مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبية

تقرير عن المُحاضرَة الشهرية الثالثة: شعر التستاوتي، مدخل تركيبي وبلاغي

تقرير عن المُحاضرَة الشهرية الثانية: شعر التستاوتي، مدخل تركيبي وبلاغي
التي ألقاها: أ.د. عبد اللطيف شهبون
كتبَ التقريرَ هاجر الفتوح والعربي الرباحي الباحثان بمركز ابن أبي الربيع السبتي
وراجَعَه : أ.د. عبد الرحمن بودرع
نظم مركز ابن أبي الربيع السبتي للبحوث والدراسات اللغوية، بتعاون مع ماستر لسانيات النص وتحليل الخطاب، وماستر الأدب العربي في المغرب العلوي: الأصول والامتدادات، بكلية الآداب بتطوان، وبتنسيق مع مكتبة بيت الحكمة ، محاضرة بعنوان: “شعر التستاوتي: مدخل تركيبي وبلاغي”، ألقاها الدكتور عبد اللطيف شهبون، أستاذ التعليم العالي بشعبة اللغة العربية وآدابها، وذلك يوم الاثنين 9 فبراير 2015، على الساعة الرابعة مساء بمكتبة بيت الحكمة بتطوان.
افتتح المحاضرة د/ عبد الرحمن بودرع منوها بمكتبة بيت الحكمة التي  استضافت هذا النشاط الثقافي،  شاكرا القائمين عليها، باعتبارها مؤسسة علمية ثقافية، تُعنى  بالعلم والأدب. ثم عرج الحديث للتعريف بالأستاذ المحاضر د/ عبد اللطيف شهبون  وبمنجزاته الأدبية والعلمية.
واستهل المحاضرة الدكتور عبد اللطيف شهبون، بتقديم الشكر للجنة المنظمة، ثم استهل مُحاضرَتَه بمدخل للحديث عن المقاربة اللغوية والبلاغية للنص الأدبي، وذلك بتقديم فكرة وظيفية وأساسية، خاصة أن الجامعات تعاني من ضعف كبير في إطار تناول النصوص الأدبية، وأضاف أنه لا بد من الانتباه لهذه الحاجة، والتماس سبل الخروج من أزمة الدرس الأدبي، واعتبر هذا المدخل بمثابة تعريف بمستويات استخدام اللغة عند الحديث عنها، وهي مسألة ترتبط بمسائل أخرى، من حيث التحليل الأسلوبي للنص ونظرية السياق. وفي خضم هذا المدخل، أشار إلى أن معظم الباحثين درجوا على تقسيم الاستخدام اللغوي إلى قسمين: المستوى العادي للغة ( اللغة المعيارية)، ثم المستوى الفني أو الأدبي. وفي كلامه قال إن البلاغيين بنوا أفكارهم على مقولات النحو الأربع المتمثلة في:
1- الشخص: باعتباره متكلما أو مخاطبا أو غائبا.
2- العدد: باعتباره مفردا أومثنى أوجمعا.
3- الجنس: بصفتيه التذكير والتأنيث.
4- التعيين: وهو التعريف والتنكير.
وقد بنى الأسلوبيون بحوثهم على أساليب الالتفات، وهي ظاهرة في الشعر المغربي، والالتفات هو نقل الكلام من حالة المتكلم إلى حالة أخرى، وديوان التستاوتي زاخر بذلك. وقد وضع اللغويون بذور الالتفات منذ القرن 3 هــــ مع الفراء، ثم طورها البلاغيون ووسعوها. ومن خلال هذا المدخل تطرق المحاضر إلى التناول الأسلوبي لشعر  أحمد بن عبد القادر التستاوتي (ت1127هـ)  بعدما عرف به، فهو ابن الزاوية الدلائية وتلميذ الشيخ أبي الحسن اليوسي، وكان رأسا من رؤوس الحركة الفكرية والأدبية في عصره، وكان نبأً عظيما في التصوف لايعثر على شاعر مثله، وقد شهد له مؤرخو الأدب بكثير من المزايا: أولاها البراعة النظمية: وهي براعة النظم وتعليق الكلم بعضه ببعض، حيث كانت له قدرة عجيبة على التأليف في الكلام، بالإضافة إلى حسن البديهة: وهو حضور الفكرة وانهمارها في التعبير والتدفق في الإفصاح، ومن التقريظات التي قيلت في إنتاج شاعرنا التستاوتي ما أشاد به صاحب الروض الزاهر- من خلال كتاب د.عبد اللطيف شهبون: شعر  أحمد بن عبد القادر التستاوتي، ص: 94- “كان أعجوبة في النظم والنثر”. وما قاله العميري في فهرسته: “وأكثر ما رأيت له معنى بهذه البلدة نظما لحسن بداهته في النظم حتى إنه يريد أن يكتب الكتاب، وحامله حاضر ينتظره، فينظمه له، كأنه يحفظه، وكنت أتعجب من ذلك”.
كيف درس الدكتور عبد اللطيف شهبون هذا الشعر أو كيف استفاد من مدونته الشعرية؟
ما لفت انتباه الأستاذ المحاضر هو اللغة الفصحى التي تميز بها شعر التستاوتي، والذي نظر إليها من ثلاثة جوانب:
1- بنية الإيقاع باعتبارها حركة شمَّالة .
2- ( اللغة والمضمون).
3- الأسلوبية: وهي في نظره المنهاج الأقرب إلى تراثنا، والأقرب إلى حقائق البحوث العلمية في اللغة نحوا وصرفا وبلاغة.
فشعره يحمل فكره والفكر يمثل البراعة النظمية، وهو توازن بين طاقتي الإخبار والإيحاء، حيث جعل منه عصارة مصفاة من القول البديع.
 وفي معرض حديث المحاضر توقف عند مسألة البدء، والتي سماها بالبناء المصاحب أو العتبات، والمقصود عنده العتبات النصية؛ والعتبة هي أُسْكُفَّة الباب، وقد كان للتستاوتي اهتمام عجيب بوضع العتبات: عتبة المجموع الأدبي: عتبة الديوان، ثم عتبة الباب داخل المجموع، ثم عتبة النص، ثم تذييل المجموع، أو الدخول العام ممثلا بــــ  “الحمد لله على ما أنعم..”
البيت المفرد عند التستاوتي، يكمن في استيعاب الانفعال في الوضع النفسي،  ويتسم بالحكمة كما لدى الشاعر المتنبي ومثل لذلك بشواهد شعرية، ثم أشار المحاضر إلى آلية التشكيل وهو إشباع النص وتقويته، وذلك بمنح النص استيفاءً فنيا ذا تأثير مضاعف من أجل متعة المتلقي، وتوظيفه لروافد قرآنية وحديثية، ليغني النص جمالية وبراعة، وذكر أن هناك أنماطا بنائية متوارثة سماها بالتنميط الحروفي، حيث ينصرف الشاعر إلى تكرير بنية الحروف في إطار اتساع أسلوبية مطردة. أما في ما يخص نسق البحور والقوافي فالشاعر التستاوتي لم يخرج عن نسق البحور الشعرية العربية.  وفيما يخص البديع تناول في هذا الجانب محور التوافق، والذي يكرسه الجناس وذكر أنموذجا لذلك من شعر التستاوتي، فأيقونة الجناس على حد قوله، ليست مجرد جمع بين لفظين، بل هي خاصية تهدف إلى مراعاة بعد سيكولوجي، بهدف الكشف عن المختلِف من خلال المؤتلِف، ففي الشعر الصوفي تكثيف للتقابل وذلك يعزى إلى: طبيعة التجربة الصوفية التي عاشها التستاوتي والتي نجد معالمها في شعره، خاصة في نظمه للأحوال والمقامات، ثم رغبة التستاوتي في إضفاء الجمالية على أشعاره فشكل الطباق جمالية، وانفعاله بالرؤية الأنطولوجية الكبرى. وفي هذا الصدد أشار إلى التصريع، وهو آلية من آليات الإيقاع، ويذكر أنه على أنواع كثيرة في هذه التجربة، ثم هناك التصدير وهو رد الأعجاز على الصدور، وذكر شاهدا شعريا لذلك. ثم مسألة الترديد تواضع على تسميته القدماء جناسا وقد توسعوا فيه وهو ترديد حقيقي وترديد قائم على المشابهة، ومن أنماطه الترديد التام الذي وظفه التستاوتي. أما التكرار فقد تناوله باعتباره بعدا بديعيا إيقاعيا، واستقى لذلك شاهدا من شعره في رثاء زوجته رقية، وهو تكرار في جمل متوالية من الشاهد الشعري، يجعلها مَرْكزا لمواجهة الحديث عن الخَطْب، كما أنها تشكل نغمة أساسية، وهو تكرار انفعالي يجعل المتلقي يعيش نوعا من الموسيقى التصويرية للحدث. ثم ذكر التدوير في الطويل والبسيط والخفيف، ويكرس التدوير انزياحا نسبيا، وقد استخدمه التستاوتي بشكل متفاوت ومن أمثلته قصيدة رجوعه من مراكش، والإيقاع في الخفيف شكل ركنا إنشائيا موسوما بثقافته الواسعة. ثم ذكر أدوات الاستفهام وهي الهمزة وهل وأين، وهي لا تخرج عن نطاق حقل دلالي معين في النصوص التستاوتية، ثم النداء والذي تتسم بنيته بالوضوح والكثرة للأشعار العرفانية للتستاوتي، ثم بنية الشرط وهو مبحث طويل، وهي بنية تركيبة مرتبطة بأفعال إنجازية، وقد استعمل في ذلك جميع حروف الشرط وصنفها تصنيفا عجيبا،ثم النقصان والحذف، حيث يعمد الشعراء للحذف طلبا للاستغناء والإيجاز، وأشار إلى الزيادة والإطناب ومن صوره في شعره الإطناب في اللفظ الواحد، والإطناب في الجمل أو الجملة زيادة التصوير في الاثبات، وذكر التقديم والتأخير أو التصرف بالرتبة وهو إجراء طارئ على الكلام ومن صوره التصرف، وأبياته كثيرة في شعره.
وفي معرض كلامه ذكر أن البحث في موضوع إنتاج المعنى، هو البحث عن هوية الإنسان، التي هي  هوية معنوية تفصح عنها الكلمة، وأهم مسألة يعتمدها التستاوتي آلية التضمين وهومن أهم آليات إنتاج الدلالة عنده، فهو يمثل درجة استيعاب أو تمثل الشاعر لكلام غيره، ومن صور هذه الآلية تضمين القرآن، وذلك بتضمين الآيات القرآنية في شعره تجسيدا لوحدات إنشائية مؤتلفة، وعندما يتحدث التستاوتي عن المعاني الصوفية فإنه يعبر عن معنى صوفي بثوب راقٍ. وأشار إلى كيفية توظيف الاستعارة، فإن اللغة الشعرية التستاوتية تتحول من لغة حرفية إلى تصويرية، حيث يصطنع شاعرنا وسيلة لغوية تجعل كلامه كلاما غير عادي، حيث يسند أفعال الخجل والاصفرار للبدر والبحر، وذلك يحقق دهشة وخروجا عن المألوف.
وفي ختام هذا الجمع العلمي الثقافي، أوصى المحاضر بضرورة امتلاك الباحثين للآليات اللغوية، باعتبارها مادة أساسية لكل باحث أو دارس، واستيفاء قواعدها والتجسير بينها وبين الأدوات البلاغية للدخول إلى النص الشعري. وبعد هذه المحاضرة القيمة تناولَ الكلمةَ د.عبد الرحمن بودرع، وشكرَ المُحاضرَ والمكتبةَ التي شارَكَت بنصيبها بإعارَة الفَضاء، ثمّ فتَحَ بابَ النقاش، وبعدَ ذلكَ تناولَ د.محمد الحافظ الروسي رئيس المركز شاكراً المُحاضر ومُستئنفاً إسنادَ الكلمة إلى المُتدخلين من جمهور المناقشين، وقد ركزت أغلب التدخلات على عبارات الثناء على المحاضَرَة والمحاضِر، لحسن اختيار الموضوع، وجمالية عرضه، وما احتواه من درر ومكنونات لغوية وبلاغية، اتسم ذلك بتساؤلات الطلبة والباحثين أغنت الموضوع وزادته وضوحا وتفسيرا من قبل الأستاذ المحاضِر.

تقرير عن المُحاضرَة الشهرية الثالثة: شعر التستاوتي، مدخل تركيبي وبلاغي التي ألقاها:

أ.د. عبد اللطيف شهبون

كتبَ التقريرَ هاجر الفتوح والعربي الرباحي الباحثان بمركز ابن أبي الربيع السبتي

وراجَعَه : أ.د. عبد الرحمن بودرع
نظم مركز ابن أبي الربيع السبتي للبحوث والدراسات اللغوية، بتعاون مع ماستر لسانيات النص وتحليل الخطاب، وماستر الأدب العربي في المغرب العلوي: الأصول والامتدادات، بكلية الآداب بتطوان، وبتنسيق مع مكتبة بيت الحكمة ، محاضرة بعنوان: “شعر التستاوتي: مدخل تركيبي وبلاغي”، ألقاها الدكتور عبد اللطيف شهبون، أستاذ التعليم العالي بشعبة اللغة العربية وآدابها، وذلك يوم الاثنين 9 فبراير 2015، على الساعة الرابعة مساء بمكتبة بيت الحكمة بتطوان.افتتح المحاضرة د/ عبد الرحمن بودرع منوها بمكتبة بيت الحكمة التي  استضافت هذا النشاط الثقافي،  شاكرا القائمين عليها، باعتبارها مؤسسة علمية ثقافية، تُعنى  بالعلم والأدب. ثم عرج الحديث للتعريف بالأستاذ المحاضر د/ عبد اللطيف شهبون  وبمنجزاته الأدبية والعلمية

واستهل المحاضرة الدكتور عبد اللطيف شهبون، بتقديم الشكر للجنة المنظمة، ثم استهل مُحاضرَتَه بمدخل للحديث عن المقاربة اللغوية والبلاغية للنص الأدبي، وذلك بتقديم فكرة وظيفية وأساسية، خاصة أن الجامعات تعاني من ضعف كبير في إطار تناول النصوص الأدبية، وأضاف أنه لا بد من الانتباه لهذه الحاجة، والتماس سبل الخروج من أزمة الدرس الأدبي، واعتبر هذا المدخل بمثابة تعريف بمستويات استخدام اللغة عند الحديث عنها، وهي مسألة ترتبط بمسائل أخرى، من حيث التحليل الأسلوبي للنص ونظرية السياق. وفي خضم هذا المدخل، أشار إلى أن معظم الباحثين درجوا على تقسيم الاستخدام اللغوي إلى قسمين: المستوى العادي للغة

( اللغة المعيارية)، ثم المستوى الفني أو الأدبي.

وفي كلامه قال إن البلاغيين بنوا أفكارهم على مقولات النحو الأربع المتمثلة في:

1- الشخص: باعتباره متكلما أو مخاطبا أو غائبا.

2- العدد: باعتباره مفردا أومثنى أوجمعا.

3- الجنس: بصفتيه التذكير والتأنيث.

4- التعيين: وهو التعريف والتنكير.

وقد بنى الأسلوبيون بحوثهم على أساليب الالتفات، وهي ظاهرة في الشعر المغربي، والالتفات هو نقل الكلام من حالة المتكلم إلى حالة أخرى، وديوان التستاوتي زاخر بذلك. وقد وضع اللغويون بذور الالتفات منذ القرن 3 هــــ مع الفراء، ثم طورها البلاغيون ووسعوها.

ومن خلال هذا المدخل تطرق المحاضر إلى التناول الأسلوبي لشعر  أحمد بن عبد القادر التستاوتي (ت1127هـ)  بعدما عرف به، فهو ابن الزاوية الدلائية وتلميذ الشيخ أبي الحسن اليوسي، وكان رأسا من رؤوس الحركة الفكرية والأدبية في عصره، وكان نبأً عظيما في التصوف لايعثر على شاعر مثله، وقد شهد له مؤرخو الأدب بكثير من المزايا: أولاها البراعة النظمية: وهي براعة النظم وتعليق الكلم بعضه ببعض، حيث كانت له قدرة عجيبة على التأليف في الكلام، بالإضافة إلى حسن البديهة: وهو حضور الفكرة وانهمارها في التعبير والتدفق في الإفصاح، ومن التقريظات التي قيلت في إنتاج شاعرنا التستاوتي ما أشاد به صاحب الروض الزاهر- من خلال كتاب د.عبد اللطيف شهبون: شعر  أحمد بن عبد القادر التستاوتي، ص: 94- “كان أعجوبة في النظم والنثر”.

وما قاله العميري في فهرسته: “وأكثر ما رأيت له معنى بهذه البلدة نظما لحسن بداهته في النظم حتى إنه يريد أن يكتب الكتاب، وحامله حاضر ينتظره، فينظمه له، كأنه يحفظه، وكنت أتعجب من ذلك”. كيف درس الدكتور عبد اللطيف شهبون هذا الشعر أو كيف استفاد من مدونته الشعرية؟ما لفت انتباه الأستاذ المحاضر هو اللغة الفصحى التي تميز بها شعر التستاوتي، والذي نظر إليها من ثلاثة جوانب:1- بنية الإيقاع باعتبارها حركة شمَّالة .2- ( اللغة والمضمون).3- الأسلوبية: وهي في نظره المنهاج الأقرب إلى تراثنا، والأقرب إلى حقائق البحوث العلمية في اللغة نحوا وصرفا وبلاغة.فشعره يحمل فكره والفكر يمثل البراعة النظمية، وهو توازن بين طاقتي الإخبار والإيحاء، حيث جعل منه عصارة مصفاة من القول البديع. وفي معرض حديث المحاضر توقف عند مسألة البدء، والتي سماها بالبناء المصاحب أو العتبات، والمقصود عنده العتبات النصية؛ والعتبة هي أُسْكُفَّة الباب، وقد كان للتستاوتي اهتمام عجيب بوضع العتبات: عتبة المجموع الأدبي: عتبة الديوان، ثم عتبة الباب داخل المجموع، ثم عتبة النص، ثم تذييل المجموع، أو الدخول العام ممثلا ب  “الحمد لله على ما أنعم..”البيت المفرد عند التستاوتي، يكمن في استيعاب الانفعال في الوضع النفسي،  ويتسم بالحكمة كما لدى الشاعر المتنبي ومثل لذلك بشواهد شعرية، ثم أشار المحاضر إلى آلية التشكيل وهو إشباع النص وتقويته، وذلك بمنح النص استيفاءً فنيا ذا تأثير مضاعف من أجل متعة المتلقي، وتوظيفه لروافد قرآنية وحديثية، ليغني النص جمالية وبراعة، وذكر أن هناك أنماطا بنائية متوارثة سماها بالتنميط الحروفي، حيث ينصرف الشاعر إلى تكرير بنية الحروف في إطار اتساع أسلوبية مطردة.

أما في ما يخص نسق البحور والقوافي فالشاعر التستاوتي لم يخرج عن نسق البحور الشعرية العربية.  وفيما يخص البديع تناول في هذا الجانب محور التوافق، والذي يكرسه الجناس وذكر أنموذجا لذلك من شعر التستاوتي، فأيقونة الجناس على حد قوله، ليست مجرد جمع بين لفظين، بل هي خاصية تهدف إلى مراعاة بعد سيكولوجي، بهدف الكشف عن المختلِف من خلال المؤتلِف، ففي الشعر الصوفي تكثيف للتقابل وذلك يعزى إلى: طبيعة التجربة الصوفية التي عاشها التستاوتي والتي نجد معالمها في شعره، خاصة في نظمه للأحوال والمقامات، ثم رغبة التستاوتي في إضفاء الجمالية على أشعاره فشكل الطباق جمالية، وانفعاله بالرؤية الأنطولوجية الكبرى. وفي هذا الصدد أشار إلى التصريع، وهو آلية من آليات الإيقاع، ويذكر أنه على أنواع كثيرة في هذه التجربة، ثم هناك التصدير وهو رد الأعجاز على الصدور، وذكر شاهدا شعريا لذلك. ثم مسألة الترديد تواضع على تسميته القدماء جناسا وقد توسعوا فيه وهو ترديد حقيقي وترديد قائم على المشابهة، ومن أنماطه الترديد التام الذي وظفه التستاوتي. أما التكرار فقد تناوله باعتباره بعدا بديعيا إيقاعيا، واستقى لذلك شاهدا من شعره في رثاء زوجته رقية، وهو تكرار في جمل متوالية من الشاهد الشعري، يجعلها مَرْكزا لمواجهة الحديث عن الخَطْب، كما أنها تشكل نغمة أساسية، وهو تكرار انفعالي يجعل المتلقي يعيش نوعا من الموسيقى التصويرية للحدث. ثم ذكر التدوير في الطويل والبسيط والخفيف، ويكرس التدوير انزياحا نسبيا، وقد استخدمه التستاوتي بشكل متفاوت ومن أمثلته قصيدة رجوعه من مراكش، والإيقاع في الخفيف شكل ركنا إنشائيا موسوما بثقافته الواسعة. ثم ذكر أدوات الاستفهام وهي الهمزة وهل وأين، وهي لا تخرج عن نطاق حقل دلالي معين في النصوص التستاوتية، ثم النداء والذي تتسم بنيته بالوضوح والكثرة للأشعار العرفانية للتستاوتي، ثم بنية الشرط وهو مبحث طويل، وهي بنية تركيبة مرتبطة بأفعال إنجازية، وقد استعمل في ذلك جميع حروف الشرط وصنفها تصنيفا عجيبا،ثم النقصان والحذف، حيث يعمد الشعراء للحذف طلبا للاستغناء والإيجاز، وأشار إلى الزيادة والإطناب ومن صوره في شعره الإطناب في اللفظ الواحد، والإطناب في الجمل أو الجملة زيادة التصوير في الاثبات، وذكر التقديم والتأخير أو التصرف بالرتبة وهو إجراء طارئ على الكلام ومن صوره التصرف، وأبياته كثيرة في شعره.وفي معرض كلامه ذكر أن البحث في موضوع إنتاج المعنى، هو البحث عن هوية الإنسان، التي هي  هوية معنوية تفصح عنها الكلمة، وأهم مسألة يعتمدها التستاوتي آلية التضمين وهومن أهم آليات إنتاج الدلالة عنده، فهو يمثل درجة استيعاب أو تمثل الشاعر لكلام غيره، ومن صور هذه الآلية تضمين القرآن، وذلك بتضمين الآيات القرآنية في شعره تجسيدا لوحدات إنشائية مؤتلفة، وعندما يتحدث التستاوتي عن المعاني الصوفية فإنه يعبر عن معنى صوفي بثوب راقٍ.

وأشار إلى كيفية توظيف الاستعارة، فإن اللغة الشعرية التستاوتية تتحول من لغة حرفية إلى تصويرية، حيث يصطنع شاعرنا وسيلة لغوية تجعل كلامه كلاما غير عادي، حيث يسند أفعال الخجل والاصفرار للبدر والبحر، وذلك يحقق دهشة وخروجا عن المألوف.وفي ختام هذا الجمع العلمي الثقافي، أوصى المحاضر بضرورة امتلاك الباحثين للآليات اللغوية، باعتبارها مادة أساسية لكل باحث أو دارس، واستيفاء قواعدها والتجسير بينها وبين الأدوات البلاغية للدخول إلى النص الشعري.

وبعد هذه المحاضرة القيمة تناولَ الكلمةَ د.عبد الرحمن بودرع، وشكرَ المُحاضرَ والمكتبةَ التي شارَكَت بنصيبها بإعارَة الفَضاء، ثمّ فتَحَ بابَ النقاش، وبعدَ ذلكَ تناولَ الكلمة د.محمد الحافظ الروسي رئيس المركز شاكراً المُحاضر ومُستئنفاً إسنادَ الكلمة إلى المُتدخلين من جمهور المناقشين، وقد ركزت أغلب التدخلات على عبارات الثناء على المحاضَرَة والمحاضِر، لحسن اختيار الموضوع، وجمالية عرضه، وما احتواه من درر ومكنونات لغوية وبلاغية، اتسم ذلك بتساؤلات الطلبة والباحثين أغنت الموضوع وزادته وضوحا وتفسيرا من قبل الأستاذ المحاضِر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق