مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبيةدراسات عامة

أَسْرارُ البَيَان في القُرْآن(12) اَلبَيانُ في أنَّ أَصلَ مَعنَى(أَسَاطِير الأَوَّلينَ)،منَ الفِعْلِ (سَطَرَ يَسْطُرُ) أَيْ (كَتَبَ يَكْتُبُ).

و ذَلكَ قولُهُ تعَالى حِكايَةً عنْ كُفَّار قُريْشٍ قَولَهمْ لَـمّا سَمعُوا القُرآن: ﴿أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ . وقدْ وَرَدَتْ كَلِمَةُ (أَسَاطِير) في تِسْع آيَاتٍ، منهَا قولُهُ تعَالى في سُورَة(الأَنْفَال) :﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْـهِم آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، وقَولهُ تعَالى في سُورَةِ (الْقَلَم): ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ .

         وَأوَّلُ مَا يَسْبقُ إلى الذِّهْن، هُوَ مَا اشْتَهَرَ مِمَّا اسْتجَدّ مِنْ مَعَانِي هَذِهِ الكَلمَة؛ وهُو أَنَّها جَمْعُ (أُسْطُورَة)، وَ أَنَّ الأُسْطُورَة هيَ الخُرَافَةُ وَالحِكَايةُ الَّتي لا أَصْلَ لَهَا. أوْ كمَا جاءَ في كُتُب اللُّغةِ أَنَّ مِنْ مَعَانيـها: الأَبَاطِيل والأكاذيب. ذُكِرَ ذلكَ في (لسَان العَرَب) وفي(تاج العَرُوس). وقالَ عَنها(ابنُ فارِسٍ) في (مَقايِيس اللُّغَة):«فَأَمَّا الأَسَاطِيرُ،فَكَأَنَّهَا أَشْيَاءٌ كُتِبَتْ مِنَ الْبَاطِلِ، فَصَارَ ذَلِكَ اسْمًا لَهَا، مَخْصُوصًا بِهَا...».

           لكنَّـهُم أيْضاً ذَكَرُوا مَعْنىً آخرَ، مُؤَصَّلاً من لفْظِ الكَلمَةِ، ممَّا يَكْشفُ عَنْ فَهمٍ مُختَلِف، لهُ وجاهَةٌ، وخَليقٌ بالاعْتِبَار؛ ذلكَ أنَّ كلِمَةَ (أساطير)، في اشْتِقاقِها اللّغويّ،  تَأْتي منَ الفعل (سَطَرَ  يَسْطُر).جَاءَ في (مُعجَم العَيْن)،لإمَام اللُّغةِ،(الخَلِيل بْنِ أَحمَدَ الفرَاهِيدِيّ): «سَطَرَ يَسْطُرُ ،إذا كَتَبَ. قَالَ تعالَى ﴿ن وَالقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾،أيْ: ومَا تَكْتُبُ الْـمَلائِكَةُ». ونَقلَ (ابْنُ مَنظُورٍ) عنِ (الزَّجّاج) في المسْأَلَة:« وقَال(الزَّجّاجُ) في قولهِ تعَالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوّلِينَ﴾ ، خَبَرٌ  ِلاؐبْتِداءٍ مَحذُوفٍ؛ الْـمَعْنَى: وَقَالُوا: اَلَّذي جاءَ بهِ، أَسَاطِيرُ الأَوَّلينَ؛ مَعنَاهُ: سَطَّرَهُ الأَوَّلُونَ».

        وأنتَ تَجِدُ فِي آيَاتٍ أُخرَى نَفسَ هذا الْـمَعنَى؛ وذلكَ في مثْلِ قَولهِ تعَالَى: ﴿والطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾. ومِثلُهُ قولُهُ تعَالى:﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ  وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ ﴾، أيْ مَكْتُوبٌ ومُسَجّلٌ .وسَمَّى الكُتُبَ في الآيَةِ قَبلَهَا (الزُّبُر) ، قال تعالَى ﴿ وكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ في الزُّبُر﴾، والزُّبُر هيَ الكُتُب، لذَلكَ يُسَمّى القَلَمُ ( مِزْبَر ) منَ الفعْلِ (زَبَرَ) أيْ كَتَبَ .ومنهُ (الزَّبُورُ)أي (المكتُوب):(فَعُول بمعْنَى مَفْعُول، مثلُ رَسُول بمَعنَى مَرْسُول). وغلبَ الاسمُ علَى (كِتابِ النّبيّ دَاوُودَ عليهِ السّلامُ). فَيَكُونُ مَعْنى (أسَاطِير الأوَّلينَ)، هُوَ: مَا سُطِّرَ  فِي كُتُبِ القُدَمَاءِ.

         و قَدْ  جَاءَ في كتابِ (الْـمُعلَّقَة العَربيّة الأُولَى)، للدُّكتُور (محَمَّد نَجيب البَـهْبِيتِـيّ)- (ج1 ص45)- ما يُزَكّي هذَا الوَجهَ، فَيَعتَبرُه هُوَ الأَصلَ الَّذي بُنِيَتْ عَليهِ الدَّلالَةُ في كَلمَة(أَساطِير)، ومَا دُونهُ فَمُوَلَّدٌ وَمُستَحدَثٌ. فقَال «وَمَعْنَى أَسَاطِير في العَرَبيَّة، هُوَ مَا سُـطِّرَ، أي الكُتُب. وليسَ الخُرَافَات. فهَذا مَعنىً حَديثٌ مُولَّدٌ لا تَعرفُهُ العَرَبيَّةُ الصَّحيحَةُ». وهَذا هُوَ المعْنَى الّذي ذَهبَ إليهِ (الطَّبريّ) في (تَفسيرهِ) حيثُ قالَ : « الأَساطيرُ جَمْعُ إِسْطارَةٍ وأُسْطُورَة…. منْ قولِ اللهِ تعَالى ذِكْرُهُ: ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ ، مِنْ سَطَر  يَسْطُر سَطْراً. فَإذَا كانَ منْ هَذَا  فَإِنَّ تَأْوِيلَهُ، ما هَذَا إِلَّا مَا كَتَبَهُ الأَوَّلُون» .  

      وأَنتَ تَجدُ لهَذَا الْـمَـذهَب سَنداً في النُّصُوص الأَدبيَّة القَديمَة، ومنْ ذلكَ قولُ الشَّاعر الجَاهليّ(عبيد بنُ عَبد العُزّى السَّلَاميّ) وهوَ ابنُ عَمّ (الشَّنْفَرَى)،وهوَ يصفُ فعلَ الرّياحِ والأَمطَار  في مَنَازل الرَّاحلينَ:

                فَلَـمْ يَــتْــــرُكَا إلَّا رُسُــــوماً كَأَنَّـــــهَا

                                       أَسَاطيرُ وَحْيٍ في قَرَاطِيسِ مُقْتَرِي

[(وَحْيٍ) هُنا بمَعنَى (كِتَابَةٍ)،فتَكونُ (أَسَاطِير) بمَعنَى (أَسْطُر) و(مُقْتَرِي) مِنَ(القِرَاءَة)]

        وبذَلكَ فأنتَ تُدركُ أنّ (أسَاطير) في هذَا البَيتِ، لا تَعْني (الأَباطِيل)، وإنَّمَا هيَ تُشيرُ إلى الكِتَابَة. وإنْ شِئْت التَّدقِيق، قلتَ: تُشيرُ إلى (السَّطْر) في (الكِتَاب)، علَى أسَاس أنَّ (أَسَاطير) هيَ جمْعُ الجَمْع لِكلمَة(أَسْطَار) الَّتي هيَ جمْعٌ لكَلمةِ(سَطْر)؛ قالَ (الصَّاحِبُ بنُ عَبَّاد) في مُعجَمه(الْـمُحيطُ في اللُّغَة): «وَأسْطَارُ الأَوّلينَ: أَخْبَارُهم ومَا سُطِّرَ منهَا وَكُتِبَ، واحِدُها سَطْرٌ  ثُمَّ أسْطَارٌ، ثُم أسَاطِيرُ جَمْعُ الجَمْعِ».

        وَأنتَ تُدركُ أيضاً أنَّ مَا كَتبَهُ الأوّلُونَ، لَيْسَ كُلُّه أبَاطيلَ، وأكَاذيبَ، فَكثيرٌ منْهَا أَخبارٌ صَادقَةٌ، وعُلُومٌ وحِكْمَة وأدَبٌ وأَخلاقٌ… لذَلكَ، فقَصْدُ قُريْشٍ، ليْسَ وصفَ كَلامِ الرَّسُولِ صلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلّم، بالأباطيلِ والأكاذيبِ ، وإِنَّما هُم يُنكِرُونَ أَنْ يَكُونَ رسُولاً، وأَنَّ كَلامَهُ وحْيٌ مِنَ اللهِ. بَلْ هُوَ  فِي نَظرِهِمْ رَجُلٌ يُكَرِّرُ كَلامَ مَنْ سَبَقُوهُ، بعدَ أَنِ اطَّلعَ عَلَيْها في كُتُبهمْ ونَقَلَ مَا سَطرُوهُ فيهَا.

          يَتبَيَّنُ ذلكَ جلِيّاً في قولهِ تعَالى عَنهُم: ﴿ وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اؐكْتَتَـبَــهَا فَهيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأَصِيلاً﴾ .والَّذي تَوَلّى كِبْـرَ هَذهِ الْـمَقالَة، هُو (النَّضْرُ بْنُ الحَارثِ بْنِ كَـلَدَةَ)، وكانَ ذا مَعرفَةٍ بأخْبَار الماضِين وأَحدَاثِ الأُمَم الغابرةِ. قرأَ ذلكَ في الكُتُب واؐكْتَتَـــبَها. جاءَ في كتَاب (السِّيرَة النّبويّة، لابْنِ هِشامٍ) قَولُهُ عنهُ:  «كانَ إذَا جَلَسَ رَسُول اللهِ صلّى اللهُ عليْهِ وسَلّم، مَجلِساً ، فَدَعَا فيهِ إلى اللهِ تَعالى وتَلا فيهِ القُرآنَ، وحَذّرَ  فِيهِ  قُريشاً ما أَصابَ الأممَ الخَاليَةَ، خَلفَهُ في مَجلِسِهِ إذَا قامَ، فَحدَّثَـهُم عَنْ (رُسْتَم السّنديد)، وعَن (إِسْفَنِدِيَار )، ومُلُوك فَارس ، ثمّ يَقوُل: وَاللهِ مَا (مُحمَّدٌ) بأحْسَنَ حديثاً مِنّي، ومَا حَديثُهُ إلّا أَسَاطيرُ الأَوَّلينَ، اؐكْتَــتَـــبَــهَا كمَا اؐكْتَـتَــبْــتُــهَا».

      فَقوْلُهُ:(اكْتَتَبَـها كَمَا اكْتَتَبْـتُــها)، يُظهِر بجَلاءٍ، أنّ المقصُودَ بـــ(أَسَاطِير الأَوّلينَ):( مَا سُطِّرَ منْ كتبِ الأوَّلينَ).ولوْ كانَت تَعْني الأَكاذِيبَ والأَباطيلَ، لكانَ كَلامُهُ دَاخلاً فيهَا فَذمَّ نَفسَهُ ،وأَبطلَ حُجَّتَه.  وقَدِ انتبَه بعضُ المفَسّرينَ إلى ذَلكَ؛ فقدْ تَسَاءَلَ (ابْنُ الجَوْزيّ) في تَفسيرهِ(زَادُ المسِير)، فقالَ: «إنْ قيلَ : لِمَ عَابُوا الْقُرْآنَ بِأَنَّهُ أَسَاطيرُ الأوَّلينَ، وقدْ سَطّرَ الأَوَّلُونَ مَا فِيهِ عِلْمٌ وحِكْمَةٌ؟ فَعَنْهُ جَوَابَان: أَحَدُهُما: أَنَّهُم نَسَبُوهُ إلى أنَّهُ لَيْسَ بِوَحْــيٍ منَ اللهِ، والثّاني: أَنَّهُم عَابُوهُ بالإشْكَالِ والغُمُوضِ» .

        وهَكذَا نَخلصُ إلى أنَّ وضعَ الكلمَةِ في سيَاقهَا التَّاريخيّ ومَعرفَةَ أَصلِ دَلالَتها في مَبدَئِــهَا، وَالإحَاطةَ بمَآلاتِـها وتَقلُّباتِها، يَكشفُ لنَا عنْ مَعاني قدْ تَخفَى، فَلا تُستَجْلَى إلَّا بِفَضْلِ تَدَبُّرٍ،   وبَسْطِ نَظَرٍ.  

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق