مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكمفاهيم

أبــو القــاســم الــجــنــيــد

(215هـــ =297هـــ) 

ذ/محمد الهاطي

باحث بمركز دراس بن إسماعيل

        هو أبو القاسم الجنيد بن محمد الخزاز القواريري، ولد سنة نيف وعشرين ومئتين في بغداد وبها نشأ وترعرع. أخذ الفقه على أبي ثور، وسمع من السري السقطي ومن الحسن بن عرفة، وصحب أيضا الحارث المحاسبي وأبا جمرة البغدادي توفي – رحمه الله – وهو يصلي سنة 297هـ ودفن عند قبر شيخه السري سقطي .

 يصنف الإمام الجنيد ضمن الطبقة الثانية من صوفية القرن الثالث الهجري، ويلقب بسيد الطائف وإمامها، خلف مجموعة من الآثار العلمية القيمة – وأغلبها عبارة عن رسائل صوفية – استطاع من خلالها أن يضع مجموعة من الضوابط لسلوك طريق القوم منها :

الضابط الأول : ضرورة الإقتداء بالرسول  صلى الله عليه وسلم واتبع سنته يقول : « الطرق كلها مسدودة على خلق إلا من اقتفى أثر الرسول واتبع سنته ولزم طريقته، فإن طريق الخيرات كلها مفتوحة عليه » (الحلية 10/276) ويردف قائلا « علمنا (يقصد التصوف) مضبوط بالكتاب والسنة  ومن لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث ولم يتفقه لا يقتدى  به » (الحلية 10/274 ).

الضابط الثاني : تعلم العلم وعدم الاغترار به  يقول مخاطبا عبد الواحد بن علوان : « يا فتى إلزم  العلم ولو ورد عليك من الأحوال ما ورد ويكون العلم مصحوبك، فالأحوال تندرج فيك وتنفد لأن الله عز وجل يقول : ﴿  والرسخون في العلم يقولون أمنا به كل من عند ربنا ﴾ (آل عمران )7 »( الحلية 10/276). إلا أنه في الآن نفسه يحذر من آفة الاغترار بالعلم فيقول : « من ظن أنه يصل ببدل المجهود فمتعن، ومن ظن أنه يصل بغير بذل المجهود فمتمن، ومتعلم يتعلم الحقيقة يوصله الله إلى الهداية، قال  صلى الله عليه وسلم : ” كل ميسر لما خلق له “( ينظر الحديث عند مسلم كتاب القدر باب 1) » (الحلية 10/285).

 الضابط الثالث : الجمع بين العلم والعمل وعدم الفصل بينهما،  فقد سئل يوما عن قوله تعالى : ﴿ سنقرئك فلا تنسى ﴾ ( سورة الأعلى الآية  6) فقال: سنقرئك التلاوة فلا تنسى العمل »( الحلية 10/288)، فهو هنا ينبه إلى آفة فصل العلم عن العمل يقول:« اعلم أنه إذا عظمت فيك المعرفة بالله وامتلأ من ذلك قلبك، وانشرح بالانقطاع إليه صدرك، وصفا لذكره فؤادك، واتصل بالله فهمك، ذهبت آثارك وانمحت رسومك، واستضاءت علومك، فعند ذلك يبدو لك علم الحق »( الحلية 10/299).

الضابط الرابع : مصاحبة الدنيا بالبدن ومفارقتها بالقلب يقول: « إن لله عبادا صحبوا الدنيا بأبدانهم وفارقوها بعقود إيمانهم » فهو يحث على عدم التعلق بالدنيا الفانية مع اتخاذ الأسباب، يقول في تفسير قوله عز وجل : ﴿ كل يوم هو شأن﴾ (سورة  الرحمن الآية 29) ؛ « يعني شأن الخلق، وأنت أيها الواقف أترى أنك من الخلق الذي هو في شأنهم أو ترى شأنك مرضيا عنده ؟ ولن يقدر أحد على استحضار عقله إلا بانصراف الدنيا وما فيها عنه وخروجها من قلبه » (الحلية 10/290-291).

هذه بعض ملامح  السلوك الصوفي عند الإمام الجنيد الذي استطاع  بمنهجه المتسم بالحكمة والتبصر أن يرفع اللثام وينفض الغبار عن معالم التصوف السني الذي يشكل أحد ثوابت الهوية الدينية بالمغرب، كما يجب التنبيه في هذا الباب إلى أن معظم الدراسات التاريخية تؤكد على اتصال أسانيد أغلب الطرق الصوفية بالمغرب بالإمام الجنيد، وفي هذا الأمر إشارة إلى أن المغاربة اختاروا المنحى الصوفي الجامع بين الشريعة والحقيقة وبين العلم والعمل. 

 

(بلغت كتب التراجم التي تحدث عن الإمام الجنيد نيف ثلاثين مؤلفا نذكر من بينها : “حلية الأولياء” لأبي نعيم : ج10/275-305 و”الرسالة القشيرية”: 1/150-153 و”طبقات الصوفية” للسلمي: 155-163 و”طبقات الشافعي” لابن السبكي: 2/28-37 و”تاريخ بغداد” للخطيب البغدادي: 7/241-249)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق