مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوك

التقرير العام

د/ عبد الله معصر:

رئيس مركز بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوك

 

 شكل المذهب المالكي بأصوله وفروعه تجليا كبيرا ورافدا هاما من روافد الثقافة الإسلامية بمختلف أبعادها الدينية والاجتماعية والاقتصادية، إذ هو منظومة إنسانية متكاملة لما امتاز به من أصول تتأسس على مراعاة أحوال الناس في معاشاتهم اليومية ومحاولة معالجة قضاياهم ومشاكلهم عبر إيجاد الحلول للنوازل الطارئة والمستجدة في أحوالهم. وهذه الحال كانت مواكبة وملازمة للمذهب المالكي عبر مختلف الفترات التي مرت منها الأمة الإسلامية مما يعني أن لهذا المذهب قدرة فائقة على مواكبة المستجدات ومسايرة التطورات واستيعاب مشاكل العصر وإيجاد الحلول المناسبة لها وهو ما نعبر عنه إجمالا بالسياق، وإدراكا لأهمية هذا الإشكال انعقدت الندوة الدولية التي نظمها كل من الرابطة المحمدية للعلماء، والمركز الأكاديمي للثقافة والدراسات، والمؤسسة العلمية الكتانية في موضوع “المذهب المالكي في سياقاته المعاصرة” برحاب قصر المؤتمرات بفاس. أيام الثلاثاء والأربعاء والخميس 21، 22، 23 ربيع النبوي 1433هـ/ الموافق 14، 15، 16 فبراير 2012م، وقد كانت هذه الندوة محفلا علميا وثقافيا ضم نخبة وازنة من أهل الفكر والعلم من مختلف الآفاق والجنسيات جاءت إلى المغرب لإغناء البحث وتجديد النظر في المظاهر التنزيلية التي تجلى بها المذهب المالكي عبر استجلاء الموارد السياقية لمذهب عُدّ عند سائر العلماء والمختصين المذهبَ النموذج لمراعاة الاقتضاءات السياقية الخاصة والعامة للنسق التشريعي الإسلامي. من هذا المنظور كانت المقاربات المقدمة في هذا المحفل العلمي المبارك مناسبة لتطارح واستجلاء التجربة المذهبية المالكية في سائر تجلياتها السياقية الممكنة، كالسياق الروحي، والسياق العقدي، والسياق المعرفي، والسياق التعليمي، والسياق العملي والسلوكي؛ ومن خلال استنطاق هذه الأوجه السياقية من لدن السادة العلماء المشاركين، كل من التخصص الذي خبره، تم استخلاص النتائج والاعتبار بالوقائع واستشراف القيم والنُظم الكفيلة بإحياء التجربة المذهبية المالكية واعتبارها أساس التدين القويم النموذجي ومناط الاشتغال الاجتهادي المكين حتى تغدو الوقائع المعاصرة والمتنامية موَجَّهةً ومنضبطة بقواعد الشرع الإسلامي الحنيف، مستثمرةً قواعدَ المذهب المالكي وأصولَه وقيمَه في تحقيق هذا التوجيه وهذا الانضباط ودرء مزالق الجمود وآفات التطرف.

ذلكم هو ما اختصت به أشغال هذه الندوة العلمية الدولية المباركة، التي افتتحت أعمالها نخبة وازنة من العلماء من المملكة المغربية ومختلف أقطار العالم الذين أكدوا على الدور الريادي والثقافي للمذهب المالكي عبر التاريخ، وكذا إشعاعه العلمي والروحي الذي امتدت آثاره إلى مختلف الأصقاع والبقاع وراهنيته في مواكبة المستجدات وحل المعضلات وتوضيح الإشكالات.

وهكذا جاءت الجلسة الافتتاحية لتكون أساسا ومدخلا للجلسات العلمية الست التي أثثت المشهد العلمي للندوة، والتي وضحت وجلت الدور الهام الذي اضطلع به المذهب المالكي في تثبيت وترسيخ وحفظ الهوية الدينية للأمة. فجاءت أشغال الندوة موزعة على محاور ست هي: المذهب المالكي والأمن العقدي والروحي، المذهب المالكي والثقافة الإسلامية، المذهب المالكي والمدارس الفقهية، المذهب المالكي في الكتابات الغربية، المذهب المالكي والقضايا المعاصرة، المذهب المالكي والقانون الدولي الإنساني، وهذه المحطات تعتبر معالم مدخلية إلى استجلاء مكارم المذهب المالكي، واستحضار الكسب الاجتهادي المالكي وقدرته على استثمار ومراعاة أحوال السياق ومقاماته وإملاآته وآثاره في تكييف الفتوى وتوجيه الاجتهاد وإثمار الأجوبة الموقِّّعَةِ عن الشارع الحكيم.

 هكذا حاولت جلسات الندوة الست إعطاء مقاربة شاملة للعطاء العلمي للمذهب المالكي، من خلال التركيز على القضايا المحورية الناظمة لتفاصيل أشغال الندوة ويمكن إجمالها في ثلاثة أمور:

أولا: أن مذهب إمام دار الهجرة رضي الله عنه هو مذهب مراعاة الأسيقة بامتياز؛ إذ هو بتوجهه العملي الراسخ ونزوعه إلى رعي الأعراف واعتبار المصالح، وهي معطيات سياقية صريحة، يُعدّ المذهب الأنسب للواقع المعاصر والأوفق للسياق الحضاري المعاصر.

ثانيا: أن المسلم المعاصر في حاجة عظمى إلى تمثل أبجديات المذهب المالكي وقيمه لتحقيق التدين القويم لما توفره أصول المذهب وقواعده وتعاليمه من ضوابط وموجهات تفي بالوسطية والاعتدال.

ثالثا: أن الضرورة داعية إلى استلهام الكسب المعرفي والعملي الذي أثمرته التجربة الاجتهادية المالكية عبر مختلف العصور ليكون سندا لإثمار فقه تنزيلي جديد يراعي تراث الأجداد ويستحضر السياقات ويستشرف المآلات.

تلكم أهم الجوامع الناظمة لتفاصيل أشغال هذه الندوة العلمية المباركة التي تُوّجت بجلسة شعرية تطارح فيها نخبة من الشعراء من المغرب وخارجه إبداعاتهم المستوحاة من المنظومة الإيحائية للندوة.   

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق