مركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة العطرةدراسات وأبحاث

بين تدليس الشيوخ وتدليس الإسناد

بسم الله الرحمن الرحيم

     الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه.

أما بعد: فقد قسم العلماء التدليس إلى عدة أقسام، واختلفوا في ذلك؛ فمنهم من عده ستة أقسام كالحاكم النيسابوري([1]) ومنهم من عده أقل من ذلك، فجعله الخطيب البغدادي قسمان وهما: تدليس الإسناد وتدليس الشيوخ([2]) ، وتبعه على ذلك الحافظ ابن الصلاح في المقدمة([3]) لكن الحافظ العراقي اعترض على ذلك مقررا أن التدليس ثلاثة أقسام ([4]) حيث قال معقبا على ابن الصلاح:«ترك المصنف قسماً ثالثاً من أنواع التدليس وهو شر الأقسام وهو الذي يسمونه تدليس التسوية»([5])

وفي تقسيم الحاكم للتدليس يقول الإمام البلقيني: «الأقسام الستة الذي ذكرها «الحاكم» داخلة تحت القسمين السابقين، فالقسم الأول والثاني والثالث والخامس والسادس داخلة تحت القسم الأول -أي تدليس الإسناد-.والرابع: عَيْنُ القسم الثاني – أي: تدليس الشيوخ-»([6]).

وأما تقسيم الحافظ العراقي فقد تعقبه تلميذه الحافظ ابن حجرفقال:« أقول: فيه مُشاحة؛ وذلك أن ابن الصلاح قسم التدليس إلى قسمين: أحدهما: تدليس الإسناد والآخر: تدليس الشيوخ والتسوية على تقدير تسليم تسميتها تدليساً هي من قبيل القسم الأول»([7])

وقال البقاعي:«إن أراد أصل التدليس فليس إلا ما ذكر ابن الصلاح من كونها اثنين باعتبار إسقاط الراوي أو ذكره وتعمية وصفه، وإن أراد الأنواع فهي أكثر من ثلاثة بما يأتي من تدليس القطع وتدليس العطف»([8]).

والذي جرى عليه أهل علماء المصطلح هو تقسيم الحافظين البغدادي وابن الصلاح وأنَّ الأنواع التي ذُكرت في أقسام التدليس تدخل جميعها تحت هذين القسمين، كالإمام النووي([9])،  وابن كثير([10])، والطيبي([11])،  وابن حجر([12])، والسخاوي([13])، والسيوطي([14])،  وغيرهم وهو التقسيم الذي سأعتمده في هذا المقال.

معنى تدليس الإسناد وتدليس الشيوخ

  1. معنى تدليس الإسناد وحكم روايته:

معنى تدليس الإسناد

وهو: أن يحذف الراوي اسم شيخه الذي سمع منه، ويرتقي إلى شيخ شيخه بلفظ يوهم السماع؛ كعن أو واحدة من أختيها، أو يسقط أداة الرواية بالكلية ويسمي الشيخ فقط فيقول: «فلان».وهذا النوع من التدليس فيه إخفاء الانقطاع. قال ابن الصلاح في تعريفه: «أن يروي الراوي عمن لقيه ما لم يسمعه منه موهما أنه سمعه منه أو عمن عاصره ولم يلقه موهما أنه قد لقيه وسمعه منه»([15])،وكذا عرفه الخطيب البغداي في كفايته([16]) والنووي([17])وابن كثير([18])،وابن جماعة([19])،  وغيرهم.

حكم تدليس الإسناد

وقد اختلف أهل الصناعة في أهل هذا القسم فقال بعضهم: يرد حديثهم مطلقا سواء أثبتوا السماع أو لا، وأن التدليس نفسه جرح([20])، وقال آخرون: يقبل خبره مطلقا([21]) وذهب آخرون إلى القول: بالتفصيل ، فيُقبَل من المُدَلِّس الثقة إذا صرَّح فيه بالسماع، وأما ما رواه بلفظ محتمل فلا، وهذا هو المعتمد.قال السخاوي: «وممن ذهب إلى هذا التفصيل: الشافعي، وابن معين، وابن المديني»([22]).

2. معنى تدليس الشيوخ وحكم روايته:

معنى تدليس الشيوخ

وهو أن يصف شيخه الذي سمع منه بوصف لا يعرف به من اسم أو كنية أو لقب أو نسب إلى قبيلة أو بلدة أو صنعة أو نحو ذلك.

حكم تدليس الشيوخ:

هذا النوع من التدليس مكروه عند علماء الحديث؛ لأن  المدلس  يذكر شيخه بما لا يُعرف به، ويختلف الحال في كراهة هذا القسم باختلاف القصد الحامل عليه، وربما يصل إلى الحرام إذا كان الحامل على التدليس هو ضعف المروي عنه، فيدلسه حتى لا تظهر روايته عن الضعفاء، فلا ريب أن هذا حرام لتضمنه الغش والخيانة([23])

وليست العلة في هذا النوع من التدليس الانقطاع والإرسال فحسب كما في القسم الأول وهو تدليس الإسناد([24]) ؛ وإنما هي الجهل بحال ذلك الشيخ المذكور بحيث إنه يحتمل كونه ضعيفا أو مجروحا. قال الخطيب البغدادي: «وفي الجملة فإن كل من روى عن شيخ شيئا سمعه منه، وعدل عن تعريفه بما اشتهر من أمره، فخفي ذلك على سامعه، لم يصح الاحتجاج بذلك الحديث للسامع؛ لكون الذي حدث عنه في حالة ثابت الجهالة معدوم العدالة، ومن كان هذا صفته فحديثه ساقط والعمل به غير لازم»([25])

*******************

هوامش المقال:

([1]) معرفة علوم الحديث (ص : 339- 356).

([2]) الكفاية في علم الرواية  (ص: 22).

([3]) مقدمة ابن الصلاح (ص: 230-232).

([4]) شرح ألفية الحديث، العراقي  (ص107).

([5])  التقييد والإيضاح (ص: 78).

([6]) محاسن الاصطلاح (ص: 233).

([7]) النكت على كتاب ابن الصلاح (2 /616).

([8]) النكت الوفية بما في شرح الألفية (1 /433).

([9]) التقريب والتيسير(ص: 39).

([10]) الباعث الحثيث في اختصار علوم الحديث (1 /172-173).

([11]) الخلاصة في أصول الحديث (ص: 71-72).

([12])النكت على كتاب ابن الصلاح (2 /614-615).

([13]) فتح المغيث (1 /313 فما بعدها).

([14]) تدريب الراوي (1 /256 وما بعدها).

([15]) مقدمة ابن الصلاح (ص: 230).

([16]) الكفاية في علم الرواية (ص: 22).

([17]) التقريب والتيسير(ص: 39).

([18]) الباعث الحثيث في اختصار علوم الحديث (1 /172).

([19]) المنهل الراوي (ص: 63).

([20]) عزاه الخطيبُ البغدادي لفريق من الفقهاء وأصحاب الحديث. الكفاية في علم الرواية(ص: 361).

([21]) عزاه الخطيبُ البغدادي إلى خلقِِ كثير من أهل العلم. الكفاية في علم الرواية(ص: 361).

([22]) فتح المغيث (1 /325)

([23]) ينظر: شرح المنظومة البيقونية (ص: 107).

([24])  ينظر: جامع التحصيل (ص: 104).

([25])  الكفاية في علم الرواية (ص: 371).

******************

لائحة المراجع المعتمدة:

ألفية العراقي المسماة بـ: التبصرة والتذكرة في علوم الحديث. أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي. قدم لها وراجعها: د عيد الكريم بن عبد الله بن عبد الرحمن الخضير. تحقيق ودراسة: العربي الدائز الفرياطي.  مكتبة دار المنهاج الرياض. ط2 / 1428 هـ.

الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث. ابن كثير. شرح: العلامة أحمد محمد شاكر- تعليق: المحدث ناصر الدين الألباني. مكتبة المعارف الرياض. ط1/ 1417-1996.

تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي. جلال الدين السيوطي. تحقيق: أبو قتيبة نظر محمد الفاريابي دار طيبة.ط 8/ 1427.

جامع التحصيل في أحكام المراسيل. صلاح الدين أبي سعيد بن خليل العلائي. حققه وقدم له وخرج أحاديثه: حمدي عبد المجيد السلفي. عالم الكتب. مكتبة النهضة العربية. ط2/ 1407-1986.

الخلاصة في أصول الحديث. الحسين بن عبد الله الطيبي. تحقيق: صبحي السامرائي. عالم الكتب. ط1 /1405-1985.

شرح المنظومة البيقونية في مصطلح الحديث. عمر بن محمد بن فتوح البيقوني. جمع وترتيب: عبد الله سراج الدين. مكتبة دار الفلاح. ط 1430-2009.

علوم الحديث لابن الصلاح وشرحه: التقييد والإيضاح. عبد الرحيم العراقي. المطبعة العلمية حلب. ط1 /1350-1931.

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث. شمس الدين السخاوي. دراسة وتحقيق: د/ عبد الكريم بن عبد الله بن عبد الرحمن الخضير- د محمد ين عبد الله بن فهيد آل فهيد. مكتبة المنهاج. ط1 /1426.

الكفاية في علم الرواية. أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي. الكتب الحديثة- القاهرة ط 1972.

معرفة علوم الحديث وكمية أجناسه. أبو عبد الله محمد بن عبد اله الحاكم النيسابوري. شرح وتحقيق: أحمد بن فارس السلوم. دار ابن حزم. ط1/ 1424-2003.

مقدمة ابن الصلاح ومعه محاسن الاصطلاح. د عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ). دار المعارف. القاهرة.

المنهل الراوي من تقريب النووي. أبو زكريا محيي الدين النووي.  حقق نصوصه وخرج أحاديثه وعلق عليه: د/ مصطفى الخن. منشورات دار الملاح.

النكت الوفية بما في شرح الألفية. برهان الدين إبراهيم بن عمر البقاعي. حقق نصوصه وخرج أحاديثه وعلق عليه: د. ماهر ياسين الفحل. مكتبة الرشد. ط1 /1428-2007.

راجع المقال الباحث: عبد الفتاح مغفور

اظهر المزيد

دة. خديجة أبوري

  • أستاذة باحثة مؤهلة بمركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة العطرة بالعرائش، التابع للرابطة المحمدية للعلماء.
  • حاصلة على شهادة: الدكتوراه في الآداب شعبة الدراسات الإسلامية، وحدة المناهج العلمية في دراسة السيرة النبوية كلية الآداب والعلوم الإنسانية أكادير سنة (2012)  من خلال العنوان: مرويات السيرة النبوية في المعاجم الثلاثة لأبي القاسم الطبراني (360) – من مولد الحبيب – ﷺ حتى نهاية حادث الإسراء والمعراج – “جمع وتوثيق ودراسة”.
  • اشتغلت في مجال الوعظ والإرشاد لفائدة النساء بتنسيق مع المجلس العلمي المحلي بمدينة أكادير (سابقا).

من أعمالها العلمية:   

  • كتاب: خير البشر بخير البشر – ﷺ- لابن ظفر الصقلي (ت 567 هـ) بالاشتراك مع الباحثة لطيفة شوكري. طبع بالرابطة المحمدية للعلماء بالرباط سنة 2008 م.
  • مجموع مقالات في علم الحديث النبوي والسيرة العطرة؛ وهي منشورة بموقع المركز.
  • تحقيقات ومقالات في طور النشر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق