مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراثأعلام

أبو علي اليوسي

هو الإمام الكبير، المحقق الشهير، أعجوبة الدهر، ونادرة العصر، أبو علي الحسن بن مسعود بن محمد اليوسي، ونسبته إلى قبيلة آيت يوسي التي تندرج تحت لواء إتحادية آيت يدراسن الصنهاجية، وأصلها اليوسفي نسبة إلى جده الثالث يوسف وهو أبو القبيلة، ويسقطون الفاء في لغتهم فينطقونها اليوسي.

ولد في حدود 1040هـ/1631م، وسط أسرة فقيرة وأمية، لكنها ذات ديانة وعفة وصيانة، بإحدى قرى السفح الشمالي للأطلس الكبير الشرقي، والواقعة على وادي ورن، أحد روافد نهر ملوية العليا، بالقرب من جبل العياشي.

بدأ مترجمنا طلب العلم مع بلوغه سنّ التمييز؛ إذ بعث به والده إلى كُتاب القرية لحفظ القرآن الكريم، ثم توجه إلى تافيلالت صحبة معلمه أبي إسحاق الحداد حيث ختم القرآن الكريم، وأخذ مبادئ العلوم، من توحيد، ولغة، ونحو، وفقه، ثم عاد إلى بلدته حيث واصل مشواره العلمي، وبدأ يدرس كتب التصوف ويزور الصالحين.

وانطلق بعد هذا طوافاً على أهم المراكز العلمية، في كل من سوس، ومراكش، ودكالة، ودرعة، وتافيلالت، والأطلس المتوسط، فتتلمذ على جلّة من العلماء، أبرزهم: العلامة الزاهد أبو بكر بن الحسن التطافي، والأستاذ الصالح أبو العباس أحمد الدراوي، والإمام أبو فارس عبد العزيز الفيلالي، وقاضي الجماعة الإمام الماهر أبو مهدي عيسى بن عبد الرحمن السكتاني، والفقيه أبي عبد الله محمد بن إبراهيم، والإمام عبد العزيز الرسموكي، والأستاذ الوليّ أبو عبد الله محمد بن ناصر الدرعي، وعنه أخذ الطريقة الناصرية.

وانتقل بعد هذه الرحلة إلى الزاوية الدلائية وهو في الستينات من عمره، ومكث بها حوالي عشرين سنة، قضى بها أزهى فترات عمره، وفيها أروى زنده واشتعلت جذوته، وظهر في مضمار الأذهان تبريزه، وجمع فيها بين التدريس والطلب، فأخذ بها عن فطاحل العلماء، من أمثال: أحمد بن عمران الفاسي، ومحمد بن محمد بن أبي بكر الدلائي، وغيرهم، وبقي في الزاوية يعيش حياة ترف علمي ومادي إلى أن وقعت بها معركة بطن الرمان عام 1079هـ/1668م، فغربه السلطان المولى الرشيد إلى فاس للسكنى والتدريس بها، وبعد هذا التغريب لم يقر لمترجمنا قرار في مكان معين؛ إذ كان للأوامر السلطانية وكذا للبيئة العلمية المليئة بالإحن والمكائد دور في تنقله من مدينة إلى أخرى، حتى بعثه السلطان ضمن الركب الرسمي إلى المشرق لأداء فريضة الحج، وعاد بعدها إلى بلاده عام 1102هـ/1691م. ومن أبرز من أخذ عن الإمام أبي علي اليوسي تلميذه وصاحبه ابن زاكور الفاسي، وأخذ عنه جم غفير لا يحصون كثرة.

كان مترجمنا محققا للدراية والرواية، وله عارضة كبيرة في النقل والتحقيق، اتفقت مصادر ترجمته على عُلوِّ كعبه العلمي وصلاحه الصوفي، وجرأته في الصدع بكلمة الحق، فقد كان علماً شامخاً، عُدّ بحق من الآحاد الذين أنجبتهم الأمة الإسلامية في القرن 11هـ/17م، ولا غرابة أن يتردد على الألسن قول أبي سالم العياشي في حقه:
من فاته الحسن البصري يصحبه        فليصحب الحسن اليوسي يكفيه

وقال عنه صاحب نشر المثاني:«كان رحمه الله عالماً ماهراً في المعقول والمنقول، بحرا زاخرا في المعارف والعلوم»، وقال الإفراني:«الشيخ الإمام علم الأعلام شيخ الإسلام آخر علماء المغرب على الإطلاق، ومن وقع على علمه وصلاحه الإجماع والإتفاق».

خلف الحسن اليوسي رحمه الله تراثاً علميا زاخرا بلغ أربعين كتابا، إلى جانب رسائل كثيرة في فنون متنوعة، كالتوحيد، والأدب، والتفسير، والقراءات، والتصوف، والفقه وأصوله، وأصول الدين، وأشهرها: زهر الأكم في الأمثال والحكم، والقول الفصل في تمييز الخاصة عن الفصل، والمحاضرات، وديوان شعر، والقصيدة الدالية وشرحها، والقانون، والفهرسة، والرسالة الكبرى، والرسالة الصغرى، ورسالة في طائفة العكاكزة، وغيرها.

توفي الشيخ رحمه الله بداره بقرية تمزيزت، ليلة الإثنين 23 ذي الحجة عام 1102هـ/1691م، وقيل أنه توفي مقتولاً، ودفن بمكان يسمى جنان مشكة، ثم نقل جثمانه بعد عشرين سنة إلى العدوة الشمالية من مدينة صفرو.

مصادر ترجمته: صفوة من انتشر:(344-350)، نشر المثاني:(3/25-49)، إلتقاط الدرر:(258-260)، الإستقصا:(7/108)، الفكر السامي:(2/337-338)، موسوعة أعلام المغرب:(5/1801-1818)، معلمة المغرب:(22/7692-7695).

إنجاز: د. طارق طاطمي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. قرية (تمزيزت) ويقال: تمزيزيت، جوار بلدة صفرو القريبة من حاضرة فاس والله أعلم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق