مركز الإمام أبي عمرو الداني للدراسات والبحوث القرائية المتخصصة

كلمة اللجنة التنظيمية للندوة العلمية الوطنية: القرآن الكريم وفقه الأحكام الشرعية: «أنظار في وجوه الاستدلال ومناهج الاستنباط»

الحمد لله ذي الجلال، من اتصف بنعوت الكمال، وتعرف لخلقه بصفات الجمال، ونزل عليه كتابه ليبلغهم به ذروة الكمال، والصلاة والسلام على سيد ولد عدنان، أشرف و أكمل وأنبل من قام بالقرآن، وانتضى للدعوة إليه بدامغ الحجة وساطع البرهان، صلى عليه ربه صلاة تتجدد ما تعاقب الملوان، وعلى آله وأشياعه الذين انتهضوا لنصرته حتى انفلق الإصباح ولاح نور الفرقان.

في رحاب هذه الكلية العامرة، وفي إطار الاحتفاء بالكتاب، دستور الأمة الخالد، ورمز عزها التليد، إغراء للخلف بحميد العود إلى النبع، واستدررا لمستلذ القرب والوصل، استمساكا بمتين حبله، وانكبابا على إنعام النظر في غرر آيه، غوصا بالفكر للوقوف على سني درره، تدليلا على سابغ وفائه في البث فيما يعن للأمة، وتبريزا لصلوحيته وقدرته على مواكبة مستجد الأقضية، ينظم مركز أبي عمرو الداني المنضوي تحت لواء الرابطة المحمدية للعلماء، بشراكة مع ماستر فقه النوازل المعاصرة المنتسب لكلية الآداب والعلوم الإنسانية شعبة الدراسات الإسلامية، ندوة وطنية علمية بعنوان.”القرآن الكريم وفقه الأحكام الشرعية، أنظار في وجوه الاستدلال، ومناهج لاستنباط”، يسهم في إغناء ورقاتها صفوة من أساتذنا الكبار؛ الذين يشرفوننا بحضورهم الوازن، مما يضفي على الندوة مسحة من البهاء، تغري بشغف النهل وحريص المتابعة، نهلا من راسخ علمهم، وتأسيا بوافر أدبهم، واستدفاء بخفض جناحهم، كما يشارك في إغناء فصولها مركز أبي عمرو الداني  بنخبة من خيرة بحثته، الثاويين فيه والغابرين، يعزز هذه المشاركات طلبة ماستر فقه النوازل المعاصرة، بورقات قيمات نافعة.

يقوم أود التباحث فيها على محاور ثلاث:

المحور الأول: القرآن الكريم المصدر الإمام في استبانة الأحكام

المحور الثاني: أحكام القرآن في مدونات التفسير وعلوم القراآت

المحور الثالث: القرآن الكريم وفقه النوازل.

تتجاذبها ابتحاثات ذات أفنان، ومفاتشات وافرة الظلال، دانية الثمار، تستمد أنوارها من مشكاة القرآن، تكرع من نمير حياضه، وتغرف من عذب زلاله، طوفت في معارف جلى، أناخت ركابها بفناء آيات الأحكام وما أثير حولها من جدل، ومناهج نخب من  المفسرين  والنظر في بعض آلياتهم الاجتهادية، و  ثلة من الفتاوى القرائية وما أنيط بها من أقضية، والموازنة بين مناهج الأصولين والفقهاء ومركبهم في  استنباط الأحكام، معرجة على البعد الأخلاقي والسلوكي في آي التشـريع، ومنهج القرآن في تقريب أحكام الأسرة، ونبذا من النوازل الفقهية المعاصرة وتبريز  استمداد أحكامها من معين القرآن..، وغيره كثير من رصين المطارحات الفكرية ، و دقيق المساجلات العلمية .

وذلك شأن المأدبة، فلا تكون المأدبة مأدبة إن لم تنوع فيها صنوف الطعام، والقرآن مأدبة الله، وكل مودب يحب أن ينال أضيافه حظا من مجموع مأدبته

مرتمى مجموعها استثارة الأنظار لإجالة الأفكار، عودا إلى الوزر الأسنى، وعوذا بالملاذ المنيع الأحمى، في مقاربة نوعية فريدة، تتغيى ربط الماضي بالحاضر، تميط اللثام عن قبس من جهود الرعيل الأول في الإفادة من الكتاب، تشوفا لرصد معالم الانتهاج الراشد، وتتبعا لمنهج الاقتباس الواعب، تتطلع لسديد الاقتفاء، وترسم مسالك الاستيفاء،ولا غرو؛ فقد ضمِن الكتاب وضُمِّن تمام الحلول لمشاكل كل الأعصر، إن لم يكن بالنص الجلي الصريح، فمن أنفاس النصوص وروحها، ورصد مقاصدها وحكمها، وتتبع عللها وأسرارها، وهو مجال للمجتهد صعب المورد، إلا أنه عذب المذاق محمود الغب، جار على مقاصد الشريعة. على حد مقول رائد المقاصدين، فقيه شاطبة إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي، برد الله مضجعه ونور ضريحه.

وإنما السيف بضاربه، وعلى قدر العكوف على الكتاب  نظرا و مدارسة، وتدبرا ومفاتشة، تكشف حجب و تفتح أقفال، ويخلص إلى المغيب وراء الأستار،  مما تحمله صدف آيه من أنوار، وما هو مكتنز في غوره من أسرار، وبذلك تنجلي كبير الإشكالات، ويجاب عن كثير من الاستفسارات، صدورا عنه وورودا إليه،  مما هو مستوحى من فصه، أو مستخرج من كلي نصه.

و قد أدرك جمع من جهابذة الأمة، ممن لا يحصون كثرة صدق هذه المقالة، فأبدوا أسفهم في أخريات أعمارهم لعدم تسخير كل أوقاتهم لخدمة الكتاب، يقول سفيان الثوري: “ليتني كنت اقتصرت على القرآن”، ويقول ابن تيمية: “وندمت علـى تضييـع أكثـر أوقاتـي فـي غيـر معانـي القـرآن”، ويقول الحسن بن علي: “إن من قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم فكانوا يتدبرونها بالليل ويتفقدونها في النهار”. ومثل هذه الشهادة أثرت عن جلة من العلماء الربانيين، وهم الذين اشتغلوا بالكتاب حياتهم، لكنهم استقلوا  جهدهم ذاك لما تبينوا ما يفيض به الكتاب من وافر الأسرار، التي ينبغي أن تثنى عليها الركب وتوقف عليها الأعمار.

نجد هذا الاستحثات في الاستزادة من علم الكتاب في آية وصية، يوجه فيها الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالأصالة، و يشمل مجموع الأمة بالتبع،  تقصر غاية ما ينبغي أن يتهمم به المرء العلم بالكتاب، حاصرة مهمته في الاشتغال به، إغراء له بالتلاوة بمفهومها العام، فأناطت الهدى بمن استوعب وانقاد، وحكمت بالضلالة على من تولى ولم ينح سبيل الرشاد، فقال تعالى: ” إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ  وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ” [النمل: 92]

ندوتنا هذه تحوم حول هذه الحمى، لا نزعم أنها توفي الموضوع حقه، فهو الكنز الذي لا تفنى ذخائره، و السـر المصون الذي لا تنقضـي عجائبه، ” قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا “.[الكهف:109]

وإن كان في النفس حزازة من شيء، فمن تعذر إجراء فعاليات هذه الندوة على المعهود المعتاد في مثلها، فلا مستدفع للمقدور، ولا اعتراض على التدبير المسطور، و نحمده سبحانه على تيسير البدائل المتاحة، وإن كانت لا ترقى إلى مستوى المشافهة، لكن ما لا يدرك كله لا يترك جله، فنضرع إليه تعالى أن يبلج فجر الفرج عما قريب، وأن يرفع عنا  نير هذه الجائحة، وأن يقينا مغارم البلاء و يدفع عنا مصارع الوباء، كما نسأله أن يتغمد بواسع الرحمة و سابغ الرضوان أرواح من فقدناهم من أحبتنا وأن يبلغهم بمنه مراتب الشهداء.

ومما ينبغي الإشادة به في هذا المقام، جهود اللجنة المنظمة لتيسير هذا التلاقح الفكري، مذ أن انقدحت الفكرة في الخاطر، إلى أن استوى المشروع على سوقه، مستلذين عناء التهمم والسهر، مستقلين معاناة التنسيق والإعداد، فلهم منا وافر الامتنان، وسابغ الشكر والعرفان، أخص بالذكر منهم من ناء بكلله، مستقبلا ثقله برحابة صدره، ودماثة خلقه وحلمه، شيخنا وأستاذنا الدكتور توفيق العبقري، رفع الله في الخافقين ذكره، مكلوءا برعاية الحافظ من كل سوء وبلية، ثم الشكر موصول لمنسق ماستر  فقه النوازل المعاصرة؛ الأستاذ الدكتور عبد اللطيف أيت عمي، فله الثناء الأثير الوفير على جهده المتفاني لإنجاح هذه الندوة، مسعفا لها بكل ما يستطيع، مغالبا مرضه وفترة نقاهه، حبا وكرامة، و خدمة للعلم وطلابه، فالله يبلغه مؤمله، مسربلا برداء الصحة و مستدام العافية، ثم لأخينا وصفينا د. يوسف الشهب اللحمة والسدى، والمنسق المتزي بحلية الندى، في ظرافة ولطافة، وخفة حس أخاذة، فالله يجزل له الأجر والمثوبة، ثم الشكر متواتر موصول لكل هيئة التنظيم على ما أولت ورتبت، وتتبعت وراجعت، وأعدت و وواكبت.

ثم شكر خاص للرابطة المحمدية للعلماء في شخص أمينها العام الأستاذ الدكتور أحمد عبادي حفظه الله، على ما يوليه للبحث العلمي والبحثة من التفاتة حانية وافية، وعلى تيسيره مسالك البحث وتذليله مساربه، وبذله السمح في سبيله، وسعيه الدؤوب لتوطئة أكنافه وتوهج إشعاعه، فالله يثيبه أوفى كفاء، ويغنمه أوفر قسمة وعطاء.

ومن الاعتراف بالمنة والفضل أن نشيد بجهود كلية الآداب والعلوم الإنسانية، عمادة وإدارة وهيئة تدريس، لتيسير مسالك الطلب،  وتشجيع البحث،  وإذكاء الهمم، و إيقاظ جذوة المنافسة في النفوس، وواقع الحال يشهد بما تتبوأه من رتب مشرفة بين الجامعات، فنسأل الله تعالى أن يبقيها صرحا شامخا على مر الحقب  ومستقبل الأعصر، وجهة لقصاد المعرفة، وأمًّا لنشاد الريادة، وكهفا لطلاب  الحكمة.

وفي الختم نتوجهه بخالص الدعاء لراعي العلم والعلماء، مولانا الإمام محمد السادس أدام الله عزه ونصره، سائلين له موفور الصحة و تمام العافية، قرير العين بولي عهده وسائر أسرته وشعبه، درع أمن وصمام أمان لهذا البلد الأمين، منعمين في ظل تدبيره الراشد بالأمن والأمان، والسلامة والإسلام، مكلوئين برعاية الحافظ من كل فتنة و  بلية .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ذ.عبد الجليل الحوريشي

  • باحث بمركز الإمام أبي عمرو الداني للدراسات والبحوث القرائية المتخصصة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق