مركز الدراسات والبحوث في القضايا النسائية في الإسلامدراسات وأبحاثدراسات عامةمفاهيم

مقاربة النوع الاجتماعي”الجندر”: بين الفهم والتنزيل. المغرب نموذجا

 

إعداد سمية شكروني[1]

 

 

منذ أن أجمع المجتمع الدولي خلال المؤتمر العالمي الرابع للمرأة الذي عقد في بيجين سنة 1995 على المجالات ذات الأولوية التي يجب التركيز عليها من أجل إقرار وضعية عادلة ومنصفة للمرأة، بادر المغرب بموجب موافقته على توصيات هذا المؤتمر إلى اتخاذ مجموعة من التدابير والإجراءات العملية من أجل النهوض بأوضاع المرأة المغربية وتمكينها من حقوقها. وقد تجلت هده التدابير خاصة على المستوى التشريعي والمؤسساتي وسن السياسات العامة مع الحرص على إدماج مقاربة النوع الاجتماعي في تحليل التمييز ضد المرأة ومراعاة احتياجات هده الأخيرة  في السياسات العمومية كما أكد على ذلك منهاج عمل بيجين[2].

إلا أن عدم الفهم الجيد لهذه المقاربة التي تم تبنيها وتسويقها دون تمحيص، ساهم في فشل العديد من السياسات العمومية[3] التي اعتمدتها مجموعة من القطاعات الحكومية، وعدم استفادة فئات عريضة من المجتمع -خصوصا النساء- من نتائجها. ولعل من أهم أسباب سوء فهم هذه المقاربة وجود نوع من الخلط بين مفهوم النوع أو الجنس الاجتماعي “الجندر (Gender) بالانجليزية ومفهوم النوع أو الجنس البيولوجي”الجنس” ((Sex الذي يبدو متشابها معه إلا أنه يحمل دلالات مختلفة.هذا الخلط تسبب بدوره في صعوبة تنزيل هدا المفهوم على أرض الواقع من طرف العديد من الفاعلين الاجتماعيين والحقوقيين والسياسيين أو حتى عند عموم الناس، لاسيما أن مرجعيته غربية وظهوره في بداية الأمر ارتبط ببعض الحركات النسائية الراديكالية التي جاءت بمنطلقات وأهداف منافية للثقافة والخصوصية الدينية للمجتمعات العربية الإسلامية كمفهوم “المساواة المطلقة بين الجنسين”[4].

عدم الفهم الجيد لهذه المقاربة شكل وسيشكل عائقا كبيرا أمام الاستفادة منها وتنزيلها على أرض الواقع وبالتالي سيشكل عائقا أمام رفع تحديات المغرب المتمثلة، من جهة، في تفعيل مقتضيات الدستور الجديد لسنة 2011 وخاصة المادة 19 التي تنص بشكل صريح وواضح على أنه “يتمتع الرجل والمرأة، على قدم المساواة، بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية”[5]. ومن جهة أخرى، في الوفاء بالتزاماته أمام المجتمع الدولي من خلال مصادقته على مجموعة من المواثيق الدولية التي تلزمه بالعمل بهده المقاربة وإدراجها في مخططات سياساته العمومية التنموية، ومأسستها وجعلها رافدا في إقرار وضعية عادلة ومنصفة للمرأة[6].

لكل هذا يتعين علينا التوقف عند هذا المصطلح وإزالة اللبس الواقع حوله وذلك من خلال تحديد معناه: ماذا نقصد بالنوع الاجتماعي أو ما يصطلح عليه ب”الجندر” وما علاقته بمفهوم الجنس؟ ما الهدف من إدماج هذه المقاربة في سياساتنا العمومية؟ كيف يمكن تنزيل هذه المقاربة والعمل بها بما يتماشى مع الخصوصية الثقافية والدينية للمجتمع المغربي؟ من المؤكد أن عملية تحديد المفاهيم هته ستساعدنا على فهم مقاربة النوع الاجتماعي والاستفادة منها ليس كفلسفة مستوردة من الغرب برزت مع الحركات النسائية الغربية الراديكالية، والتي لا يسعنا المجال لذكرها هنا، ولكن كآلية للعمل من أجل تقليص الفوارق القائمة بين الرجل والمرأة والعمل على تجاوزها

 

  1. ما الفرق بين النوع الاجتماعي “الجندر” والجنس؟

يختلف مفهوم الجندر أو الجنس الاجتماعي عن المفهوم العام للجنس البيولوجي(sexe ؛ فالمقصود من هذا الأخير الخصائص والدلالات البيولوجية، المتمثلة بالأساس في الأعضاء التناسلية والكروموسومات والجينات، التي تساعد على تحديد نوع أو جنس كل من المرأة والرجل، ووظائفهما وأدوارهما الفطرية الثابتة والغير القابلة للتغير مهما تغير الزمان أو المكان مثل دور الإخصاب عند الرجل ودور الحمل والولادة والرضاعة عند المرأة. في حين أن النوع الاجتماعي أو ما يصطلح عليه الجندر (Gender) هو مجموع الخصائص والأدوار الاجتماعية لكل من الرجال والنساء والتي تحدد وفق ثقافة مجتمع ما على أنها أدوار وسلوكيات وقيم ووظائف خاصة بكل من الرجل والمرأة.[7] هده الأدوار والسلوكيات تتغير بتغير الزمان والمكان داخل المجتمع نفسه وكذا من مجتمع إلى آخر، وذلك بفعل مجموعة من العوامل التي تشترك في تحديد طبيعة هذه الأدوار الاجتماعية وتتمثل بالأساس في عملية التنشئة الاجتماعية التي يتلقاها الطفل، ذكرا كان أم أنثى، مند ولادته وتستمر معه طيلة فترة تنشئه والتي تحدد طريقة سلوكه فيما بعد،  بالإضافة إلى عملية التنشئة، هناك عوامل متعددة أخرى تساهم بشكل أو آخر في تحديد طبيعة الأدوار الاجتماعية لكل من الرجل والمرأة وامكانية إعادة انتاجها، مثل المجال الجغرافي والمستوى التعليمي والطابع العرفي والتقاليد المجتمعية وهي كلها عوامل تساهم مجتمعة في تحديد نوع العلاقة بين الرجل والمرأة، التي يمكن أن تكون علاقة تعاون وتواصل ودعم مشترك كما يمكن أن تكون علاقة مبنية على القوى والتمييز والتنافس على السلطة وامتلاك الموارد الاجتماعية والاقتصادية بين الرجال والنساء. وعلى هدا الأساس، فالنوع الاجتماعي يعتبر أحد المحددات الرئيسية التي يمكنها أن تساهم في خلق وإعادة إنتاج الفوارق بين الجنسين.

  1. ماهي أدوار النوع الاجتماعي” الجندر” ؟

تمثل أدوار النوع الاجتماعي تلك الأدوار التي يقوم بها كل من الرجل والمرأة والتي تتشكل وتتغير وفقا للظروف وللمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والدينية والسياسية لبلد أو مجتمع ما.وعموما، يمكننا التمييز بين أربعة ادوار: إنتاجية، أسرية، اجتماعية وسياسية، متغيرة بتغير الزمان والمكان وفقا لمجموع العوامل المشار إليها أعلاه والمتمثلة بالأساس في التنشئة الاجتماعية والأعراف والتقاليد والمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية والثقافية[8].

q    الدور الأسري: ينقسم هذا الدور إلى جزئين : جزء ثابث لا يتغير مرتبط بجنس كل من الرجل والمرأة والمثمثل بالأساس في التناسل والتكاثر (الإخصاب عند الرجل والحمل والولادة والرضاعة عند المرأة) و جزء متغير مشترك بينهما مرتبط بالأساس بتربية الأبناء والقيام بالمهام المنزلية مثل الطبخ والتنظيف والعناية بالزوج أو الزوجة وإدارة شؤون الأسرة. وغالبا ما يقتصر هذا الجزء المتغير على النساء فقط وفق ثقافة العديد من المجتمعات العربية والإسلامية. يمثل هذا الدور الأسري مسؤولية إعادة إنتاج قوى عاملة في المجتمع وكذا صيانتها إلا أن هذا الدور رغم أهميته لا يعطي له نفس القيمة التي تمنح للعمل الإنتاجي ولا يدفع عنه أي تعويض مادي وبالتالي لا يتم احتسابه في الاقتصاد القومي التقليدي وكذا الإحصائيات الوطنية.

q    الدور الإنتاجي: يرتبط هذا الدور بالاعمال التي يقوم بها الرجال و النساء، الخاصة بإنتاج سلع وقابلة للاستهلاك ويمكن بيعها في السوق أو خدمات ذات قيمة مادية تبادلية ، مقابل الحصول على اجر نقدي أو عيني. وهو دور معترف به إجمالا من قبل الأفراد والمجتمعات ويتم احتسابه عادة في الاحصائيات القومية، إلا أنه وبالرغم من أن المرأة والرجل يقومان بنفس الدور الانتاجي لكن الملاحظ حسب مجموعة من الدراسات[9]، فإن هناك بتباين كبير فيما يخص القيمة المعطاة للأعمال الانتاجية التي يقوم بها كل من الرجل والمرأة، حيث تعطى قيمة أكثر للأعمال الإنتاجية المنجزة من طرف الرجل مقابل قيمة أقل بالنسبة للمرأة.

q    الدور المجتمعي: يعتبر هذا الدور امتداد للدور الإنجابي، بحيث انه يتمحور في المحافظة على المجتمع البشري ولكنه يمتد من الاهتمام الأسري إلى الاهتمام المجتمعي. يتمثل أداء هذا الدور المجتمعي في القيام بعمل تطوعي غير مدفوع الأجر لضمان توفير الموارد النادرة وتنظيم استخدامها من طرف أفراد المجتمع، إضافة إلى تقديم الخدمات التي تساعد المجتمع البشري على البقاء والتطور، كالرعاية الصحية والتعليم وغير ذلك. هذا الدور فيه تباين كبير بين الرجل والمرأة ويعتمد توزيعه مابين الجنسين على المفاهيم الثقافية والمجتمعية السائدة في المجتمع: بالنسبة للمرأة هذا الدور عادة ما يكون مرتبط بانشطة مجتمعية مرتبطة بدورها الإنجابي والأسري (التوعية الصحية والبيئية، خلق أو تقوية العلاقات الاجتماعية أو الاشتراك في عمل اجتماعي يمارس في وقت الفراغ. في حين أن هذا الدور المجتمعي عند الرجل يتمثل في الكثير من الجوانب مثل خلق وتقوية العلاقات الاجتماعية وتدبير السلع ذات الاستهلاك الجماعي والخدمات الأساسية المرتبطة بالمجتمع المحلي.  للإشارة فقط ، فإن هذا الدور يمارس بقسط كبير من طرف النساء مقارنة مع الرجال.

q    الدور السياسي: يتلخص هذا الدور في سلطة اتخاذ القرار السياسي، ويرتبط بممارسة نشاطات سياسية على مستوى المجتمع المحلي الوطني والدولي. في العادة، يكون هذا الدور مقابل أجر مادي أو معنوي باعتبار أنه مرتبط بتحقيق مصالح مشتركة ومتبادلة، هذا الدور فيه تباين كبير بين كل من الرجل والمرأة التي عادة ما يكون دورها مرتبط بالعمل بالتنظيمات النسائية التي تهتم بتنمية شؤون المرأة من خلال التمثيل السياسي على مستوى المجالس المحلية والشعبية واللجان في الأحياء والقرى. في حين أن دور الرجل السياسي يتمثل بالأساس في  الأدوار التنظيمية واتخاذ القرارات في إطار الأعراف أو على مستوى الأحزاب السياسية أو جماعات الضغط.

للإشارة، فإن كل من الدور المجتمعي والسياسي يشملان على الأعمال التي تجري عادة في المجال العام وتعطي مكانة أكبر في المجتمع. الرجال في العادة لديهم إمكانية أكثر من النساء للقيام بهذه الأدوار التي تتطلب التفرغ وهذا الشرط يعد من بين الأسباب التي تحول دون تواجد النساء بشكل كبير على الساحة السياسية وعلى مستوى صناعة القرار بالنظر إلى أدوارهن الفطرية التابثة والموازية التي يقمن بها.

 

 


[1] هده الورقة شاركت بها في تأطير الدورة التكوينية الأولى حول: “المواثيق الدولية لحقوق الإنسان واليات إعمالها”  التي نظمت من طرف منظمة تجديد الوعي النسائي في إطار مشروع تمكين  من أجل النهوض بثقافة حقوق الإنسان لدى جمعيات المجتمع المدني”         

[2] اعتمد مؤتمر بكين سنة 1995 برنامج عمل يحتوي على 12 مجالا ذو أولوية أهمها مكافحة الفقر المتزايد لدى النساء ، تشجيع المساواة في وصول المرأة إلى التعليم والتكوين ،تشجيع وصول النساء إلى العلاج والخدمات الصحية ، مكافحة العنف ضد المرأة ، ضمان المساواة في وصول المرأة إلى جميع أشكال الأنشطة والإنتاج والموارد ، تشجيع تقاسم السلطة وصنع القرار ، دعم آليات النهوض بالمرأة ، ضمان الامتثال للحقوق الأساسية للمرأة ، مكافحة الصورة النمطية للمرأة و عدم المساواة في وصول و مشاركة المرأة في التواصل ، تشجيع المساواة في الوصول إلى تسيير الموارد الطبيعية وحماية البيئة ، القضاء على التمييز ضد الفتيات و انتهاكات حقوق الإنسان، و إدماج مقاربة النوع الاجتماعي في تحليل التمييز ومراعاة احتياجات المرأة في السياسات العمومية.

إعلان ومنهاج عمل بيجينhttp://www1.umn.edu/humanrts/arabic/BeijingDeclPl.html

[3]  يعرف المعهد العالي للدراسات العمومية في فرنسا السياسات العمومية على أنها” هي مجموع القرارات والتدخلات المتخدة من قبل الفاعلين المؤسساتيين والاجتماعيين لأجل إيجاد حلول لمشكل جماعي ما”. بينما يدهب الباحثثين الفرنسسن-مينه وجون كلود- في كتابهما السياسة العمومية ويعرفانها على أن “السياسة العمومية برنامج عمل حكومي في قطاع أو مجال جغرافي”.

[4] فلسفة الحركات النسائية الراديكالية تقوم على المساواة المطلقة بن الجنسين ولا تعترف بتأثير الفوارق البيولوجيّة الفطريّة في تحديد أدوار الرجال والنساء بل وتتنكر لهده الفوارق، كما تنكر أي تأثير للفروق البيولوجيّة في سلوك كلٍّ من الذكر والأنثى. وتتمادى هذه الفلسفة إلى حد الزعم بأنّ الذكورة والأنوثة هي ما يشعر به الذكر والأنثى، وما يريده كلّ منهما لنفسه، ولو كان ذلك مناقضاً لواقعه البيولوجي. وهذا يجعل من حق الذكر أن يتصرف كأنثى، بما فيه الزواج من ذكر آخر. ومن حق الأنثى أن تتصرف كذلك، حتى في إنشاء أسرة قوامها أمرأة واحدة تنجب ممن تشاء.

[5] دستور المملكة المغربية 2011، الباب الثاني الخاص بالحريات والحقوق الأساسية، المادة 19

http://www.ism.ma/basic/web/ARABE/Textesdeloiarabe/DocConst.pdf

[6]  في بداية التمانينات، برز إطار دولي جديد للتفكير يهدف إلى إرساء تنمية متوازنة وعادلة بين الرجال والنساء. ارتكز هذا الإطار في المجال الحقوقي الدولي الذي عرفته فترة مابين  2000-1975 والذي شمل مجموعة من المؤتمرات الدولية بهدف توعية المجتمع الدولي وأبرزها مؤتمر المكسيك، كوبنهاكن، نيروبي، فيينا، القاهرة. كانت هناك أيضا مجموعة من الإعلانات التي كان الهدف منها بهدف تعبئة المجتمع الدولي أهمها إعلان الألفية الذي أصدر بيانا رسميا من الأمم المتحدة سنة 2000 من أجل:القضاء على الفقر والجوع، تعميم التعليم الابتدائي للجميع؛ تعزيز المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة تخفيض معدل وفيات الأطفال؛إقامة شراكة عالمية من أجل التنمية ،حماية البيئة؛ مكافحة فيروس نقص المناعة المكتريا سبة / الإيدز والملا و غيرهما من الأمراض؛ اعتماد هذا الإعلان تلاه اعتماد ” الأهداف الإنمائية للألفية ” الثمانية(OMD ) التي يتعين تحقيقها في أفق 2015 وفي نفس السياق عقدت مجموعة من الاتفاقيات الدولية التي تلزم الدول الاعضاء بالتنفيد أهمها اتفاقية القضاء على جميع اشكال التمييز ضد المرأةCEDAW بالاضافة إلى البروتوكولات الاختيارية التي تقوم بدور المراقبة. 

http://www.altaghyeer.info/ar/2013/gender/69[7]/

http://www.altaghyeer.info/ar/2013/gender/698/

http://www.altaghyeer.info/ar/2013/gender/779/

[8] يمـن الحمـاقى، مفهوم النوع الاجتماعي الاجتماعي والقضايا والقضايا المرتبطة المرتبطة به

http://www.mof.gov.eg/equality-finallweb/systempages/wrshafiles/m1.pdf

[9] بهدف النهوض بالمساواة بين النساء والرجال في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية توزيعه

http://www.cese.ma/Documents/PDF/Auto-saisines/AS-18-2014-discriminations-a-l_egard-des-femmes-dans-la-vie-economique/Avis-AS-18-2014-VA.pdf

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. اشيد بالورقة تناولت جميع قضايا النوع اتمنى تفعيل القوانين والاتفاقيات التي تناصر المراة تمشيا مع الكتاب والسنة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق