مركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة العطرةدراسات وأبحاث

عاشوراء بين السنة والبدعة

بسم الله الرحمن الرحيم

إن اليوم العاشر من شهر الله محرم معظم عند طائفة من الأمم، ومنها أمة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أنجى الله فيه موسى عليه السلام وقومه، وفيه أغرق فرعون وجنده، فصامه موسى عليه السلام شكرا، وكذا قومه، ثم صامه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصامه صحابته الكرام، فأصبحت سنة إلى يومنا هذا يصومه الناس، وهو موسم من المواسم الشرعية، والتوسعة فيه على الأهل والأقارب واليتامى والمساكين، وزيادة النفقه والصدقة مندوب إليها، ولكن بشرط عدم التكلف، وألا يصير ذلك سنة يستن بها لا بد من فعلها، وإن من غير السنة:

إظهار السرور أو إظهار آثار الحزن:

في مثل هذا اليوم قتل الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، ففريق يظهر السرور، وآخر يظهر الحزن، كما تكون فيه المبالغة في المأكل والزينة، فقد قال العلامة الملا علي القاري (المتوفى رحمه الله تعالى عام: 1014هـ): “يوم عاشوراء فيه تشبه بالخوارج بإظهار السرور كما أن إظهار آثار الحزن من شيم الروافض وإن كان الثاني أهون من الأول ولكن الأولى تركهما فإنهما من البدع الشنيعة ظهرت في أيام مناصب النواصب وزمان غلبة الشيعة”[1].

تخصيصه بإخراج الزكاة:

من الناس من يؤخر أو يقدم إخراج الزكاة إلى عاشوراء، فقد قال العلامة ابن الحاج الفاسي (المتوفى رحمه الله تعالى عام: 737هـ): “أنه يجب على بعضهم الزكاة مثلا في شهر صفر، أو ربيع، أو غيرهما من شهور السنة، فيؤخرون إعطاء ما وجب عليهم إلى يوم عاشوراء، وفيه من التغرير بمال الصدقة ما فيه، فقد يموت في أثناء السنة، أو يفلس فيبقى ذلك في ذمته، وأقبح ما فيه أن صاحب الشرع صلوات الله عليه وسلامه شهد فيه بأنه ظالم بقوله عليه الصلاة والسلام: «مطل الغني ظلم»[2].

وفيه بدعة أخرى: وهو أن الشارع صلوات الله عليه وسلامه حدَّ للزكاة حولا كاملا، وهو: اثنا عشر شهرا، وفي فعلهم المذكور زيادة على الحول بحسب ما جاءهم يوم عاشوراء، فقد يكون كثيرا، وقد يكون قليلا، وعند بعض من ذكر نقيض ذلك، وهو أن يخرج الزكاة قبل وقتها لأجل يوم عاشوراء فيكون ذلك قرضا منه للمساكين، ومذهب مالك رحمه الله أن ذلك لا يجزيه كما لو أحرم بصلاة الفرض قبل وقتها، وإن قل فإنه لا يجزيه عند الجميع، فكذلك فيما نحن بسبيله، وعند الشافعي رحمه الله يجزيه بشرط أن يكون دافع الزكاة وآخذها باقيين على وصفيهما من الحياة، والجدة، والفقر حتى يتم حول ذلك المال المزكى عنه، وفي هذا من التغرير بمال الصدقة كالأول”[3].

تخصيصه بالصلاة والاكتحال، وصيام الطائر:

من الناس من يخصص هذا اليوم بالصلاة، والاكتحال، ومثل ما يصومه الإنسان كذلك يصومه الطائر، فقد قال العلامة بدر الدين العيني (المتوفى رحمه الله تعالى عام: 855 هـ): “ما ورد في صلاة ليلة عاشوراء ويوم عاشوراء، وفي فضل الكحل يوم عاشوراء لا يصح، ومن ذلك حديث جويبر عن الضحاك عن ابن عباس رفعه: «من اكتحل بالإثمد يوم عاشوراء لم يرمد أبدا»[4] وهو حديث موضوع، وضعه قتلة الحسين رضي الله تعالى عنه، وقال الإمام أحمد: والاكتحال يوم عاشوراء لم يرو عن رسول الله فيه أثر وهو بدعة، وفي التوضيح[5]: ومن أغرب ما روي فيه أن رسول الله قال في الصرد: «إنه أول طائر صام عاشوراء»[6]، وهذا من قلة الفهم فإن الطائر لا يوصف بالصوم، قال الحاكم: وضعه قتلة الحسين رضي الله تعالى عنه.

قلت: إطلاق الصوم للطائر ليس بوجه الصوم الشرعي، حتى ينسب قائله إلى قلة الفهم، وإنما غرضه أن الطائر أيضا يمسك عن الأكل يوم عاشوراء تعظيما له، وذلك بإلهام من الله تعالى فيدل ذلك على فضله بهذا الوجه”[7].

تخصيصه بزيارة القبور، واستعمال الحناء، واتخاذ البخور:

من الناس من يخصص عاشوراء بزيارة القبور، ومن النساء من تخصصنه للبخور واستعمال الحناء، فقد قال العلامة ابن الحاج الفاسي رحمه الله تعالى: “مما أحدثوه فيه من البدع زيارة القبور، ونفس زيارة القبور في هذا اليوم المعلوم بدعة مطلقا للرجال، والنساء …. ومن البدع التي أحدثها النساء فيه استعمال الحناء على كل حال، فمن لم يفعلها منهن فكأنها ما قامت بحق عاشوراء … ومما أحدثوه فيه من البدع البخور، فمن لم يشتره منهن في ذلك اليوم ويتبخر به فكأنه ارتكب أمرا عظيما وكونه سنة عندهن لا بد من فعلها، وادخارهن له طول السنة يتبركن به ويتبخرن إلى أن يأتي مثله يوم عاشوراء الثاني، ويزعمن أنه إذا بخر به المسجون خرج من سجنه وأنه يبرئ من العين، والنظرة، والمصاب، والموعوك، وهذا أمر خطر؛ لأنه مما يحتاج فيه إلى توقيف من صاحب الشريعة صلوات الله عليه وسلامه فلم يبق إلا أنه أمر باطل فعلنه من تلقاء أنفسهن”[8].

التوسع في المأكل والزينة:

من الناس من يخصص هذا اليوم للمبالغة في المأكل والزينة، فقد قال العلامة ابن الحاج الفاسي رحمه الله تعالى: “عاشوراء يختص بذبح الدجاج وغيرها، ومن لم يفعل ذلك عندهم فكأنه ما قام بحق ذلك اليوم، وكذلك طبخهم فيه الحبوب وغير ذلك، ولم يكن السلف رضوان الله عليهم يتعرضون في هذه المواسم ولا يعرفون تعظيمها إلا بكثرة العبادة والصدقة، والخير واغتنام فضيلتها لا بالمأكول، بل كانوا يبادرون إلى زيادة الصدقة وفعل المعروف”[9].

وقال العلامة الملا علي القاري رحمه الله تعالى نقلا عن الحافظ ابن حجر العسقلاني (المتوفى رحمه الله تعالى عام: ): “قد وقع في هذه الورطة أهل مصر، ونحوهم فإن لمن بها من اليهود والنصارى تعظيما خارجا عن الحد في أعيادهم وكثير من أهلها يوافقونهم على صور تلك التعظيمات كالتوسع في المأكل والزينة”[10].

رأيتَ ما تقدم رحمني الله تعالى وإياك، من البدع التي استحدثت في موسم يوم عاشوراء وهو من المواسم الشرعية، إذ البدعة تكلف، والتكلف مذموم في المواسم والعبادات الشرعية، وما كان سلفنا الصالح من أئمتنا يعظمون هذا اليوم إلا بإتيان ما جاء به الشرع، لا باستحداث أمور خارجة عنه.

هوامش المقال:

[1]- مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (3 /544).

[2]- أخرجه من حديث أبي هريرة: البخاري في صحيحه (3 /118): كتاب في الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس، باب مطل الغني ظلم، رقم الحديث: 2400، ومواضع أخرى، ومسلم في صحيحه (3 /1197): كتاب المساقاة، باب تحريم مطل الغني، وصحة الحوالة، واستحباب قبولها إذا أحيل على ملي، رقم الحديث: 1564، وغيرهما.

[3]- المدخل إلى تنمية الأعمال بتحسين النيات والتنبيه على بعض البدع والعوائد التي انتحلت وبيان شناعتها وقبحها (1 /290).

[4]- أورده من حديث ابن عباس الذهبي في تلخيص كتاب الموضوعات لابن الجوزي (ص: 207-208).

[5]- التوضيح لشرح الجامع الصحيح (13 /545).

[6]- أورده من حديث أبي غليظ بن أمية بن خلف الذهبي في تلخيص كتاب الموضوعات لابن الجوزي (ص: 208).

[7]- عمدة القاري شرح صحيح البخاري (11 /118).

[8]- المدخل إلى تنمية الأعمال بتحسين النيات والتنبيه على بعض البدع والعوائد التي انتحلت وبيان شناعتها وقبحها (1 /290-291).

[9] – المدخل إلى تنمية الأعمال بتحسين النيات والتنبيه على بعض البدع والعوائد التي انتحلت وبيان شناعتها وقبحها (1 /289-290).

[10] – مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (3 /544).

*******************

جريدة المراجع

تلخيص كتاب الموضوعات لابن الجوزي شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، تحقيق: ياسر بن إبراهيم بن محمد، مكتبة الرشد، شركة الرياض، الرياض-السعودية، الطبعة الأولى: 1419 /1998.

التوضيح لشرح الجامع الصحيح لأبي حفص سراج الدين عمر بن علي ابن الملقن المصري، دار الفلاح للبحث العلمي وتحقيق التراث، دار النوادر، دمشق – سوريا، الطبعة الأولى: 1429 /2008.

الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة، بيروت، الطبعة الأولى: 1422، مصورة عن الطبعة الأميرية، بولاق، 1311.

صحيح مسلم لأبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، بدون ذكر لتاريخ الطبع.

عمدة القاري شرح صحيح البخاري لأبي محمد بدر الدين محمود بن أحمد بن موسى العيني، إدارة الطباعة المنيرية، مصر، 1348.

المدخل إلى تنمية الأعمال بتحسين النيات والتنبيه على بعض البدع والعوائد التي انتحلت وبيان شناعتها وقبحها لأبي عبد الله محمد بن محمد بن محمد ابن الحاج الفاسي، مكتبة دار التراث، القاهرة-مصر، بدون ذكر لتاريخ الطبع.

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح لأبي الحسن نور الدين علي بن محمد، الملا الهروي القاري، دار الفكر، بيروت- لبنان، الطبعة: الأولى: 1414 /1994.

Science
اظهر المزيد

يوسف أزهار

  • باحث بمركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسير ة النبوية العطرة بالعرائش، التابع للرابطة المحمدية للعلماء.
  • حاصل على شهادة الإجازة في الأدب شعبة الدراسات الإسلامية سنة 2006 من جامعة الحسن الثاني – عين الشق- الدار البيضاء.
  • له مشاركات في تحقيق مخطوطات الحديث والسيرة، ومقالات منشورة بموقع المركز.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق