مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبيةمفاهيم

مفاهيم التواصل في تراث العربية

لَن نُبالغَ إن قُلْنا إنّ نَهضةَ كلّ أمّةٍ مُنضَبطةٌ بقاعدةٍ عامّةٍ تُفسّرُ حرَكَةَ نُموّ المعرفَة وتطوُّرها:

تُفيدُ هذه القاعدةُ أنّ نهضةَ المعرفَة تَقومُ على رُكنيْن رَئيسَيْن: إخْراج التراث القديم إلى حيز التداوُل والقراءَة، ثُمّ نَقْل المعارف الأجنبيّة إلى اللغة الأمّ، وقَد عُرفَت هذه الحَرَكَةُ في التّراث العربيّ مَرَّتَيْن، قَديماً وحَديثاً؛ ففي القُرون الثلاثَة الأولى نشأت حَرَكَةُ العلمِ بتَدوين التراث ونَسخه، ثمّ بترجمة آثار الحَضارات القَديمَة، وعُرفَت الحركةُ نفسُها حَديثاً مِن طَريقَيْن؛ حيثُ إنّ التراثَ أُحْييَ مِنْ جَديدٍ بإخراجِ ذخائرِ التّراث الفكريّة والأدبيّة والعلميّة والشرعيّة إلى حيّز الوجود، تَحقيقاً ونَشراً، ثُمّ اتّساع حَرَكَة النّقْل والتّعريب للنّتاج العلمي والفكريّ والأدبيّ الوافد من الغَرب، وهي حَرَكَةٌ سينشأ عنها تَفاعُلٌ علمي وتَلاقُح فكريّ وتَواصُلٌ حضاريّ، ومهما يُقَلْ في حَجمِ التّراث العَربيّ الذي أخرِجَ إلى الوُجود ثُمّ وُضعَ جزءٌ منه بإزاءِ تراثٍ عالَميّ مَنقولٍ، فإنّ أكثَرَه لَم يَرَ النورَ بعدُ؛ منه ما ضاعَ، وهو الذي أشارَ إليْه ابنُ سلاّم الجُمَحي في “طَبَقات فُحول الشُّعَراء” في قَوله: «قالَ يونُسُ بْنُ حَبيبٍ، قالَ أبو عَمْرو بْنُ العَلاءِ: ما انْتَهى إليْكُم ممّا قالَتِ العربُ إلاّ أقلُّه، ولَو جاءَكُمْ وافراً لَجاءَكُم علمٌ وشِعرٌ كَثيرٌ»، ومنه ما بَقيَ غَيرَ أنّه لَم يُحقَّقْ بعدُ ولَم يَرَ النّورَ.

فَما بَقيَ من التّراثِ جسمٌ ضخمٌ أكبرُ من أن يُحاطَ به أو يوصَفَ بوصفٍ جامعٍ أو يَتناوَلَه منهجٌ واحدٌ، ففيه جانبُ الإبْداع الشعري والنّثري وفيه جهة الدّراسَة والوَصف والنّقد والتّعليم، وفيه العُلوم الشّرعيّةُ والعلوم الأدبيّة والعُلومُ اللّغويّةُ، وفيه ما يَضيقُ عن الحَصْرِ والتّجنيس، وكلُّ ما يَستطيعُه الدّارسُ: أن تَكونَ له رؤيةٌ شاملةٌ ومَشروعٌ علميّ مُنبثقٌ عن مَقاصد هذا التّراث ومَناحيه العامّة المُشْتركَة، فينطلق من تلك الرُّؤيَة المؤطِّرَة، ويُبرهنُ على قُدرة التّراثِ على التَّواصُل مع العَصر ومُواكبَة نتاجه، ولكنّه يَتناولُ بالدّرس والتّحليل أو التّصنيف أو التّرتيبِ المُعجَميّ جزءاً من كلّ، مَعَ استحالَة الاستقْصاءِ والإحاطَة الكلّيّة.

لقَد كتبَ المفكّرونَ في التّراث مؤلَّفاتٍ تأويليّةً وصاغوا رُؤىً وافتراضاتٍ وقدَّموا اقتراحاتٍ نظريةً للإمساكِ به والإحاطَة بتَفاصيله واستقراءِ جُزئياتِه، ولكنّ كثيراً منها لم يَكنْ يَثبُتُ أمامَ النّقد والتّحليل والتّتبُّع؛ فما من حُكمٍ يُحاولُ الباحثُ أن يَقطعَ به إلاّ ظهرَ من الظّواهرِ التي كانَت تَخْفى عَلَيْه ما يَنسَخُ الحُكمَ ويُعطّلُه. ولا سبيلَ إلى إدراكِ التّراثِ ومُحاولَة فَهمِ مُحتَواه المعرفيّ إلاّ بانتقاءِ مادَّةٍ من موادِّه، وتلمُّسِ أنْساقِه وقيَم التّواصُل الكامنَة فيه من خِلالِ هذه المادّةِ المُنْتَقاة؛ فإنّ لهذه القيم أثراً في إحياءِ العُلوم القَديمَة والإفادَة منها وإيجاد الصّلةِ الواصلَة بين مُصنّفي التّراث وقُرّائه المُعاصرينَ؛ فكلّ كتابٍ يُحقَّقُ ويُنشرُ ففيه نشأةٌ ثانيةٌ لمؤلِّفِه وإحياءٌ بعدَ موتٍ وإنطاقٌ بعدَ صَمت، والقُرّاءُ المُعاصرونَ يَستقبلونَ المَعارفَ التي في التّراثِ فتتقوّى صلتُهم به وتترسّخُ أقدامُهم لبناءِ المُستقبَل، وتنتقلُ المَعارفُ التراثيّةُ من قارئ إلى آخَر ومن متلقٍّ إلى متلقٍّ، وتتفاوتُ أدواتُ القُرّاءِ والمتلقّين في التّواصُل مع التّراث، وتختلفُ بين وَصفٍ وتَفسير وتأويل، ويَقفُ في الوَسَط بين المصنَّفاتِ التّراثيّة والقُرّاء المعاصرين وُسَطاءُ مَهّدوا للقراءَة والتّواصُل بتَوطئةِ المصنّفاتِ وتَحقيقها وشَرحِ مُفرَداتها واستخراجِ سياقِ كلّ نصّ من نُصوصِها ومَقاصدِها.

Science
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق