مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراثأعلام

ابن المواز الفاسي(ت1341هـ)

 

ابن المواز الفاسي(ت1341هـ)

هو الفقيه المفتي الفهّامة، الأديب العلاّمة، الدّرّاكة أبو العبّاس أحمد بن عبد الواحد الحسني السليماني الشهير بابن المواز الفاسي، نشأ وتربّى في بيت علم ونباهة، ودين وكياسة، فبدأ مرحلة الطلب على يد والده الفقيه المشارك عبد الواحد بن المواز(ت1318هـ)، وهو عمدته، وعن الشيخ محمد بن المدني كنون(ت1302هـ)، وأحمد بن الطالب بن سودة(ت1321هـ)، وعبد المالك بن محمد العلوي الضرير(ت1318هـ)، وصالح بن المعطي التدلاوي(ت1307هـ) وغيرهم من أعلام العصر.

كشف المترجَم عن موهبة كبيرة في التحصيل والطلب ترجمها في ميدان التأليف والكتابة، فلقيت كتاباته استحسان معاصريه؛ لِما كان يتمتع به من براعة أدبية وقدرة على نظم القريض، حتى غدا فيه بحرا لا يُجارى، وعلَماً لا يُبارى مع مشاركة في العلوم الأخرى؛ وبفضل مكانته العلميّة المتميّزة أصبح بيته موئلا لطلبة العلم الراغبين في الأخذ عنه حيث كان يملي عليهم ما يأخذ القلوب ويبهر العقول، فتخرّج على يديه أعلام كبار أمثال المؤرخ عبد السلام بن سودة رحمه الله(ت1400هـ).

كما أن مترجَمنا رحمه الله تسنّم عدة مناصب علمية ووظائف سامية على عهد أربع سلاطين تعاقبوا على المغرب؛ المولى الحسن، والمولى عبد العزيز، والمولى عبد الحفيظ، والمولى يوسف، فانتقل من الكتابة إلى السفارة، إلى العضوية بالمجلس التحسيني لكلية القرويين إلى قاضي القضاة ورئيس المجلس الاستئنافي القضائي بالرباط حيث استوطن أخيرا.

كما كان خطيبا بالمدرسة العنانية، وكانت بينه وبينه علماء عصره رسائل ومشاركات أدبية تعبر عن سعة نظره وتسلقه رُتبَ المعالي؛ من قبيل علاّمة المغرب وفيلسوفه أبو عبد الله مَحمد ـ فتحا ـ بن أحمد الرافعي الأزموري الجديدي(ت1360هـ)، ومؤرخ الرباط وأديبها محمد بن مصطفى بوجندار(ت1345هـ)، والعباس بن إبراهيم السّملالي(ت1378هـ)، وكان رحمه الله من أوائل الشّباب المغربي الذين حملوا لواء الإصلاح ضدّ ما كان يتخبط فيه المغرب من التأخر والانحطاط، وما يُكاد حوله من المؤامرات لزعزعة قوّته وهدّ أركانه، وعرف رحمه الله بدرايته الواسعة بمُجريات الأحداث في ذلك السياق التاريخي، فكان ممّن تنبّأ بالحرب العالميةالأولى التي اشتعلت شرارتها سنة(1914م)، فنظم في ذلك شعرا قال فيه:

وَقائلةٍ ما في طَواياَ زماننا
        فقلت لها قولاً لِـمن يَتفرَّسُ

أراهُ بطول السَّلْم قد ضَاقَ صَدْرهُ
        فهمَّ بِزَفَرَاتٍ بها يَتَنَفَّسُ
 
وكان لهذه الجوَلات والصّوَلات في ميدان البلاغة من ابن المواز أن أصبح يلقب بخاتمة الأدباء بالمغرب، وتحليات أخرى وشّحه بها عدد ممن كانت تربطه بهم وشائج البحث العلمي في وقته أو من جاء بعده، فقال في حقّه المرحوم محمد بن مصطفى بوجندار:«قاضي القضاة، وأسدُ الفحول الوُعاة، وأبطال الأدب الكُماة»، وحلاّه العلامة محمد بن عبد السلام السايح(ت1355هـ) في رحلته«لمحة بصر على البلاد المقدسة» بقوله:«الفقيه الأديب الواعية»، ومن ذلك أيضا ما ذكره المرّاكشي في كتابه«الإعلام بمن حل مرّاكش وأغمات من الأعلام»:«فارس ميدان الفصاحة والبراعة، ومُرعِف أسنّة أقلام اليراعة، العلاّمة المشارك الوجيه، المؤلف الناظم الناثر النبيل، شاعر المغرب، وكاتبه الوحيد، الرئيس المتفنّن الجَحْجَاحُ الصِّنْدِيد».

من آثاره العلمية:«حجة المنذرين على تنطع المنكرين» رد فيه على الفقيه محمد بن الحسن الحجوي(ت1376هـ) في إنكاره القيام عند ذكر ولادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستطرد فيه مسائل لا تكاد توجد في غيره، والكتاب مطبوع على الحجر، وله أيضا:«دفع الوسواس عن مخالجة الأنفاس» رسالة أجاب فيه على أسئلة فلسفية للعلامة مَحمد بن أحمد الرافعي بعث بها إليه حينما اطّلع على كتاب«حجة المنذرين»، ومنها«اللؤلؤ السّنيّ في مدح الجناب الحسني»، نظم فيه جميع البحور الشعرية على اختلاف أعاريضها وضروبها، طبع على الحجر سنة1307هـ، ورسالة«نيل الأرب في بيتي العقل والأدب» مطبوعة على الحجر أيضا، ومن آثاره كذلك:«مراحل السّنية للأصقاع السّوسيّة»، و«النفائس الإبريزية في هدية الفيل الوافدة من فخامة الحضرة الإنجليزية» إلى غير ذلك من التآليف والرسائل والتقييدات.

توفي رحمه الله يوم الخميس 13 صفر الخير عام (1341هـ) بالرباط، وصُلّي عليه بالمسجد الأعظم، ومن ثم حُمل في سيارة خاصة إلى فاس ودفن بزاوية تقابل درب سكناه بالطالعة تعرف بهم في درب هناك مع والده رحمهما الله تعالى.

مصادر الترجمة: الاغتباط بتراجم أعلام الرباط(ص93ـ98)، معجم المطبوعات المغربية(ص337ـ338)، من أعلام الفكر المعاصر(2/28ـ31)، التأليف ونهضته في القرن العشرين(1/76ـ78)، سل النّصال(ص27)، إتحاف المطالع(2/433).

إعداد: ذ.جمال القديم
 
      

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق