكفوي، الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، المحقق: عدنان درويش، محمد المصري، بيروت: مؤسسة الرسالة، (1/670).

([3]) سنن ابن ماجه، المحقق: شعيب الأرنؤوط، عادل مرشد، محمَّد كامل قره بللي، عَبد اللّطيف حرز الله، دار الرسالة العالمية، (1430ﻫ/2009م)، (5/212).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، في “فتاويه” 35/44: “وقد ظن بعض القائلين الغالطين أن الخليفة هو الخليفة عن الله، مثل: نائب الله… والله لا يجوز له خليفة، ولهذا لما قالوا لأبي بكر: يا خليفة الله، قال: لست بخليفة الله، ولكني خليفة رسول الله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وحسبي ذلك”.

([4]) ابن قيم الجوزية، مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة، بيروت: دار الكتب العلمية، (1/152).

([5]) المرجع نفسه.

([6]) ابن قيم الجوزية، زاد المعاد في هدي خير العباد، بيروت: مؤسسة الرسالة، الكويت: مكتبة المنار الإسلامية، ط27، (1415ﻫ/1994م)، (2/434).

([7]) سيد قطب، في ظلال القرآن، بيروت/القاهرة: دار الشروق، ط17، 1412ﻫ، (1/56).

([8]) رشيد رضا، تفسير المنار، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1990م، (1/217).

([9]) المرجع نفسه، (1/213).

([10]) تفسير المنار، م، س،  (1/218-219).

([11]) في ظلال القرآن، م، س، (1/57).

([12]) الألوسي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، المحقق: علي عبد الباري عطية، بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 1415ﻫ، (1/226).

([13]) مسند الإمام أحمد بن حنبل، المحقق: شعيب الأرنؤوط، عادل مرشد، وآخرون، إشراف: عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، ط1، (1421ﻫ/2001م)، (17/227) وضعفه الألباني.

([14]) انظر أبو زهرة، زهرة التفاسير، دار الفكر العربي، (1/194).

([15]) ابن رجب الحنبلي، جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم، المحقق: شعيب الأرناؤوط، إبراهيم باجس، بيروت: مؤسسة الرسالة، ط7، ( 1422ﻫ/2001م)، (1/71).

([16]) وإلى هذه الحقيقة أشار القرآن الكريم: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ. أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ. لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ (الواقعة: 66-68).

([17]) رواه الترمذي وابن ماجه وغيرهما، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح، (1/37).

([18]) عبد السلام الأحمر، جولات تفكر في مسؤولية الفكر، منشورات الرابطة المحمدية للعلماء، الرباط: دار أبي رقراق، ط1، (1433ﻫ/2012م)، ص30.

([19]) محمد سيد طنطاوي، التفسير الوسيط للقرآن الكريم، الفجالة/القاهرة: دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، ط1، (11/255).

([20]) الجامع لأحكام القرآن، تحقيق: أحمد البردوني، وإبراهيم أطفيش، القاهرة: دار الكتب المصرية، ط2، (1384ﻫ/1964م)، (14/253).

([21]) المرجع نفسه، (14/254).

([22]) سيد قطب، في ظلال القرآن، م، س، (5/2885).

([23]) الرازي، مفاتيح الغيب، م، س، (25/187).

([24]) نور الدين بن مختار الخادمي، علم المقاصد الشرعية، مكتبة العبيكان، ط1، (1421ﻫ/2001م)، ص120.

([25]) الرازي، مفاتيح الغيب، م، س، (25/187).

([26]) صحيح البخاري (الرقاق، باب: رفع الأمانة، والاعتصام باب الاقتداء بسنن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، والفتن باب إذا بقي في حثالة من الناس. صحيح مسلم، الإيمان، باب رفع الأمانة والإيمان من بعض القلوب.

الوكت: الأثر اليسير وقيل سواد يسير.

المجل: بفتح الميم وإسكان الجيم هو التنفط الذي يصير في اليد من العمل بالفأس ونحوه.

([27]) انظر ابن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، بيروت: دار الفكر، د. ت، ج13، ص40.

([28]) ابن العربي، أحكام القرآن، راجعه وعلق عليه: محمد عبد القادر عطا، بيروت: دار الكتب العلمية، ج3، ص628.

([29]) محمد الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، تونس: الدار التونسية للنشر، 1984ﻫ، (22/129).

([30]) صحيح مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت: دار إحياء التراث العربي، (4/2106).

([31]) سنن ابن ماجه، (2/1420) وحسنه الألباني.

([32]) عبد السلام الأحمر، جولات تفكر في مسؤولية الفكر، م، س، ص38.

([33]) ابن تيمية، بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، المحقق: مجموعة من المحققين، الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ط1، 1426ﻫ، (2/471).

([34]) انظر الراغب الأصفهاني، تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين، تقديم وحواشي: أسعد السحمراني، دار النفائس، ط1، ( 1408ﻫ/1988م)، ص153.

([35]) انظر: أبو بكر جابر الجزائري (4/176)، أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية، ط5، (1424ﻫ/2003م).

([36]) البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، المحقق: محمد عبد الرحمن المرعشلي، بيروت: دار إحياء التراث العربي، ط1، 1418ﻫ، (4/206).

([37]) عبد الرحمن السعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، المحقق: عبد الرحمن بن معلا اللويحق، مؤسسة الرسالة، ط1، (1420ﻫ/2000م)، ص641.

([38]) التحرير والتنوير، 22/127.

([39]) صحيح البخاري، 2/94. المحقق: محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم: محمد فؤاد عبد الباقي)، ط1، 1422ﻫ.

([40]) ابن قتيبة الدينوري، تأويل مختلف الحديث، المكتب الإسلامي، مؤسسة الإشراق، ط2، (1419ﻫ/1999م)، ص200.

([41]) الشاطبي، الموافقات في أصول الأحكام، المحقق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن عفان، ط1، (1417ﻫ/1997م)، (2/289).

([42]) انظر البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، م، س، (3/131).

([43]) انظر أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، بيروت: دار المعرفة، ج3 ص15.

([44]) التحرير والتنوير، م، س، (1/399)

([45]) تفسير المنار، م، س، (1/216).

([46]) رواه الترمذي وأبو داود والدارمي. جاء في إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن قيم الجوزية، تحقيق: محمد عبد السلام إبراهيم، بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، (1411ﻫ/1991م)، (1/155).

 (هذا حديث وإن كان عن غير مسمين فهم أصحاب معاذ فلا يضره ذلك؛ لأنه يدل على شهرة الحديث وأن الذي حدث به الحارث بن عمرو عن جماعة من أصحاب معاذ لا واحد منهم، وهذا أبلغ في الشهرة من أن يكون عن واحد منهم لو سمي، كيف وشهرة أصحاب معاذ بالعلم والدين والفضل والصدق بالمحل الذي لا يخفى؟ ولا يعرف في أصحابه متهم ولا كذاب ولا مجروح، بل أصحابه من أفاضل المسلمين وخيارهم، لا يشك أهل العلم بالنقل في ذلك، كيف وشعبة حامل لواء هذا الحديث؟ وقد قال بعض أئمة الحديث: إذا رأيت شعبة في إسناد حديث فاشدد يديك به، قال أبو بكر الخطيب: وقد قيل إن عبادة بن نسي رواه عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ، وهذا إسناد متصل، ورجاله معروفون بالثقة، على أن أهل العلم قد نقلوه واحتجوا به، فوقفنا بذلك على صحته عندهم).

([47]) إعلام الموقعين، م، س، (1/154).

([48]) المرجع نفسه.

([49]) تفسير المنار، م، س، (1/217).

([50]) الجلحاء بالمد هي الجماء التي لا قرن لها.

([51]) صحيح مسلم، (4/1997).

([52]) شرح النووي على مسلم، بيروت: دار إحياء التراث العربي، ط2، 1392ﻫ، (16/137-136).

([53]) أبو الحسن المباركفوري، مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، إدارة البحوث العلمية والدعوة والإفتاء، الجامعة السلفية، بنارس الهند، ط3، (1404ﻫ/1984م).

([54]) ابن عطية، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تحقيق: عبد السلام عبد الشافي محمد، بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 1422ﻫ، (3/444).

([55]) الماتريدي، تأويلات أهل السنة، المحقق: مجدي باسلوم، بيروت: دار الكتب العلمية/لبنان، ط، (1426ﻫ/2005م)، (7/19).

([56]) الزمخشري، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، بيروت: دار الكتاب العربي ، ط3، 1407ﻫ، (2/653).

([57]) التحرير والتنوير، م، س، (22/127

([58]) صحيح مسلم، (2/671).

([59]) المصدر نفسه، (1/191)

([60]) شرح النووي على مسلم، (باب: بيان أن من مات على الكفر فهو في النار)، (3/79).

([61]) موفق أحمد شكري، أهل الفترة ومن في حكمهم، اعتنى بتصحيحه: سمير أحمد العطار، عجمان: مؤسسة علوم القرآن، دمشق-بيروت: دار ابن كثير، ط1، (1409ﻫ/1988م)، ص74.

([62]) ابن قيم الجوزية، طريق الهجرتين وباب السعادتين، القاهرة: دار السلفية/مصر، ط2، 1394ﻫ، ص397.

([63]) المرجع نفسه، ص401-400.

Science
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق