مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكمعالم

إسـهـام عـلماء الـقـروييـن في ازدهار الفقـه النـوازلـي وأثـره فـي الـحركـة الاجـتـهـاديـة

          “اللهم اجعلها دار علم وفقه يتلى بها كتابك، وتقام بها سنتك وحدودك، واجعل أهلها متمسكين بالسنة والجماعة ما أبقيتها…” انظرتاريخ مدينة فاس من التأسيس إلى أواخر القرن العشرين الثوابت والمتغيرات” ص25، بهذا الدعاء دعا المولى إدريس رحمه الله لمدينة فاس وأهلها عند بداية أشغال بنائها، ولعل من بركات هذا الدعاء أن أصبحت فاس قبلة للعلماء والفقهاء، إذ “في رحاب جامع القرويين، نبغت أعلام، وظهرت جهابذة أهل النظر والأحكام، فكان للفتوى أعيانها وشيوخها، ولخطة القضاء أقطابها، وللعلم حملته من كل فن، فكثرت المصنفات والمجاميع، والدواوين، والرسائل، والمتون، والشروح، والحواشي، والتعاليق، ما جعل ذلك الجامع الزاهر الذي أخذ من كل فن طرفا، كعبة الزوار، ومحط الأنظار، تشد إليه الرحال من أنحاء المغرب، وغيره من البلدان، يشرب الكل من معينه، ويستضاء بنبراسه، التقى فيه الدكالي، والسوسي، والتطواني، والطنجي، والتازي، والمكناسي، والرباطي،…. فكان هذا الجامع المبارك بحقٍ جامعا للشمل، منارا للنبل والفضل، سببا للتعارف، ووسيلة للتآلف، أواصر العلم بينهم قائمة، ووشائج العرفان متشابكة، وأنوار المودة على محياهم لائحة.” أصول الفتوى والقضاء في المذهب المالكي د: محمد رياض ص:160. ولا شك أن جنبات هذا الجامع العظيم شاهدة على كثرة المجالس العلمية، وحلقات الدرس التي كانت تشمل مختلف العلوم الشرعية، وقد استطاع الأستاذ أحمد بن شقرون أن يصور أجواء طلب العلم، وجهود علماء القرويين في إمداد طلابهم بكل ما حوته عقولهم، وحفظته صدورهم من مختلف العلوم والمعارف قال:

“والحلقاتُ في الصَّباح، والمَسَا     **    معـقـودةٌ لـبَحْرِ عـلـمٍ دُرسَــا

وبين مغرب، ومن قَـبْل عـشـا     **     يُزِيح عالمٌ عنِ الفِكْر، العَشَا

وقـبـل فـجـر، وطـلوعِ شمـس      **   يـجـود عـــالــم لـنـا بــدرس

وربـمـــا اســـتــمــر للـــزوال      **   بعـون مـولانا عـلى المـقـال

بالـعـقـل والـنـقـل يـفـوه القائل     **    و بـهـما دوما يفوز الـسـائـل

وكـل عــــالــم يــجـــود أبـــدا      **    بـعـلـمـه لـمن يَـهِـيـم بالهدى”

أرجوزة من زهر الآس عن جامع القرويين بفاس ص:15- 16.

          بل إنه كان قِبلة لعلماء المشرق والأندلس، يفدون عليه ليس فقط للدراسة أو التدريس، بل كذلك لعرض النوازل الفقهية التي استعصت عليهم فلا يجدون غير فقهاء المغاربة لحلِها، يقول سيدي أحمد بن شقرون:

 في تونسَ الخضراءِ قولٌ سارٍ    **     بـيـنَ ذَوِي العِـلم مـنَ الـكبــارِ

إن نـزلت نـازلــة عَـويـصَــة     **     لم يروا نُورَها، ولا بَصِيصَة

جاؤُوا بقـولٍ شائعٍ فِي الـنَّـاسِ    **     لـيـسَ يَحُـلُّهَا إلا قُـضَـاةُ فَـاسِ

 وَجَـامِعٍ يُـقْــصَدُ مَــنْ أنـحــاء   **      فِـيـهِ يُـقِـيم مَنْ دَنَـا، وَالـنَـائِـي

مِـنْ عُــلَمَـاءِ مُـعْـظَـمِ الـبِــلادِ    **     وَقَـادَةٍ، فَــطَاحِـلٍ، أَسْـــيَـــــادِ

أرجوزة من زهر الآس عن جامع القرويين بفاس عبر القرون ص45.

           لقد درس في أروقة هذه الجامعة، وتخرج منها الكثير من العلماء الأجلاء الذين برزوا وتفننوا في فقه النوازل والفتاوى، وبرعوا في الإجابة على كل الوقائع المستجدة، مبرهنين على قدرتهم الفائقة على الاجتهاد، وإيجاد الأجوبة والحلول لكل القضايا المطروحة في زمانهم، ذلك أن الفقيه لم يكن بعيدا عن واقعه، ولا منعزلا عن مجتمعه مكتفيا بإصدار فتاوى نظرية، وإيجاد حلول لوقائع فَرَضية، بل إن الفقيه كان ابن بيئته يعيش مع الناس وبين الناس، يشهد من الحوادث ما يشهدونه، ويقف أمام ما يحمله العصر من مستجدات وتطورات، فكان من السهل عليه التعامل مع النوازل المعروضة عليه لمعايشته “للنوازل اليومية والحوادث الطارئة، والقضايا الصادرة من صميم الواقع الفردي والجماعي، والمتفرعة عن شبكة العلاقات والمعاملات الإنسانية في شتى نواحي حياتهم… بكثير من الملابسات والقرائن التي لا تفهم حقيقتها، ولا يتوصل إلى أحكامها إلا من قبل من خبر هموم الناس، وأحوال الواقع وأسرار الشرع” المقاصد في المذهب المالكي خلال القرنين الخامس والسادس الهجريين، لنور الدين الخادمي، ص 197.

          فكانت أجوبة الفقهاء على أسئلة المستفتين متعلقة بالأحداث النازلة والأمور الطارئة “تبتعد في الغالب عن الجانب النظري المحض من الفقه، وتصور ألوانا من حياة المستفتين ومعاملاتهم وعاداتهم وظروف عيشهم….” فتاوي الإمام الشاطبي ص85.

           إن معايشة الفقيه لواقعه وتفاعله معه وتعامله مع النوازل على كثرتها وتنوعها تكسبه ملكة تمكنه من إعطاء فتوى مواتية، وهو ما يعبر عنه “بالدُّربة”، “فالفتوى صنعة لا يحسنها كل فقيه فلابد من الدربة و التمرس، ومعرفة نفسيات المستفتين ومراعاة الواقع وأعراف البلد الذي يفتى فيه” مباحث في المذهب المالكي لعمر الجيدي ص 130، ومعرفة أحوال الناس، ودراسة ما يحصل في مجتمعهم، وما ترمي إليه مقاصدهم، وأعرافهم مطلعا على مكايدهم، وصور حيلهم في التصرفات، والمعاملات، حتى”لا يصور له الظالم بصورة المظلوم وعكسه، والمحق بصورة المبطل وعكسه، وراج عليه المكر، والخداع والاحتيال، وتصَّور له الزنديق في صورة الصِّديق، والكاذب في صورة الصادق” أعلام الموقعين 4/204.

         فيتبين تبعا لما مر أنه لا يكفي توافر شروط الإفتاء في الفقيه  لأنه قد “يعسر عليه أن يفتي الناس، ويعرفهم بأحكام ما ينزل بهم في حياتهم، ذلك أن الفقيه يحيط بالأحكام الشرعية، ثم تعرض عليه جزئيات الواقع، فلا يحسن تطبيق ما يناسب من تلك الأحكام على الجزئية المعروضة أحيانا…..لهذا تقرر أن الفتيا تقتضي تدربا وحَذقا بدونهما يعجز الفقيه عن النهوض بإفتاء العامة، وهذا يوجب ألا يكون خوض مجال الإفتاء إلا بعد استعداد، وبعد اجتياز مرحلة تدرب وتكسب ملكة الإفتاء والتصرف في الزاد الفقهي” فتاوي الإمام الشاطبي ص 76. لذلك هناك فقيه، وفقيه نوازلي، إذ كل نوازلي فقيه، وليس كل فقيه نوازليا.

          لقد تميز المغاربة بفقه النوازل، ولعل ما خلفوه من مؤلفات ومصنفات في هذا الجانب ظل وسيظل شاهدا على ما بذلوه من جهود في إيجاد أحكام لوقائعهم ونوازلهم، ولا غرابة في ذلك “فالمغاربة أهل فقه، وأمة علم نظرا وعملا، وأنهم لم يبدعوا في أمر كما أبدعوا في هذا الشأن، إذ دواوين الفقه، والفتاوى، والنوازل أكثر من دواوين الأدب والشعر وغيرهما من الفنون…” أصول الفتوى والقضاء في المذهب المالكي، د محمد رياض: ص 159.، يقول العلامة علال الفاسي في نفس السياق:”إننا لسنا أمة بدون قانون، ولكننا أمة غنية بشريعة هائلة أعجزت الإنس والجن، عن أن يأتوا بمثلها، … ولم تظهر عبقريتنا في شيء كما ظهرت في الدراسات الفقهية، والتطبيقات المحكمة على النوازل، والقضايا الطارئة” دفاعا عن الشريعة ص 220.

         إن المتتبع لإنتاجات المدرسة الفاسية المالكية لا يخفى عليه الوفرة التي خلفها أعلامها في فقه النوازل، والذي كان وليد الظروف التي كان المجتمع المغربي يعيشها الشيء الذي اقتضى من الفقهاء مسايرة كل المستجدات فأصبح فقه النوازل يتحرك وفق المجتمع وخصائصه. وكانت حصيلة هذه الوفرة تراكم كم هائل من المؤلفات النوازلية عند الفقهاء المالكية المغاربة التي تحكي الظروف السياسية، والاجتماعية، والتاريخية، لتلك الفترة التي عايشوها قد يكون المسلمون- في واقعهم المعاصر- في أمس الحاجة إلى مثل هذه الكنوز الحبيسة التي تمثل حلولاً لكثير من المعضلات المتشابهة على تباعد الفترات الزمنية إلا أنهم بعيدون – كل البعد- عنها، خاصة في زمنٍ أصبحت الحاجة فيه ماسة إلى استلهام الحلول التي قامت عليها جماعات من فقهاء المالكية المغاربة.

        إسهـام فـقـه الـنـوازل فـي ازدهـار الـحركـة الاجتـهاديـة:

        لقد أسهم علماء القرويين في إيجاد الحلول لكل ما جد في مجتمعهم من نوازل وواقعات في ازدهار الحركة الاجتهادية خاصة بعد أن عرفت الحركة العلمية فترة وصفها البعض بالجمود واجترار ما سبق وما تم تأليفه رغم أن كل ذلك كان بقصد تيسير وتقريب العلوم الشرعية لطالبيها، نظرا لاشتغال العلماء بالاختصار الذي كان القصد منه “تقليل الألفاظ تيسيرا على الحفظ، وجمع ما هو في كتب المذهب من الفروع، ليكون أجمع للمسائل، وكل منهما مقصد حسن لولا حصول المبالغة في الاختصار التي نشأت عنها أضرار” الفكر السامي 703.

        أما الفترة التي ازدهر فيها فقه النوازل فحظيت من العلماء والفقهاء بقسط كبير وحظ وافر من العناية والتمحيص والدراسة والتحقيق، فعملوا على إمعان النظر فيها، وبذلوا مجهودا في استجلاء حكم ما يرد عليهم ويعرض لهم من الفتاوى والأحكام، ويطرأ لهم من النوازل والقضايا المستجدة مع توالي الأيام، وتطور الحياة في مختلف مناحيها وجوانبها المتعددة، التي تعتبر النوازل والفتاوى صورة لها، ومرآة صافية تعكس واقع الحياة الاجتماعية للناس، وتقتضي التعمق في البحث والنظر، للتعرف على الحكم الشرعي و الاهتداء إليه في النازلة المعروضة.

          ومن ثم كتب في فقه النوازل علماء كثيرون، وفقهاء جهابذة عديدون، “ألفوا فيه مؤلفات جليلة، وتركوها تراثا علميا ضخما، وعطاءً فقهيا هاما ممنهجا، يتضمن ذكر النازلة الاجتماعية وعرضها وبسطها في بابها، بعد استقصاء البحث عن الحكم الشرعي فيها، من خلال رجوعهم إلى أصول التشريع الإسلامي ومصادره المتعددة، وإلى كتب الفقه ومدوناته الكثيرة، وما احتوته واشتملت عليه من أقوال الأئمة ونصوص الفقهاء المتمكنين، والعلماء المتضلعين في الفقه الإسلامي وأصوله، وفروعه وجزئياته، حرصا منهم على توخي الحق والحقيقة، والوصول إلى الصواب في النازلة فيما يذكرونه ويحررونه من فقه النازلة والفتوى فيها” انظر مقدمة “النوازل الصغرى” المسماة بالمنح السامية في النوازل الفقهية،ص:3. والأمثلة على المؤلفات النوازلية كثيرة ولا تدخل تحت العد، منها:

– نوازل أبي عمران الفاسي(430هـ).

– نوازل أبي الحسن الصغير علي بن عبد الحق الزرويلي الفاسي (719هـ)

– المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوي علماء افريقية والأندلس لأبي العباس أحمد بن يحيى الونشريسي(914هـ)، وهو أكبر موسوعة نوازلية في المغرب.

– نوازل العلمي علي عيسى الشفشاوني(1127هـ) قاضي شفشاون.

– النوازل الجديدة الكبرى في أجوبة أهل فاس وغيرهم من البدو و القرى أو المعيار الجديد الجامع المعرب عن فتاوي المتأخرين من أهل المغرب للمهدي الوزاني(1342هـ).

– النوازل الصغرى أو المنح السامية في النوازل الفقهية لأبي عيسى محمد المهدي بن محمد الوزاني (1342هـ). وغيرها كثير وقد ألفها أصحابها بمناهج مختلفة.

          لقد أسهم فقهاء المدرسة الفاسية في إظهار النبوغ المغربي في مجال الفقه النوازلي، يعلم ذلك من رغبة الفقهاء في استيعاب كل المستجدات التي تطرأ على حياة المجتمع في جوانبها المختلفة، وأدق تفاصيلها، حتى إنك تجد أجوبة لفتاوى تعالج حيثيات وتفاصيل نابعة من صميم الواقع، فنظر الفقيه النوازلي في الوقائع يعبر عن ارتباط الفقه بالحياة اليومية التي تقتضي منه الاجتهاد في إيجاد أحكام لما يطرأ من القضايا و النوازل، و جعلها ملائمة لروح الشريعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق