مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراثشذور

لا شيء يعدلُ التَّحَلي بالإنْصاف

قال ابن حزم رحمه في رسائله (337:4) عن الإنصاف ما نصه:

(ناظرت رجُلا من أصحابنا في مسْألة فعلَوته فيها لبُكُوءٍ كان في لِسانه، وانفْصَل المجْلسُ على أني ظاهِر، فلما أتيْتُ منزلي حاك في نفْسي منْها شيء، فتطَلَّبْتها في بعْض الكتُب فوجدت برهانا صحيحا يُبَيِّن بُطلان قولي وصحةَ قول خصْمي، وكان معي أحد أصحابنا ممن شهِد ذلك المجْلس فعرَّفتُه بذلك، ثمَّ رآني قد علَّمت على المكان من الكِتاب، فقال لي ما تريد؟ فقلت: أُريد حمْل هذا الكتاب وعرضَه على فلان، وإعْلامَه بأنَّه المُحقُّ، وأني كنْت المبطِل، وأني رَاجع إلى قَوله. فهَجم عليه من ذلك أمْر مبْهِت، وقال لي: وتسْمحُ نفسُك بهذا! فقُلت له: نعم، ولو أمْكنني ذلك في وقْتي هذا لما أخَّرتُه إلى غد.

واعلَم أنَّ مثْل هذا الفعْل يكسِبك أجمل الذِّكر، مع تحَلِّيك بالإنْصاف الذي لا شيءَ يعْدله. ولا يكنْ غرضُك أن تُوهم نفسَك أنَّك غالبٌ، أو تُوهم من حضَرك ممن يغْترُّ بك ويثق بحُكمك أنَّك غالِب، وأنت بالحَقيقة مغْلوب، فتكون خَسيسا وضِيعا جدّاً، وسخِيفا البتَّةَ، وساقط الهمَّة، وبمنزلة من يوهمُ نفسَه أنَّه ملك مطاع وهو شقِيٌّ منْحوس، أو في نِصاب من يقالُ له إنَّك أبْيضُ مليحٌ، وهو أسْود مشوَّه، فيحصل مَسْخرة ومَهزأَة عند أهل العُقول الذين قَضاؤهم هو الحق.

واعلم أنَّ من رضي بهذا فهُو مغرورٌ ، وسبيلُه سبيلُ صَاحب الأَماني، فإنَّها بضائِع النَّوكى؛ والمغْرى بها يلْتذُّ بها، حتى إذا ثاب إليْه عقْله ونظر في حاله، علِم أنَّه في أضالِيل، وأنَّه ليْس في يدْه شيء.)

رسائل ابن حزم، تحقيق: د. إحسان عباس، طبعة: المؤسسة العربية للدراسات والنشر.

انتقاء: د. سعيد بلعزي
Science
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق