مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبية

محاضرة مُفرغة للدكتور محمد مفتاح رحمه الله، بعنوان: «نظرات في مناهج التحقيق» ألقاها بمركز ابن أبي الربيع السبتي يوم الثلاثاء 19/02/2019

فبراير 19, 2019

القدماء أيضا كانوا يهتمون بالحواشي وبالطرر، فكانوا يَعُدّون الطرر والحواشي من أهم ما ينبغي أن يعتني به المحقق، وله أن يذكر في الكتاب تنبيها على إشكال أو احتراز أو رمز أو خط أو نحو ذلك، ولا يسوده بنقل المسائل والفروع الغريبة، ولا يكثر الحواشي كثرة يظلم بها الكتاب، وهذه مهمة جدا؛ لأننا سنربطها بالمعاصرين؛ لأنهم كانوا لا يثقلون الحواشي والهوامش بكثرة التعليقات، ولكن كانوا يهتمون بها، وقد ذكر هذا صاحب كتاب «المعيد في آداب المفيد والمستفيد»(19)، فالطرر لها أهمية.

هذا بصفة عامة كيف كان القدماء يحققون، ولعلي سأُبيض هذه المعلومات لننشرها إن شاء الله.

ننتقل بعد ذلك إلى منهج المستشرقين.

المستشرقون ارتبط تحقيقهم بالعلم اللاتيني واليوناني، فهم قبل أن يحققوا التراث العربي حققوا التراث اليوناني واللاتيني وألفوا فيه، ولم يكن لهم منهج في هذا الصدد، وإنما كانوا يجمعون النسخ ويختارون واحدة ثم ينسخون عنها كيفما اتفق، ولذلك لما دخلوا إلى التراث العربي ودخلوا منه بطرق متعددة، منها أنهم كانت في مكتباتهم مؤلفات كثيرة حول مخطوطات كثيرة في هذا الجانب، وكانوا يعتنون باللغة العربية في مجالسهم، ولذلك اضطُروا في القرن التاسع عشر إلى أن يتنبهوا للتراث العربي، طبعا، التنبه كان قبل القرن التاسع عشر، يعني: كان في القرن الخامس عشر والسادس عشر، بدأوا يطبعون الكتب العربية، ولكن في القرن التاسع عشر بدأ تحقيق النصوص العربية والإسلامية المخطوطة اعتمادا على المناهج التي استقوها من التراث اليوناني واللاتيني الذي كان عندهم، وقد حققوا تراثهم جميعا، لأن كثيرا من الناس يعتقدون أن التحقيق خاص بالتراث العربي والإسلامي، والحقيقة غير ذلك، فالتراث اليوناني واللاتيني أيضا حُقق، وحققه أهله، ولهم في ذلك مجال، ولذلك، فحينما دخلوا التراث العربي انتقلوا من منهج التراث اليوناني إلى المنهج العربي، وكانوا يسيرون على نهج التراث اليوناني، أي أنهم كانوا في بداية الأمر يأخذون النسخ ويعتمدون على نسخة واحدة ويضبطونها ضبطا، كلٌّ حسب علمه، ومنهجهم أنهم كانوا لا يضعون الهوامش في الصفحات الأولى، وإنما كانوا يضعون الهوامش في خاتمة الكتاب، يضعون أرقاما للتعليقات أو للنصوص، ويضعون الهوامش في الأخير، والمستشرقون في الحقيقة حينما وجدوا التراث العربي، يمكن أن نقسمهم إلى ثلاثة أنواع:

النوع الأول منهم: من كان لا يتقن اللغة العربية، ولذلك حينما حقق نصا من النصوص أُعيد تحقيق هذا النص، ولنا في ذلك أمثلة كثيرة سواء في الأدب أو في الكتب الإسلامية أو في غيرها، ونوع آخر: كان له علم وكان له إدراك كبير، ولكنهم مع ذلك كانوا يتعصبون ضد الدين الإسلامي، وهؤلاء أيضا مجموعة كبيرة، والنوع الثالث: علماء ولكنهم كانوا منصفين.

إذن هذه ثلاثة أنواع من المستشرقين الذين واجهوا التراث الإسلامي والعربي، والحقيقة أن بعضهم خدم التراث الإسلامي بتحقيقه لنصوص كثيرة، وهناك مدارس متعددة للاستشراق التي اعتنت بالتراث الإسلامي، ولعل أهم مدرسة في نظري هي المدرسة الألمانية؛ لأن التراث العربي القديم سواء في نصوصه الأدبية أو الإسلامية خُدم أو دُرس من قِبل الألمان أكثر من الفرنسيين ومن الإنجليز ومن غيرهم من الروس، فالألمان لهم دراسات وتحقيقات كثيرة للتراث الإسلامي، وأذكر على سبيل المثال لا الحصر: كارل بروكلمان، ورودلف زلهايم، وريتر. وعلى كل حال يذكر كثير من المستشرقين حسب ما ذكره الأستاذ عبد الرحمن بدوي في موسوعته(20) والعقيقي في موسوعته الاستشراقية(21)، يعني أن المستشرقين الألمان لهم باع كبير، ولكن بالنسبة للمستعربين الإسبان بالنسبة للتراث الأندلسي، فهم تفوقوا على غيرهم؛ لأنهم يعتبرون التراث الأندلسي هو تراث إسباني، ولذلك في المجال الأندلسي، الإسبان هم أكثر تفوقا من غيرهم، ولكن بصفة عامة المدرسة الألمانية في التراث القديم وفي تحقيق النصوص هم أقوى من غيرهم من المستشرقين، ولكن كلٌّ ساهم في جانبه، وكانوا في البداية يهتمون كثيرا بالتراث الإسلامي، بعضهم للمواجهة وبعضهم من أجل إبراز خفايا الإسلام وغيره لأممهم وغيرهم.

على كل حال، المنهج الاستشراقي كان منهجا يسير على عدم الإكثار من الحواشي والهوامش عند بعضهم، والاعتماد على المقابلة كثيرا من النسخ، وكانوا أحيانا يضعون هامشا للمقابلة وهامشا آخر للتعليقات وللشرح أو غير ذلك، ثم كانوا يدققون كثيرا في أنهم لا يُغيّرون النص كثيرا، يعني كانوا يذكرون ما يوجد في النص بخطئه وبغيره. بل إن برجستراسر قال: إننا لا يجب أن نُغير إذا وُجد هناك خطأ في القرآن، يجب أن نتركه كما هو في النص. ولعله كان يهدف إلى هدف. بينما المحققون العرب يرون أنه إذا كان الخطأ في القرآن لا بد أن يُصحح بعد عرضه، ليس على المصحف فقط، وإنما على كتب القراءات؛ لأن القراءات تفوت أربع عشرة قراءة، هناك القراءات السبع والعشر والاثنا عشر والأربعة عشر، فلذلك حينما تجد آية لا توجد في المصحف، فعليك ألا ترفضها، عليك أن تعود إلى كتب القراءات، فلعلها توجد هناك، وكذلك القراءات الشاذة، حتى تستطيع أن تعرف الحقيقة في هذا النص الذي بين يديك.

ننتقل بسرعة إلى العرب الآن، ما هي مناهج المعاصرين في تحقيق النص؟

ولعل أول من ألف في هذا المجال –كما قلت- في الجانب النظري هو الأستاذ عبد السلام هارون، كتاب: «حول تحقيق النصوص»، وهذا الكتاب لعله استفاد من كتاب برجستراسر ومن غيره فألفه، ونقده فيه الأستاذ صلاح الدين المنجد(22)، كانت مناظرة بينهما، لأن المنجد كان يسير مع المستشرقين كثيرا، بينما عبد السلام هارون كان لا يسير مع المستشرقين، ولذلك اضطلع العرب بالتحقيق.

ماهي الأسس التي وضعوها لتحقيق النص؟

سأقرأ نصا لأحد المحققين وهو الذي لعله يكون جامعا مانعا للأسس التي يمكن أن ينبني عليها التحقيق، وهذا النص يقول فيه صاحبه:

«التحقيق هو بذل المجهود لقراءة دقيقة (وكل كلمة هنا عندها دلالة كبيرة) مستوفيةٍ لنص المخطوط في نسخته الوحيدة أو نسخه المتعددة (وكل كلمة هنا سنفككها لنعرف ماذا تقصد) بهدف استيفاء الشروط المطلوبة في تحقيق عنوان المخطوط واسم مؤلفه ونسبته إليه بما يؤدي إلى إخراج نص سليم ومتكامل أقرب ما يكون إلى الصورة التي أرادها مؤلفه من خلال تقصي نسخ المخطوط ومعارضتها وتوخي الأمانة العلمية في العناية باختلاف الروايات وإثبات ما صح منها والاهتمام بذكر التعليقات الموجزة وضبط الأعلام وتفسير الألفاظ الغامضة وتنظيم مادة النص وضبطه، وما إلى غير ذلك من مكملات التحقيق»(23).

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق