مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبيةدراسات عامة

اللغة وأنماط التداول

 

اللغة سر من أسرار الخلق، وروح لطيفة تسري بين الناس، وإن تعجب فاعجب لحروف مقطعة مبهمة، مثل ك ت ب و م ك ت ب ة تأتلف فيما بينها فيكون منها المعنى الذي يفهمه الناس، ويكون بها التواصل والخطاب، ويعتمد عليها في بناء المعارف وكتابة الأفكار، وما هذا إلا ضرب من إخراج الحي من الميت، وبعث الروح في الجماد، وجعل الحياة تسري في تلكم الحروف بعد أن كانت مبهمة مهملة، فإذا بها عند الائتلاف، تنتظم منها المعاني الجليلة، والأفكار الرائعة، وهذا عند التأمل يبعث على الاعتبار والإكبار، فسبحان الخالق الوهاب، القائل في معرض الامتنان: (خلق الإنسان علمه البيان) 
وعلاقة اللغة بالإنسان، علاقة غائرة في النفس، عميقة في مسالكها ودروبها، وهو يأنس بلغته أنسَه بنفْسِه، ويولع بها ولعه بحياته، قد أشرب قلبه حبها، وشغفه ودها.
وكل متكلم له طريقة خاصة به في الكلام، والأمة من الناس يكون لها لغة واحدة، فإذا تكلموا انفرد كل منهم بأسلوب خاص به في طريقة نطقها وأداء حروفها وفي اختيار كلماتها، بل وفي تفضيل بعض تعابيرها على بعض، فيكون لكل منهم ألفاظ يكررها وعبارات يرددها، كأنه أَنِسَ بها من دون سائر الألفاظ. 
وهذه الألفاظ إنما علقت به بعد طول مصاحبة، وبعد اختبار وتداول، وفي اختياره لها وأنسه بها دليل توافق في عالم النفس، بين هذه الألفاظ وبين تلك المعاني التي تحملها هذه الألفاظ، وبين شخصية هذا الإنسان، وما يميل إليه من معان وأفكار، وهذا التوافق غيب مستور، وعالم مخفي، وسبحان الخالق الوهاب.   
ولن يضاهي علاقة الإنسان بلغته الأم وحنينه إليها، علاقته بغيرها من اللغات، لأن اللغة التي فطم عليها الإنسان، وطرقت سمعه أول الأمر، وراضها لسانه، وتعلم بها البيان، وفتقت مجاري سمعه، وتشربَتْها نفسه، وأنس بها خاطره، وكان لها الأولية في الاستعمال والتداول، هي اللغة التي يكون حنينه إليها، وحدبه عليها، حتى كأنها لطيفة من روحه، وقبس من نفسه. 
وكيف ينسى الإنسان اللغة هي التي انطبعت فيها معانيه الأول، وبها انتظمت أفكاره، وبنى فكره، وبها تعلم وأُدِّبَ، ومن خلالها كان حديثه مع نفسه، وترنمه بمقاطع أصواتها، ومخارج حروفها؟ 
ولا يزال حب هذه اللغة، يزداد مع تقادم الأيام، وتوالي الأعوام، تحمل في ألفاظها ومعانيها عبقا من تاريخ صباه، ومدرجة نشأته، وذكريات جميلة في طفولته. 
واللغة إذا طال عليها الأمد، تمرست على صنوف من البقاء، وأوجدت لنفسها سبلا تحميها من الاضمحلال، وتوسلت بلطيف الحيلة، إلى أن تستنبت نفسها في الأمة، استنباتا يمنعها من الاستئصال، ويبقيها حاضرة في الأمة رغم ضعفها، ومن ثم فإن اللغات القوية، لا تحصر نفسها في مستوى واحد، يكون فيه هلاكها واضمحلالها، بل تبحث اللغة القوية عن مجالات أخرى يمكن أن تضع فيها رصيدها وتفرقه عليها تفريقا يضمن لها أن لا تصاب بجائحة، فتكون اللغة حاضرة في الأمة على وجوه متعددة، واللغة العربية، لها من ذلك شأن لا يلحق، وشأو لا يدرك. 
فمن صور البقاء اللغوي:
حضور اللغة في مستويات عدة في الأمة، وظهورها في واجهات مختلفة، وتنزلها في منازل متنوعة، ومثال ذلك اللغة العربية، فهي وسيلة للتواصل، ولسان الدين ومظهر الثقافة وتاريخ لذاكرة الأمة، وهي مع ذلك لغة الأدب والشعر، ولغة الإحساس والجمال، ولغة الحضارة والمعرفة، فهذه الواجهات المتعددة، تضمن للعربية أن تبقى ولو ضعف أصحابها، لكون حضورها في الأمة، ليس له واجهة واحدة، ولا سبيل واحد، بحيث إذا ضعف التواصل اللغوي، كما هو الشأن اليوم في العربية، بقي غيرها من منازلها ومواضعها، على الوجه الذي يضمن ثباتها وديمومتها. 
ومن صور البقاء اللغوي:  
قابلية اللغة، لأن تستوعب من المفردات الجديدة، والعبارات الحديثة، ما يجعلها باقية ببقاء أهلها، وهذه القابلية فيها، هي التي تجعلها متداولة في كل مكان وزمان، لكون التداول الذي هو شرط في بقائها معلقا بقدرتها على الوفاء بحاجات التواصل، وهذا الوفاء لن يكون على تمامه، إلا إذا كانت اللغة تفي بحاجة الناس في التواصل، ومن أخص ذلك ما يتعلق بالأوضاع الجديدة، والألفاظ الطارئة على المجتمع.
واللغة القوية، هي التي يكون قانونها يسمح باستيعاب الألفاظ استيعابا لا يؤثر في شخصيتها وذوقها الخاص، وهو ما يسمح به القانون الصوتي والبنيوي والدلالي للغة العربية.  
ومن صور البقاء اللغوي: 
قابلية اللغة للتوليد، وقدرتها على أن تضع في كل جيل ألفاظا جديدة، تخرجها من مادتها، وتفصلها على مقاسها اللغوي، وقد سلف الحديث عن آليات التوليد في اللغة العربية، من النحت والاشتقاق والمجاز والتعريب والترجمة والاستعارة، وهذه تجعل العربية لغة ولودا، ولسانا معطاء، 
وقابلية التوليد تجعل اللغة باقية رغم العوادي، لأن الذي يلد ،يبقى خالدا في أولاده وعقبه، بخلاف اللغة البتراء التي لا عقب لها ولا نسل، وتتفاضل اللغات في هذا تفاضل الناس، وأكثر الناس ولدا، أبقاهم ذكرا، وأبعدهم أثرا، وأخلدهم حديثا، وأكثرهم حضورا. 
ومن صور البقاء اللغوي: 
أن تدخل اللغة في باب التقنين، وتخضع ألفاظها للمعايير العلمية، فتصير بذلك اللغة علما، وإذا صارت كذلك دخلت في باب المعرفة، وحفظها الناس، وتتناقلتها الأجيال، ودونت في الكتب، وأفردت فيها الأسفار والمجلدات، ونظمت شعرا، ولخصت قوانينها نثرا يحفظ، وصار هذا المجموع كله ضمانا للغة من الفناء، وحافظا يحفظها من الضياع، وألحقها بركب المعارف، وصار لها قيمة علمية، وحضور معرفي، ومتخصصون ينافحون عنها، وعلماء يقدرونها حق قدرها، واللغة العربية، قد نالها من العلمية ما نالها، وهو من أسباب بقائها، وعناصر قوتها. 
ومن صور البقاء اللغوي: 
أن تقترن اللغة بمتن متداول، يكون مشتملا على نسبة كبيرة من مادتها وبنيتها، وهذا أمر خصت به العربية من غيرها، لكونها اقترنت بالقرآن الكريم، وهو النص العربي الذي يقرأ في جميع أنحاء الأرض، قراءة لازمة متكررة، ويتم تداوله في كل ربوع الأرض، وهذا التداول الواسع للقرآن الكريم، هو تداول لنص عربي مبين، وقد اشتمل القرآن على غالب مواد العربية الفصيحة. 
ومن صور البقاء اللغوي:
أن يكون للغة خطها المميز لها، وحليتها الخاصة بها، ومظهرها الذي يمثلها في عالم الوجود، ويصور أصواتها، ويرسم أشكالها، واللغات التي لها خطها الخاص بها، قليلة معدودة، لأن الخط في اللغة، مرحلة متأخرة، تتوج بها مجموعة من المراحل التي تمر بها اللغة. 
ثم إن الخط وجه اللغة المعبر عنها، وبابها المعرف بها، ويكفي أن تبصر العين نوع الخط، حتى تتعرف على اللغة التي يحيل عليها هذا الخط، وللخط بعد ذلك وظيفة جمالية، وبعد ذوقي، وأثر في النفس، وليس سواء كلمة كتبت بخط مختلط متداخل، واخرى كتبت بخط ناصع مشرق، تتناسق فيه الأحجام والأشكال، كأن اللفظ يتعانق فيها مع المعنى، حتى يوشك أن يتوحد معه، وقد أصاب كل الصواب من قال: الخط الحسن أحد الفصاحتين.  
واللغة إن توفر لها المجال التداولي الحر، انتعشت أيما انتعاش، كأن التداول وهو يمنحها الحياة يبث فيها الروح التي تنعشها، ويحرك ما كان كامنا فيها بالقوة،  فهو لها كالماء للسمك والهواء للإنسان، تتوقف عليه توقف الاضطرار، لا توقف الاختيار. 
والتداول الأدبي والثقافي والشعبي والديني والمعرفي، كلها دوائر تداولية تحيط باللغة وتغذيها، بدءا من دائرة التداول الشعبية، وهي أوسع الدوائر وأنشطها.
وهذه الروافد، تجعل المتن اللغوي، في حركة دائبة مستمرة، ولك أن تتخيل آلاف الكلمات التي تلوكها الألسن في اليوم، والتي يتقلب فيها اللفظ في ضروب من الاستعمال، من الحقيقة والمجاز، والكناية والاستعارة، وضروب التراكيب الاسمية والفعلية، ودخوله في الأمثال والشعر، وفي الرواية والقصص، وفي حديث النفس ومناجاة الإخوان، وفي الدعاء والابتهال، والصلاة والذكر، وفي باب الوصف والمدح، والهجاء والسب، في رحلة طويلة جدا، وممتعة جدا، يتقلب فيها اللفظ في مستويات التداول، يكتسب منها من الجزئيات الدلالية الصغيرة، ما يغني رصيده الدلالي، ويمده بمخزون ثري من ظلال المعاني المنداحة على جانبه. 
وللألفاظ في التداول حظوظ متفاوتة، فمنها اللفظ الذي يستدعيه التداول استدعاء تاما، بحيث يتردد على كل لسان وفي كل زمان، كألفاظ التحية وألفاظ التواصل العامة مثل السؤال عن الحال والثناء والشكر وما يجري مجراها، فهذه يستدعيها التداول استدعاء عاما، لكي ينجح بها التواصل بين الأشخاص، وهي للتواصل كالإدام، بها يحلو ويسهل أمره.
وثمة ألفاظ يستدعيها التواصل استدعاء ناقصا، يكون موقوفا على الحاجة إليها، مثل أسماء الأشياء والمتاع والحرف وضروب الصناعات، وما تقوم عليه من الألفاظ والعبارات، 
فهذه الألفاظ الخاصة تجري على لسان أهلها باستمرار، وهي عند غير أهلها يمضي عليها الزمان الكثير من غير أن تذكر، لكنها محفوظة بسبب تداول أهلها لها، وهكذا يتم الحفاظ على هذا المتن اللغوي، من خلال المجموعات التداولية الصغرى، التي تضطلع كل مجموعة منها بجانب من المتن اللغوي، وهي في مجموعها تشكل هذه اللغة، فإذا افترقت ذهب كل بألفاظ صناعته. 
وأمر التداول عجيب، لأنه يشرف على توزيع المتن اللغوي بين الجماعات المتداولة، على ضرب يكون فيه غالب المتن اللغوي، محركا متداولا، وهذا التوزيع التداولي، هو على الأبواب والمواضيع، كأنه يجعل من الأمة الناطقة باللغة، معجما حيا، يقوم كل يوم بتجديد العهد بهذه الألفاظ وتداولها.
 وليعتبر في ذلك بكلام أهل السوق، وأحاديث الباعة والتجار، وبألفاظ الشطار والعيارين، وأصحاب المهن والحرف، وبحديث النساء، ولغط الأحداث والفتيان، وجدال المتخاصمين، وتقاول المتحاورين، وبيان العلماء، فإن هذه الجماعات التداولية، تشكل كل واحدة منها، ضربا من المعاجم الموضوعية، التي تضطلع بإحياء الألفاظ الواردة في ذلك الموضوع، وتطويرها واستمرارها. وكل هذا التداول المنتشر بين الناس، إذا عرض على المتن اللغوي، فإنه يغطي منه نصيبا وافرا.
وما سميناه بالمجموعات التداولية، هو آلية من آليات التوزيع التداولي داخل المجتمع اللغوي، به يتم توظيف أكبر قدر ممكن من المتن اللغوي، وترويجه بناء على متطلبات التواصل، ومقتضات الحاجة، 
وكلما كثرت المجموعات التواصلية في المجتمع، عاد ذلك على اللغة بأنفع عائدة وأجداها، فإذا كان عندنا في المجتمع مجموعات تواصلية تخص الحرف والصناعات، وضروب المهن وأصنافها، ومجموعات أخرى تخص الأدب والشعر والتاريخ والفلسفة والطب والفلك والرياضيات والفيزياء والكيمياء والهندسة وما شئت من ضروب المعرفة، وكان الكل يتحدث بلسان واحد، أدى هذا إلى أن تنتعش اللغة انتعاشا منقطع النظير.
والمجموعات التداولية الصغرى، تسهم في إغناء اللغة، وذلك أن حاجتها إلى التواصل تجعلها تمارس التواصل اللغوي بإبداع، تتجاوز فيه مرحلة استعمال الألفاظ إلى مرحلة أخرى وهي مرحلة الوضع والنحت.
وللتدليل على ذلك ينظر لفظ “القهوة” فإنه في الأصل، من أسماء الخمر، لكنه لما دار في مجموعات تداولية محتلفة، وكان من أكثر الألفاظ تداولا في المجتمع، تم الإبداع فيه، فصاغوا منه الفعل وقالوا: يتقهوى، وأنا تقهويت، ووسعوا في دلالته فقالوا للرشوة قهوة، وأطلقوها على المكان، فقالوا نجلس في “القهوة”، كما أطلقوها على المشروب، فقالوا “القهوة” في مقابل الشاي، وأخذوا منها اللون البني فقالوا فيه “قهوي”، ونسبوا إليها العامل فيها فقالوا “قهوجي”، وأطلقوها على الشاي وغيرها من المشروبات تغليبا فقالوا نشرب “القهوة”. فكانت كثرة تداوله مدعاة إلى تنويع تصريفه ووجوهه.
وهذه المجموعات التداولية إنما تكثر في الأمة، عند استقلال الأمة، وتشبت أبنائها بلغتهم، والأمر كله بعد ذلك دائر حول حاجة هذه المجموعات إلى التواصل بلغتها، والتخاطب بلسانها، فمتى قويت هذه الحاجة قويت معها اللغة، ومتى ضعفت، أصاب اللغة من الضعف بمقدار ما أصاب الحاجة من الفتور. 
ولا تزال الأمم العاقلة، تحث أبناءها على التواصل بلسانها، والتخاطب بلغتها، وكل أمة تنوعت مجموعاتها التداولية، ثم تقارب اللسان الذي تتواصل به هذه المجموعات فيما بينها، فإنها تبلغ بذلك المرحلة التي يمكن تسميتها ب”الذروة اللغوية”، وهي المرحلة التي يتم فيها توحيد اللسان، وتعميم مفردات اللغة الواحدة في جميع طبقات الشعب، وعلى جميع المواضيع التي تنتظم في شكل مجموعات تداولية. 
ويقابل مرحلة الذروة اللغوية، الناتجة عن توحد اللسان بين المجموعات التداولية، مرحلة “الخمول اللغوي”، وهي ناتجة عن تعدد اللسان في المجموعات التداولية، بحيث يتم تداول لسانين أو أكثر في المجتمع الواحد، فتصير المجموعات التداولية كأنها مستقلة بلسانها وثقافتها داخل الأمة الواحدة،
وهذا التعدد داخل المجموعات التداولية، يفضي إلى عدم التواصل بينها، وإلى تشتيت المعجم التداولي للغة، وإلى حصر اللسان في مجال تداولي محدود، وهذا يضر باللغة ضررا كبيرا. 
واللسان إذا تعدد، في المجموعات التداولية، دخل في باب المغالبة، وصار بعضه أقوى من بعض، وأكثر تداولا، وعرفت كل مجموعة بلسانها، وتباينوا من أجل ذلك، ودخل الضيم على لسان الأمة، وهذا يعود بالضرر على قيم الأمة من الوطنية والوحدة والتكتل.  
والمجموعات التداولية إذا تعددت في الأمة، كانت علامة على تقدم الأمة ورقيها، لأن هذه المجموعات، تكون دائرة على غرض واحد يجمعها، من حرفة أو مهنة أو تخصص أو أمر من الأمور التي يُجتمع عليها، وهذه الأغراض هي التي تُنهِضَ الأمة من رقدتها، وتحييها من مواتها، وتنشئها إنشاء جديدا.   
وهذه المجموعات التداولية هي التي تنعش اللغة بتداولها، وتضطلع بدور الوضع والتهذيب، والتوليد وإغناء المعجم التداولي، فمن ثم كان الناظر في المعجم العربي، كتاج العروس ولسان العرب، يجد تفاوتا ملحوظا في تصريف المواد اللغوية، من مادة تزيد معانيها على المائة، وتعد مشتقاتها بالعشرات، إلى مادة لم يستعمل منها إلا اللفظ واللفظتان، ولم يشتق منها شيء. وما ذاك إلا حظ التداول، وسر الاستعمال. 
ويمكن التأريخ للغة من خلال ألفاظها، وذلك أنك إذا نظرت في العربية مثلا، لوجدت ألفاظ الكتابة والقراءة والعلم والمعرفة ألفاظا دائرة في الكلام، متصرفة على وجوه من التصرف، وتصرفها دال على كثرة استعمالها ودورانها في الألسنة، واستعمالها دال على موضعها من عقل الأمة وفكرها وثقافتها. 
وتكون الألفاظ وما لها من كثرة التصرف أو قلته في اللغة، دالة على تاريخ تلك اللغة وأطوراها، ومعرفة بمدى تنوع مجموعاتها التداولية، وما احتاجته من الألفاظ، وما تداولته من المعاني، ويكون المعجم اللغوي، معرفا بالتاريخ الفكري للأمة، ومنبها على مقدار وعيها ومحلها بين الأمم.  
وقد تنبه الجاحظ قديما لأهمية هذه المجموعات التداولية في إغناء المعجم اللغوي، فنقل عن أهل التفسير والكلام، وأصحاب الفقه والرواية، والتاريخ والأدب، كما نقل عن البحارة وأهل المربد من البخلاء والتجار وغيرهم ونقل عن الشُّطار والعَيَّارين، والأعراب والنوكى والمُجَّان، ومن لف لفهم، وقد قال في بعض هذا: “ولكلّ قوم ألفاظ حظيت عندهم. وكذلك كلّ بليغ في الأرض وصاحب كلام منثور، وكلّ شاعر في الأرض وصاحب كلام موزون؛ فلا بد من أن يكون قد قد لهج وألف ألفاظا بأعيانها؛ ليديرها في كلامه، وإن كان واسع العلم غزير المعاني، كثير اللّفظ.”
والتداول اللغوي، مبني على الحاجة التواصلية، وهذه الحاجة، هي التي تتحكم في مقدار ما سيتم تداوله من ألفاظ اللغة، كما تتحكم في نوعية الألفاظ التي ستتداول، ورب لفظ يكون له من حظ التداول ما لا يكون لغيره، فتكثر لذلك مشتقاته، وتتنوع دلالاته، ويكون حاله كحال الغني الموسر.
وليس ثمة لفظ أفتق للسان، ولا أوضح في البيان، من لفظ كان وراءه معنى كامن، احتاج الناس إلى استعماله، ولا يزال هذا المعنى في الذهن، يلح على صاحبه إلحاحا حتى يجد له لفظا يضعه فيه، وهو في إلحاحه ولجاجه، يحوج صاحبه إلى ضرب من البيان عنه، لا يجد عنه مهربا.
وأنت إذا نظرت إلى محاورات الناس وتخاطبهم، رأيتهم كيف تلجئهم المعاني إلى ضروب من البيان من اختيار اللفظ وتنويعه، والاستعانة بالإشارة وحركات الحاجبين والعين، ورفع الصوت وخفضه وهز الكتفين، وتحريك الرأس، كأن المخاطب يبذل وسعه ليخرج المعنى الكامن في نفسه على وجه من البيان يكون به التواصل على وجهه.  
والحاجة التواصلية داعية الوضع، وهذه قاعدة تجعل من اللغة المتداولة كائنا حيا نشيطا ولودا، ويضطلع الوضع بإخراج المعنى من حيز القوة إلى حيز الفعل، في صورة لفظية قابلة للتعقل. 
والمعاني نوعان، معان جمهورية عامة، تشترك اللغات كلها في وضع ألفاظ لها، كالمعاني التي يعبر بها عن ألوان المشاعر وأصناف الموجودات وضروب الأفعال، وهي المعاني التي بها قوام حياة الإنسان واستمراره. 
ومعان خاصة، لا تجد لها ألفاظا في كل اللغات، بل قد تنفرد كل لغة بمعان خاصة بها، وتكون تلك المعاني، التي تميزها هي خاصية تلك الأمة الناطقة بذلك اللسان. 
والوضع نوعان: 
وضع عامي ووضع علمي، فالوضع العامي ما يضعه الناس في كل يوم من الألفاظ الجديدة، التي يعبرون بها عن معنى من المعاني العامة، وهذه الألفاظ مواردها مختلفة، فقد يكون الذي وضع غير عربي المادة، كلفظ “التشرمل” أو عربيا في أصل المادة، كلفظ “التخربق”، فإنه من “خَرْبَقَ” وهو عربي، وقد يكون من لغة أخرى، كالألفاظ المأخوذة من الفرنسية والإنجليزية والإسبانية وغيرها، 
والوضع العامي موارده متعددة، وهو غير متقيد بقيد، بل ما خف على اللسان، وقبله السمع، صار دارجا متداولا. 
والوضع العلمي، هو الوضع الذي يكون متوفرا على شرائط التوليد اللغوي، من ملاءمته للقياس اللغوي، وصياغته على ما تحتمله العربية من الصيغ، وانتمائه لكلامها مادة وحروفا، وانسجام حروفه، وقبوله للمعالجة المعجمية، وهذا الوضع تشرف عليه مجموعات تداولية مخصوصة، تضطلع بدور المصحح اللغوي في المجتمع، وتشرف على ما تنتجه باقي المجموعات التداولية.   
والمجموعات التداولية، تضطلع بوظائف لغوية، أصولها ثلاثة. 
أولها وظيفة التداول، حيث تشرف على تداول معجم لغوي محدد، يكون رائجا بينها، كما يروج معجم البحر عند البحارة، ومعجم الخياطة عند الخياطين، ومعجم الطب عند الأطباء، ومعجم المعرفة عند العلماء، وقس على هذا. 
ثانيها وظيفة الانتقاء، حيث تقوم المجموعة التداولية بانتقاء مجموعة من الألفاظ تختارها على غيرها، فيفضل البحارة عند التداول مثلا البحر على اليم، والحوت على السمك ويقومون أيضا بانتقاء الفاظ من لغات قريبة، كالإسبانية والفرنسية ونحوها، ويشكلون من مجموع ذلك لغة للخطاب، يتواصلون بها بينهم، وهم لها أفقه من غيرهم، وأدرى بمعانيها ومغزاها.  
ثانيها وظيفة الوضع، حيث يحوج التداول اليومي ومتطلبات التواصل والخطاب، إلى أن تنتج المجموعة التداولية ألفاظا خاصة بها إذا ما اقتضت الحاجة التواصلية ذلك، وهي تنتج في كل حين ألفاظا جديدة، وتلبس معاني جديدة لألفاظ قديمة، في حركة نشيطة دائبة، يغذيها التواصل، وتقتضيها الحاجة التداولية.
وهذا المنتوج من الألفاظ الجديدة، يتم تقسيمه إلى قسمين: 
القسم الأول: ما يستجيب لشروط الالتحاق بالمتن اللغوي، ويتحقق فيه المعايير الصوتية والصرفية والدلالية، الخاصة بلسان العرب، فهذا يتم الارتقاء به من مستوى التداول الشفوي، إلى مستوى الكتابة، ويدخل ذلك اللفظ في المتن اللغوي، من خلال تخليده في الشعر والوصف، وفي الكتابة والترسل، وفي المعرفة والتاريخ، وغير ذلك من ضروب الاستثمار والتوظيف. وكان أشبه بالنسق اللغوي الفصيح الذي هو لسان الأمة.
القسم الثاني: ما لا يستجيب لشروط الالتحاق بالمتن اللغوي الفصيح، فهذا حظه أن يبقى دائرا في الأوساط التداولية العامة، ولا يرقى أن يدخل المتن اللغوي، لفقدانه للأهلية.
وبين ميلاد اللفظ في الوضع، إلى التحاقه بالمتن اللغوي الفصيح، رحلة طويلة جدا، يمر بها اللفظ من مستوى إلى مستوى، في عملية انتخاب صوتي وصرفي ودلالي، يؤهل في نهايتها إلى أن يكون لفظا عربيا، ذا سمة تميزه، وبهذا تكون المجموعات التداولية على تنوعها واختلافها، تخدم المتن اللغوي، وتغذي فيه موضوعاته، بما تنتجه من ألفاظ. 
واللغة تكتسب قوتها من قوة مجموعاتها التداولية، التي تروج أكبر قدر ممكن من معجمها وألفاظها، وكلما كثرت هذه المجموعات وتنوعت في الأمة، عاد ذلك على اللغة بالغنى والانتشار، وهي في المقابل يصيبها الضمور والخمول، إذا لم تروج المجموعات التداولية ألفاظها وتغنيها بكثرة الاستعمال. 
ومن ثم كانت الأمة العاقلة، تسعى إلى إغناء لغتها بتوفير المجال لها، ودعم الناشئة فيها، ولو فرضنا أن مجالا من المجالات “كمجال الإعلاميات مثلا” لا تتوفر اللغة العربية فيه على معجم قوي شامل لمصطلحاته وألفاظه، فإن هذا المعجم سيغتني إذا ما تكفلت به مجموعة تداولية ما، وقامت بالتواصل فيه باللسان العربي، وتركت على ذلك دهرا، فلا شك أنها ستهتدي إلى وضع ألفاظ ومسميات، تكون معبرة عن ذلك المجال، واصفة لمواضيعه وأدواته، لأن التواصل سيضطرها إلى أن تجد ألفاظا تعبر بها عن ذلك، ومن ثم ينظر في قابلية هذه الألفاظ للالتحاق بالمتن اللغوي الفصيح، وتكرر هذه العملية إلى أن يستقيم معجم الإعلاميات بلسان عربي فصيح، وبهذا يغتني هذا المجال، وينتعش ضرورة، بسبب الحاجة التواصلية التي دعت إليه.  
واللسان العربي اليوم، لسان معجب لأهل الفضل، رائق لذوي المروءة، يحبه ويميل إليه النبلاء من ذوي الطباع السليمة، والأذواق الرفيعة، وما هو إلا أن يتكلم بالعربية متكلم فصيح اللسان، منفتق اللهاة، يُجرِي الحديثَ بها على قانون الإعراب، ويعرضها في أحسن المعارض، إلا وترى الناس يصيخون السمع، ويطيلون المكث، ويتمتعون بها تمتع الصب بحديث المحبوب، وتقع منهم موقع الماء من ذي الغلة الصادي، نعم؛ وحتى ترى المستمع أحوج إلى الاستزادة من المتكلم، وأحرص على طول زمن الخطاب، كأن الجرْس العربي، يستحيل في أذنه لحنا رائعا، يخاطب فيه أشواقه وأذواقه، ويحرك فيه مكامن الإحساس والشعور. 
والعربية متى ما حملها ناطق فصيح، كان ذلك كافيا في انتشارها وتداولها واجتماع جمهورها، كأن الفصاحة فيها السرُّ الكامن، الذي يخاطب ضمائر الناس، وينسجم مع فطرتهم، فهي منصورة بهذا الوضع، باقية بهذا الاعتبار.  
واللغة كائن حي كما يقال، وهي عند التأمل والاعتبار؛ لها جسم وروح، فجسمها الألفاظ وروحها المعاني، وإذا كانت الأجسام تتفاوت في عالم الناس بالجمال والحسن، فكذلك الشأن في اللغات، إذا ما قيس بعضها ببعض. 
والجهات التي يتعلق بها الجمال في الألسن راجعة إلى معنى عام هو التناسب، وهذا المعنى العام، يتفرع إلى تناسب في الصوت والجرس، وتناسب في البنية والشكل، وتناسب في التركيب والتأليف، وتناسب في المعنى والدلالة، وهذا التناسب يقوم على مقادير من الجمال، تألفها الأنفس وتميل إليها الطباع، وتأنس بها القرائح السليمة، ثم هو إن اطرد في اللغة، وغلب على مادتها، كان حجتَها الظاهرة، ودليلَها الغالب، وكان لها داعيةَ الهوى، وبابَ الوصال، وأقام لها في نفوس الناس، مقامات من الحب والإكبار، ومن التعظيم والترجيب، على نحو ما يكون مثله عند المحب العاشق، والصب الولهان.
واللغات تتفاوت فيما بينها بحسب المعاني التي تكون غالبة على ألفاظها، وليس كل معنى يكون له لفظ يعبر عنه، ولا له قالب يصاغ فيه، ولو أخذت لغة من اللغات، وقمت بتجريد المعاني التي تدل عليها ألفاظها، ثم صنفت هذه المعاني، لرأيت عجبا، وذلك أنك تقف منها على فكر تلك الأمة الناطقة بهذا اللسان، ومقدار ما وصلت إليه من الرقي والتقدم، ومنزلتها بين الأمم في أفكارها ومعانيها المتداولة، فكأن في لغة تلك الأمة تاريخا تختزله ألفاظها ومعانيها. 
والمعاني التي توضع لها الألفاظ في كل لغة، هي معان أصيلة في تلك الأمة المتكلمة بذلك اللسان، فهي دائرة على ألسنتها، دالة على ثقافتها ونمط حياتها، ولا تزال تلك المعاني في ضمير الأمة، كامنة مضمرة، تحركها وتنهضها، حتى تكون المعاني الغالبة على لسان تلك الأمة، هي المعاني الغالبة على أفراد تلك الأمة. 

اللغة سر من أسرار الخلق، وروح لطيفة تسري بين الناس، وإن تعجب فاعجب لحروف مقطعة مبهمة، مثل ك ت ب و م ك ت ب ة تأتلف فيما بينها فيكون منها المعنى الذي يفهمه الناس، ويكون بها التواصل والخطاب، ويعتمد عليها في بناء المعارف وكتابة الأفكار، وما هذا إلا ضرب من إخراج الحي من الميت، وبعث الروح في الجماد، وجعل الحياة تسري في تلكم الحروف بعد أن كانت مبهمة مهملة، فإذا بها عند الائتلاف، تنتظم منها المعاني الجليلة، والأفكار الرائعة، وهذا عند التأمل يبعث على الاعتبار والإكبار، فسبحان الخالق الوهاب، القائل في معرض الامتنان:

(خلق الإنسان علمه البيان) وعلاقة اللغة بالإنسان، علاقة غائرة في النفس، عميقة في مسالكها ودروبها، وهو يأنس بلغته أنسَه بنفْسِه، ويولع بها ولعه بحياته، قد أشرب قلبه حبها، وشغفه ودها.وكل متكلم له طريقة خاصة به في الكلام، والأمة من الناس يكون لها لغة واحدة، فإذا تكلموا انفرد كل منهم بأسلوب خاص به في طريقة نطقها وأداء حروفها وفي اختيار كلماتها، بل وفي تفضيل بعض تعابيرها على بعض، فيكون لكل منهم ألفاظ يكررها وعبارات يرددها، كأنه أَنِسَ بها من دون سائر الألفاظ. وهذه الألفاظ إنما علقت به بعد طول مصاحبة، وبعد اختبار وتداول، وفي اختياره لها وأنسه بها دليل توافق في عالم النفس، بين هذه الألفاظ وبين تلك المعاني التي تحملها هذه الألفاظ، وبين شخصية هذا الإنسان، وما يميل إليه من معان وأفكار، وهذا التوافق غيب مستور، وعالم مخفي، وسبحان الخالق الوهاب.

  ولن يضاهي علاقة الإنسان بلغته الأم وحنينه إليها، علاقته بغيرها من اللغات، لأن اللغة التي فطم عليها الإنسان، وطرقت سمعه أول الأمر، وراضها لسانه، وتعلم بها البيان، وفتقت مجاري سمعه، وتشربَتْها نفسه، وأنس بها خاطره، وكان لها الأولية في الاستعمال والتداول، هي اللغة التي يكون حنينه إليها، وحدبه عليها، حتى كأنها لطيفة من روحه، وقبس من نفسه. وكيف ينسى الإنسان اللغة هي التي انطبعت فيها معانيه الأول، وبها انتظمت أفكاره، وبنى فكره، وبها تعلم وأُدِّبَ، ومن خلالها كان حديثه مع نفسه، وترنمه بمقاطع أصواتها، ومخارج حروفها؟ ولا يزال حب هذه اللغة، يزداد مع تقادم الأيام، وتوالي الأعوام، تحمل في ألفاظها ومعانيها عبقا من تاريخ صباه، ومدرجة نشأته، وذكريات جميلة في طفولته. واللغة إذا طال عليها الأمد، تمرست على صنوف من البقاء، وأوجدت لنفسها سبلا تحميها من الاضمحلال، وتوسلت بلطيف الحيلة، إلى أن تستنبت نفسها في الأمة، استنباتا يمنعها من الاستئصال، ويبقيها حاضرة في الأمة رغم ضعفها، ومن ثم فإن اللغات القوية، لا تحصر نفسها في مستوى واحد، يكون فيه هلاكها واضمحلالها، بل تبحث اللغة القوية عن مجالات أخرى يمكن أن تضع فيها رصيدها وتفرقه عليها تفريقا يضمن لها أن لا تصاب بجائحة، فتكون اللغة حاضرة في الأمة على وجوه متعددة، واللغة العربية، لها من ذلك شأن لا يلحق، وشأو لا يدرك. 

فمن صور البقاء اللغوي:حضور اللغة في مستويات عدة في الأمة، وظهورها في واجهات مختلفة، وتنزلها في منازل متنوعة، ومثال ذلك اللغة العربية، فهي وسيلة للتواصل، ولسان الدين ومظهر الثقافة وتاريخ لذاكرة الأمة، وهي مع ذلك لغة الأدب والشعر، ولغة الإحساس والجمال، ولغة الحضارة والمعرفة، فهذه الواجهات المتعددة، تضمن للعربية أن تبقى ولو ضعف أصحابها، لكون حضورها في الأمة، ليس له واجهة واحدة، ولا سبيل واحد، بحيث إذا ضعف التواصل اللغوي، كما هو الشأن اليوم في العربية، بقي غيرها من منازلها ومواضعها، على الوجه الذي يضمن ثباتها وديمومتها. ومن صور البقاء اللغوي:  قابلية اللغة، لأن تستوعب من المفردات الجديدة، والعبارات الحديثة، ما يجعلها باقية ببقاء أهلها، وهذه القابلية فيها، هي التي تجعلها متداولة في كل مكان وزمان، لكون التداول الذي هو شرط في بقائها معلقا بقدرتها على الوفاء بحاجات التواصل، وهذا الوفاء لن يكون على تمامه، إلا إذا كانت اللغة تفي بحاجة الناس في التواصل، ومن أخص ذلك ما يتعلق بالأوضاع الجديدة، والألفاظ الطارئة على المجتمع.

واللغة القوية، هي التي يكون قانونها يسمح باستيعاب الألفاظ استيعابا لا يؤثر في شخصيتها وذوقها الخاص، وهو ما يسمح به القانون الصوتي والبنيوي والدلالي للغة العربية.

 ومن صور البقاء اللغوي: قابلية اللغة للتوليد، وقدرتها على أن تضع في كل جيل ألفاظا جديدة، تخرجها من مادتها، وتفصلها على مقاسها اللغوي، وقد سلف الحديث عن آليات التوليد في اللغة العربية، من النحت والاشتقاق والمجاز والتعريب والترجمة والاستعارة، وهذه تجعل العربية لغة ولودا، ولسانا معطاء، وقابلية التوليد تجعل اللغة باقية رغم العوادي، لأن الذي يلد ،يبقى خالدا في أولاده وعقبه، بخلاف اللغة البتراء التي لا عقب لها ولا نسل، وتتفاضل اللغات في هذا تفاضل الناس، وأكثر الناس ولدا، أبقاهم ذكرا، وأبعدهم أثرا، وأخلدهم حديثا، وأكثرهم حضورا.

ومن صور البقاء اللغوي: أن تدخل اللغة في باب التقنين، وتخضع ألفاظها للمعايير العلمية، فتصير بذلك اللغة علما، وإذا صارت كذلك دخلت في باب المعرفة، وحفظها الناس، وتتناقلتها الأجيال، ودونت في الكتب، وأفردت فيها الأسفار والمجلدات، ونظمت شعرا، ولخصت قوانينها نثرا يحفظ، وصار هذا المجموع كله ضمانا للغة من الفناء، وحافظا يحفظها من الضياع، وألحقها بركب المعارف، وصار لها قيمة علمية، وحضور معرفي، ومتخصصون ينافحون عنها، وعلماء يقدرونها حق قدرها، واللغة العربية، قد نالها من العلمية ما نالها، وهو من أسباب بقائها، وعناصر قوتها. ومن صور البقاء اللغوي: أن تقترن اللغة بمتن متداول، يكون مشتملا على نسبة كبيرة من مادتها وبنيتها، وهذا أمر خصت به العربية من غيرها، لكونها اقترنت بالقرآن الكريم، وهو النص العربي الذي يقرأ في جميع أنحاء الأرض، قراءة لازمة متكررة، ويتم تداوله في كل ربوع الأرض، وهذا التداول الواسع للقرآن الكريم، هو تداول لنص عربي مبين، وقد اشتمل القرآن على غالب مواد العربية الفصيحة. ومن صور البقاء اللغوي:أن يكون للغة خطها المميز لها، وحليتها الخاصة بها، ومظهرها الذي يمثلها في عالم الوجود، ويصور أصواتها، ويرسم أشكالها، واللغات التي لها خطها الخاص بها، قليلة معدودة، لأن الخط في اللغة، مرحلة متأخرة، تتوج بها مجموعة من المراحل التي تمر بها اللغة. ثم إن الخط وجه اللغة المعبر عنها، وبابها المعرف بها، ويكفي أن تبصر العين نوع الخط، حتى تتعرف على اللغة التي يحيل عليها هذا الخط، وللخط بعد ذلك وظيفة جمالية، وبعد ذوقي، وأثر في النفس، وليس سواء كلمة كتبت بخط مختلط متداخل، واخرى كتبت بخط ناصع مشرق، تتناسق فيه الأحجام والأشكال، كأن اللفظ يتعانق فيها مع المعنى، حتى يوشك أن يتوحد معه، وقد أصاب كل الصواب من قال: الخط الحسن أحد الفصاحتين.

 واللغة إن توفر لها المجال التداولي الحر، انتعشت أيما انتعاش، كأن التداول وهو يمنحها الحياة يبث فيها الروح التي تنعشها، ويحرك ما كان كامنا فيها بالقوة،  فهو لها كالماء للسمك والهواء للإنسان، تتوقف عليه توقف الاضطرار، لا توقف الاختيار. والتداول الأدبي والثقافي والشعبي والديني والمعرفي، كلها دوائر تداولية تحيط باللغة وتغذيها، بدءا من دائرة التداول الشعبية، وهي أوسع الدوائر وأنشطها.وهذه الروافد، تجعل المتن اللغوي، في حركة دائبة مستمرة، ولك أن تتخيل آلاف الكلمات التي تلوكها الألسن في اليوم، والتي يتقلب فيها اللفظ في ضروب من الاستعمال، من الحقيقة والمجاز، والكناية والاستعارة، وضروب التراكيب الاسمية والفعلية، ودخوله في الأمثال والشعر، وفي الرواية والقصص، وفي حديث النفس ومناجاة الإخوان، وفي الدعاء والابتهال، والصلاة والذكر، وفي باب الوصف والمدح، والهجاء والسب، في رحلة طويلة جدا، وممتعة جدا، يتقلب فيها اللفظ في مستويات التداول، يكتسب منها من الجزئيات الدلالية الصغيرة، ما يغني رصيده الدلالي، ويمده بمخزون ثري من ظلال المعاني المنداحة على جانبه.

 وللألفاظ في التداول حظوظ متفاوتة، فمنها اللفظ الذي يستدعيه التداول استدعاء تاما، بحيث يتردد على كل لسان وفي كل زمان، كألفاظ التحية وألفاظ التواصل العامة مثل السؤال عن الحال والثناء والشكر وما يجري مجراها، فهذه يستدعيها التداول استدعاء عاما، لكي ينجح بها التواصل بين الأشخاص، وهي للتواصل كالإدام، بها يحلو ويسهل أمره.وثمة ألفاظ يستدعيها التواصل استدعاء ناقصا، يكون موقوفا على الحاجة إليها، مثل أسماء الأشياء والمتاع والحرف وضروب الصناعات، وما تقوم عليه من الألفاظ والعبارات، فهذه الألفاظ الخاصة تجري على لسان أهلها باستمرار، وهي عند غير أهلها يمضي عليها الزمان الكثير من غير أن تذكر، لكنها محفوظة بسبب تداول أهلها لها، وهكذا يتم الحفاظ على هذا المتن اللغوي، من خلال المجموعات التداولية الصغرى، التي تضطلع كل مجموعة منها بجانب من المتن اللغوي، وهي في مجموعها تشكل هذه اللغة، فإذا افترقت ذهب كل بألفاظ صناعته. 

وأمر التداول عجيب، لأنه يشرف على توزيع المتن اللغوي بين الجماعات المتداولة، على ضرب يكون فيه غالب المتن اللغوي، محركا متداولا، وهذا التوزيع التداولي، هو على الأبواب والمواضيع، كأنه يجعل من الأمة الناطقة باللغة، معجما حيا، يقوم كل يوم بتجديد العهد بهذه الألفاظ وتداولها. وليعتبر في ذلك بكلام أهل السوق، وأحاديث الباعة والتجار، وبألفاظ الشطار والعيارين، وأصحاب المهن والحرف، وبحديث النساء، ولغط الأحداث والفتيان، وجدال المتخاصمين، وتقاول المتحاورين، وبيان العلماء، فإن هذه الجماعات التداولية، تشكل كل واحدة منها، ضربا من المعاجم الموضوعية، التي تضطلع بإحياء الألفاظ الواردة في ذلك الموضوع، وتطويرها واستمرارها. وكل هذا التداول المنتشر بين الناس، إذا عرض على المتن اللغوي، فإنه يغطي منه نصيبا وافرا.وما سميناه بالمجموعات التداولية، هو آلية من آليات التوزيع التداولي داخل المجتمع اللغوي، به يتم توظيف أكبر قدر ممكن من المتن اللغوي، وترويجه بناء على متطلبات التواصل، ومقتضات الحاجة، وكلما كثرت المجموعات التواصلية في المجتمع، عاد ذلك على اللغة بأنفع عائدة وأجداها، فإذا كان عندنا في المجتمع مجموعات تواصلية تخص الحرف والصناعات، وضروب المهن وأصنافها، ومجموعات أخرى تخص الأدب والشعر والتاريخ والفلسفة والطب والفلك والرياضيات والفيزياء والكيمياء والهندسة وما شئت من ضروب المعرفة، وكان الكل يتحدث بلسان واحد، أدى هذا إلى أن تنتعش اللغة انتعاشا منقطع النظير.والمجموعات التداولية الصغرى، تسهم في إغناء اللغة، وذلك أن حاجتها إلى التواصل تجعلها تمارس التواصل اللغوي بإبداع، تتجاوز فيه مرحلة استعمال الألفاظ إلى مرحلة أخرى وهي مرحلة الوضع والنحت.وللتدليل على ذلك ينظر لفظ “القهوة” فإنه في الأصل، من أسماء الخمر، لكنه لما دار في مجموعات تداولية محتلفة، وكان من أكثر الألفاظ تداولا في المجتمع، تم الإبداع فيه، فصاغوا منه الفعل وقالوا: يتقهوى، وأنا تقهويت، ووسعوا في دلالته فقالوا للرشوة قهوة، وأطلقوها على المكان، فقالوا نجلس في “القهوة”، كما أطلقوها على المشروب، فقالوا “القهوة” في مقابل الشاي، وأخذوا منها اللون البني فقالوا فيه “قهوي”، ونسبوا إليها العامل فيها فقالوا “قهوجي”، وأطلقوها على الشاي وغيرها من المشروبات تغليبا فقالوا نشرب “القهوة”. فكانت كثرة تداوله مدعاة إلى تنويع تصريفه ووجوهه.وهذه المجموعات التداولية إنما تكثر في الأمة، عند استقلال الأمة، وتشبت أبنائها بلغتهم، والأمر كله بعد ذلك دائر حول حاجة هذه المجموعات إلى التواصل بلغتها، والتخاطب بلسانها، فمتى قويت هذه الحاجة قويت معها اللغة، ومتى ضعفت، أصاب اللغة من الضعف بمقدار ما أصاب الحاجة من الفتور. ولا تزال الأمم العاقلة، تحث أبناءها على التواصل بلسانها، والتخاطب بلغتها، وكل أمة تنوعت مجموعاتها التداولية، ثم تقارب اللسان الذي تتواصل به هذه المجموعات فيما بينها، فإنها تبلغ بذلك المرحلة التي يمكن تسميتها ب”الذروة اللغوية”، وهي المرحلة التي يتم فيها توحيد اللسان، وتعميم مفردات اللغة الواحدة في جميع طبقات الشعب، وعلى جميع المواضيع التي تنتظم في شكل مجموعات تداولية. ويقابل مرحلة الذروة اللغوية، الناتجة عن توحد اللسان بين المجموعات التداولية، مرحلة “الخمول اللغوي”، وهي ناتجة عن تعدد اللسان في المجموعات التداولية، بحيث يتم تداول لسانين أو أكثر في المجتمع الواحد، فتصير المجموعات التداولية كأنها مستقلة بلسانها وثقافتها داخل الأمة الواحدة،وهذا التعدد داخل المجموعات التداولية، يفضي إلى عدم التواصل بينها، وإلى تشتيت المعجم التداولي للغة، وإلى حصر اللسان في مجال تداولي محدود، وهذا يضر باللغة ضررا كبيرا. واللسان إذا تعدد، في المجموعات التداولية، دخل في باب المغالبة، وصار بعضه أقوى من بعض، وأكثر تداولا، وعرفت كل مجموعة بلسانها، وتباينوا من أجل ذلك، ودخل الضيم على لسان الأمة، وهذا يعود بالضرر على قيم الأمة من الوطنية والوحدة والتكتل.  والمجموعات التداولية إذا تعددت في الأمة، كانت علامة على تقدم الأمة ورقيها، لأن هذه المجموعات، تكون دائرة على غرض واحد يجمعها، من حرفة أو مهنة أو تخصص أو أمر من الأمور التي يُجتمع عليها، وهذه الأغراض هي التي تُنهِضَ الأمة من رقدتها، وتحييها من مواتها، وتنشئها إنشاء جديدا.   وهذه المجموعات التداولية هي التي تنعش اللغة بتداولها، وتضطلع بدور الوضع والتهذيب، والتوليد وإغناء المعجم التداولي، فمن ثم كان الناظر في المعجم العربي، كتاج العروس ولسان العرب، يجد تفاوتا ملحوظا في تصريف المواد اللغوية، من مادة تزيد معانيها على المائة، وتعد مشتقاتها بالعشرات، إلى مادة لم يستعمل منها إلا اللفظ واللفظتان، ولم يشتق منها شيء. وما ذاك إلا حظ التداول، وسر الاستعمال. ويمكن التأريخ للغة من خلال ألفاظها، وذلك أنك إذا نظرت في العربية مثلا، لوجدت ألفاظ الكتابة والقراءة والعلم والمعرفة ألفاظا دائرة في الكلام، متصرفة على وجوه من التصرف، وتصرفها دال على كثرة استعمالها ودورانها في الألسنة، واستعمالها دال على موضعها من عقل الأمة وفكرها وثقافتها. وتكون الألفاظ وما لها من كثرة التصرف أو قلته في اللغة، دالة على تاريخ تلك اللغة وأطوراها، ومعرفة بمدى تنوع مجموعاتها التداولية، وما احتاجته من الألفاظ، وما تداولته من المعاني، ويكون المعجم اللغوي، معرفا بالتاريخ الفكري للأمة، ومنبها على مقدار وعيها ومحلها بين الأمم.

 وقد تنبه الجاحظ قديما لأهمية هذه المجموعات التداولية في إغناء المعجم اللغوي، فنقل عن أهل التفسير والكلام، وأصحاب الفقه والرواية، والتاريخ والأدب، كما نقل عن البحارة وأهل المربد من البخلاء والتجار وغيرهم ونقل عن الشُّطار والعَيَّارين، والأعراب والنوكى والمُجَّان، ومن لف لفهم، وقد قال في بعض هذا: “ولكلّ قوم ألفاظ حظيت عندهم. وكذلك كلّ بليغ في الأرض وصاحب كلام منثور، وكلّ شاعر في الأرض وصاحب كلام موزون؛ فلا بد من أن يكون قد قد لهج وألف ألفاظا بأعيانها؛ ليديرها في كلامه، وإن كان واسع العلم غزير المعاني، كثير اللّفظ.”والتداول اللغوي، مبني على الحاجة التواصلية، وهذه الحاجة، هي التي تتحكم في مقدار ما سيتم تداوله من ألفاظ اللغة، كما تتحكم في نوعية الألفاظ التي ستتداول، ورب لفظ يكون له من حظ التداول ما لا يكون لغيره، فتكثر لذلك مشتقاته، وتتنوع دلالاته، ويكون حاله كحال الغني الموسر.

وليس ثمة لفظ أفتق للسان، ولا أوضح في البيان، من لفظ كان وراءه معنى كامن، احتاج الناس إلى استعماله، ولا يزال هذا المعنى في الذهن، يلح على صاحبه إلحاحا حتى يجد له لفظا يضعه فيه، وهو في إلحاحه ولجاجه، يحوج صاحبه إلى ضرب من البيان عنه، لا يجد عنه مهربا.وأنت إذا نظرت إلى محاورات الناس وتخاطبهم، رأيتهم كيف تلجئهم المعاني إلى ضروب من البيان من اختيار اللفظ وتنويعه، والاستعانة بالإشارة وحركات الحاجبين والعين، ورفع الصوت وخفضه وهز الكتفين، وتحريك الرأس، كأن المخاطب يبذل وسعه ليخرج المعنى الكامن في نفسه على وجه من البيان يكون به التواصل على وجهه.

 والحاجة التواصلية داعية الوضع، وهذه قاعدة تجعل من اللغة المتداولة كائنا حيا نشيطا ولودا، ويضطلع الوضع بإخراج المعنى من حيز القوة إلى حيز الفعل، في صورة لفظية قابلة للتعقل. 

والمعاني نوعان، معان جمهورية عامة، تشترك اللغات كلها في وضع ألفاظ لها، كالمعاني التي يعبر بها عن ألوان المشاعر وأصناف الموجودات وضروب الأفعال، وهي المعاني التي بها قوام حياة الإنسان واستمراره. ومعان خاصة، لا تجد لها ألفاظا في كل اللغات، بل قد تنفرد كل لغة بمعان خاصة بها، وتكون تلك المعاني، التي تميزها هي خاصية تلك الأمة الناطقة بذلك اللسان. والوضع نوعان: وضع عامي ووضع علمي، فالوضع العامي ما يضعه الناس في كل يوم من الألفاظ الجديدة، التي يعبرون بها عن معنى من المعاني العامة، وهذه الألفاظ مواردها مختلفة، فقد يكون الذي وضع غير عربي المادة، كلفظ “التشرمل” أو عربيا في أصل المادة، كلفظ “التخربق”، فإنه من “خَرْبَقَ” وهو عربي، وقد يكون من لغة أخرى، كالألفاظ المأخوذة من الفرنسية والإنجليزية والإسبانية وغيرها، والوضع العامي موارده متعددة، وهو غير متقيد بقيد، بل ما خف على اللسان، وقبله السمع، صار دارجا متداولا. والوضع العلمي، هو الوضع الذي يكون متوفرا على شرائط التوليد اللغوي، من ملاءمته للقياس اللغوي، وصياغته على ما تحتمله العربية من الصيغ، وانتمائه لكلامها مادة وحروفا، وانسجام حروفه، وقبوله للمعالجة المعجمية، وهذا الوضع تشرف عليه مجموعات تداولية مخصوصة، تضطلع بدور المصحح اللغوي في المجتمع، وتشرف على ما تنتجه باقي المجموعات التداولية.

  والمجموعات التداولية، تضطلع بوظائف لغوية، أصولها ثلاثة. أولها وظيفة التداول، حيث تشرف على تداول معجم لغوي محدد، يكون رائجا بينها، كما يروج معجم البحر عند البحارة، ومعجم الخياطة عند الخياطين، ومعجم الطب عند الأطباء، ومعجم المعرفة عند العلماء، وقس على هذا. 

ثانيها وظيفة الانتقاء، حيث تقوم المجموعة التداولية بانتقاء مجموعة من الألفاظ تختارها على غيرها، فيفضل البحارة عند التداول مثلا البحر على اليم، والحوت على السمك ويقومون أيضا بانتقاء الفاظ من لغات قريبة، كالإسبانية والفرنسية ونحوها، ويشكلون من مجموع ذلك لغة للخطاب، يتواصلون بها بينهم، وهم لها أفقه من غيرهم، وأدرى بمعانيها ومغزاها.  ثانيها وظيفة الوضع، حيث يحوج التداول اليومي ومتطلبات التواصل والخطاب، إلى أن تنتج المجموعة التداولية ألفاظا خاصة بها إذا ما اقتضت الحاجة التواصلية ذلك، وهي تنتج في كل حين ألفاظا جديدة، وتلبس معاني جديدة لألفاظ قديمة، في حركة نشيطة دائبة، يغذيها التواصل، وتقتضيها الحاجة التداولية.وهذا المنتوج من الألفاظ الجديدة، يتم تقسيمه إلى قسمين: القسم الأول: ما يستجيب لشروط الالتحاق بالمتن اللغوي، ويتحقق فيه المعايير الصوتية والصرفية والدلالية، الخاصة بلسان العرب، فهذا يتم الارتقاء به من مستوى التداول الشفوي، إلى مستوى الكتابة، ويدخل ذلك اللفظ في المتن اللغوي، من خلال تخليده في الشعر والوصف، وفي الكتابة والترسل، وفي المعرفة والتاريخ، وغير ذلك من ضروب الاستثمار والتوظيف. وكان أشبه بالنسق اللغوي الفصيح الذي هو لسان الأمة.القسم الثاني:

ما لا يستجيب لشروط الالتحاق بالمتن اللغوي الفصيح، فهذا حظه أن يبقى دائرا في الأوساط التداولية العامة، ولا يرقى أن يدخل المتن اللغوي، لفقدانه للأهلية.وبين ميلاد اللفظ في الوضع، إلى التحاقه بالمتن اللغوي الفصيح، رحلة طويلة جدا، يمر بها اللفظ من مستوى إلى مستوى، في عملية انتخاب صوتي وصرفي ودلالي، يؤهل في نهايتها إلى أن يكون لفظا عربيا، ذا سمة تميزه، وبهذا تكون المجموعات التداولية على تنوعها واختلافها، تخدم المتن اللغوي، وتغذي فيه موضوعاته، بما تنتجه من ألفاظ. واللغة تكتسب قوتها من قوة مجموعاتها التداولية، التي تروج أكبر قدر ممكن من معجمها وألفاظها، وكلما كثرت هذه المجموعات وتنوعت في الأمة، عاد ذلك على اللغة بالغنى والانتشار، وهي في المقابل يصيبها الضمور والخمول، إذا لم تروج المجموعات التداولية ألفاظها وتغنيها بكثرة الاستعمال. ومن ثم كانت الأمة العاقلة، تسعى إلى إغناء لغتها بتوفير المجال لها، ودعم الناشئة فيها، ولو فرضنا أن مجالا من المجالات “كمجال الإعلاميات مثلا” لا تتوفر اللغة العربية فيه على معجم قوي شامل لمصطلحاته وألفاظه، فإن هذا المعجم سيغتني إذا ما تكفلت به مجموعة تداولية ما، وقامت بالتواصل فيه باللسان العربي، وتركت على ذلك دهرا، فلا شك أنها ستهتدي إلى وضع ألفاظ ومسميات، تكون معبرة عن ذلك المجال، واصفة لمواضيعه وأدواته، لأن التواصل سيضطرها إلى أن تجد ألفاظا تعبر بها عن ذلك، ومن ثم ينظر في قابلية هذه الألفاظ للالتحاق بالمتن اللغوي الفصيح، وتكرر هذه العملية إلى أن يستقيم معجم الإعلاميات بلسان عربي فصيح، وبهذا يغتني هذا المجال، وينتعش ضرورة، بسبب الحاجة التواصلية التي دعت إليه.

 واللسان العربي اليوم، لسان معجب لأهل الفضل، رائق لذوي المروءة، يحبه ويميل إليه النبلاء من ذوي الطباع السليمة، والأذواق الرفيعة، وما هو إلا أن يتكلم بالعربية متكلم فصيح اللسان، منفتق اللهاة، يُجرِي الحديثَ بها على قانون الإعراب، ويعرضها في أحسن المعارض، إلا وترى الناس يصيخون السمع، ويطيلون المكث، ويتمتعون بها تمتع الصب بحديث المحبوب، وتقع منهم موقع الماء من ذي الغلة الصادي، نعم؛ وحتى ترى المستمع أحوج إلى الاستزادة من المتكلم، وأحرص على طول زمن الخطاب، كأن الجرْس العربي، يستحيل في أذنه لحنا رائعا، يخاطب فيه أشواقه وأذواقه، ويحرك فيه مكامن الإحساس والشعور. والعربية متى ما حملها ناطق فصيح، كان ذلك كافيا في انتشارها وتداولها واجتماع جمهورها، كأن الفصاحة فيها السرُّ الكامن، الذي يخاطب ضمائر الناس، وينسجم مع فطرتهم، فهي منصورة بهذا الوضع، باقية بهذا الاعتبار.  واللغة كائن حي كما يقال، وهي عند التأمل والاعتبار؛ لها جسم وروح، فجسمها الألفاظ وروحها المعاني، وإذا كانت الأجسام تتفاوت في عالم الناس بالجمال والحسن، فكذلك الشأن في اللغات، إذا ما قيس بعضها ببعض. والجهات التي يتعلق بها الجمال في الألسن راجعة إلى معنى عام هو التناسب، وهذا المعنى العام، يتفرع إلى تناسب في الصوت والجرس، وتناسب في البنية والشكل، وتناسب في التركيب والتأليف، وتناسب في المعنى والدلالة، وهذا التناسب يقوم على مقادير من الجمال، تألفها الأنفس وتميل إليها الطباع، وتأنس بها القرائح السليمة، ثم هو إن اطرد في اللغة، وغلب على مادتها، كان حجتَها الظاهرة، ودليلَها الغالب، وكان لها داعيةَ الهوى، وبابَ الوصال، وأقام لها في نفوس الناس، مقامات من الحب والإكبار، ومن التعظيم والترجيب، على نحو ما يكون مثله عند المحب العاشق، والصب الولهان.واللغات تتفاوت فيما بينها بحسب المعاني التي تكون غالبة على ألفاظها، وليس كل معنى يكون له لفظ يعبر عنه، ولا له قالب يصاغ فيه، ولو أخذت لغة من اللغات، وقمت بتجريد المعاني التي تدل عليها ألفاظها، ثم صنفت هذه المعاني، لرأيت عجبا، وذلك أنك تقف منها على فكر تلك الأمة الناطقة بهذا اللسان، ومقدار ما وصلت إليه من الرقي والتقدم، ومنزلتها بين الأمم في أفكارها ومعانيها المتداولة، فكأن في لغة تلك الأمة تاريخا تختزله ألفاظها ومعانيها. والمعاني التي توضع لها الألفاظ في كل لغة، هي معان أصيلة في تلك الأمة المتكلمة بذلك اللسان، فهي دائرة على ألسنتها، دالة على ثقافتها ونمط حياتها، ولا تزال تلك المعاني في ضمير الأمة، كامنة مضمرة، تحركها وتنهضها، حتى تكون المعاني الغالبة على لسان تلك الأمة، هي المعاني الغالبة على أفراد تلك الأمة. 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق