مركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة العطرةدراسات وأبحاث

قبسات من نور النبوة في الوعظ

بسم الله الرحمن الرحيم

تمهيد:

 الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيداً، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه، ومن اقتفى أثره، وسلَّم تسليماً كثيراً.

أما بعد:  

    فإن الدعوة إلى الله تعالى هي سبيل الأنبياء والمرسلين، وطريق صفوة الخلق أجمعين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وطريق أتباعه إلى يوم الدين ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين﴾([1])، وقال  عز وجل: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾([2]).

وإن الناظر في السنة النبوية يلمح صورا عديدة للطرق الصحيحة في مخاطبة النفوس، وتتبين له السبل التي سلكها الحبيب صلى الله عليه وسلم للتأثير في نفوس المخاطبين من الصحابة رضي الله عنهم، وإني أحب في هذا المقال أن أعرض شيئا من هذه النماذج لتكون لنا نبراسا ونورا نستضيء به، وهذا أوان الشروع في المقصود فأقول وبالله التوفيق:

من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الوعظ.

لقد كان لمنهج النبي صلى الله عليه وسلم أبلغ الأثر في إقبال الصحابة على مواعظه والعمل بها ونشرها، فقد سلك صلى الله عليه وسلم في ذلك أبلغ الطرق أذكر منها ما يلي:

1-التحري في اختيار الأوقات المناسبة للموعظة وعدم الإكثار منها: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعهد الصحابة بالموعظة في بعض الأيام دون بعض، ويتحرى الأوقات المناسبة لذلك، كما كان يقتصد في مواعظه حتى تشتاق النفوس وتنشرح الصدور لتلقيها، فعن عبد الله بن مسعود قال: «كان النبي يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا »([3])

قال حمزة محمد قاسم في معنى الحديث: وفيه «استحباب اختيار الأوقات المناسبة للموعظة، وعدم الإكثار منها، ليستفيد بها السامعون؛ لأن الإكثار منها يُمِلُّهم وينفرهم، وأن من السنة الاقتصاد في نوافل الطاعات والعبادات من: صيام، وقيام، وإعطاء النفس حقوقها الطبيعية، حتى تقبل على الطاعة في شوق ورغبة فتكون أجدى لها وأكثر نفعا»([4])

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يثني على الواعظ الذي يقتصد في مواعظه فعن واصل بن حيان قال: قال أبو وائل: «خطبنا عمار فأوجز وأبلغ فلما نزل قلنا: يا أبا اليقظان ! لقد أبلغت وأوجزت، فلو كنت تنفست يعني أطلت الموعظة فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة وإن من البيان سحرا» ([5])

2-إطالة الموعظة أحيانا لطارئ معين: كما في موعظته عن أمور ستقع في الأمة، أخرج مسلم في صحيحه عن عمرو بن أخطب رضي الله عنه أنه قال: «صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى صلاة الظهر، ثم نزل فصلى بنا الظهر، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى صلاة العصر، ثم نزل فصلى العصر، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى المغرب، فما ترك شيئا مما يكون إلا أخبر به أصحابه، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، يقول: فأعلمنا أحفظنا»([6])

3-الحرص على الكلمات المؤثرة: كانت مواعظ النبي صلى الله عليه وسلم كلمات جامعة من جوامع الكلم التي أوتيها، وكان يختار في مواعظه الكلمات المؤثرة؛ من ذلك الحديث الذي رواه العرباض بن سارية قال: «وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بعد صلاة الغداة موعظة بليغة، ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال رجل: إن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا يا رسول الله؟ قال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن عبد حبشي فإنه من يعش منكم يرى اختلافا كثيرا، وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة، فمن أدرك ذلك منكم فعليه بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ»([7]).

4-إظهار الغضب في المواعظ التي تستلزم ذلك: فعن جابر رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش، يقول: «صبحكم ومساكم» ويقول: «بعثت أنا والساعة كهاتين» ويقرُن بين إصبعيه السبابة والوسطى ويقول: «أما بعد؛ فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتُها، وكل بدعة ضلالة». ثم يقول: «أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالا فلأهله، ومن ترك دينا أو ضياعا فإلي وعلي»([8])

قال المبارك فوري: «إنما يفعل ذلك لإزالة الغفلة من قلوب الناس ليتمكن فيها كلامه صلى الله عليه وسلم فضل تمكن، أو لأنه يتوجه فكره إلى الموعظة، فيظهر عليه آثار الهيبة الإلهية» ([9])

5-التكرار والإعادة: وقد كان هذا الأسلوب معروفا في منهجه صلى الله عليه وسلم في مواعظه وخطبه؛ فعن أنس بن مالك عن النبي أنه «كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا حتى تفهم عنه.. »([10]).

6-استغلال بعض الأحداث في التربية والتعليم: كما جاء في حديث قدوم تجار البحرين، لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم من حرصهم، فاستغل الموقف في توجيه نصيحة نبوية تتمثل في التحذير من فتنة الدنيا وتبشير للأمة بالرخاء المادي قال: «فأبشروا وأملوا ما يسركم، فو الله لا الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا، كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم»([11]).

7-توجيه العقول للتدبر والتأمل في الكون وما حوى من مظاهر الإبداع والإتقان: فقد كانت مواعظه تقوم على الآية البينة، فكان يستغل عامل الوقت والزمان لأجل صرف العقول وتوجيهها للتدبر في خلق الله وعجائب قدرته مثل وقت كسوف الشمس وخسوف القمر كما في الحديث الذي رواه عبد الله بن عباس«إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله » ([12]).

8-اغتنام المناسبات المعروفة وتجمعات المسلمين: كالجمعة، والحج، والأعياد، وغيرها، فيلقي مواعظ ينفع الله بها المسلمين والشواهد على ذلك كثيرة منها فعن جابر بن عبد الله قال: «شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة، بغير أذان ولا إقامة، ثم قام متوكئا على بلال، فأمر بتقوى الله وحث على طاعته، ووعظ الناس وذكرهم، ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن فقال: «تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم» فقامت امرأة من سِطَةِ النساء سفعاء الخدين فقالت: لم؟ يا رسول الله، قال: «لأنكن تكثرن الشكاة وتكفرن العشير» قال: فجعلن يتصدقن من حليهن يلقين في ثوب بلال من أقرطتهن وخواتمهن»([13]).

الخاتمة:

   وفي الختام أحمد الله  تعالى الذي أعانني على إتمام هذا المقال الذي أوردت فيه بعض أساليب النبي صلى الله عليه وسلم في مواعظه لأصحابه باختصار، راجية منه سبحانه وتعالى أن ينفع به، ويذخر لي أجره يوم لقائه.  وصل الله على نبينا المجتبى، وعلى آله وأصحابه أولي النهى.

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

 ***********************

هوامش المقال:

([1]) سورة يوسف الآية: (108).

([2]) سورة النحل من الآية: (125).

([3]) أخرجه البخاري في صحيحه (1 /42) برقم: (68)كتاب: العلم، باب: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولهم بالموعظة، ومسلم في صحيحه (2 /1297)، كتاب:صفة القيامة والجنة والنار، باب: الاقتصاد في الموعظة، برقم: (2821).

([4]) منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري (1 /172).

([5]) أخرجه مسلم في صحيحه (1 /386) كتاب: الجمعة، باب: تخفيف الصلاة والخطبة برقم:(869).

([6]) أخرجه مسلم في صحيحه (2 /1321-1322) كتاب: الفتن، باب: إخبار النبي صلى الله عليه وسلم فيما يكون إلى قيام الساعة برقم: (2891).

([7]) أخرجه الترمذي في سننه (4 /408)، أبواب العلم،  باب: ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع برقم: (2676).

([8]) أخرجه مسلم في صحيحه (1 /385) كتاب: الجمعة، باب: تخفيف الصلاة والخطبة برقم: (867).

([9]) مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (4/496-497).

([10]) أخرجه البخاري في صحيحه (1 /51) كتاب: العلم، باب: من أعاد الحديث ثلاثا ليفهم عنه،  برقم: (95).

([11]) أخرجه البخاري في صحيحه (2 /406-407) كتاب: الجزية، باب: الجزية والموادعة مع أهل الحرب، برقم: (3158).

([12]) أخرجه البخاري في صحيحه (2 /421)، كتاب: بدء الخلق، باب: صفة الشمس والقمر برقم: (3202)، ومسلم في صحيحه (1 /405)، كتاب: الكسوف، باب: ما عرض على النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار، برقم: (907).

([13]) أخرجه مسلم في صحيحه (1 /392) كتاب: صلاة العيدين برقم: (885).

******************

لائحة المراجع المعتمدة:

-الجامع الصحيح. أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، قام بشرحه وتصحيحه وتنقيحه: محب الدين الخطيب، ورقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي، وراجعه وقام بإخراجه وأشرف على طبعه: قصي محب الدين الخطيب، المطبعة السلفية القاهرة. ط 1 / 1400هـ.

-الجامع الكبير.الترمذيأبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي.حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه: د بشار عواد معروف. دار الغرب الإسلامي بيروت.ط 1- 1996.

-صحيح مسلم. وفي طليعته: غاية الابتهاج لمقتفي أسانيد كتاب مسلم بن الحجاج للزبيدي.دار طيبة. الرياض. ط1/ 1427-2006.

-مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح. أبو الحسن عبيد الله بن محمد عبد السلام المباركفوري. إدارة البحوث العلمية والدعوة والإفتاء – الجامعة السلفية – بنارس الهند. ط3/ 1404- 1984.

-منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري. حمزة محمد قاسم. راجعه: الشيخ عبد القادر الأرناؤوط- ني بتصحيحه ونشره: بشير محمد عيون. مكتبة دار البيان – مكتبة البيان بيروت. ط 1410-1990.

راجع المقال: الباحث يوسف أزهار 

Science
اظهر المزيد

دة. خديجة أبوري

  • أستاذة باحثة مؤهلة بمركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة العطرة بالعرائش، التابع للرابطة المحمدية للعلماء.
  • حاصلة على شهادة: الدكتوراه في الآداب شعبة الدراسات الإسلامية، وحدة المناهج العلمية في دراسة السيرة النبوية كلية الآداب والعلوم الإنسانية أكادير سنة (2012)  من خلال العنوان: مرويات السيرة النبوية في المعاجم الثلاثة لأبي القاسم الطبراني (360) – من مولد الحبيب – ﷺ حتى نهاية حادث الإسراء والمعراج – “جمع وتوثيق ودراسة”.
  • اشتغلت في مجال الوعظ والإرشاد لفائدة النساء بتنسيق مع المجلس العلمي المحلي بمدينة أكادير (سابقا).

من أعمالها العلمية:   

  • كتاب: خير البشر بخير البشر – ﷺ- لابن ظفر الصقلي (ت 567 هـ) بالاشتراك مع الباحثة لطيفة شوكري. طبع بالرابطة المحمدية للعلماء بالرباط سنة 2008 م.
  • مجموع مقالات في علم الحديث النبوي والسيرة العطرة؛ وهي منشورة بموقع المركز.
  • تحقيقات ومقالات في طور النشر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق