مركز الإمام أبي عمرو الداني للدراسات والبحوث القرائية المتخصصةدراسات عامةشذور

آية وعبرة “خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ” (3)

بسم الله الرحمن الرحيم

       ختمت الهداية السالفة بسؤال مؤداه، لماذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ أليس الأولى أن يشتغل الإنسان بنفسه؟ فإن أنهى إصلاحها  فأقرب عشيرته، وأن ينأى بنفسه عن شؤون العامة،  وربما استُدل على هذه القالة بظاهر الكتاب،  كقوله تعالى: “يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ” [المائدة:105]، فسول ذلك لبعض الناس أن يعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر  ضربا من التطفل على الحريات الفردية، وإقحام النفس في أمور تخص الغير، فيعده عملا فضوليا يزجي بصاحبه في متاهات هو في غنى عن خوضها وإجهاد النفس والفكر في تجربتها.

             طرح يستدعي مفاتشته لتبين مصداقيته، ودعوى تتطلب إقامة البرهان لتبريز  رسوخها أو إبداء تهافتها.

            وأول ما تمليه  المطارحة تأميم وجهة النقاش، ما خلفية المدعي لهذه الدعوى؟ هل يشارك جحافل المسلمين وجهتهم؟ أم هو يباينهم في المبدإ والمنطلق؟

           فإن كان يوافقهم المبدأ و القصد فأمره ميسور بحول الله،  و لا يحتاج إلا إلى إزالة اللبس الحاصل في فهمه للنصوص، وتحديد المقصود بها عند الواضع، وإزالة الغبش المعكر للرؤية؛ فكثيرا ما يؤتى المرء من سوء الفهم،

وقد قال المتنبي قديما:

وكم من  عائب قولا صحيــــــــــحا وآفته من الفهم السقيـــــــــــــــم

 

 فإن أزيل الاشتباه حصل القبول والانقياد، فتمت الاستجابة وتحقق المراد ، ولا تتصور المكابرة إلا من جحود، هذا إن كان المُحاوَر متحريا للصواب، ناشدا للحكمة، أما إن كان مغرضا أو مبيتا نية إفساد فلا يجدي معه الحوار، و لكل وجهة هو مولاها، ثم عند الله تجتمع الخصوم.

      أسعد ما بأيدي المناوئين آية المائدة ” …، وليس المراد بها ما تساق له، و لا ما يستشهد بها عليه،  وإن كان ظاهرها مؤكدا لدعوى القائلين بقصر المسؤولية على الفرد في خاصة نفسه، وقد استشكل فهمها زمن تنزل الوحي فبين النبي صلى الله عليه وسلم المراد بها، فقد روى الترمذي عن أبي أُميَّة الشعباني. قال: أتيتُ أبا ثعلبة الخشني فقلت له: كيف تصنعُ بهذه الآية؟ قال: آيَّةُ آية؟ قلتُ: قوله تعالى:  “يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ” قال: أما والله! لقد سألتَ عنها خبيرا، سألتُ عنها رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال: بل ائتمروا بالمعروفِ وتناهوا عن المنكرِ، حتى إذا رأيتَ شُحّاً مطاعاً، وهوى متبعاً، ودنيا مؤثرةً، وإعجابَ كلَّ ذي رأيٍ برأيه، فعليك بخاصة نفسك ودع العوامَّ. إن من ورائكم أياماً الصبرُ فيهنَّ مثلُ القبضِ على الجمرِ، للعاملِ فيهنَّ مثلُ أجرِ خمسين رجلا، يعملون مثل عمَلكُمْ، قال عبد الله بن المبارك: وزادني غيرُ عتبة: قيل يا رسولَ الله! أجرُ خمسين رجلاَ منَّا أو منهم؟ قال: لا، بل أجرُ خمسينَ منكم”[1].

فهذا نص رافع للبس والإشكال، معين للمراد، ويزيده بيانا فهم أبي بكر الصديق، وقد أناط فيه التخلي عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بنزول العذاب، وذلك فيما رواه أحمد رحمه الله بسنده عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه. أنه قامَ فحمِدَ الله وأثنى عليه ثم قال: أيُّها الناس! إنكم تقرؤون هذه الآية: “يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضـُـرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ” إلى آخر الآية،  وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الناسَ، إذا رأوُا المنكرَ ولا يغيِّرونَه، يوشكُ أن يَعمَّهمُ اللهُ عز وجل بعقابِه»”[2]

           و من باب  قلب الدليل استدل بعض أهل العلم  بالآية على  وجوب الأمر بالمعروف كما نقل الحاكم عن المهايمي فيما حكاه القاسمي قال:  “ولو استدل على وجوبهما بقوله تعالى: “عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ” كان أولى؛ لأنه يدخل في ذلك كل ما لزم من الواجبات، أي: كما فعل المهايميّ في تفسيره حيث قال: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ، أي: ألزموا أن تصلحوها باتباع الدلائل من كتاب الله وسنة رسوله، والعقليات المؤيدة بها، ودعوة الإخوان إلى ذلك؛ بإقامة الحجج ودفع الشبه، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر بما أمكن من القول والفعل، لا تقصروا في ذلك؛ إذ لا يضـركم من ضل إذا اهتديتم، بدعوتهم إلى ما أنزل وإلى الرسول وإقامة الحجج لهم، ودفع الشبه عنهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر بما أمكن من القول والفعل، ولا تقصروا في ذلك؛ إذ إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون من التقصير أو الإيفاء قولا وفعلا، في حق أنفسكم أو غيركم.”[3]

            وقد أجمل ابن عطية القول فيها بعد أن ساق أقوال أهل العلم،  قال القاضي أبو محمد: وجملة ما عليه أهل العلم في هذا أن الأمر بالمعروف متعين متى رجي القبول، أو رجي رد المظالم ولو بعنف،- ما لم يخف المرء ضررا يلحقه في خاصيته، أو فتنة يدخلها على المسلمين إما بشق عصا وإما بضرر يلحق طائفة من الناس- فإذا خيف هذا فعليكم أنفسكم محكم واجب أن يوقف عنده.”[4]

         إذن فجمهور أهل العلم على أن الآية لا تصلح شاهدا لسقوط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن الأمة، ولكنها تؤكده وتحث عليه، وعلى أحسن محاملهم فتنزيلها منوط بحصول أمور صوارف،  تحول بينه وبين متغياه وملابساته، فيجنح ساعتها إلى فقه الموازنات؛ درءا للمفاسد العظمى أو استجلابا و محافظة على المصالح الكبرى، وهذا أصل عظيم من أصول الدين، ومسلك وعر من مسالك النظر الاستصلاحي الذي يُخرَّج على وفق روح الملة، و تتبع مقاصدها في التشريع.

           هذا من حيث التأصيل، أما من حيث التعليل، فإن نظرة في القصود التي راعاها الشارع وهو يحض على التواصي بالخير والتناهي عن المناكر،  فإن ملحظ النظرة الشمولية لأفراد المجتمع له حضور وازن في التشـريع؛ إذ أفراده في عرفه كيان واحد، وينبغي أن يكونوا كيانا واحدا، والنصوص المؤكدة على هذا المقصد يحفل بها الأصلان، وإذا ما اعتبروا كذلك فإن ما يتضـرر به آحاده تضـرر به جماعتهم، و أي مروق عن منهجه يضر بالكيان كله، فلا بد وأن يتأثر المعافى بما قد يقارفه الناشز منهم، فتتسرب العدوى إلى الكيان كله، وهو ما لا يرضاه صاحب الشرع.

             هذا من جهة، من منظور آخر، فإن السكوت عما يستحدث في بيئة الإسلام فيه استمراء للعوائد الدخيلة، و نوع تطبيع مع المنكر، وطمس للهوية المتوارثة عبر الحقب، فينشأ جيل جديد يخف لديه الوازع الديني، ويمتزج عنده الحابل بالنابل، وتختلط بين يديه القيم، ويشرع الباب على مصـراعيه، فلا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه، وتلك داهية الدواهي، وأم المصائب التي تستحدث في بيئة الإسلام.

وقانا الله الغوائل، و حفظنا من الشـرور والدسائس.

[1] رواه الترمذي في السنن، أبواب تفسير القرآن، باب و من سورة المائدة، رقم: 3058، و ابن ماجة في السنن، كتاب الفتن، باب قوله “يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم”، رقم: 4014، والبيهقي في كتاب الآداب، باب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، رقم: 151. والطبراني في الكبير، رقم: 587، محاسن التأويل، 4/278.

[2] مسند الإمام أحمد، مسند أبي بكر، رقم: 53، وابن ماجة في السنن، كتاب الفتن، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، رقم:4005

[3]  ابن حبان في صحيحه كتاب البر والإحسان، باب الصدق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، رقم:305.

[4]  المحرر الوجيز في تفسير كتاب الله العزيز، 2/249

Science

د.عبد الجليل الحوريشي

  • باحث بمركز الإمام أبي عمرو الداني للدراسات والبحوث القرائية المتخصصة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق