مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبية

تقرير عن محاضرة الأستاذ الدكتور جعفر ابن الحاج السلمي

نظم مركز ابن أبي الربيع السّبتيّ للدراسات اللغوية والأدبية يوم الاثنين 3 مارس 2015م بقاعة المحاضرات بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان محاضرة تحت عنوان:” اللغويون العرب من الفكر العقلاني والشرعي إلى الفكر الباطنيّ والأسطوري”، وذلك في إطار أنشطته العلمية الأكاديمية، وبتعاون مع فريق البحث الأدبي والسيميائي بكلية الآداب بتطوان.
وقد ألقى المحاضرة فضيلة الأستاذ الدكتور جعفر ابن الحاج السلمي أستاذ الدراسات المغربية والأندلسية بالكلية، صاحب اليد الطّولى في مجالي التأليف والتحقيق.
وقد ابتدأت المحاضرة في الساعة العاشرة صباحاً برئاسة/د. عبد اللطيف شهبون وتسييره، وبحضور مجموعة من الأساتذة، من بينهم/د. محمد الحافظ الروسي رئيس مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبية، ود. عبد الرحمن بودرع، ود. الطيب الوزاني، ودة. سعاد الناصر، ودة. جميلة رزقي.
*   *   *
وقد استهل الأستاذ محاضرته بتحديد المفاهيم، إذ عدم تحديدها قد يفضي إلى الغموض والالتباس، ويحول دون فهم المعاني المرمية إليها، فبيّن أن الأُسطورة ليست هيَ الخرافةَ والهذيانَ والكلام الإلهيّ المقدّس والقصص العجيبة وإن كانت بينها وبين ما ذكر أوجه شبَهٍ، وإنما هي تفكير بشريّ وضعيٌّ، ولهُ بُعدٌ رمزيٌّ وفكريٌّ، ويتميّز بخرق العادة، كما أنه فلسفة بشرية مَصوغَةٌ في قالبٍ غير قالبِ الفلسفة العَقلانية.
ثمَّ عرج على بيان أن العربية لغةٌ مقدسة، وأنها تستمدُّ تلك القداسة من كونها اللغةَ التي أنزل الله تعالى بها القرآن، ثم بيَّن أنَّ الأسطورة لم تدخل الدراسات اللغوية في القرون الأولى، بل كانت الدراسات في بداية انطلاقها عقلانيةً صرفةً، وذلك يدعو إلى النظر، إذ كان المفروض أن تمتزج الدراسات الأولى في العربية بالجانب الأسطوري.
وعضد المحاضر ما ذهب إليه بأمثلةٍ، منها حديث نشأة النحو، حين أملى الإمام علي ـ رضي الله عنه ـ على أبي الأسود الدؤلي ـ كما في «الأغاني» ما لفظهُ:”الكلام كله لا يخرج عن اسمٍ وفعلٍ وحرفٍ جاءَ لمعنى…… “، وبقول الإمام له: ـ كما في «أمالي الزجاجي»:”الْكَلامُ كُلُّهُ اسْمٌ، وَفِعْلٌ وَحَرْفٌ، فَالاسْمُ: مَا أنبأ عَنِ الْمُسَمَّى، وَالْفِعْلُ مَا أنبأ عَنْ حَرَكَةِ الْمُسَمَّى، وَالْحَرْفُ مَا أنبأ عَنْ مَعْنًى لَيْسَ بِاسْمٍ وَلا فِعْلٍ، ، ثُمَّ قَالَ: تَتَبَّعْهُ وَزِدْ فِيهِ مَا وَقَعَ لَكَ، وَاعْلَمْ يَا أَبَا الأَسْوَدِ أَنَّ الأَسْمَاءَ ثَلاثَةٌ: ظَاهِرٌ , وَمُضْمَرٌ , وَشَيْءٌ لَيْسَ بِظَاهِرٍ وَلا مُضْمَرٍ، وَإِنَّمَا تَتَفَاضَلُ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْرِفَةِ مَا لَيْسَ بِظَاهِرٍ وَلا مُضْمَرٍ”.
فهذه النّصوص ـ كما ذكر المحاضر ـ تجريدية، وقي قمة العقلانية وتتوفر فيها كل شروط العلمية، فهي وإن احتملت أن تكون منتحلة، فلم تُنتحل إلا على أصل سابق وبناء قديم.
فتلك هي المرحلة الأولى وكانت في القرن الأول، وأما المرحلة الثانية، فلقد بيّن الأستاذ أن علماء القرن الثاني ساروا على المنوال الذي كان عليه أهل القرن الأول، وفي طليعتهم الخليل بن أحمد الفراهيديّ الذي بهر الناس بعلمه وذكائه، والذي كان لغوياًّ عقلانيًّا، ثم ذكر ما أورده في مقدمة كتابه «العين»، وهو قوله:” هذا ما ألفه الخليل بن أحمد البصريّ ـ رحمة الله عليه ـ من حروف: أ، ب، ت، ث، مع ما تكلمت به فكان مدار كلام العرب وألفاظهم، فلا يخرج منها عنه شيء، أراد أن تَعْرِفَ به العربُ في أشعارها وأمثالها ومخاطباتها فلا يشذُّ عنه شَيْء من ذلك، فأَعْمَلَ فكره فيه فلم يمكنه أن يبتدئ التأليفُ من أول: ا، ب، ت، ث …..”، ثم قال الخليلُ:”كلاَمُ العَرَب مبنيّ على أربعةِ أصناف: على الثُنَائِيِّ والثُّلاَثِيّ، والرُّباعيّ، والخماسيّ…”.
فكلام الخليل ـ كما يقول الأستاذ ـ  كلام في غاية المنطقية والعقلانية، وعلى تلك الشاكلة كلامه في النحو واللغة والعروض؛ فقد وضع قواعد للمعجم والعروض والنحو، وهو في كل هذه العلوم مهندسها الأكبر، فضلا عما يمتاز به تفكيره من العقلنة والعلمية والتجريد، فهو “حقا أذكى العرب ومفتاح العلوم” كما كان العلماء يقولون!
 وذكر الأستاذ أيضا من أمثلة عقلانية الخليل اهتداءَه إلى وضع قواعد العروض استنادا إلى الشيخ الذي مر عليه وهو يعلِّمُ غلامًا قائلا له:
نعم لا نعم لا لا نعم لا نعم لا لا
  نعم لا نعم لا لا نعم لا نعم لا لا
ثم عرّج المحاضر على الردّ على من يدَّعون أن الخليلَ نقلَ العروضَ من السريانية، مفندا لأقوالهم، إذ طبيعتها غير طبيعة العربية، قائلا: إنها نظرية ساقطةٌ ومردودة وداحضة.
وقد نبه الأستاذ على ضرورة الالتفات إلى المفسرين، لأنهم من اللغويين، إذ لا يمكن تفسير كلام الله تعالى إلا بعد معرفة اللغة والاطلاع على خباياها، فمن هؤلاء بدأت الأسطورة تظهر في العلوم الإسلامية تدريجياً، وفي مقدمتهم الإمام الطبريّ في تفسيره. فقد ظهرت أساطير في أجمل صورها ومن بينها أساطير بدئية تكوينية كأسطورة خلق القلم وخلق العالم وأصل الأبجدية، وهناك جاءت الأسطورة لتحل الإشكال ولتجيب عن كل أسئلة الإنسان الوجودية والفلسفية والدينية والجغرافية والمستقبلية…، بل لتفسر كل ما غمض وصعب على الناس أن يجدوا له حلا جامعا مانعا.
وقد أبان المحاضر أن الأسطورة بدأت تتسرب إلى التفسير والدراسات اللغوية في القرن الثالث الهجري، وظهر التفسير الإشاري والباطني عند الإسماعيلية والاثني عشرية، وبدأ تفسير الحرف، بعدما كان التفسير قاصرا على تفسير الكلمة والجملة.
وقد ضرب الأستاذُ على ذلك أمثلة وأفاض فيها، وأورد مذاهب العلماء في تفسير الحروف المقطعة منقولةً من «لسان العرب» لابن منظور الذي ذكرها في صدر كتابه تبركا وتيمنا، مُوضِّحًا كيف حاول بعض المفسرين تفسيرها تفسيرًا أسطورياًّ.
وبذلك انتقل التفكير من العقلانية التي أسسها علي بن أبي طالب رضي الله عنه والخليل بن أحمد رحمه الله إلى التفكير الأسطوري، وصار المعجم العربي بعدما كان عقلانيا عبر القرون معجما يهتم بأسرار الحروف وطبائعها وخواصها كما في «لسان العرب» الذي شحنه ابن منظور بقسط كبير من هذا الفكر الباطني، وهدم الصرح العقلاني الذي شيّده الخليل.
وهكذا صار ابن منظور ثمرة  الفكر العربي في القرن السابع، بعدما تقلصت الفلسفة والعقلانية، وصار التفكير الباطني هو الغالب، فالحروف مثلا لم تعد أصواتا يعبر بها الناس عما في أنفسهم، بل صارت لها علاقة بالطبائع الأربعة؛ فمنها: مَا هُوَ حَار يَابِس طبع النَّار….وَمِنْهَا مَا هُوَ بَارِد يَابِس طبع التُّرَاب….وَمِنْهَا مَا هُوَ حَار رطب طبع الْهَوَاء….. وَمِنْهَا مَا هُوَ بَارِد رطب طبع المَاء، ..كما ذكر ابن منظور في «اللسان»، محاولا الربطَ أيضا بين الحروف والكواكب، ومبينا أن علم طبائع الحروف لا ينكره  إلا جاهل.
وقد ختم الأستاذ الدكتور محاضرته بالنصّ على أن التفكير اللغوي العربيّ ابتدأ عَقلانياًّ، وانتهى عقلانياًّ من جهةٍ، وباطنياًّ من جهة أخرى.
وبعد هذه المحاضرة تناول الكلمةَ فضيلةُ الدكتور عبد اللطيف شهبون، وأثنى على المحاضِر ونوّه به وبمحاضرته، مضيفاً مجموعة من الملاحظات القيمة، ثم فضيلةُ الدكتور محمد الحافظ الروسيّ رئيس مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبية الذي نوّه بفضيلة الدكتور جعفر ابن الحاج السلميّ وبعلمه وخلقه، وتحدّث عن تطور كتابة الحرف العربيّ وربط ذلك ببعض ما أورده المحاضر الفاضل، ثم تتابعت الأسئلة والتعليقات من طائفة من أساتذة كلية الآداب بتطوان، وطلبتها، وختمت المحاضرة بعد ثلاثِ ساعاتٍ من الفوائد العلمية المتتابعة

 نظم مركز ابن أبي الربيع السّبتيّ للدراسات اللغوية والأدبية يوم الاثنين 3 مارس 2015م بقاعة المحاضرات بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان محاضرة تحت عنوان:” اللغويون العرب من الفكر العقلاني والشرعي إلى الفكر الباطنيّ والأسطوري”، وذلك في إطار أنشطته العلمية الأكاديمية، وبتعاون مع فريق البحث الأدبي والسيميائي بكلية الآداب بتطوان.

     وقد ألقى المحاضرة فضيلة الأستاذ الدكتور جعفر ابن الحاج السلمي أستاذ الدراسات المغربية والأندلسية بالكلية، صاحب اليد الطّولى في مجالي التأليف والتحقيق.وقد ابتدأت المحاضرة في الساعة العاشرة صباحاً برئاسة/د. عبد اللطيف شهبون وتسييره، وبحضور مجموعة من الأساتذة، من بينهم/د. محمد الحافظ الروسي رئيس مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبية، ود. عبد الرحمن بودرع، ود. الطيب الوزاني، ودة. سعاد الناصر، ودة. جميلة رزقي.

*   *   *

  وقد استهل الأستاذ محاضرته بتحديد المفاهيم، إذ عدم تحديدها قد يفضي إلى الغموض والالتباس، ويحول دون فهم المعاني المرمية إليها، فبيّن أن الأُسطورة ليست هيَ الخرافةَ والهذيانَ والكلام الإلهيّ المقدّس والقصص العجيبة وإن كانت بينها وبين ما ذكر أوجه شبَهٍ، وإنما هي تفكير بشريّ وضعيٌّ، ولهُ بُعدٌ رمزيٌّ وفكريٌّ، ويتميّز بخرق العادة، كما أنه فلسفة بشرية مَصوغَةٌ في قالبٍ غير قالبِ الفلسفة العَقلانية.

     ثمَّ عرج على بيان أن العربية لغةٌ مقدسة، وأنها تستمدُّ تلك القداسة من كونها اللغةَ التي أنزل الله تعالى بها القرآن، ثم بيَّن أنَّ الأسطورة لم تدخل الدراسات اللغوية في القرون الأولى، بل كانت الدراسات في بداية انطلاقها عقلانيةً صرفةً، وذلك يدعو إلى النظر، إذ كان المفروض أن تمتزج الدراسات الأولى في العربية بالجانب الأسطوري.

     وعضد المحاضر ما ذهب إليه بأمثلةٍ، منها حديث نشأة النحو، حين أملى الإمام علي ـ رضي الله عنه ـ على أبي الأسود الدؤلي ـ كما في «الأغاني» ما لفظهُ:”الكلام كله لا يخرج عن اسمٍ وفعلٍ وحرفٍ جاءَ لمعنى…… “، وبقول الإمام له:ـ كما في «أمالي الزجاجي»:”الْكَلامُ كُلُّهُ اسْمٌ، وَفِعْلٌ وَحَرْفٌ، فَالاسْمُ: مَا أنبأ عَنِ الْمُسَمَّى، وَالْفِعْلُ مَا أنبأ عَنْ حَرَكَةِ الْمُسَمَّى، وَالْحَرْفُ مَا أنبأ عَنْ مَعْنًى لَيْسَ بِاسْمٍ وَلا فِعْلٍ، ، ثُمَّ قَالَ: تَتَبَّعْهُ وَزِدْ فِيهِ مَا وَقَعَ لَكَ، وَاعْلَمْ يَا أَبَا الأَسْوَدِ أَنَّ الأَسْمَاءَ ثَلاثَةٌ: ظَاهِرٌ , وَمُضْمَرٌ , وَشَيْءٌ لَيْسَ بِظَاهِرٍ وَلا مُضْمَرٍ، وَإِنَّمَا تَتَفَاضَلُ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْرِفَةِ مَا لَيْسَ بِظَاهِرٍ وَلا مُضْمَرٍ”.

     فهذه النّصوص ـ كما ذكر المحاضر ـ تجريدية، وقي قمة العقلانية وتتوفر فيها كل شروط العلمية، فهي وإن احتملت أن تكون منتحلة، فلم تُنتحل إلا على أصل سابق وبناء قديم.فتلك هي المرحلة الأولى وكانت في القرن الأول، وأما المرحلة الثانية، فلقد بيّن الأستاذ أن علماء القرن الثاني ساروا على المنوال الذي كان عليه أهل القرن الأول، وفي طليعتهم الخليل بن أحمد الفراهيديّ الذي بهر الناس بعلمه وذكائه، والذي كان لغوياًّ عقلانيًّا، ثم ذكر ما أورده في مقدمة كتابه «العين»، وهو قوله:

” هذا ما ألفه الخليل بن أحمد البصريّ ـ رحمة الله عليه  من حروف: أ، ب، ت، ث، مع ما تكلمت به فكان مدار كلام العرب وألفاظهم، فلا يخرج منها عنه شيء، أراد أن تَعْرِفَ به العربُ في أشعارها وأمثالها ومخاطباتها فلا يشذُّ عنه شَيْء من ذلك، فأَعْمَلَ فكره فيه فلم يمكنه أن يبتدئ التأليفُ من أول: ا، ب، ت، ث …..”، ثم قال الخليلُ:”كلاَمُ العَرَب مبنيّ على أربعةِ أصناف: على الثُنَائِيِّ والثُّلاَثِيّ، والرُّباعيّ، والخماسيّ…”.

     فكلام الخليل ـ كما يقول الأستاذ ـ  كلام في غاية المنطقية والعقلانية، وعلى تلك الشاكلة كلامه في النحو واللغة والعروض؛ فقد وضع قواعد للمعجم والعروض والنحو، وهو في كل هذه العلوم مهندسها الأكبر، فضلا عما يمتاز به تفكيره من العقلنة والعلمية والتجريد، فهو “حقا أذكى العرب ومفتاح العلوم” كما كان العلماء يقولون! وذكر الأستاذ أيضا من أمثلة عقلانية الخليل اهتداءَه إلى وضع قواعد العروض استنادا إلى الشيخ الذي مر عليه وهو يعلِّمُ غلامًا قائلا له:

نعم لا نعم لا لا نعم لا نعم لا لا     نعم لا نعم لا لا نعم لا نعم لا لا

   ثم عرّج المحاضر على الردّ على من يدَّعون أن الخليلَ نقلَ العروضَ من السريانية، مفندا لأقوالهم، إذ طبيعتها غير طبيعة العربية، قائلا: إنها نظرية ساقطةٌ ومردودة وداحضة.وقد نبه الأستاذ على ضرورة الالتفات إلى المفسرين، لأنهم من اللغويين، إذ لا يمكن تفسير كلام الله تعالى إلا بعد معرفة اللغة والاطلاع على خباياها، فمن هؤلاء بدأت الأسطورة تظهر في العلوم الإسلامية تدريجياً، وفي مقدمتهم الإمام الطبريّ في تفسيره. فقد ظهرت أساطير في أجمل صورها ومن بينها أساطير بدئية تكوينية كأسطورة خلق القلم وخلق العالم وأصل الأبجدية، وهناك جاءت الأسطورة لتحل الإشكال ولتجيب عن كل أسئلة الإنسان الوجودية والفلسفية والدينية والجغرافية والمستقبلية…، بل لتفسر كل ما غمض وصعب على الناس أن يجدوا له حلا جامعا مانعا.

     وقد أبان المحاضر أن الأسطورة بدأت تتسرب إلى التفسير والدراسات اللغوية في القرن الثالث الهجري، وظهر التفسير الإشاري والباطني عند الإسماعيلية والاثني عشرية، وبدأ تفسير الحرف، بعدما كان التفسير قاصرا على تفسير الكلمة والجملة.وقد ضرب الأستاذُ على ذلك أمثلة وأفاض فيها، وأورد مذاهب العلماء في تفسير الحروف المقطعة منقولةً من «لسان العرب» لابن منظور الذي ذكرها في صدر كتابه تبركا وتيمنا، مُوضِّحًا كيف حاول بعض المفسرين تفسيرها تفسيرًا أسطورياًّ.

     وبذلك انتقل التفكير من العقلانية التي أسسها علي بن أبي طالب رضي الله عنه والخليل بن أحمد رحمه الله إلى التفكير الأسطوري، وصار المعجم العربي بعدما كان عقلانيا عبر القرون معجما يهتم بأسرار الحروف وطبائعها وخواصها كما في «لسان العرب» الذي شحنه ابن منظور بقسط كبير من هذا الفكر الباطني، وهدم الصرح العقلاني الذي شيّده الخليل.وهكذا صار ابن منظور ثمرة  الفكر العربي في القرن السابع، بعدما تقلصت الفلسفة والعقلانية، وصار التفكير الباطني هو الغالب، فالحروف مثلا لم تعد أصواتا يعبر بها الناس عما في أنفسهم، بل صارت لها علاقة بالطبائع الأربعة؛فمنها:

     مَا هُوَ حَار يَابِس طبع النَّار….وَمِنْهَا مَا هُوَ بَارِد يَابِس طبع التُّرَاب….وَمِنْهَا مَا هُوَ حَار رطب طبع الْهَوَاء….. وَمِنْهَا مَا هُوَ بَارِد رطب طبع المَاء، ..كما ذكر ابن منظور في «اللسان»، محاولا الربطَ أيضا بين الحروف والكواكب، ومبينا أن علم طبائع الحروف لا ينكره  إلا جاهل.وقد ختم الأستاذ الدكتور محاضرته بالنصّ على أن التفكير اللغوي العربيّ ابتدأ عَقلانياًّ، وانتهى عقلانياًّ من جهةٍ، وباطنياًّ من جهة أخرى.

     وبعد هذه المحاضرة تناول الكلمةَ فضيلةُ الدكتور عبد اللطيف شهبون، وأثنى على المحاضِر ونوّه به وبمحاضرته، مضيفاً مجموعة من الملاحظات القيمة، ثم فضيلةُ الدكتور محمد الحافظ الروسيّ رئيس مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبية الذي نوّه بفضيلة الدكتور جعفر ابن الحاج السلميّ وبعلمه وخلقه، وتحدّث عن تطور كتابة الحرف العربيّ وربط ذلك ببعض ما أورده المحاضر الفاضل، ثم تتابعت الأسئلة والتعليقات من طائفة من أساتذة كلية الآداب بتطوان، وطلبتها، وختمت المحاضرة بعد ثلاثِ ساعاتٍ من الفوائد العلمية المتتابعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق