وحدة الإحياءدراسات عامة

الحق الطبيعي ومقاصد الشريعة.. الخلفيات الفلسفية والأصولية

لا يخفى أن مبحث “مقاصد الشريعة” يشكل اليوم بؤرة تركز كل المشاريع التجديدية لمنظومة التأويل الإسلامية، على اختلاف مشارب واتجاهات ومناهج الفقهاء والمفكرين الذين تبنوها. والواقع إننا أمام مدونة نظرية ومرجعية شديدة الالتباس، تتداخل فيها رؤى ومناهج وخلفيات واستراتيجيات شديدة التباين وإن اعتمدت نفس الأدوات المصطلحية ورجعت لنفس المادة العلمية.

نطمح هنا إلى إماطة اللثام عن جانب محوري من هذه الرهانات التأويلية المتغايرة، يتعلق بمفهوم “الحق الطبيعي” (أو القانون الطبيعي) droit naturel, natural law  الذي يشكل مبحثا أساسيا في فلسفة القانون، وهو اليوم المجال الدلالي الذي يتمحور حوله النقاش حول مفهوم “مقاصد الشريعة”  على الرغم من غموض هذا الحضور في وعي اغلب الذين تناولوا الموضوع.

أولا: في مفهوم الحق الطبيعي

يمكن أن نميز بين تصورين فلسفيين كبيرين لمفهوم “الحق الطبيعي”:

  1. التصور اليوناني – الروماني الذي تبناه التقليد اللاهوتي المسيحي الوسيط، الذي يبلغ أوج صياغته لدى الفيلسوف والسياسي الروماني “شيشرون” (ت 43 قبل المسيح) والفيلسوف ورجل الدين المسيحي “القديس توماس الاكويني” (ت 1274). يقوم هذا التصور على أن الحق الطبيعي هو المعايير التي تطابق ماهيات وجواهر الأشياء، وبالتالي فانه يصدر عن الحالة الطبيعية الأصلية للإنسان التي هي الحالة التي تجسد جوهره الخلقي العقلي باستقلال عن أي تواضعات اجتماعية.

يبين “شيشرون” هذا التصور، الذي يلخص فيه التقليد الفلسفي اليوناني، بقوله: “يوجد قانون حقيقي هو العقل السليم الذي يطابق الوجود، المنتشر في كل الموجودات، والمتفق دائما مع نفسه، لا يمكن أن ينتفي، يستحثنا إلزاما على تأدية مهمتنا، يحرم علينا التزييف ويحول بيننا وإياه… لا يجوز تحوير هذا القانون ولا يسمح بإلغائه كليا ولا جزئيا… من لا يستجيب لهذا القانون يتنكر لنفسه، وباعتبار جهله الطبيعة الإنسانية يستحق أقسى العقوبات[1].”

نجد هنا التصور الفلسفي اليوناني حول العدالة (الأفلاطونية الرواقية على الأخص) بصفتها تجسيدا للجوهر العقلي الثابت في الطبيعة، مما اعتمدته المنظومة اللاهوتية المسيحية الوسيطة.

في هذا السياق يميز “القديس توماس الاكويني” بين أربعة أصناف من القانون هي: القانون الأزلي والقانون الطبيعي والقانون البشري والقانون الإلهي. ولئن كان الاكويني يميز بين القانون الأزلي والقانون الطبيعي، إلا أنهما لا يختلفان من حيث المضمون، بل أن الغرض من تصور قانون أزلي هو تصور قانون مشترك بين الله والإنسان، بحيث “يمتثلان” كلاهما له؛  ما دام القانون الطبيعي يصدر عن العقل في ذاته. فالقانون الطبيعي ليس من إنشاء البشر ووضعهم، بل هو تعبير عن الطبيعة الإنسانية؛ أي طبيعة الإنسان الذي خلق على صورة الإله وأخذت شكل حالة اجتماعية طبيعية[2].

وليس من همنا الوقوف عند الخلفيات اللاهوتية المعقدة لهذا التصور المرتبط بالمسائل العقدية المتعلقة بالقدر وحرية الإنسان[3]، مما ولده نقل الكوسمولوجيا اليونانية إلى المنظومة التوحيدية التي تقوم على تصور مغاير للألوهية والخلق.

  وإذا كان تصور الاكويني للحق الطبيعي قد شكل مضمون الأرثوذكسية المسيحية في العصور الوسطى، فإن القرن الرابع عشر شهد تحولا نوعيا داخل التقليد اللاهوتي من خلال النقد الجذري الذي وجهه”دان سكوت”و”غيوم دوكام” لمذهب القانون الطبيعي. فبدلا من النظر إلى القانون بصفته تعبيرا عن إرادة الله أو غايته السببية، ذهب هذا الاتجاه الجديد إلى القانون من حيث هو حصيلة إرادة الله المطلقة التي لا يقيدها شيء ولا يوجهها هدف مسبق. فالقانون من هذا المنظور لا يكون إلا وضعيا سواء كان مصدره الهي أو بشري.

ويعكس هذا التحول نقلة نوعية في النسق اللاهوتي بالتحول من لاهوت الحكمة إلى لاهوت القدرة، وبهذا يكون القانون تعبيرا عن إرادة الله القهرية المفروضة على الطبيعة والبشر، مما يذكر بالموقف الأشعري في التقليد الكلامي الإسلامي[4].

وخلاصة الأمر، إن مذهب القانون الوضعي في نسختيه اليونانية – الرومانية والمسيحية يقوم على أفكار أربعة رئيسية هي: 1. تحدد الأشياء بحسب ماهياتها وجواهرها. 2. القانون الطبيعي حالة اجتماعية يحقق فيها الإنسان جوهره ضمن المدينة الفاضلة. 3. أولوية الواجبات على الحقوق باعتبار أن الواجبات هي الشروط التي يحقق فيها الإنسان ماهيته. 4. المضامين القيمية للقانون الطبيعي يحددها الفرد أو السلطة الذي يمتلك الحكمة أي علم الجواهر والماهيات (الحكيم أو الأمير أو الكنيسة).

تختلف هذه المبادئ[5] نوعيا عن نموذج الحق الطبيعي في الفلسفة الحديثة.

  1. التصور الحديث للحق الطبيعي: نلمس هذا التصور لدى هوبز وسبينوزا، وبمعنى ما، لدى روسو، ويقوم على تصور مغاير للطبيعة والحالة الاجتماعية، بالانتقال من ميتافيزيقا الجوهر إلى أنطولوجيا القوة. فالقانون الطبيعي، من هذا المنظور، ليس هو ما يطابق ماهية الشيء، بل هو ما يستطيعه الشيء، ومن ثم فإن حالة الطبيعة هي حالة ما قبل اجتماعية يتماهى فيها الحق مع القوة، كما أن الحق سابق على الواجب والبشر متساوون في حقوقهم يصوغون قوانينهم بمحض إرادتهم الحرة وليس وفق معرفة عقلية سابقة.

وهكذا يتضح الفرق الجوهري بين مذهبي الحق الطبيعي القديم والحديث، عبر التمايز بين صياغة قانونية لرؤية أخلاقية للعالم وصياغة قانونية للأخلاق.

والواقع أننا أمام اتجاهين في مذهب الحق الطبيعي الحديث، برزا مبكرا في القرن السادس عشر: الاتجاه التقني الذي يمثله “ماكيافيلي” و”بودين” Bodin  ويتمحور حول إشكالية انتظام المؤسسات السياسية، والاتجاه المعياري الذي يمثله “التوسيوس”Althusuis وتيار الملكيين monarchomaques الذين بلوروا المقاربات الأولى للتصورات الليبرالية الحديثة. وقد استمر هذا الشرخ من خلال مقاربتي “غروتيوس”[6] المعيارية التي تحدد إطارا أخلاقيا عقلانيا للعقد الاجتماعي، ومقاربة هوبز الميكانيكية التي تعتبر أن العقلانية المعيارية في القانون تتوقف على الأمر السيادي للمؤسسة السياسية التي تضع القانون.

يميز هوبز بين الحق الطبيعي jus natural الذي هو “حق كل أحد في استخدام قوته الخاصة كما يريد هو نفسه للحفاظ على طبيعته الخاصة[7].” والقانون الطبيعي lex naturalis الذي هو مبدأ أو قاعدة عامة يصل إليها العقل وفق مطلب الحفاظ على النفس ومنع ما يهلكها[8].

 فالحق الطبيعي يقوم على الحرية والقانون الطبيعي يقوم على الإلزام والمنع، إلا أن القانون الطبيعي لا يكون قانونا بالمعنى المكتمل والملزم إلا من خلال وضع السلطة السيادية التي تحوله إلى قانون مدني. فالقوانين الطبيعية التي تبرهن عليها فلسفة الأخلاق هي مجرد قواعد عقلية لا فاعلية لها فاعلية إلا في إطار عقد يتنازل فيه الأفراد عن حقوقهم الطبيعية لسلطة سيادية تضع القوانين المدنية الحافظة لنمط الاجتماع المشترك[9].

نلمس نفس التصور لدى سبينوزا في تمييزه بين القانون في “الحالة العقلية” حيث يكون حقيقة أزلية؛ أي قاعدة طبيعية لتنمية القوة الفردية، والقانون في الحالة الاجتماعية  الذي يحد من قوة الفرد بالمنع من خلال معايير الأخلاق والخضوع  ضمن منظور تعاقدي[10]. إلا أن ما يميز سبينوزا هو القول بأن الحق الطبيعي الذي يتأسس على القوة يظل قائما في الحالة المدنية؛ لأن الإنسان لا يمكنه التنازل عن نوازعه الطبيعية، كما أن سبينوزا لا يتبنى فكرة خضوع الجمهور للسيد الذي يجسد الكيان الاجتماعي المشترك، بل يتصور الرباط الاجتماعي في شكل فرديات تعددية يتشكل منها الجمهور المفتوح دوما على الصراع وحركية القوة المتنامية[11].

يختلف هذا التصور عن رؤية روسو للحق الطبيعي، برفضه أي حالة قانونية في حالة الطبيعة التي هي وضع سابق على التحديدات العقلية والقيمية تحكمه مشاعر أصلية يلخصها في حب الذات (الضامن للحفاظ على النفس) والشفقة (الضامنة لمبدأ التعايش السلمي). فلا يوجد حق طبيعي بالمعنى القانوني سابق على الحالة الاجتماعية[12]، بل أن عقد الإذعان والخضوع على الطريقة الهوبزية يظل بالنسبة له فاقدا للشرعية القانونية باعتباره يتأسس على مبدأ “القوة الشرعية” في حين أن القوة لا يمكن أن تؤسس الشرعية.

ومن هنا يخلص روسو إلى أن القانون هو “التعبير العمومي عن الإرادة المشتركة في مواضيع عمومية”، ومصدره هو الشعب الذي يمارس سيادته المباشرة دون تمثيل أو تفويض[13].

إلا أن نظرية روسو في القانون الطبيعي تعاني من توتر داخلي، وتأرجح دائم بين الحالة المدنية والعودة لحالة الطبيعة[14]. فعلى عكس هوبز، يدافع في بعض نصوصه عن حقوق الفرد و”حقوق القلب”  في مقابل كل سلطة، ويدافع في نصوص أخرى عن خضوع الفرد المطلق للدولة التي تعبر عن الإرادة المشتركة للمتعاقدين.

إن الإشكال الذي يفضي إليه هذا التأرجح هو الوعي بعدم إمكانية الرجوع لحالة الطبيعة على الرغم من إغرائها لأنها حالة غير مكتملة إنسانيا ولا تتناسب مع تعقيدات الوضع الإنساني بعد المرور إلى نظام الملكية والسلطة، في حين أن العقد الاجتماعي الذي يتجاوز المفهوم التواضعي الميكانيكي ويعبر عن الإرادة المشتركة التي تمارس سيادتها المباشرة دون تفويض يظل مطلبا طوبائيا في مجتمعات متضخمة لا يمكن أن يحكم فيها الشعب نفسه.

وهكذا نخلص إلى أن اتجاهات الحق الطبيعي وإن اتفقت في النموذج التعاقدي وفي رفض تأسيس القانون على الطبيعة، إلا أنها تختلف من حيث الصياغات النظرية لهذا النموذج، وإن كان هوبز قدم الصياغة المكتملة لمذهب الحق الطبيعي التي كان لها التأثير الحاسم في الفكر الليبرالي الحديث[15].

ثانيا: الحق الطبيعي وأطروحة مقاصد الشريعة

تساءل الباحث القانوني التونسي “عياض بن عاشور” حول إمكانات استنتاج  تصور للعدالة الطبيعية كأساس عام للقانون في المدونة الأصولية والفقهية الإسلامية، متوقفا عند بعض نصوص العز بن عبد السلام والطوفي والشوكاني التي تسمح بتأكيد اقتراب بعض علماء الإسلام من فكرة الحق الطبيعي بمعنى اعتبار الطبيعة والعقل أساسا للمعيارية الشرعية[16].

في هذا الباب، ينزع البعض إلى تقريب مذهب الحق الطبيعي المسيحي من نظرية التحسين والتقبيح الاعتزالية، باعتبارهما يقومان على نفس الفكرة المشتركة: المنزلة الموضوعية العقلانية للقيم في مقابل التصور الأشعري الذي يرجع الوضع المعياري للقيم إلى الأوامر الشرعية.

وبدون الخوض في هذا النقاش الكلامي الذي تناولناه في مواضع أخرى، نكتفي بالإشارة إلى أن المدارس الكلامية الإسلامية تتفق في رفض التصور الطبيعي الذاتي؛ أي إرجاع العلة النهائية للموجودات والمعايير إلى العالم الطبيعي المكتمل بذاته، ومن ثم لم يكن بإمكانها اعتماد مذهب الحق الطبيعي في نسخته اليونانية – الرومانية التي كانت معروفة ومألوفة لدى فقهاء الإسلام.

ومن هنا ضرورة تمييز مذهب المعتزلة في التحسين العقلي عن أطروحة الحق الطبيعي، باعتبار المقولة الاعتزالية (على اختلاف صياغاتها) وإن اعتبرت العقل قادرا بنفسه على إدراك القيمة المعيارية للأحكام، إلا أنها لم تستنتج من ذلك أن مصدر القيم هو الطبيعة وليس الله. فالتصور الاعتزالي للطبيعة التي يتمحور حول المذهب الذري الذي صاغه “العلاف” يقتضي فكرة الخالق المدبر للكون الحافظ بوحده لانتظام الطبيعة التي ليس لها ضابط ذاتي[17].

فالآراء الاعتزالية التي تفيد خلق الإنسان لأفعاله ووجوب الأصلح على الله تعالى، تندرج في لاهوت العدل والغرض منها تنزيه الله عن الظلم، ولذا تندرج في فكرة العدالة الكونية، ولا يمكن أن تبنى عليها نتائج ميكانيكية في البناء الفقهي الذي لا يختلف فيه المعتزلة جوهريا عن باقي المدارس الإسلامية.

فإذا كان العقل قادرا بذاته على إدراك الحسن والقبيح مما ينسجم مع منطق التكليف، إلا أن التحديد الشرعي للأحكام التي يتوقف عليها الثواب والعقاب مرتبط بوضع الشرع. يوضح “القاضي عبد الجبار ذلك بقوله: “.. واعلم أن هذه مسالة شرعية لا مجال للعقل فيها لأنها كلام في مقادير الثواب  والعقاب وهذا لا يعلم عقلا[18].”

أما الأشاعرة فإنهم رفضوا في مجملهم مبدأ التعليل العقلي للأحكام من منظور كلامي ينطلق من لاهوت القدرة والرحمة، فإنهم انتهوا في مباحثهم الأصولية إلى إثبات التعليل القياسي الذي هو في حده الأدنى إظهار حكمة الوضع أو إمارته. فإن مال أغلب الأشاعرة إلى إثبات التعليل في الأحكام دون الأفعال، فإن منهم من أثبته فيهما معا (كالتفتازاني) ومنهم من نفاه فيهما معا، وفي كل هذه الحالات اعترضهم إشكال التوفيق بين الاعتقاد الكلامي في القدرة وخلق الأفعال المنسوبة بالإطلاق إلى الله تعالى ومنهجية استثمار الدلالة الشرعية في النص التي يشكل القياس حجر الزاوية فيها تأويلا واستنباطا.

بل إن الأشاعرة لم يتخلصوا من التصور العام للتحسين العقلي، فقال به البعض صراحة من أمثال القفال الكبير والزنجاني وأبي القاسم الراغب والعز بن عبد السلام.. وذهبوا في عمومهم إلى قبوله إذا كان بمعنى صفة الكمال أو ملاءمة الطبع ورفضوا ما كان يتعلق بالثواب والعقاب[19].

وإذا كان مذهب التحسين والتقبيح في أبعاده الكلامية والأصولية لا يمكن أن يؤسس لنظرية الحق الطبيعي في التقليد الشرعي الوسيط، فإن أطروحة مقاصد الشريعة في بعديها القيمي الأخلاقي (العز بن عبد السلام) والأصولي (الجويني والغزالي والشاطبي) لا يمكن أن تؤسس لفكرة المرجعية الذاتية للمعيارية القانونية.

يعرف العلامة “عبد الله بن بية” مقاصد الشريعة بقوله: “هي المعاني المفهومة من خطاب الشارع ابتداء، وكذلك المرامي والمرامز والحكم المستنبطة من الخطاب، أو ما في معناه من سكوت بمختلف دلالاته مدركة للعقول البشرية متضمنة مصالح العباد معلومة بالتفصيل أو في الجملة[20].”

إن هذا التعريف الشامل لتحديدات الأصوليين يبين أن النموذج المقاصدي يتمحور في مستوين  مترابطين: تأويلي يتعلق باستنباط دلالات النص المرجعي وتعليلي تنزيلي يتعلق بمراعاة قصود الشارع ومقاصده في وضع الأحكام التي تتوقف عليها مصالح العباد.

فكيف ولج مبحث الحق الطبيعي للدراسات الأصولية المعاصرة من منظور مبحث مقاصد الشريعة؟

نقف هنا عند نموذجين بارزين من نماذج الفكر الإصلاحي التجديدي، هما العلامة التونسي محمد الطاهر بن عاشور والزعيم المغربي علال الفاسي اللذين بلورا أولى المحاولات لاستيعاب مدونة الحق الطبيعي في الخطاب الشرعي.

من الواضح أن إشكالية الفقيهين المصلحين في كتابيهما تندرج في أفق تجديدي خارج الإطار المرجعي الأصلي للمنظومة المقاصدية حتى ولو كانا يوظفا أدواتها النظرية والاصطلاحية من خلفيات حداثية غير مسبوقة.

يتجلى هذا التأسيس المنهجي بوضوح لدى بن عاشور الذي لا يقدم قراءة نقدية للتراث الأصولي في حصره مقاصد الشريعة في مبحث التعليل: “على أن معظم مسائل أصول الفقه لا ترجع إلى خدمة حكمة الشريعة ومقصدها، ولكنها تدور حول محور استنباط الأحكام من ألفاظ الشارع بواسطة قواعد تمكن العارف بها من انتزاع الفروع منها، أو من انتزاع أوصاف تؤذن بها تلك الألفاظ، ويمكن أن تجعل تلك الأوصاف باعثا على التشريع، فتقاس فروع كثيرة على مورد لفظ منها باعتقاد اشتمال تلك الفروع كلها على الوصف الذي اعتقدوا أنه مراد من لفظ الشارع، وهو الوصف المسمى بالعلة[21].”

إنما يريده بن عاشور هو الاتكاء على الشاطبي في بناء علم جديد لمقاصد الشريعة خارج القيود والحدود الأصولية التقليدية، بل بتجاوز الشاطبي نفسه. إن الهدف حسب عباراته هو “البحث عن مقاصد الإسلام من التشريع في قوانين المعاملات والآداب التي أرى أنها الجديرة بأن تختص باسم الشريعة[22].”

يتغير هنا مفهوم الشريعة وغرضها، بحيث تصبح دلالتها هي المقوم التشريعي “لنظام العالم وإصلاح المجتمع “، فهي “قانون الأمة” وليس مدونة التكليف من أحكام وجوب ومنع وإباحة.

من هنا يدخل مفهوم “الفطرة” جسرا للربط بين النسق الأصولي القديم ومذهب القانون الطبيعي الحديث في اتجاهيه الإنساني (مبدأ الذاتية الراشدة المسئولة ) والتعاقدي (إناطة الشرعية المعيارية بالتوافق الاجتماعي الحر القائم على المساواة الأصلية).

لا يتعلق الأمر هنا بتصور المفسرين والفقهاء الأقدمين لمفهوم الفطرة (دين التوحيد الأصلي أو الحق قبل التبديل )، وإنما بمفهوم جديد للفطرة يلخصه بقوله: “الفطرة: الخلقة؛ أي النظام الذي أوجده الله في كل مخلوق… فوصف الإسلام بأنه الفطرة معناه أنه فطرة عقلية أو جارية على وفق ما يدركه العقل ويشهد به… هي الحالة التي خلق الله عليها عقل النوع الإنساني سالما من الاختلاط بالرعونات والعادات الفاسدة[23].”

لا يتردد الفقيه الزيتوني ذو الخلفية الأشعرية عن القول بانبناء الشرع على مدركات العقل وتطابقه مع الطبيعة الإنسانية. بيد أن العقل هنا ليس العقل الوجودي بالمفهوم اليوناني، وإنما هو العقل الذاتي بحسب التصورات الحديثة التي يعتمدها بن عاشور دون تردد في تحديده للمقصد العام من التشريع الذي هو “حفظ نظام الأمة واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه وهو نوع الإنسان[24].”

ومن هنا تحديد مقاصد رئيسية جديدة  للشريعة، لئن كان بن عاشور يبحث لها عن متكئ في الأبحاث التراثية، إلا أنه كان سباقا إلى إدراجها في النسق الأصولي مثل المساواة و الحرية.

يتفق الفاسي مع ابن عاشور في مقاربته لمقاصد الشريعة، ولتأسيسه هذه المقاصد على مفهوم الفطرة، باعتبارها حسب عباراته “صفة للإنسان منذ أصبح إنسانا؛ أي من تحمل المسؤولية وأدرك الحرية[25].”

 الفطرة بالمعنى الذي يستخدمه الفاسي هي الجبلة، ليس بدلالة العبارة التراثية، وإنما بالدلالة المألوفة في فكر التنوير الأوروبي الذي تؤطره قيم الحداثة من عقلانية تجريبية، ونزوع تاريخاني، ونظم مدنية ودستورية: “الفطرة التي فطر الله الناس عليها هي فطرة الإنسان بصفته إنسانا؛ أي مطلق الإنسان الذي يملك جملة من العقل، وقدرة على اكتساب المعرفة، واستعدادا للمدنية، ومرونة على الطاعة، إلى جانب ماله من حواس يدرك بها المرئيات والمسموعات والمتصورات، وحب في الاستطلاع يهديه إلى بعض المعرفة وبعض السلوك[26].”

ويتميز الفاسي عن ابن عاشور في كونه على اطلاع عام على أدبيات القانون الطبيعي، التي يتناولها في كتابه “مقاصد الشريعة”، لا من منظورها الفلسفي الأصلي، بل من خلال الكتابات القانونية الرائجة.

يستعرض الفاسي مذهب القانون الطبيعي في نسخته اليونانية – الرومانية وامتداداته في اللاهوت المسيحي[27]، منتبها إلى أن القانون الطبيعي تحول في العصر الحاضر من مدونة قانونية إلى مبدأ عام موجه للتشريع وإلى نظرية إشكالية في العدالة.

ويلاحظ الفاسي أن الفلسفة الأخلاقية الإسلامية الوسيطة لم تصل في تبنيها للمفاهيم والتصورات الأخلاقية اليونانية إلى اعتماد نظرية القانون الطبيعي، وإنما توقفت عند نظرية الاعتدال الأرسطية التي منحته دلالة الوسطية والمرؤة.

ويرفض الفاسي استنتاج مقاربة للحق الطبيعي من المذاهب الكلامية الوسيطة، بما فيها تلك التي أخذت بمبدأ التحسين والتقبيح العقلي: “لأن كل ما يريدونه هو إمكان اكتشاف العقل لما أراده الشرع عن طريق الإلهام أو الإدراك العقلي لو لم يبعث رسول بذلك. والشرع بما هو أراد الله تكليف الإنسانية به بعد أن استخلفها في الأرض، وليس من الضروري أن يكون متفقا مع نواميس الطبيعة ولا مختلفا معها[28].”

نستنتج من الوقوف عند أطروحة مقاصد الشريعة لدى ابن عاشور والفاسي أن مقولة “الفطرة” شكلت الإطار النظري لاستنبات مقاربة إسلامية دنيا للحق الطبيعي الحديث بمنأى عن سياقها الفلسفي.

نبه”عبد الله العروي” في توطئته لترجمته لأحد نصوص روسو بعنوان “دين الفطرة”[29] إلى نقاط تشابه كثيرة بين تصور روسو للفطرة والتصورات الإسلامية المألوفة، بل إنه يلمح إلى أن روسو لم يكن معاديا للإسلام، بل “ربما أدرك أن  مفهوم دين الفطرة أقرب إلى عقيدة الإسلام منه إلى اليهودية أو المسيحية[30].”

وإذا كان العروي لا يبني نتائج على هذا التشابه الظاهر في الآراء فالمنظور قد يكون واحداً ولكنه مختلف، كما أنه يحذرنا من قراءة روسو من “خلال منهجية الإصلاح الإسلامي”، إلا أننا نعتقد أن هذا التشابه شكل خيوط الوصل المطلوبة بين المدونة التراثية ومنظومة الحق الطبيعي الحديثة.

ثالثا: الفقه الإسلامي وإشكالات التأسيس القانوني

واكبت التحولات التي عرفها الفكر الإسلامي المعاصر محاولات لصياغة بدائل إسلامية عن القوانين الحديثة التي أطلق عليها “القوانين الوضعية”.

وقد بدأت هذه المحاولات مع “عبد القادر عودة” في كتبه التي انتشرت على نطاق واسع وأثرت أقوى التأثير في تيار الإسلام السياسي[31].

ويمكن أن نقسم إجمالا الكتابات القانونية إلى اتجاهين كبيرين:

  1. اتجاه انطلق من مبدأ الشرعية الداخلية للنسق الإسلامي في مرجعيته المنزلة، وأفضى في الغالب إلى مقاربة سلفية تسعى إلى الرجوع للأصول المؤسسة، ولو بالقطيعة مع التقليد التراثي الوسيط. القانون بهذا المعنى يعد من مقومات العقيدة والهوية ومعياره هو النص المقدس، ويندرج هذا الاتجاه في المقاربة الوضعية بمفهومها الديني؛ (أي وضع الشارع لمعايير الحكم ).
  2. اتجاه انطلق من منظومة مقاصد الشريعة، تلمسا لأرضية مشتركة مع القوانين الحديثة، مما اقتضى تضييق جوانب الخصوصية التعبدية في الشريعة وتوسيع أبعادها الكونية الإنسانية. ولا شك أن الخلفية المرجعية لهذا الاتجاه هي فلسفة الحق الطبيعي.

تتعين الإشارة هنا إلى أن هذا التأرجح بين التصورين الوضعي والقانوني – الطبيعي يظل بمنأى عن النقاش الفلسفي الحيوي حول المرجعية المعيارية للنظم القانونية، الذي هو أحد المحاور الرئيسية في الفلسفة المعاصرة. ولقد برزت بوادر هذا الجدل بين مدرسة الحق الطبيعي، التي بلغت أوجها النظري في فكر “ليو شتراوس”، والمدرسة الوضعية المعيارية التي يعتبر الفيلسوف والقانوني النمساوي  “هانس كلسن” أبرز ممثليها.

تمحور هذا الجدل الذي دار في ثلاثينات القرن الماضي وما بعدها حول الأسس المرجعية للقوانين، فذهبت مدرسة “الحق الطبيعي” التي أثرت بقوة في مدونة حقوق الإنسان المعاصرة (الإعلان العالمي لحقوق الإنسان) إلى أن النظم القانونية تحتاج إلى تأسيس معياري قوي لا يمكن أن توفره التوافقات الوضعية، فلابد من أن تستند لتصور مسبق للطبيعة العقلانية أو الاجتماعية للإنسان يخرجها من طابعها العرضي النسبي الذي يزيل عنها الطابع الإلزامي.

أما المدرسة الوضعية فقد اعتبرت أن الحقوق الطبيعية بدون ضمانة معيارية وضعية تظل هشة وغير فعالة، لا تتجاوز المنظور القيمي الخلقي المجرد.

ينطلق شتراوس من التمييز بين الشرعية legality والمشروعيةlegitimacy  في نقد التصورات الوضعية، معتبرا أن القانون لا تكون له المشروعية إلا إذا كان يخدم “الخير المشترك” common good حتى لو صدر عن سلطة شرعية من حيث البناء المؤسسي. بيد أن الخير المشترك لا يمكن أن تكون تواضعيا، بل لابد أن يصدر عن قوانين طبيعية.

في هذا السياق، يتحدث عن “أزمة القانون الطبيعي الحديث” في تمييزه بين الإنسان بصفته فردا والإنسان بصفته عضوا في الجسم الاجتماعي (في حين لم يكن مذهب الحق الطبيعي القديم يفرق بين الإنسان والمواطن).

تنقسم الفلسفة السياسية الغربية في هذا المجال إلى اتجاهين:

ـ اتجاه لوكي (من جون لوك)؛ مهيمن في أمريكا ينطلق من مبدأ صدور الخير المشترك عن طلب المصلحة الفردية.

ـ واتجاه روسوي (من روسو)؛ مهيمن في فرنسا، يرى على عكس هذه المصادرة أن الخير المشترك لا يتحقق إلا في مجتمع ينظمه عقد اجتماعي يخضع الإرادة الفردية الحرة للقيم المدنية. يرى شتراوس أن التصورين يمران بأزمة حادة في مجتمعات معقدة ضاعت فيها المعايير القيمية الكلية.

لقد انحرفت الفلسفة السياسية منذ ماكيافيلي، حسب ليو شتراوس، عن فكرة التناغم الطبيعي للكون في تراتبيته الغائية التي توفر للبشر مقياسا موضوعيا للقانون بحيث يعكس طبيعة الأشياء ونظام العالم. ومن هنا انحطت أهداف النشاط الإنساني وقضت التقنية على عظمة الطبيعة، ودمرت النزعة التاريخانية الوضعية الفكر السياسي[32].

يخلص شتراوس من هذا النقد الجذري للتصورات القانونية الحديثة إلى ضرورة العودة للعصر الذهبي الذي تعبر عنه النزعة الطبيعية لدى الفلاسفة الأقدمين، خصوصا في “الدرس السقراطي” الذي يقدم لنا أفلاطون في محاورتي “الجمهورية” و”القوانين”، العودة أيضا إلى الفلسفة السياسية الإسلامية واليهودية الوسيطة التي يعبر عنها أحسن تعبير الفارابي وابن ميمون.

يرى شتراوس أن العقلانية الأنوارية الفقيرة بنزوعها التقني وذاتيتها الفردية قد انفصلت عن عقلانية “الوحي” التي تنظر للإنسان في طابعه الإشكالي المعقد. الوحي في التقليد الإسلامي اليهودي الوسيط يأخذ شكل قانون ينظم المدينة الفاضلة ويشمل مختلف صيغ وجوانب الحياة الاجتماعية والسياسية والدينية. إن هذا الجمع بين العقل والتعالي، أو “التأرجح بين أثينا والقدس” هو الذي يسمح برسم عقلانية مكتملة يمتزج فيها الواجب بالحق والقانون بالأخلاق[33].

أما “كلسن” فيمثل أهم ممثلي المدرسة الوضعية في القانون، وقد اتكأ على فلسفة كانط في سعيه لبناء نظرية للقانون الخالص؛ أي وضع منظومة نظرية للقانون مجردة من كل مؤثرات إيديولوجية سياسية ومن كل نزعة طبيعية وضعية، في سعي جلي لبناء علم قانون مكتمل ومكتف بذاته. ويقتضي هذا الهدف تخليص القانون من كل الاعتبارات التي تتطابق مع موضوعه، بحيث يغدو القانون هو بعبارة كلسن “نسقا من المعايير الضابطة  لسلوك البشر”.

والمعايير القانونية حسب تعريف “كلسن” هي الدلالة الموضوعية لفعل إرادي لا يصدر عن الطبيعة أو الواقع، بل عن معايير أخرى أسمى تنتمي لنفس النسق القانوني، وبهذا يكون أساس مرجعية وشرعية المعايير القانونية هي دوما المعايير نفسها التي تأخذ شكل هرم تراتبي لا خارج فيه.

وهكذا يظهر كيف يرفض كلسن مقولة الحق الطبيعي التي تقوم دوما على البحث عن خلفية محددة للقانون الوضعي، سواء كانت حقيقة مطلقة أو عدالة مطلقة. فما ينبذه كلسن هو المنظور الأنطولوجي الجوهري للقانون، الذي يفضي إلى تبعية القانون لمقاربات ميتافيزيقية أو وضعية تخرج به عن نطاقه الخصوصي المتميز[34].

في مقابل الاتجاهين الطبيعي والوضعي، يبلور الفيلسوف والقانوني الألماني “كارل شميث” أطروحته التي يطلق عليها مقولة “الأمرية” decisionism، وتعني الجانب السيادي في القرار المرتبط بالفعل السياسي بصفته أساس الشرعية القانونية.

يرفض شميث أطروحة الحق الطبيعي في نسختيها القديمة (اليونانية – المسيحية) والحديثة (نظريات العقد الاجتماعي) انطلاقا من تصوره للسلطة المكونة (بكسر الواو) أي النظام الوضعي للدولة، فالدولة هي وحدها الضامنة للقانون والحارسة له، ولا معنى لمضمون جوهري للقانون على غرار التصور المسيحي الوسيط لقانون طبيعي منسجم مع أحكام العقل البشري يكون مماثلا مع القانون الإلهي ومتماهيا معه، ولا للتصور الطبيعي الميكانيكي على غرار العقد التفويضي لدى هوبز الذي يفضي إلى “التحييد التقني” للسياسة والى تكريس استقلالية المصالح الفردية، مما يؤول في نهاية المطاف إلى نمط من النزعة الوضعية التي تكرس أولوية الشرعية على المشروعية[35].

 ولئن كان شميث يقترب في نقده لمذهب الحق الطبيعي من المدرسة الوضعية التي تأسست على تكافؤ القانون والحالة الوضعية، مما غدا يشكل الصياغة السياسية التي اعتمدتها “دولة القانون” الحديثة التي هي في عمقها “دولة تشريع” تتخذ من الإرادة المشرعة ذات الشرعية المؤسسية المصدر الوحيد للقانون، إلا أنه يرى أن الاتجاه الوضعي يخلط بين تصورين متناقضين للمرجعية القانونية: التصور الأمري والتصور المعياري. يبدو التصور الأمري في إرجاع المصدر الأوحد للقانون إلى إرادة المشرع، إلا أن هذا البعد الأمري يختل لحاجة القانون الشرعي إلى منظور تأويلي؛ أي إلى قوة معيارية مؤسسة.

 يندرج هنا الحوار المتشعب بين شميث وكلسن حول المنزلة العلمية للقانون وشروط فاعليته والمفاهيم المحورية في القانون الدستوري، خصوصا ما يتصل بمعيار السيادة.

ينتقد شميث كلسن  في فصله المعيار عن الأمر انسجاما مع مقاربته للنسق القانوني كمنظومة معيارية مغلقة ومكتفية بذاتها، وبهذا يفشل في تبين العلاقة العضوية بين العقلانية القانونية والطابع الوضعي للمعايير القانونية، تلك العلاقة التي تحيل ضرورة إلى سلطة القرار السياسي.

فلا يمكن للقواعد والمعايير القانونية أن تفرز بذاتها شروط فاعليتها التي لا تتوقف على تناسقها الصوري، بل لابد لها من سلطة تحولها  إلى قرار له سلطة الانجاز والفعل. كما أن المقاربة الوضعية لا يمكن أن تحل مشكل “الاستثناء” exception في القانون الذي تقصيه من الدائرة القانونية في حين أنه هو جوهر القانون ومظهر البعد الأمري فيه[36].

وخلاصة موقف شميث هو إخضاع  المعيارية القانونية للشروط الفعلية لتنفيذها؛ أي سلطة القرار الأمري التي يقتضيها نفاذ القانون وصلاحيته. يذهب شميث في هذا التصور إلى استيعاب المنظور القانوني في الفعل الدستوري التكويني؛ أي العلاقة العضوية بين أفراد المجموعة السياسية التي تتخذ شكل التناقض الجذري بين الصديق والعدو[37].

نخلص من هذا الاستعراض المقتضب للجدل الفلسفي حول الحق الطبيعي، أن فلسفة القانون قد انقسمت إلى اتجاهات ثلاثة: (طبيعي، وضعي، أمري)؛ تعبر عن مسالك إشكالية من المسالة المعيارية القانونية.

ومع أن محاولة ليو شتراوس لإعادة الاعتبار لمنظومة الحق الطبيعي الكلاسيكية لم تحد من هيمنة النزعة الوضعية المجردة الذي استندت في خلفيتها الليبرالية على تصور عام للعدالة التوزيعية[38]، كما أن الاتجاه الأمري الذي يمثله شميث غدا له اليوم تأثير واسع في الفكر القانوني والسياسي من خارج التيار اليميني المحافظ غير الليبرالي، إلا أن منظور الحق الطبيعي لا يزال أفقا مرجعيا لا سبيل لتجاوزه في إشكاليات التأسيس المرجعي للمعيارية القانونية حتى لدى أكثر المقاربات إجرائية.

وكما تبين “سيمون غويار فابر” فإن فكرة الحق الطبيعي وإن كانت لا تنتمي بذاتها للنسق القانوني، إلا أنها فكرة لا مناص منها، بدونها لا سبيل للتفكير في البعد القانوني للنشاط البشري. وينتج عن ذلك أنها نوع من “اللغز غير القابل للاختراق” فشلت كل المحاولات الفلسفية لمنحه الأساس الميتافيزيقي الصلب. إنها نوع من “الأفق الأنطولوجي”، أو “السهم المعياري” الذي يوفر وعدا مفتوحا وأملا قائما بالعدالة ولو على شكل متاهة منطقية لا حل لها[39].

نخلص إلى القول ختما لهذا العمل حول الحق الطبيعي ومقاصد الشريعة، أن تجديد النظر في المنهجية الفقهية يقتضي طرح إشكالاته المرجعية في الإطار الفلسفي للمسألة القانونية كما بلوره الجدل بين الاتجاهات الثلاثة المذكورة.

في هذا السياق، يتعين ضبط الجوانب الأمرية في البناء الفقهي المرتبط بمصدره الإلهي، وجانبه الوضعي الذي يعبر عن آلياته التأويلية والبرهانية، ومنظوره المقصدي الذي هو أفق الدلالة والاتجاه الغائي المفتوح للشريعة من حيث هي طريق ومسلك لا مدونة قانونية بالمعنى الحديث للعبارة.

وكما يقول طه عبد الرحمن: “لم تسع الشريعة إلى وضع بناء قانوني محدد للسلوك البشري، بل هي “أمرية مضادة” بمعنى أن “هدفها الحد من طغيان الأمرية البشرية بواسطة تدابير بديلة عن قراراتها الطاغية، وما دام هذا الطغيان الأمري لا ينتهي إلا بانتهاء الوجود البشري، فان الحاجة إلى إقامة الشريعة باقية ببقاء هذا الوجود[40].”

الهوامش

[1]. Ciceron, De la republique, GF Flammarion, 1965, p. 86.

[2].Thomas D’Aquin, Somme theologique, volume 8. Du droit,  Louis Vives, 1857 (livre numerique) p. 423-425.

راجع في الموضوع:

– Remi Brague, la loi de Dieu, Gallimard, 2005, p. 370-371.

– Paul Dubouchet, Thomas D’Aquin, droit, politique et metaphysique, Harmattan. 2011, p.147-148.

[3]. راجع في الموضوع:

R.Brague, op.cit,  p. 372-376.

[4]. أدرك براغ هذا الشبه والمح إلى بعض خيوط الصلة بين هذا التصور والفكر الكلامي الإسلامي.

R.Brague, op.cit, p. 397.

[5]. رجعنا في هذا التلخيص إلى دروس جيل دلوز حول سبينوزا:

[6]. H.Grotius, Le droit de la guerre et de la paix,  Puf, 1999.

[7]. T.Hobbes, leviathan trad, Gerard Mairet,  Gallimard, 2000, p. 229.

[8]. ibid, p. 230.

[9]. T.Hobbes, Du citoyen trad P.Crignon GF Flammarion, 2010 p. 162-163.

[10]. Spinoza, L’Ethique trad: R.Caillois Gallimard, 1954  4eme partie: de la servitude humaine p. 265-347.

Spinoza, Traite des autorites theologiques et politiques trad: M.Frances Gallimard, 1954. P. 237-255.

[11]. نتبنى هنا النموذج الذي بلوره دولوز ونغري في قراءة النظرية السياسية لسبينوزا

– Deleuze, Spinoza philosophie pratique Minuit, 2003.

– Negri, l’anomalie  sauvage, puf. 1982.

[12]. Rousseau: discours sur l’origine et les fondements de l’inegalite parmi les homes :1ere partie- ecrits politiques de Rousseau, Librairie generale de France, 1992, p.79-108.

[13]. Rousseau, Du contrat social ou principles du droit politique  – Ecrits politiques,  p. 238-239-245-248.

[14]. اعتبر ليو شتراوس هذا التأرجح جوهر فكر روسو:

L.Strauss, la crise du droit naturel, Rousseau  in la philosophie politique et l’histoire,  librairie generale francaise, 2008, p. 240.

[15]. راجع في الموضوع:

L.Strauss, Ntural right and history university of Chicago, 1965.

[16]. Yadh Ben Achour, Aux fondements de l’orthodoxie Sunnite,  Ceres Tunis, 2009, p. 213-219.

[17]. راجع في الموضوع: يوسف فان اس، فصل “الكلام والعلم الطبيعي: المذهب الذري قاعدة لاهوتية لعلم الكلام المعتزلي” في  بدايات الفكر الإسلامي: الأنساق والأبعاد نشر الفنك الدار البيضاء، 2000، ص65-95.

[18]. القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، مكتبة وهبة، ط4، 2006، ص138.

[19]. راجع في الموضوع: عبد النور بزا، نظرية التعليل في الفكرين الكلامي والأصولي، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 2011، ص82–83.

[20]. الشيخ عبد الله بن بيه، مشاهد من المقاصد، الرياض: مؤسسة الإسلام اليوم، 2010، ص32.

[21]. الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، تحقيق ودراسة محمد الطاهر الميساوي، دار النفائس  (صدرت الطبعة الأولى من الكتاب سنة 1946)، 2001، ص167.

[22]. المرجع نفسه، ص175.

[23]. المرجع نفسه، ص261-263.

[24]. المرجع نفسه، ص273.

[25]. علال الفاسي، مقاصد الشريعة ومكارمها، دار السلام، 2011، ص113.

[26]. المرجع نفسه، ص179.

[27]. المرجع نفسه، ص144-148.

[28]. المرجع نفسه، ص158-159.

[29]. العنوان الأصلي بالفرنسية هو:

Profession de foi du vicaire Savoyard.

[30]. جان جاك روسو، دين الفطرة، تعريب، عبد الله العروي، الدار البيضاء/بيروت: المركز الثقافي العربي، 2012، ص18. 

[31]. من أبرز كتب عبد القادر عودة:

ـ التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي، مجلدان دار الكتاب العربي، 2008، (صدرت الطبعة الأولى 1949).

ـ الإسلام وأوضاعنا القانونية، مؤسسة الرسالة، 1997، (صدرت الطبعة الأولى 1951).

ـ الإسلام وأوضاعنا السياسية، دار الكتاب العربي 1951.

[32]. Leo Strauss, Natural right and history  (chap 1, natural right and the historical approach p. 9-34).

[33]. Daniel Tanguay, Leo Strauss  An intellectual biography, Yale university press, 2007 (p. 144-192).

[34]. Hans Kelsen, Pure theory of Law University of California press, 1978 (first edition 1934) – chap “Law and Nature” p. 1-58.

راجع في الموضوع نفسه:

S/D Carlos Miguel Herrera, Le droit, le politique, autour de Max Weber, Hans Kelsen, Carl shmitt  Harmattan, p. 160.

Simone Goyard –Fabre, Re-penser la pensee de droit Vrin, 2007, p. 27.

[35]. ذلك هو مضمون قراءته لكتاب هوبز اللفيتان في عمله الصادر عام 1938.

C.Schmitt, le Leviathan dans la doctrine de l’etat de Thomas Hobbes Seuil, 2002,  p. 125.

[36]. عالج شميت هذا الموضوع في كتابه “الديكتاتورية”(1921).

C.Schmitt, la dictature Seuil, 2000, p. 135–171.

[37]. C.Schmitt, la notion de politique, theorie du partisan,  Flammarion, 1992  p. 63-75.

راجع حول نقد شميت للمدرسة الوضعية:

Jean Francois Kervegan, Hegel, Carl  Schmitt, le politique entres speculation et positivite  PUF, 1992, P. 29-37.

[38]. قدم الفيلسوف الأمريكي جون رولز أهم صياغة فلسفية معاصرة لهذه النظرية في كتابه:

J.Rawls, A theory of justice,  Harvard university press, 1971.

[39]. S.Goyard Fabre, Les embarras du Droit Naturel, Vrin, 2002 p. 356-357.

[40]. طه عبد الرحمن، روح الدين: من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية، الدار البيضاء/بيروت: المركز الثقافي العربي، 2012، ص380.

Science
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق