وحدة المملكة المغربية علم وعمراندراسات محكمة

إضاءات عمرانية من خلال فهارس العلماء بالمغرب

الحلقة الخامسة الأخيرة

ومن خلال الفهرسة الصغرى والكبرى لأبي عبد الله محمد التاودي بن سودة[1] نستفيد معلومات ثمينة حول الحركة العلمية والثقافية لعصر المؤلف، فعن تلاميذ التاودي بن سودة نقرأ قول تلميذه محمد الرهوني في حاشيته على شرح الزرقاني لمختصر خليل المسمى “أوضح المسالك” : “فلا أعلم الآن أحدا ممن ينتمي إلى العلم بالمغرب، إلا وله عليه منة التعليم إما بواسطة، وإما بغير واسطة، وإما بهما معا..” وفي الروضة المقصودة لسليمان الحوات[2] : ” فلا عجب حينئذ إن شذت إليه رحال الطلب، وجاءه الناس ينسلون من كل حدب، حتى كثر الآخذون عنه أخذ انتفاع، وعمت درايته وروايته في أكثر البلدان والأصقاع، فلست وإن أفنيت الأوراق والأقلام بتمحيص ما تخرج له من جهابذة الأعلام…”

أما تلاميذ الإمام التاودي بن سودة من خلال فهرسته فهم : أولاده الأربعة : أبو العباس أحمد؛ أبو عبد الله محمد؛ أبو بكر محمد؛ أبو القاسم بن محمد التاودي؛ و محمد الطالب ابن العلامة أبي العباس أحمد التاودي (ت 1836م)؛و أبو حامد العربي ابن قاضي الجماعة أبي العباس أحمد (ت 1813م)؛ ومحمد بن الحسن الجنوي الحسني التطاوني (ت 1785م)[3] ؛و محمد بن أحمد الرهوني المدعو بركشة الوزاني (ت 1815م)[4] ؛ أبو عبد الله محمد بن عمرو الزروالي الفاسي (ت 1815م)[5] أبو الربيع سليمان الحوات (ت 1816)[6] ؛ حمدون بن عبد الرحمن بن حمدون بن عبد الرحمن السلمي المرداسي (ت1817م)[7] ؛أبو عبد الله محمد بن محمد الشفشاوني (ت1817م)؛ أبو عبد الله محمد بن عبد السلام الناصري الدرعي، صاحب كتاب “المزايا فيما حدث من البدع بأم الزوايا” (ت 1823م)[8] ؛ أبو عبد الله محمد[9]  الطيب بن عبد المجيد  بن عبد السلام بن كيران الفاسي (ت 1812م)؛ أبو العلاء إدريس بن زيان العراقي، سيبويه زمانه، توفي 1823م؛ أبو عبد الله محمد بن عبد السلام بن أبي زيد اليازمي، أخذ عنه خلق كثير، (ت 1826م)؛ أبو عبد الله محمد بن محمد بن إبراهيم الدكالي الفاسي؛ توفي سنة (1826م)؛ أبو عبد الله محمد بن سليمان المناعي، توفي سنة 1832م؛ محمد بن الطيب القادري بن عبد السلام الحسني القادري، كان يعيش في عزلة تامة مخصصا جل أوقاته للعبادة والدراسة، توفي سنة 1773م؛ أبو القاسم بن أحمد بن علي  بن إبراهيم الزياني، ينتسب إلى قبيلة زيان، توفي سنة 1833م؛ أبو حامد العربي بن عبد الله بن أبي يحي المساري، توفي سنة 1824م؛ أبو الفلاح صالح بن حسين الكواش التونسي، توفي سنة 1804؛ أبو زيد الحائك عبد الرحمن التطاوني، توفي سنة 1806م؛ أبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد بن القادر الشهير بالأمير، توفي سنة 1232/ 1818م؛ أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد القادر الشهير ببونافع الفاسي، توفي 1260/1846م؛ بدر الدين محمد بن الشاذلي الحمومي بن أحمد، توفي 1852م؛ أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن حمدون بن الحاج السلمي، توفي سنة 1799م؛ أبو محمد عبد العليم بن محمد الضرير، توفي سنة 1800م؛ أبو عبد الله محمد بن محمد التهامي المعروف بابن عمرو الرباطي، توفي سنة 1827م؛ أبو العباس أحمد بن محمد بن عجيبة التطواني، توفي سنة 1810؛ محمد بن عمرو الزروالي، الفاسي، العالم المحقق المتفنن في العلوم، توفي سنة 1816م؛ أبو العلاء إدريس بن محمد بن إدريس العراقي، توفي  بفاس في شهر شعبان عام 1183ه/ 1769م؛ سلطان المغرب الشريف الزاهد المولى سليمان، توفي سنة 1238ه/ 1822م؛ أبو عبد الله محمد بن محمد الصادق بن ريسون العلمي التطواني، توفي سنة 1820؛ أبو زكرياء يحي الشفشاوني، توفي سنة 1815م؛ أحمد بن الرضى  بن عثمان المكناسي (ت؟)؛ أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن البصري الأصل، المكناسي الدار والمنشأ، توفي سنة 1790 م؛ أبو الحسن علي زين العابدين بن هاشم زيان العراقي، توفي سنة 1780ه؛ أبو العباس أحمد بن عبد الكريم المعروف بالمهيرز الزرهوني المكناسي، توفي سنة 1814م؛ أبو عبد الله محمد بن علي الورزازي أصلا، التطواني دارا وسكنا ومدفنا، توفي سنة 1800م؛ محمد بن عمر بن أحمد بن أحمد بن عبد الله اليبوركي الهستوكي الأسغركيسي، توفي سنة 1795م؛ أبو عبد الله محمد بن العباس بن الحسن بن محمد بن ياسين الجزولي السوسي، لم يذكر صاحب فهرس الفهارس تاريخ وفاته…

ليس غريبا أن يصرح العلامة عبد الله كنون في “النبوغ المغربي” أن الشيخ التاودي بن سودة حاز رياسة فاس والمغرب كله. وانفرد بعلو الإسناد حتى صار شيخ الشيوخ والمحرز على قصب السبق في ميدان الرسوخ، حتى أصبح سنده مدار أسانيد أهل المغرب، فقد تضلع من كل العلوم، فألقت إليه زمامها واعتكف على قراءتها، وإقرائها، حتى صار إمامها كما في “أوضح المسالك”؛ والحق أنه كان من أكثر أعلام زمنه إطلاعا على العلوم التي كانت رائجة آنذاك، فلا أحد يضاهيه من أبناء جنسه، فإذا حضر فإنه لا النافية[10] للشيخ التاودي وضع على البخاري مسمى: زاد المجد الساري  في مطالع البخاري، كان إليه المنتهى في التفسير، أقرأ صحيح مسلم والكتب الستة، وفي الفقه المختصر الخليلي أكثر من ثلاثين مرة…

أما فهرسة الفقيه سيدي عبد القادر[11] الكوهن (ت 1254)  إمداد ذوي الاستعداد إلى معالم الرواية والإسناد، فنقرأ فيها: : ”  أخذت عن جمع من الأشياخ كثير ، وجم غفير، منهم :شيخنا وشيخ شيوخنا، الإمام المحقق، المتفنن المدقق، القاضي الأعدل، الخطيب الأنفع الأكمل : أبو محمد عبد القادر بن أحمد بن العربي بن شقرون الفاسي، أخذت عنه رحمه الله : بعض صحيح البخاري، وبعض الشفا للقاضي عياض، وهو يروي : عن الشيخ أبي العباس أحمد بن عبد العزيز الهلالي العمري المتوفي سنة 1174، والشيخ أبي عبد الله محمد بن قاسم جسوس المتوفي سنة 1182 ومولده سنة 1092، والشيخ القاضي أبي محمد عبد القادر بوخريص المتوفي سنة 1188، والشيخ أبو حفص عمر بن عبد الله الفاسي الفهري المتوفي سنة 1188 وهو عمدته في سائر الفنون.

أما الفهرسة الكبرى والصغرى لشيخ الجماعة بفاس أحمد بن محمد ابن الخياط الزكاري الحسني المتوفى سنة 1343ه.. (دار بن حزم، 2005تحقيق محمد عزوز) فنقرأ في المقدمة : “لقد أمضى العلامة أحمد بن الخياط عمره المبارك في التعلم والتعليم، ونشر العلم وبث الخير والفضائل بين الناس، واستفاد منه خلق كثير جدا، وخاصة في دروسه في جامع القرويين، فما من طالب علم في مدينة فاس أو وفد إليها في عصره إلا وهو غالبا من طلابه وتلاميذه، لما كان عليه من مكانة علمية مرموقة، لذا فحصر تلاميذه عددا وتسمية أمر عسير لا يمكن ضبطه، وسنقتصر على ذكر نماذج من تلامذته وهم علماء كبار، لهم دور كبير في حركة العلم بالمغرب. ومنهم : ولده عبد العزيز بن أحمد بن محمد ابن الخياط  ترجمته في “إتحاف ذوي العلم والرسوخ بتراجم من أخذت عنه من الشيوخ” للعلامة المؤرخ محمد بن الفاطمي ابن الحاج السلمي (ت 1413ه)، والحافظ محمد بن جعفر الكتاني الذي درس أيضا-كما ترجم لنفسه في “النبذة اليسيرة النافعة- على الإمام أحمد بن محمد بن الخياط وقال عنه: “فحضرته في نظم الطرفة في مصطلح الحديث بشرحها لأبي عبد الله محمد بن عبد القادر الفاسي، وأياما في شرح ابن عباد على الحكم العطائية بجامع الأبارين من فاس، وذاكرته سنين، وكان بيننا وبينه محاورات، واستجزته فأجازني بإجازته العامة، وفي طريقته الشاذلية الدرقاوية، فأجازني فيها..”؛ ومنهم أحمد بن محمد الرهوني التطواني صاحب “عمدة الراوين في تاريخ تطاوين”، و”الراحة الإنسانية في الرحلة الإسبانية (درس بفاس على كبار علماء القرويين، وقد اعتنى بتدوين تراجمهم في آخر كتابه (عمدة الراوين) منهم: أحمد بن محمد ابن الخياط الزكاري، وأحمد بن الطاهر الزواقي، وأحمد بن الجيلالي الأمغاري، وعبد المالك العلوي الضرير، ومحمد بن قاسم القادري، ومحمد بن جعفر الكتاني؛ ومنهم العلامة عبد الحفيظ الفاسي؛ ومنهم العلامة محمد بن الحسن الحجوي، وأحمد بن العياشي اسكيرج..

ونقرأ في الصفحة 65 من فهرسة أحمد بن محمد بن الخياط (مركز التراث الثقافي العربي، ودار ابن حزم، الطبعة 1، 2005): “من أنفع الأدوية للحمى الباردة، يؤخذ من روح الكنا الجيد وزن نواتين من نوى الخروب، وفي أيام الشتاء، وزن ثلاث ويجعل شيء من علك الطلح مقدار رأس الأصبع في ماء حتى ينحل وتجعل فيه قطعة من باطن الخبز البارد مقدار الإبهام، ويخرج منه بمجرد ابتلاله بماء العلك، ويوضع في إناء، ويوضع روح الكنا على ذلك الخبز ويمزج به مزجا تاما، ثم يؤخذ وزن ثمن أوقية من المصطكى ويسحق سحقا تاما، ثم يؤخذ شيئا فشيئا، ويجعل في كف اليد اليسرى، ويؤخذ من ذلك الخبز الممزوج بالكنا شيء يسير كالعدسة، ويفتل بدقيق المصطكى المجعول في الكف، وهكذا حتى يفرغ الخبز والمصطكى ثم ترفع تلك الحبوب المفتولة حتى تجف، ويأكل المريض عند النوم بالليل نصف تلك الحبوب ويسوغها بماء أو حريرة، أو ما تيسر ولا يمضغها ويتعشى بالعشي ولا يأكل بالليل، ثم نصف الحبوب الباقي يأكل نصفه صباحا على الريق، ويؤخر الأكل يسيرا عنه، وباقيه وهو الربع يأكله ليلا عند النوم كاليوم قبله، وقد تم عمله، ثم بعد ثلاثة أيام يعمل مسهلا من سنا أو غيره، والله الشافي. أخذت ذلك عن الفقيه البركة أبي الحسن سيدي عبد الله من آل القطب الأكبر أبي المحاسن سيدي يوسف الفاسي، وكم نفع الله به تعالى من الخلق، فاعرفه واعتن به ولا تهمله… فنحن نرى هنا إفادات طبية لا شك أن مثيلاتها مشتتة في كتب التراجم والفهارس، وإن الاعتناء بجمعها وتحقيقها وتدقيق مادتها علميا سيشكل خدمة كبيرة لتاريخ الطب والتداوي بالمغرب..

ثمة فائدة أنثربولوجية تتعلق بما أورده الشيخ الخياط عن شيخه أحمد بن محمد العلمي الموسوي من رقى وحروز وأحجبة ضد الأمراض العضوية والنفسية : فعن طريقة تثقيف وجع الضرس نقلا عن الشريف جعفر بن إدريس الكتاني : يقول ” تكتب في حائط حبد صلى فعمل-حروفا مقطعة، وتأخذ مسمارا، وتضعه على أول حرف، وتدق عليه دقا خفيفا جدا، وتأمر من به وجع الضرس أن يضع إصبعه عليه، وتقرأ عليه : “ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا”، مرارا وتسأل صاحب الضرس، هل خف وجعه أو سكن أم لا؟ فما دام لم يسكن وأنت تنقل المسمار إلى الحرف الذي يليه، وتكرر الآيتين إلى الحرف الذي يسكن فيه، فحينئذ تدق المسمار فيه، والله الشافي..” أما ما يكتب للحمى : وقد آذنني فيه،وفي الرحلة العياشية عن بعض شيوخه من خطه، مما يكتب للحمى حروفا مقطعة-بتجسيرها-حين تأتي ثلاثة أيام: فرعون، هامان، قارون في النار، هامان، قارون، فرعون في النار، قارون، فرعون، هامان في النار.. ومما يكتب لها للأكل كل يوم واحدة : يعقوب-كيعوب-هيقوب؛ وما يكتب للضرس المحفور في ورقة صغيرة، وتجعل في شمعة، وتجعل في الضرس إذا كان محفورا : “لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون”.. وهذا مبحث آخر يستحق التتبع والدراسة بحثا عن تاريخ علاقة المغاربة بالطبيعة ومعطياتها، وهو مبحث يقع في قلب الدراسات الأنثربولوجية، خصوصا أنثربولوجيا المقدس..

وفي الختام، أذكر فهارس أخرى قيد الدراسة التفكيكية منها : فهرس “المورد الهني بأخبار الإمام مولاي عبد السلام الشريف القادري الحسني” للشيخ  محمد بن أحمد بن محمد بن عبد القادر الفاسي المتوفى سنة 1179ه؛ وفهرسة محمد بن قاسم القادري المسماة: “إتحاف أهل الدراية بما لي من الأسانيد والرواية” (المتوفى سنة 1331ه)؛ و”الشّرب المحتضَر والسر المنتظر من معين أهل القرن الثالث عشر”: لشيخ الإسلام جعفر بن إدريس الكتاني…

وبعد، فهذا بعض ما استقيناه من نماذج نفيسة من الفهارس المغربية، وهو يشكل بالنسبة إلينا مدخلا لدراسة فهارس أخرى تؤرخ لانتقال العلم بالمغرب، ودور هذا التسلسل المبارك في عمارة البلد وتثبيت أسس الحضارة ومحاربة القَفْر وجلب النّماء؛ وهذا هو الدرس و المقصد الذي رُمت من خلال هذه المحاولة المتواضعة التنبيه إليه، وسيكون علينا دفع التركيب المنهجي إلى أبعد مدى إسهاما منا في إضاءة بعض جوانب من التاريخ الفكري للمغرب..

[1] الفهرسة الصغرى والكبرى. أبي عبد الله محمد التاودي بن سودة. دراسة وتحقيق عبد المجيد خيالي. دار الكتب العلمية. بيروت. 2002

[2] الروضة المقصودة والحلل الممدودة في مآثر بني سودة. تحقيق عبد العزيز تيلاني. الدار البيضاء. 1994.

[3] ترجمته في “السلوة”1/161-162

[4] ترجمته في “السلوة”. 1/104

[5] ترجمته في “السلوة” 3/5

[6] ترجمته في “السلوة “3/116

[7] ترجمته في “الإتحاف” لابن زيدان 3/340

[8] ترجمته في “الإتحاف” لابن زيدان 4/145

[9] ترجمته في “السلوة” 3/2

[10] الدرر للفضيلي 2/295، طبعة حجرية

[11]   هو العلامة الصوفي أبي محمد عبد القادر بن أحمد بن أبي جيدة الكوهن الفاسي، له مجموعة من المؤلفات منها : منية الفقير المتجرد وسمير المريد المتفرد بخزانة الرباط (1388د)/  شرح ترجمة بدء الوحي مع حديث “إنما الأعمال بالنيات، من صحيح البخاري ط / نوافح الورد والعنبر والمسك الداري شرح آخر ترجمة صحيح البخاري مخطوط في خزانة الرباط (892د)/ وفهرسته المشهودة، وللشيخ عبد الحي الكتاني انتقاد عليها سماه : غاية الإسناد في أغلاط إمداد ذوي الاستعداد / شرح الحكم العطائية بخزانة تطوان (102)/ رحلة حجازية خ بخزانة الرباط (13015). توفي بالمدينة المنورة، ودفن بالبقيع، في صفر سنة 1254 هـ قاله محمد بن جعفر الكتاني، وقال عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني في فهرس الفهارس والأثبات 2/493 : مات سنة 1253 هـ .

د. جمال بامي

  • رئيس مركز ابن البنا المراكشي للبحوث والدراسات في تاريخ العلوم في الحضارة الإسلامية، ومركز علم وعمران بالرابطة المحمدية للعلماء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق