مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبيةقراءة في كتاب

منهج تحليل القصيدة العربية القديمة عند محمود محمد شاكر من خلال كتابه:«نمط صعب ونمط مخيف»

تمهيد:
يعد أبو فهر محمود محمد شاكر علما من أعلام الأدب العربي دون منازع، وهو أيضا من كبار المحققين للتراث العربي، وعالم أديب تقوده الرؤية الإسلامية وما تفرع عنها من ثقافة مختلفة الألوان. والرؤية الإسلامية هذه هي الأساس الفكري الذي يصدر عنه الأستاذ شاكر في كتاباته كلها، وهي المشعل الذي يحمله بيده يبدد به ظلمات القضايا والأحداث. فمن وقف عليها مدركا كنهها، سابرا أغوارها، متأملا طبيعتها، هان عليه بعد ذلك فهم الأستاذ وإدراك مواقفه وإنتاجه إدراكا دقيقا واعيا متعمقا، بل هان عليه إدراك الثقافة التي ينتمي إليها انتماء حارا صادقا، كله إيمان وثقة وإخلاص في زمن قل فيه الصادقون المخلصون (1).
وهو أحد الذين حملوا المشعل الإسلامي الحضاري مسلطا أضواءه على بعض القضايا التي يعج بها المجتمع الإسلامي، فرحم الله أبا فهر وجعلنا من المهتدين بهديه في طريق الأدب المشبع بنور الرؤية الإسلامية مع الصدق والإخلاص في السير على هذا الطريق، متمسكين بحبل الفكر ومغترفين من بحر العقل كما قال شيخ المعرة:

 

تمهيد:

يعد أبو فهر محمود محمد شاكر علما من أعلام الأدب العربي دون منازع، وهو أيضا من كبار المحققين للتراث العربي، وعالم أديب تقوده الرؤية الإسلامية وما تفرع عنها من ثقافة مختلفة الألوان. والرؤية الإسلامية هذه هي الأساس الفكري الذي يصدر عنه الأستاذ شاكر في كتاباته كلها، وهي المشعل الذي يحمله بيده يبدد به ظلمات القضايا والأحداث. فمن وقف عليها مدركا كنهها، سابرا أغوارها، متأملا طبيعتها، هان عليه بعد ذلك فهم الأستاذ وإدراك مواقفه وإنتاجه إدراكا دقيقا واعيا متعمقا، بل هان عليه إدراك الثقافة التي ينتمي إليها انتماء حارا صادقا، كله إيمان وثقة وإخلاص في زمن قل فيه الصادقون المخلصون (1).

وهو أحد الذين حملوا المشعل الإسلامي الحضاري مسلطا أضواءه على بعض القضايا التي يعج بها المجتمع الإسلامي، فرحم الله أبا فهر وجعلنا من المهتدين بهديه في طريق الأدب المشبع بنور الرؤية الإسلامية مع الصدق والإخلاص في السير على هذا الطريق، متمسكين بحبل الفكر ومغترفين من بحر العقل كما قال شيخ المعرة:

الفِكْر حَبْل، متى يمسك على طرفٍ           منه ينطْ بالثُّريا ذلكَ الطرفُ

والعقلُ كالبحرِ، ما غِيضت غواربهُ           شيئاً، ومنه بنُو الأيَّام تَغترفُ(2)

مصنفاته:

لقد اجتمع في شخصية محمود محمد شاكر-رحمه الله- موهبتان ما اجتمعتا لأحد غيره كما قال عبد الخالق عضيمة في حديثه عن محمود محمد شاكر وهما: تحقيق النصوص، والمقال والتحليل الأدبيان، يقول:” لقد أجاد الأستاذ محمود كل الإجادة فيما عرض له من إحياء التراث وتحقيق النصوص، وظفر بإعجاب جميع الناس فيما أخرجه وحققه… أما كتابة الأستاذ محمود الأدبية فقد بلغت غاية الروعة في الصياغة وعمق التحليل، ولا يكاد يخلو مقال له من أساليب مبتكرة هو أبو عذرها وناظم شملها”(3).

ونعرض هنا لأعماله في هذين الصنفين: وأهم أعماله في الصنف الأول:

– طبقات فحول الشعراء لابن سلام الجمحي، وهو من أقدم المصادر النقدية والأدبية في تاريخ الأدب العربي، طبعه لأول مرة عام 1952م، بمطبعة المعارف.

– قضية الشعر الجاهلي في كتاب ابن سلام، وهي رسالة على صغرها شديدة الأهمية في كشف الوجوه الملثمة التي أحاطت برسالة كتاب ابن سلام طبقات فحول الشعراء، والتي أثارت ثلاث قضايا هي: 

القضية الأولى: قضية عمر الشعر الجاهلي الذي وقع إلينا، وهي قضية متفرعة عن أولية الشعر نفسه في لسان العرب.

والقضية الثانية: قضية شعراء الجاهلية المعروفين، وما انتهى إلينا من أشعارهم، ومقدار هذا الشعر.

والقضية الثالثة: قضية وضع الشعر ونحله شعراء الجاهلية، أهي صحيحة أم باطلة؟ فإن صحت فأين المنحول في ما وصلنا عن العلماء الرواة من أشعارهم؟(4).

– دلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني، وهو من مصادر كتب البلاغة العربية.

– أسرار البلاغة لعبد القاهر الجرجاني أيضا.

– تفسير الإمام الطبري في ستة عشر جزءا والمسمى بـ « جامع البيان عن تأويل آي القرآن » بمشاركة أخيه المحدث أحمد محمد شاكر.

– جمهرة نسب قريش وأخبارها للزبير بن بكار، أحد أساطين الرواية في القرن الثالث للهجرة، وأحد الحفاظ المتقنين للأخبار، أخبار العرب في جاهليتها وإسلامها، ولا سيما أخبار أهل الحجاز(5).

وأهم أعماله في الصنف الثاني:

– قصيدة القوس العذراء التي بناها على قصيدة الشماخ في القوس.

– نمط صعب ونمط مخيف، وهو موضوع دراستنا.

– المتنبي رسالة في الطريق إلى ثقافتنا.

– أباطيل وأسمار، وغرضه من هذا الكتاب:” هو الدفاع عن أمة برمتها، هي أمتي العربية الإسلامية”(6). 

وقد أهدته دولة مصر «جائزة الدولة التقديرية في الآداب» سنة 1981م؛ اعترافا بأستاذيته لجيل كامل من الباحثين والدارسين، وتقديرا لمكانته كنمط متفرد في تاريخ الفكر العربي والإسلامي(7) ، غير أني تعرفت على شخصية محمود محمد شاكر كأديب عربي من خلال كتابه الفريد من نوعه في هذا المجال وهو القائم على الجانب التطبيقي في دراسة الشعر القديم « نمط صعب ونمط مخيف ».

كتابه نمط صعب ونمط مخيف:

وأهمية الكتاب عندي أساسا تكمن في الجانب التطبيقي الذي أحسن صنيعه، فكثيرا ما نقرأ كلاما نظريا جامدا في الكتب ضاقت النفوس به، ولا سبيل إلى تطبيقه، أو حتى مجرد التفكير في ذلك إلا من رحم الله من علماءنا من نمط محمود شاكر – رحمه الله-، وإنما مرد ذلك والله أعلم إلى صعوبة هذا الباب من أبواب العلم. 

والكتاب في الأصل نشر في سبع مقالات بمجلة «المجلة» خلال عامي 1969- 1970م. وكان مما دفع محمود شاكر إلى الحديث في هذه المقالات هو النزول عند رغبة السيد يحيى حقي، يقول المؤلف:” فهذا كلام بعيد العهد، كنت كتبته استجابة لهوى صديق قديم، هو أخي «يحيى حقي» رحمه الله، وهو ما يتصل بقصيدة تأبط شرا:

إن بالشعب الذي دون سلع

وما أورده من أسئلة تتعلق بهذه القصيدة المنسوبة إلى تأبط شرا، وبعض هذه الأسئلة يتعلق بترتيب أبيات القصيدة، الذي اقترحه الشاعر الألماني «جوته» حين ترجم القصيدة إلى الألمانية، وبعضها يتعلق بالشعر القديم وروايته عامة، ثم ما بناه بعضهم على ذلك من افتقار القصيدة العربية إلى الوحدة”(8).

وفي سياق الإجابة عن هذه الأسئلة يتبين منهج محمود محمد شاكر -رحمه الله- في تحليل الشعر القديم ودراسته، وسنحاول إن شاء الله تعالى في هذه المقالة الكشف عن بعض جوانب هذه المنهجية واتخاذها أنموذجا لتحليل التراث الشعري العربي.

منهج محمود شاكر في قراءة الشعر من خلال كتابه «نمط صعب ونمط مخيف»:

يتحدث محمود شاكر عن منهجه رادًّا على الذين انتقدوه في عدم شرحه لمنهجه في دراساته فيقول:” وببديهة العقل لم يكن من عملي، ولا هو من عمل أي كاتب مبين عن نفسه، أن يبدأ أول كل شيء فيفيض في شرح منهجه في القراءة والكتابة وإلا يفعل، كان مقصرا تقصيرا لا يقبل منه بل يرد عليه ثم يكتب بعد ذلك ما يكتب ليقول للناس: هذا هو منهجي، وها أنا ذا طبقته. هذا سخف مريض غير معقول، بل عكسه هو الصحيح المعقول، وهو أن يكتب الكاتب منهجه، وعلى القارئ والناقد أن يستشف المنهج ويتبينه، محاولا استقصاء وجوهه الظاهرة والخفية، مما يجده مطبقا فيما كتب الكاتب”(9).

وواضح أن حديث محمود شاكر في هذا النص عن المنهج المعتمد في دراساته بصفة عامة، ومنها منهجه في كتابه «نمط صعب ونمط مخيف» وهو منهج خاص بدراسة القصيدة العربية وتحليلها على مجموعة من المستويات.

يقول محمود شاكر – رحمه الله-:” فلما اخترت هذا الطريق الثاني، طريق تطبيق المنهج، حرصت بعض الحرص على تقرير نبذ من قواعد المنهج وأصوله في خلال التطبيق، وأغضيت عن بعض العيب والنقص الذي يلحق هذا التقرير. وذلك أن بعض هذه القواعد والأصول، لا يتبين وجهه، ولا ينقشع غموضه إلا بترادف الشواهد المختلفة وتفسيرها وشرحها، وأنا مقتصر هنا على شاهد واحد لم أتجاوزه، وهو هذه القصيدة” (10)، ومطلعها:

إِنَّ بِالشِّعْبِ الذِي دُونَ سَلْعٍ             لَقَتِيلًا دَمُهُ مَا يُطَلُّ

وقد أكد محمود محمد شاكر -رحمه الله- غير مرة أَنَّ هذه القصيدة ليست بأمثل القصائد لتطبيق المنهج، يقول في موضع من الكتاب:” ولو خيرت لاخترت غير هذه القصيدة لتطبيق المنهج، لما سوف تراه من المشقة التي يتعرض لها دارسها”(11).

ومن شروط مدارسة قصيدة من القصائد نحتاج أول كل شيء، إلى تمثل القصيدة جملة، وتمثل أجزاءها تفصيلا، تمثلا صحيحا أو مقاربا، بدلالة جمهور ألفاظها على بناءها ومعناها. ثم نحتاج إلى تحديد معاني الألفاظ في موقعها من الكلام، ثم إلى ضبط الدلالات التي تدل عليها الألفاظ والتراكيب جميعا، ثم إلى تخليص ألفاظها وتراكيبها من شوائب الخطأ الذي يتورط فيه الشراح والنقاد، ثم إلى إزالة «الإبهام» الذي مرده إلى التهاون في تمييز فروق المعاني المشتركة بين الشعراء، وإلى الغفلة عن حذق الشعراء في استخدام الإسباغ والتعرية والتشعيث في الألفاظ والتراكيب(12). 

ويمكن تفصيل هذه الشروط في عدة أبواب وجوانب، ولا بد من الإشارة إلى أن هذه الجوانب متداخلة كل التداخل في الكتاب ومتحولة وقد استخلصناها من استقراءنا لمواد الكتاب، وقد صرح محمود محمد شاكر بذلك إذ يقول: ” وقد ذكرت آنفا أن هذه القصيدة التي تنسب أحيانا إلى تأبط شرا، ليست بأمثل القصائد التي تعين على بيان قدر من هذا المنهج المتشعب المتحول الذي لا يكاد يستقر. ومرد ذلك إلى كثرة التفاصيل وشدة اختلافها أحيانا، ولكن على ضبطها وحصرها وتمحيصها تتوقف سلامة الرأي من الخطل والفساد”(13).

ويصعب على الباحث التوصل بسهولة إلى منهج الشيخ في مدارسته للقصيدة، ويعود هذا الأمر -والله أعلم- إلى طبيعة كتابة المؤلف البعيدة عن الكتابة الأكاديمية المتسمة بالتقسيمات والتفريعات، بل هي كتابة بعيدة الغور تستخرج بالنظر الثاقب والتحليل الفاحص. 

وبما أن محمود شاكر فتح الباب أمام النقاد والدارسين والباحثين للبحث في هذه المسألة فقد حاولت أن أستخلص وأستقرِي ما وسعني الجهد وتمكنت من استخراج منهجه في دراسة الشعر القديم وتحليله، وجعلته مقسما إلى ثلاثة أبواب في كل باب منها جوانب ومداخل:

الباب الأول: في نسبة القصيدة وعَروضها:

وهو الباب الأول من أبواب منهج محمود محمد شاكر -رحمه الله- في قراءة ودراسة الشعر القديم، ويمكن تقسيم هذا الباب إلى مدخلين اثنين يندرجان تحته أولهما: تحقيق نسبة القصيدة وترتيبها، وثانيهما: الحديث في العروض.

1-تحقيق نسبة القصيدة وترتيبها:

كان مما تضمنته أسئلة يحيى حقي بشأن هذه القصيدة قضية نسبة القصيدة واختلال ترتيب أبياتها المبثوثة في المصادر، وهو جانب من جوانب المنهج العلمي لمحمود شاكر في قراءة الشعر القديم ، وقد سلك-رحمه الله- مسلكا دقيقا في تحقيق نسبتها، واعتبر أن الاستهانة بأمر نسبة الشعر إلى صاحبه مُضر، لأنه يدخل الخلط والفساد في تمييز شاعر من شاعر، وفي الكشف عن خصائص بنية كل شاعر في شعره.

ينطلق محمود  شاكر في تحقيق نسبة القصيدة من نقل النصوص التي وقف عليها في نسبتها، وقدم على ذلك ذكر العلماء الذين نسبوها، أو نسبوا بيتا منها أو أبياتا في كتبهم، على ترتيب تاريخ مولدهم ووفاتهم، ليرجع إليه القارئ عند ذكرهم، وكذلك ليعرف المتقدم منهم والمتأخر.

ثم بعد ذلك يصفُ تلك النصوص، مرتبة أيضا على نِسْبَتِهَا إلى من نَسَبَهَا إليه هؤلاء العلماء في كتبهم، وللتيسير على القارئ جعل هذه الصفات خمسة أقسام، أولا: من جرد نسبتها إلى تأبط شرا ومن ردد في نسبتها إليه على وجه الإبهام، وكذلك من ردد في نسبتها إليه أو إلى غيره. ثانيا: من نسبها إلى ابن أخت تأبط شرا بلا بيان عن اسمه، ومن نسبها إليه وزعم أنه الهجال بن امرئ القيس الباهلي، ومن نسبها إلى ابن أخت تأبط شرا وزعم أنه خفاف بن نضلة، ومن نسبها إليه وزعم أنه الشنفرى. ثالثا: من جرد نسبتها إلى الشنفرى،  ومن ردد في نسبتها إليه أو إلى غيره. رابعا: من نسبها إلى العَدْوَانِي. وخامسا: من نسبها إلى خلف الأحمر وزعم أنه نحلها ابن أخت تأبط شرا، وكذلك من ردد في نسبتها إلى خلف الأحمر. وهذه الأقسام الخمسة شديدة الدقة، كما أن عددها يختلف باختلاف القصائد وبشدة اختلاف نسبة قصيدة بعينها في المصادر العربية. وقد صرح محمود شاكر على أن تخليص نسبتها إلى واحد من هؤلاء الشعراء أمر شاق.

ومن طرق تحقيق النسبة في القصيدة تحقيق القول في جاهليتها وإسلامها، ملتمسا خصائص تميز شعر شاعر مجهول من شعر شاعر مجهول آخر، بغية تصنيف شعر هؤلاء المجاهيل تصنيفا مقاربا للصواب، وحتى يصبح شعره ونمطه معروفين، كما ينبغي دراسة الشعر الإسلامي المعروف كله والمعروف أصحابه، حتى يعرف نمط كل شاعر على حدة، ومن ثم النمط الجامع الذي يدل على أنهم شعراء إسلاميون، ثم يقارن بينهم فإن وجد النمط الجامع في كليهما متفقا فذاك شعر إسلامي كله، وإن وجدهما مفترقين وأحدهما إسلامي معروف لا شك فيه، فيبقى الآخر شعرا مجهولا، ولكنه شعر لا شك في أنه شعر يتميز جميعه بنمط جامع تميزا ظاهرا.

وقد توصل محمود محمد شاكر -رحمه الله- في النهاية بعد تطبيقه لهذا الباب من المنهج إلى أن القصيدة من نظم ابن أخت تأبط شرا في خاله تأبط شرا وليست لهذا الأخير ولا لغيره من الشعراء الذين اختلفت المصادر في نسبة القصيدة إليهم.

2- عروض القصيدة:

من جوانب تحليل الشعر عند محمود شاكر جانب العروض الذي يشمل وزن الشعر ومنه البحر، والقصيدة التي طبق عليها محمود شاكر رحمه الله منهجه من بحر المديد العروض الأولى، وهو بحر يقل قلة ظاهرة في شعر الجاهليين والإسلاميين جميعا، حتى لا تكاد تقع في شعر الجاهلية إلا على أبيات منه أو قطع قصار جدا، شذت منه هذه القصيدة، وعدة أبياتها ستة وعشرون بيتا.

ويعرض المؤلف في هذا الجانب بعض أصول «علم العروض» بناء على دوائر الخليل الخمس وبحورها الخمسة عشر، مستعينا بكتب الخلف من بعده، بدءًا بالمبادئ الأولى في هذا العلم كالأسباب والأوتاد، والأصول والفروع، وكذلك الكشف عن موقع «الوتد» من «الأسباب»، ومنزلته في دوائر« الخليل» وفي عروضه، ثم عن العلاقة الكائنة بين بحور كل دائرة من الدوائر.

أما بحر المديد الذي نظمت عليه هذه القصيدة فهو البحر الذي وصفه القدماء بالثقل ووصفه الدكتور عبد الله الطيب في «المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها» بالصعوبة والعسر ووصفه البكري بـ«النمط الصعب»، وقد فسر المؤلف مرد هذا الثقل إلى النزاع الخفي الذي يجده القارئ بين ما يتطلبه نغم «الحادي، والمجيب»، ثم ما يجده أيضا من التردد والإحجام، ثم ترك التردد والإحجام فجأة إلى الانطلاق، ثم حدوث ذلك مرتين في زمن متقارب، كل ذلك أكسب «بحر المديد، العروض الأولى» هذه الصفة التي عبر عنها القدماء بأنها ثقل فيه. يقول محمود شاكر رحمه الله في وصف نغم هذا البحر:” وهو مع سطوته، نغم لا ينقاد لمن يخضع له كل الخضوع، بل ينقاد لمن يقبل عليه خاضعا، ثم لا يلبث أن يفضَّ بعض أغلاله، ليفرض على هذا النغم بعض سلطانه هو، وبعض سطوته هو، لكي يرده إلى الطاعة يعد التجبر، وإلى الإذعان بعد الغلو. ثم لا يفعل ذلك به إلا مترفقا لا يطغيه حب الغلبة، ولا يزدهيه علو سلطانه على سلطان النغم”(14).    

ويعرض المؤلف كذلك ما يتطلبه هذا النغم من كلمات حية موجزة مقتصدة خاطفة الدلالة، تنبذ في أناة وتؤدة، وأن تكون أنفس الكلمات دالة ببناءها ووزنها وحركاتها وجرسها على المعنى المستكن فيها، بلا استكراه ولا قسر. وسطوة نغمه على المترنم وعلى أداته تجعل خلائقه لا تطيق احتمال التشبيه المركب المسترسل، ولا الصور المزدحمة المتعانقة المستفيضة، باستثناء التشبيه المشرف الذي يبسط عليه ظلاله، كذا الصورة المنمنمة المحددة القسمات دون الصورة المنبسطة التي تتشاجر فيها الشخوص، وتتداخل الألوان.

ـــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

1- محمود محمد شاكر مفكرا مسلما،  للدكتور محمد حسن عواد، بحث منشور ضمن كتاب: « دراسات عربية وإسلامية» ص: 417.

2- لزوميات أبي العلاء المعري 2/102.

3- الأستاذ محمود محمد شاكر كيف عرفته، للشيخ محمد عبد الخالق عضيمة، بحث منشور ضمن كتاب: « دراسات عربية وإسلامية» ص: 454.

4- مقدمة كتاب قضية الشعر الجاهلي في كتاب ابن سلام الجمحي ص:3.

5- مقدمة كتاب جمهرة نسب قريش وأخبارها 1/3.

6- مقدمة كتاب «أباطيل وأسمار» ص:7.

7- دراسات عربية وإسلامية ص: 10.

8- نمط صعب ونمط مخيف ص:1.

9- رسالة في الطريق إلى ثقافتنا ص:20-21.

10- نمط صعب ونمط مخيف ص:294-295.

11- المرجع السابق ص:45.

12- المرجع السابق ص:203.

13- المرجع السابق ص:119.

14- المرجع السابق ص:113.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق